النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: في يوم المرأة

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    أمية جحا رسامة الكاريكاتير الأولى في فلسطين

    الوطن والزوج.. جراح لا تندمل

    حوار - هداية شمعون

    جاء استشهاد المناضل الفلسطيني رامي سعد أوائل هذا الشهر مكملا لآلام لا تنتهي، ومجسدا لمأساة شعب كتب على أبنائه اليتم عَنوة، وعلى الأمهات الحسرة حتى الموت، وعلى الزوجات الترمل دون تمهيد.

    قبل استشهاده كانت الفنانة الفلسطينية "أمية جحا" تخط بريشتها رسوما من مداد الوجع الفلسطيني؛ فتبهر العيون بقوة أفكارها وجمالها.. ترشق ألوانها بلوحتها الصغيرة؛ فتدب فيها الحياة لتصرخ بمعاناة الطفل الفلسطيني، وأوجاع المرأة الفلسطينية، والحلم الفلسطيني بالعودة، وتسخر من الاحتلال والقهر والظلم، وتقول كلمتها دون وجل.. تصرخ خطوطها بالفقر المتربع على عرش المخيمات، وبالفرح للأمل القادم من بعيد..

    أما الآن فالألم جاء قاسيا بطعم المر.. والصدمة مروعة بفداحة فقد الحبيب الغالي.. وفقد العون على صعوبة الطريق.. آه يا رامي يا رفيق الدرب.. آه يا أبا نور.

    دم بارد

    قتلوك الأوغاد بدم بارد.. يقول شهود عيان عن حادثة استشهاده: إن رامي شهد اجتياح حي الشجاعية منذ اللحظة الأولى؛ حيث شوهد يمتشق الـ"بي سفن" إضافة إلى بندقية من طراز إم 16؛ حيث كان يقاتل من شارع لشارع بشجاعة وإقدام منقطع النظير، بل ويجزم عدد كبير من شهود العيان أنه استطاع إعطاب ثلاث دبابات قبل أن يستشهد برصاصة في بطنه أثناء محاولته قتل مجموعة من قوات الاحتلال ترجلت من إحدى الدبابات المعطوبة ظل على إثرها ينزف حتى الموت، بعد أن فشلت سيارات الإسعاف في الوصول إلى مكانه المتقدم بفعل غزارة إطلاق النار.

    قتلوك يا أبا نور بدم بارد


    رحل رامي أخيرا، وحقق حلمه بالشهادة في سبيل وطنه، تاركا خلفه طفلته نور التي رزق بها قبل أقل من عام من رفيقة دربه وشريكة حياته الفنانة التشكيلية المعروفة "أمية جحا" التي طالما جاهرت بأن الكثير من رسوماتها الكاريكاتيرية المميزة كانت من وحي أفكاره.

    تقول رسامة الكاريكاتير الفلسطينية الأولى "أمية جحا": زوجي الشهيد رامي سعد -27 عاما- برز في صفوف الحركة الإسلامية كداعية وقائد منذ بدأ حياته الجامعية؛ حيث تتلمذ في الجامعة الإسلامية على يد الشهيد القائد صلاح شحادة الذي رأي فيه نموذجا لجيل طالما راهن الشهيد عليه، إلى أن انتُخب عضوا في مجلس طلبة الجامعة الإسلامية، فاشتهر هناك بتفوقه العلمي في تخصص الهندسة إلى جانب موهبة الخطابة.

    معالم الطريق

    وعن لغتها التي اختارتها لتذيب الحواجز، ولتوصل قضيتها إلى العالم بإنسانية بحتة.. تقول "أمية جحا": إن كثيرا من رسوماتي كانت من وحي أفكار ونضال زوجي "الشهيد رامي سعد"؛ فمعه تعلمت الكثير، وتشاركنا سويا هموم الوطن؛ وهو ما انعكس جليا في رسوماتي.

    قبل استشهاد الزوج رامي سعد بوقت قصير كان لـ"إسلام أون لاين.نت" حوار مع الفنانة الفلسطينية، حكت من خلاله طريقها الذي اختارته لنشر قضيتها والتركيز على معاناة شعبها الذي يقبع تحت وطأة الاحتلال والقهر.

