داخل الجمجمة:


لنحاول أن ندخل إلى الجوف القحفي المغلق حتى نتعرف على بعض الأسرار, ولكن كيف الطريق إلى ذلك؟

لنتسلّق أحد الأعصاب الشمية الموزّعة بشدة في المنخر, ولكن هذه الملامسة سوف تثير منعكس العطاس الشديد, حيث سيطرح أي غريب يحاول أن يخرش القسم المخاطي من داخل المنخر, ولكن لنحاول أن نخترق الغشاء المخاطي, ثم نتسلّق أحد الأعصاب الشمية ولكن إلى أين؟

يأتي الدليل ليقودنا إلى المتاهات العجيبة, وبينما نحن نسير إذا بالعصب يمرّ من ثقبة من خلال صفيحة عظيمة, وهذه الصفيحة مثقبة بشدّة لمرور باقي ألياف العصب الشمّي, هذه الصفيحة تسمّى بالصفيحة الغربالية لأنها تشبه الغربال في منظرها, ثم يصعد العصب الشمّي إلى داخل القحف حيث يتصل بكتلة تشبه البصلة, ولذا سمّيت بالبصلة الشمية, وبعدها يتخذ الطريق الشمّي طريقاً معقداً لسنا بصدده الآن.

وهنا داخل القحف ماذا نجد؟

كتلة رخوية هشّة سريعة التأثر, ولكنها مغلفة بثلاثة أغلفة, وذلك لحماية المخ وباقي عناصر الجملة العصبية ... والغشاء الأول بعيد جافي, ولذا يسمّى بالأم الجافية, وكأن الغشاء أماً تحوط الجملة العصبية, ولكن نظراً لبعد الغشاء الأول سمّي بالأم الجافية, وهناك الطبقة الرقيقة الحنونة التي تحيط المخ مباشرةً, ولذا سمّيت بالأم الحنون, وما بين الغشائين يوجد غشاء نسيج يشبه نسيج العنكبوت, ولذا سمّي بالغشاء العنكبوتي, وهو رخو يلتصق بشدّة بالأم الجافية, ويتباعد عن الأم الحنون حتى يترك المجال لسائل يحيط بالجملة العصبية والأجواف الأخرى حمايةً للمخ وغيره من الرضوض....

وهنا يقف الانسان متأملاً متسائلاً عن شدّة هشاشة وضعف الجملة العصبية من جهة, وشدّة فعاليتها وعظمة تركيبها من جهة أخرى.... ولذا أحيطت بكل هذه العناية والتكريم....

ولنربط ما بين الأغشية الثلاثة التي تحيط بالدماغ, وما بين الأغشية الثلاثة التي كانت تحيط بالجنين حينما كان في بطن أمه. والدماغ موضوع ضمن صندوق عظمي هو القحف, حيث تشتدّ سماكته في بعض المناطق الخطرة, والتي تتعرض للصدمات أكثر من غيرها كما في الجبهة والقفا وحيث ترقّ في المناطق الأخرى التي لا تتعرض للصدمات كما في الصدغين, وداخل هذا الصندوق العظمي يوجد تجاويف وحفر وميازيب, بحيث تتناسب الفصوص الدماغية تماماً ... فالصندوق في الداخل ليس أملساً, بل فيه البوارز والمنخفضات بشكل يتلاءم مع المحتوى الدماغي....

ولذا نجد بروزاً مزدوجاً في الأمام يناسب الفصوص الدماغية الجبهية, والتي يقال أن لها علاقة بتكوين الشخصية, كما أن القفا بارز بحيث يأخذ شكل الفص القفوي الدماغي, والذي له علاقة وثيقة بالرؤية....

وأما البصلة الشمية التي تحدثنا عنها والتي تختصّ بحاسة الشمّ عند الانسان, فهي تقع في قاع القحف في منخفض منه بجنب الخط المتوسط حيث يقوم بجانبها ارتفاع, وكأنه عُرف الديك, ولذا سمّي هذا الارتفاع بنتوء عُرف الديك, وهذا النتوء يتناسب مع الفاصل الفارغ ما بين نصفي كرة الدماغ, وفي مؤخرة قاع الصندوق القحفي توجد فجوة صغيرة هي التقبة القفوية والتي تمرّ منها العناصر العصبية التي تعتبر صلة الوصل ما بين الدماغ والنخاع الشوكي....

وهي التي مرت معنا وهي الساقان المخيتان والحدبة الحلقية أو جسر فارول, وأخيراً البصلة السيسائية والمجموع العام يسمّى بالجذع الدماغي.