    تقول أمية: "أنا بالأصل من بلدة اسمها المحرقة، وهي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ فقد هاجر أهلي في 48 مع أهل القرية رغما عنهم، وقد حولها الاحتلال الآن لمستوطنة تدعى "تيقوما"، وقد تأثرت مثل باقي أطفال وشباب فلسطين بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها أهلنا، وانعكس عليّ تحديدا في قضية اللاجئين وحق العودة؛ حيث عُرفت من خلال رسوماتي بالمفتاح المتواجد في رسومي التي تخص اللاجئين؛ فكما كان ناجي العلي معروفا بحنظلة عُرفت بالمفتاح بين الجمهور، وهذا شرف لي".

    بابتسامة بريئة تبادرنا أمية بقولها: "رغم صوتي المنخفض وصمتي فإنني لست هادئة على الإطلاق، لقد كان لي اهتمام كبير بالرسم والفنون منذ نعومة أظافري، ولم يتبق جدار بالبيت إلا تركت معالمي فيه؛ وهو ما كان يعرضني دوما لتقريع الوالدة بما أفعل، كان لدي ميل شديد لمشاهدة الرسوم المتحركة في التلفاز، ومتابعة قصص بطوط وعم ذهب وميكي، وربما هذا أثّر في توجهي فيما بعد للفن الكاريكاتيري؛ فقد كنت أقوم بالعديد من المقالب في إخوتي الصغار وأخوالي؛ حيث أرسل رسومي لصفحة براعم بصحيفة القدس الخاصة بالأطفال، وأنشر الرسوم باسمهم".

    وتكمل عن بداياتها: "أنهيت دراستي الابتدائية في مدينة الشجاعية، وبعد الثانوية توجهت إلى الشارقة بدولة الإمارات العربية؛ لأن والدي كان مقيما هناك، وقد حصلت على 92%؛ وهو ما جعلني أرغب بدخول كلية الهندسة، إلا أن الاجتياح العراقي في تلك الفترة منعني من ذلك، وظللت سنة كاملة لم أدرس فيها؛ نظرا للظروف السابقة".

    ظروف صعب
    ة

    تكمل وطيف ملائكي يحملها عبر الكلمات لتقول: "أجبرتنا الظروف مرة أخرى لأن نعود إلى غزة بعد أن بقينا ثلاث سنوات، ودخلت قسم الرياضيات بجامعة الأزهر، وحصلت على المرتبة الأولى بامتياز مع مرتبة الشرف، غير أن أملي بدخول قسم فنون لم يكن يغيب عن مخيلتي. لقد لمست مشاكل الطلاب، وكانت وسيلتي لإيصال صوت الطالب بالرسم الكاريكاتيري على لوحات الحائط، وهي رسوم قوية ومعبرة عن معاناة الطلبة الذين كانوا شريحتي الأولى، وكان عمري في ذلك الوقت 21 عاما، وقد تبنيت قضاياهم، وكنت أعتمد على ذاتي بعمل معرض؛ فقد كان مجلس الطلبة ما زال حديثا لحداثة فرع جامعة الأزهر بفلسطين؛ وهو ما جعلني أقود نشاطي بنفسي وبشكل شخصي، فكنت أعد الفكرة وأقوم برسمها ثم تلوينها وإلصاقها على لوحات الحائط، وأفاجأ في الأيام التي تليها أنها سرقت؛ فكنت أشعر بسعادة غامرة؛ حيث جال بذهني أن اللوحات جميلة جدا للحد الذي جعل الطلبة يحتفظون بها ويأخذونها؛ فقد كنت أرقب الطلبة الذين يتجمهرون نحو الرسم، وأسمع تعليقاتهم وإعجابهم".

    رسالة وهدف


    وتضيف أمية وخطوط مستقبلها الفني يشهد مزيدا من التقدم والنضوج: "لكل إنسان رسالة وهدف في حياته، وقد وجدت من خلال رسم الكاريكاتير وسيلتي لإيصال الصوت الفلسطيني للخارج، ولفضح الممارسات الصهيونية، ولأسمع صوت الطفل الفلسطيني.

    فن الكاريكاتير فن قوي جدا، ويلعب دورا خطيرا في المجتمعات؛ فمن خلال الرسم أعبر عن فكرة قد يعجز كاتب مقال عن التعبير عنها؛ فالصورة أو الرسمة أقوى من ألف كلمة، وذلك لبساطة فن الكاريكاتير، ولقربه من النفس، وجذبه لآلاف الناس: المثقف والبسيط والأمي. فقد بات سلاحنا الذي يمكن به محاربة الأعداء وقول لا".

    المرأة صاحبة القرار

    وعن اقتحام مجال الكاريكاتير بالنسبة لأمية كفتاة تقول: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخرا للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل وخارج فلسطين، ورغم أنتي فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شابا، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا.

    فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة".

    وعن ناجي العلي تقول: "تأثرت كثيرا بناجي العلي وطبيعة رسوماته التي تحكي قصة المقهورين والمعذبين من الاحتلال؛ لذا جاءت رسوماتي بلمحة حزن خفية على ما يعانيه شعبنا الفلسطيني، وكانت بدايات نجاحي هي ملامستي لهموم الشعب الفلسطيني الذي يعاني أبناؤه الأَسر والقتل والتشريد، وأكثر لوحاتي التي تؤثر في الجمهور هي تلك التي لا يوجد فيها تعليق. فالرسم هو الذي ينطق بالحكاية وحده".

    موقع على الإنترنت


    وعن موقعها الإلكتروني على صفحة الإنترنت تقول أمية: جاء الموقع في محاولة مني لإيصال صوتنا إلى العالم أجمع؛ فلغة الرسم تذيب حواجز اللغة، وتتعامل مع القضية بإنسانية بحتة، وهذا ما حاولت جاهدة قوله من خلال موقعي على الإنترنت.

    وعن أمنياتها للمستقبل تقول: "أتمنى أن أكون عند حسن ظن كل فلسطيني وفلسطينية في الوطن أو الخارج، وكل عربي في العالم. وأتمنى أن أتابع تقدمي وطموحي، وأن أحقق ما أريده، كما أتمنى أن يكون للمرأة الفلسطينية دور أكبر، وأن تتجه لإبراز مواهبها وتهتم بذلك، وأطمح أن أكون ممثلة أشرّف بلادي في هذا المجال".

    هذا وقد أصدرت أمية جحا كتابها الكاريكاتيري الأول الذي يضم كل ما نشر لها في الصحف منذ بدايتها، ويعد مرجعا توثيقيا مهما؛ نظرا لتمثيله لفترة خصبة من فترات الفنانة الكاريكاتيرية الأولى في فلسطين.

    وبعد.. ترى أي واقع ستعيشه رسامة الكاريكاتير الفلسطينية الأولى "أمية جحا" بعد استشهاد رفيق النضال والحياة؟ وهل ستشهد أعمالها منحى جديدا بعد تلك التجربة الصعبة التي مرت بها؟... أسئلة كثيرة سترد عليها الأيام القادمة.

    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    فصول في حياة زوجة شهيد


    "وقبل استشهاده بأسبوع اشترى لجميع أطفاله ملابس العيد وفوانيس شهر رمضان؛ ليفرحوا بالعيد من بعده؛ لأنه يتوقع أنه لن يقضي شهر رمضان بيننا؛ حيث كان ينوي القيام بعملية تفجير كبيرة".

    هكذا وصفت آخر ما قدمه زوجها الشهيد لأسرته، زوجة عاشت حياة زوجية غير عادية؛ إذ الحياة الزوجية حياة استقرار، ولكن كيف بها مع زوج مطارَد من قبل جيش لاحتلال الصهيوني وحياته مهددة بالموت، وتتوقع زوجته في كل لحظة أن يُؤتى به أشلاء متناثرة، وجيش الاحتلال لا ينفك عن ممارسة ضغوطاته عليها ليحصل على معلومات حول زوجها الذي تلتقي به سرًّا، وتحمل رسائله إلى قياديّيه وأعضاء تنظيمه وتُؤوي في منزلها عددًا من المطاردين، وتعتم أخبارهم، فلا أحد يدري ما تقوم به من دور بارز في حماية المجاهدين.

    للوقوف على أبعاد هذه الحياة الزوجية المحفوفة بالمخاطر التقينا بهناء أبو دية (28 عامًا) زوجة الشهيد عوض سلمي أحد قادة الجناح العسكري لحركة حماس "كتائب عزِّ الدِّين القسَّام" والذي استشهد بـ 3/12/2000 أثناء محاولته زرع عبوة ناسفة على طريق دوريات الاحتلال الإسرائيلي شرقي مدينة غزة، وبعد سبع سنوات حافلة بالعطاء ومطاردة جيش الاحتلال له.

    بداية المطاردة

    قالت "أبو دية": حاصرت مجموعة كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني المنزل للقبض على عوض بعدما تأكدت المخابرات الصهيونية من انتمائه إلى الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وذلك في 13/10/1993، وبعد مرور عام واحد على زواجي منه، وبمجرد أن سمعت طرق الباب أسرعت إليه، وفتحت له نافذة المنزل الصغيرة التي تطل على مسجد صلاح الدين ليهرب، وأحكمت إغلاقها، واستطاع أن يهرب منهم ونجحت بتضليلهم عنه؛ حيث مكث عوض فترة غير قصيرة مختبئًا منهم بين الحائطين، وفي الصباح الباكر عاد إلى المنزل، وكنت قلقة جدًّا عليه، ولا أخفي أنه انتابني خوف شديد عليه مثل كل النساء التي ترغب أن تشعر بالأمان على مستقبل زوجها؛ لذلك طلبت منه أن يسلم نفسه للمخابرات الإسرائيلية بدل أن يحيا خارج السجن طريدًا خائفًا، ولكن كلماتي وقعت عليه أقوى من الصاعقة، ولم يتصور يومًا من زوجته أن تثبطه؛ فصفعني على وجهي، وكانت المرة الوحيدة الذي يلجأ فيها إلى العنف معي وصرخ في وجهي: "أتريدين أن يقضي زوجك حياته في السجن؟"، وودعني وخرج بسرعة، ومكثت ما يزيد عن سبعة أشهر دون أن أراه، ولكنه كان دائمًا يرسل إليّ مع أصدقائه الرسائل ليطمئنني على أخباره.

    أحرقت سفني

    وأكملت "أبو دية" وبعدها أيقنت أن حياة زوجي في خطر، وأن عليّ أن أتوقع في كل لحظة أن يؤتى إليّ بزوجي أشلاء، فأعددت نفسي لذلك وعلَّمتها الصبر والجلد وأحرقت سفني؛ لأنه لا يوجد خيار أمامي سوى مساعدة زوجي على الوصول إلى هدفه الذي نشأ من أجله وهو مقارعة جيش الصهاينة وقتالهم.

    أضافت "أبو دية" وقد اعتلت على وجهها ابتسامة رغم آلامها وجراحها "رغم أن سنوات ملاحقة جيش الاحتلال له صعبة جدًّا؛ فإنها كانت جميلة وشعرت فيها بأني لست مجرد زوجة لعوض، بل مساعدة له وحافظة سره، وكان لديّ استعداد لأن أقدم نفسي في سبيل الحفاظ عليه هو وإخوانه المجاهدين الذين لم ينقطعوا عن المنزل أقدم لهم كل ما يحتاجونه من مأكل ومشرب ومأوى دون أن يعلم بخبرهم أحد حتى أهل زوجي، وعندما يشتد الحصار والمراقبة على المنزل من جيش الاحتلال كنت أغادره وأخفي كل ما يدل على زوجي في المنزل حتى صوره، وكم تحملت إهانات قائد منطقة غزة الصهيوني الذي كان يتفنن في إيذائي؛ ليحصل على أدنى معلومات عن زوجي بعدما ينقب المنزل دون أن يحصل منه على شيء، وكان يقول لي: "سآتي بزوجك ولو كنت في وسط تل أبيب سأحضره لك قطعًا"، وكان عليّ أن أتحمل وأظهر الصبر والجلد والقوة له، ولأبين له أن زوجة عوض لن تكون في يوم من الأيام أقل من زوجها.


    أدفن سرَّ مجيئه

    حول كيفية اتصالها به خلال هذه الفترة قالت "أبو دية" وهي تشير إلى شباك صغير حديد وعليه أربعة أقفال كبيرة يطل على مسجد صلاح الدين "لقد اتفقت مع عوض على علامة معينة أعرف منها قرب مجيئه إلى المنزل، فأفتح له النافذة ومجرد أن يدخل أحكم إغلاقها وإغلاق جميع منافذ المنزل، وأبقى مستيقظة طوال الليل أحرسه خوفًا من أن يحاصر جيش الاحتلال المنزل فجأة، وأدفن سر مجيئه في صدري، فلا أحد يدري به حتى أهلي وأهله، وأحيانًا أضطر إلى الذهاب إليه، فكنت أتلقى منه رسالة صغيرة يخبرني فيها بموعد ذهابي إليه ولون وشكل السيارة التي ستحملني إليه؛ حيث كنت أنتقل في المشوار الواحد بين ما يزيد على أربع سيارات، خوفًا من أن أكون خاضعة لمراقبة المخابرات الإسرائيلية، وأقضي معه أسبوعًا تقريبًا دون أن يعلم بأمري أهلي الذين يعتقدون أني في منزلي أو أهل زوجي وأعود بنفس الطريقة، وأنا أحمل بعض الرسائل لقيادة الحركة.

    بارع في التنكر

    لقد تعلمت في سنوات مطاردته الكثير من الأمور الأمنية للحفاظ على حياة زوجي، فلا أحتفظ بأي ورقة تأتيني منه، ولا أسأل كثيرًا عن الأمور التي كان يفعلها زوجي؛ لأن معرفتي بها حتمًا ستجلب الضرر لزوجي، وأن الرسائل يجب أن أوصلها إلى أهلها بأكبر سرعة ممكنة حتى لا يتمكن جيش الاحتلال من الحصول عليها.

    لقد كان عوض بارع في التنكر، ففي كل مرة أراه بصورة مختلفة مثل صورة شاب مستهتر يشرب الدخان، وأنجبت خلال هذه الفترة طفلتي إسلام وإسراء.


    بجوار شجرة الشهداء

    أكملت زوجة الشهيد عوض سلمي "ومع قدوم السلطة الوطنية وجلاء جيش الاحتلال الصهيوني عن مدينة غزة بدأت أتنفس الصعداء وأزيح الخوف على زوجي عن صدري، ودبَّ الأمان في عروقي وعدت لمنزلي الجديد لأعيش مع زوجي مثل كافة نساء العالم، وأخرجت ما دفنته من صور لعوض واحتياجاته، وخاصة صورته التي طالما أوصاني عليها وهو في الجامعة الإسلامية بجانب نخلة صغيرة أطلق عليها اسم شجرة الشهداء؛ لأن عددًا كبيرًا من الشهداء تصوروا بجوارها، لعله يحقق أمنيته بالشهادة، والتحق بجهاز المخابرات الفلسطينية وظل محتفظًا بسلاحه الذي احتفظ به طوال سنوات مطاردته لجيش الاحتلال؛ ليحمي به نفسه من أي عملية اغتيال يمكن أن يتعرض لها، ولم يمنعه التحاقه بالمخابرات الفلسطينية من الكفِّ عن ملاحقة جيش الاحتلال وإيواء المجاهدين في منزله كما كان قبل مجيء السلطة الفلسطينية، ونجح في قتل أحد ضباط جيش الاحتلال، مما عرضه للاعتقال على يد السلطة الفلسطينية بتاريخ 21-3-96.

    بين السجون

    وأضافت بعد اعتقاله بدأت فصلاً جديدًا من العذاب والبحث عنه بين المعتقلات؛ حيث اعتقل في البداية بسجن الأمن الوقائي "تل الهوى"، ثم نقل إلى السرايا وهكذا دواليك حتى منتصف هذا العام، وكل أسبوعين أذهب لزيارته بعدما أُعِدُّ له كل ما يحتاجه، وبالتالي تحملت مسؤولية تربية الأطفال بمفردي، فكنت لهم الأب والأم معًا.

    ولم يسمح له في البداية بزيارتنا مثل باقي السجناء في سجون السلطة؛ لأنه استطاع الهرب من السجن رغم الرقابة الشديدة عليه حتى عام 99، وأنجبت خلال هذه الفترة ابنتي إيمان وهند.

    وأكملت "أبو دية": ولم يستطع السجن منعه عن الاتصال

    بقيادات أفراد تنظيمه؛ حيث كنت أنقل لهم رسائله لهم من داخل السجن.

    يقف أمامي

    وأكدت "أبو دية" أنها لم تتوقف عن البحث عن مؤسسة تدافع عن زوجها لعلها تفلح في استصدار قرار ببراءة زوجها أو الذهاب إلى عدد من المسؤولين في السلطة الوطنية، لعل أحدًا ينجدها، وبالفعل نجح المحامي إبراهيم الصوراني من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان باستصدار قرار من محكمة أمن الدولة ببراءته بتاريخ 13/6/2000، وفي صباح اليوم الثاني تفاجأت به يقف أمامي، ويالها من لحظة سعادة يعجز كل الكلام عن وصفها! وعدت لأتنفس الصعداء من جديد وأعيش حياة هانئة آمنة، ولكن من أين نأتي بالأمان وجيش الاحتلال الصهيوني يلاحقنا حتى داخل منازلنا، وعاد عوض يحمل سلاح "إم 16" من جديد ليحمي نفسه من أي عملية اغتيال قد يتعرض لها.

    واكتملت الأسرة

    أضافت "أبو دية" بنبرة حزينة وهي تحاول أن تتمالك قواها "في الأشهر الستة الأخيرة عاشت أسرته حياة هادئة آمنة ينعم أطفالي بحنين أبيهم وعطفه، وخصص جزءًا من وقته لمداعبتهم، ولكن حبه للشهادة كان أقوى من حبه لأطفاله، فكان دائمًا يقول لي: "إن إصبعي يَحِنُّ للضغط على الزناد لقتل الصهاينة"، ولا أخفي أني كنت أنهاه عن ذلك مثل أي زوجة تريد أن تحتفظ بزوجها "ألا يكفيك ما قتلته من الصهاينة تفرغ لتربية أولادك، ولكن جوابه لي أقوى من عاطفتي تجاه زوجي وأولادي" أنا وأولادي فداء للقدس، ومن خلقهم لن يضيعهم وسيرزقهم من بعدي". وقبل استشهاده بأسبوع اشترى لجميع أطفاله ملابس العيد وفوانيس شهر رمضان؛ ليفرحوا بالعيد من بعده؛ لأنه يتوقع أنه لن يقضي شهر رمضان بيننا؛ حيث كان ينوي القيام بعملية تفجير كبيرة.

    آخر ليلة

    وحول كيفية إحساس الزوجة بزوجها ساعة استشهاده تقول "أبو دية": "بعد خروجه من السجن عاد إلى حياته الأولى في إيواء المجاهدين من كتائب القسَّام؛ حيث مكث عندنا قبل استشهاده أحد المجاهدين وأوصاني زوجي بأن أوفر له الهدوء والراحة حتى ينال هو وضيفه أكبر قسط من الراحة، فأيقنت أنه يخطط لعملية تفجير كبيرة، وأحكم إغلاق الغرفة التي يمكث بها هو وزميله، ومنعت أطفالي من الدخول في غرفته التي أحكم إغلاقها، وأوصاني بألا ألمس شيئًا من الغرفة، وبعد تناوله طعام الإفطار أخذ يداعب أطفاله ويلاعبهم، ثم عاد إلى غرفته يصلي ويقرأ القرآن، وقد كان يطيل كثيرًا في صلاته، وسمعته وهو يدعو الله عز وجل ويتوسل إليه وهو يبكي ويقول: "اللهم تقبلني عندك شهيدًا".

    عصفور في مقلاة

    ولم أستطع في هذه الليلة أن أغمض عيني رغم أنني كنت أعاني من مرض الأنفلونزا ومكثت طوال الليل أتقلب في الفراش وكأني عصفور في مقلاة، وفي السحور شعرت أن شيئًا نزعني من فراشي لأكوي له ملابسه، وبعد أن صلَّى الفجر لبس قميصًا جديدًا وتعطَّر على غير عادته في الصباح، وودَّع أطفاله الذين استيقظوا جميعًا مع السحر على غير عادتهم، ثم خرج من المنزل بعدما حمل أحد رفاقه احتياجاتهما من الغرفة، وهو يقول لي: خمس دقائق ثم أعود، ولكنه لم يَعُد كما وعدني، فحاولت عدة مرات أن أتصل به عبر الهاتف النقّال، ولكن لا أحد يجيب وبدأت أسمع الأقاويل من الجيران حول زوجي، وأنه قد أصيب بمكروه.

    رؤيته.. كحل عيني

    وحاولت "أبو دية" أن تجمع ما تبقى من قوتها بعدما أفاقت من إغماء أصابها لتكمل حديثها معنا "انتظرت عوض ليأتي كما وعدني أو يتصل ليخبرني عن مكانه كعادته، ومرت علي 24 ساعة كسنوات عجاف تراءت لي فيها صور فظيعة لعوض وهو يسبح بدمه وتناثرت أشلاؤه، وفي المساء اتصل بي أحد أفراد قادة الأمن الوطني ليسأل عني وعن عوض ولون ملابسه، فأيقنت أن عوض أصيب بمكروه، وبعدها بلحظات اتصل أحد قيادي حماس وبعدها سمعت أنباء متضاربة عما أصاب عوض. آه لتلك اللحظات ما أصعبها! لقد سقطت مغشيًّا عليَّ رغم أني عشت معه ثماني سنوات كنت أتوقع في كل لحظة بهن أن يأتيني خبر استشهاده. أضافت بعدما ضمت ابنها مجاهد الذي كان يحمل صورة أبيه إلى صدرها حتى أبكت جميع من كان حولها "كم تمنيت أن أكحل عيني برؤيته مثل كافة زوجات الشهداء؛ لأخفف عن نفسي وحشة فراقه، آه للآلام التي ألمت بي عندما سمعت أن جسده قُطِّع أشلاء متناثرة، بل إن بعض أشلائه ما زالت متناثرة ولم تُدفن بعد".

    أكملت وهي تمسح دموعها "يكفي أنه حقق أمنيته، وهنيئًا له الشهادة، وسألملم جراحي وسأدوس على جراحي؛ لأحسن تربية أطفالي الذين تحملت مسئوليتهم وحدي لأكمل المشوار بعد أبيهم
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    القصة الـأخيرة أثرت في كثيراً

    حقاً ما أعظمهن من نساء

    لله درهن...
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    حقاً ما أعظمهن من نساء



    بل ما أعظمها من أسرة..........من حياة............من سيرة............من من من من!!!!

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    خنساء فلسطين.. قوة المبادئ وعاطفة الأمومة



    عندما تسمع عنها يخيل إليك أنها أتت من زمان غير زماننا، أو أن عاطفة الأمومة نُزعت من قلبها، وغُرس بدلا منها حب المقاومة والوطن، كيف بها تطلب من ابنها إيواء مطارَدين لجيش الاحتلال في بيتها رغم معرفتها أنها يمكن أن تفقد أولادها الستة لهذا السبب؟ وكيف تدفع بابنها "محمد" ليتسابق في نيل شرف مقاومة جيش الاحتلال، وتوصيه بالثبات حتى يلقى ربه شهيدا؟!

    أثارت هذه التساؤلات فضولنا، فاتجهنا إلى أحد أحياء مدينة غزة وهو حي الشجاعية وبالتحديد منطقة التركمان "نسبة إلى تركمان الشجاع أحد قادة الحملة العثمانية". وفي بيت لفه التواضع وعلى ما يبدو لم ينته أهله من بنائه، استأْذَنَّا ودخلنا وانتظرنا في ساحة المنزل تحت شجرة التين وبجوارنا على الشمال كانت شجرة ليمون، وذلك حتى يُسمح لنا بلقاء والدة الشهيد محمد فرحات التي لم تفارقها النسوة، وعندما دخلنا المنزل من الداخل احتار أهله أين نجلس؟ فقد أخلوا المنزل من كل أثاثه؛ لأنهم كانوا يتوقعون أن تقوم قوات الاحتلال بالتوغل في الحي بهدف هدم المنزل، كان ذلك ظهر اليوم الثاني من استشهاده السبت 9-3-2002 التقينا بالفعل مع السيدة "أم نضال فرحات" والدة الشهيد "محمد" والمطارَد "نضال" والمعتقل "وسام" -رغم المرض الذي ألمّ بها- لتضرب لنا أروع مثل في صور جهاد المرأة الفلسطينية التي تدفع أولادها ثمنا لتحرير الوطن.

    وداع الحبيب
    استقبلتنا "أم نضال" في غرفة الجلوس التي أفرغت من كافة محتوياتها استعدادا للقصف على يد جيش الاحتلال؛ انتقاما من قبل قوات الاحتلال بسبب حجم الخسائر التي حلت بهم من العملية البطولية التي نفذها ابنها محمد -ابن التسعة عشر ربيعا- في مستوطنة غوش قطيف في يوم 7-3-2002، وفي تمام الساعة الحادية عشرة والربع مساء، وهي العملية التي أدت إلى مقتل أحد عشر جنديا إسرائيليا وإصابة أكثر من سبعة عشر آخرين بجراح.

    وفي لحظة دخولنا للمنزل كانت السيدة -أم نضال في العقد الخامس من العمر ويبدو عليها أنها نالت قسطا لا بأس به من العلم- تتابع مع زائراتها مشاهد وداعها ابنها محمد على شاشة التلفاز، حيث كانت تحضنه وتقبله بحنان قبل أن يفارقها وهي تعلم علم اليقين أنه لن يعود إليها وسيغيب عنها إلى الأبد. خيّم الهدوء على الجميع وكأن على رؤوسهن الطير، يحاولن أن يمسحن دموعهن التي كانت تذرف على استحياء وخجل من أم نضال التي كانت تبدو أكثر صبرا وجلدا منهن، حتى إنها كانت تبتسم وهي تواسي من جاء لمواساتها.


    قاوم ولا تفزع


    لقد سجلت فرحات أروع الصور لجهاد المرأة الفلسطينية، وضربت مثلا بدفعها ابنها محمد للمشاركة في اقتحام مستوطنة صهيونية وقتل العشرات من مستوطنيها رغم صغر سنه، بعد أن نمّت الجرأة في قلبه وهي تقول له: "أريدك أن تقاتل بالسلاح لا بالحجر"؛ لذلك سرعان ما فكر في البحث عن عمل ليدخر منه ثمن السلاح الذي لا تستطيع هذه الأسرة أن توفره لولدها. حثته أمه على العمل والكد حتى يستطيع أن يمتلك السلاح، ويحافظ عليه لأنه عرف مدى صعوبة الحصول عليه. وتضيف أم نضال: "كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلا يمكن أن يسير في طريق الجهاد".

    ليس ذلك فحسب، يا لها من امرأة صلبة قوية ملكت زمام الأمور وجوامع الكلم، عندما سألناها ألم تترددي ولو قليلا؟ ابتسمت وقالت: كيف أمنع الخير عن ابني؟ لقد علمته من البداية أن يكون صادقا معي ولا يخفى عني سر جهاده حتى أشجعه وأقويه، ومع حلول شهر رمضان بشرني بالتحاقه بكتائب القسام وأنه يستعد لخوض عملية استشهادية قريبا.

    وتضيف بقلب صابر محتسب: "لا أنكر أني جزعت في البداية لأنني أيقنت أني أعد الأيام الأخيرة لولدي الحبيب، ولكن ما كان يزيد من فزعي أن يفشل في المعركة أو أن يتم القبض عليه قبل أن ينفذها كما حدث مع أخيه وسام الذي اعتقل قبل عشر سنوات، عندما كان يسعى لتنفيذ عملية استشهادية في مدينة بئر السبع عام 1993 فدعوت الله أن يقبله عنده شهيدا بعد أن يشفي صدور قوم مؤمنين".

    لا تصدق دموعي

    وتضيف: ورغم ذلك نجحت بإيمان وعزيمة في كبح جماح مشاعر الأمومة بداخلي فمن أراد طريق الله والفوز بالجنان فلا بد أن يدفع أغلى ما يملك، وابني محمد أغلى ما أملكه، ولن أبخل به.

    وتصف فرحات الساعات الأخيرة قبل استشهاد ولدها فقالت: أخبرني بأن موعد تنفيذ العملية قد تحدد حتى لا أجزع عند سماع خبر استشهاده، ولم أستطع عندها أن أتمالك دموعي، وغلبتني عاطفة الأمومة، وبكيت أمامه، ولكني قلت له: إياك أن تصدق دموعي فإنها دموع أمّ تزف ابنها إلى الحور العين فأطع ربك، وجاهد، واثبت حتى تلقى ربك. ودعته وخرج إلى جنوب غزة بعد أن ودّع جميع إخوانه وقلبي يدعو له بالسداد وكان هذا آخر عهدنا به.

    وتضيف بنبرة حزينة: وبدأت أخوض الامتحان الحقيقي الذي هو صراع بين المبادئ وعاطفة الأمومة، ست ساعات كأنها دهر طويل أعد خلالها أنفاس أحبِ أبنائي إلى قلبي كأمٍّ تشاهد الموت البطيء لابنها، وقلبي يخفق حتى أوشك على التوقف لشدة خوفي أن يتم القبض عليه، وأخذت أدعو الله أن ينعم عليه بالشهادة ويسدد رميته، وجاء فرج الله بخبر نجاح العملية وفوزه بالجنان فهنأت نفسي وتنفست الصعداء.


    بيت الحمائم


    لم تبدأ فصول مقارعة السيدة فرحات للعدو الصهيوني بدفع ابنها "محمد" للجهاد، بل في عام 1992 حيث آوت في بيتها المتواضع المناضل الذي وصفه اليهود "بذي الأرواح السبعة".. إنه "عماد عقل" قائد الجناح العسكري لحركة "حماس" الذي قال عبارته المشهورة: "إن قتل اليهود عبادة أتقرب بها إلى الله" والذي استشهد في منزلها بتاريخ 24-2-1993 بعد أن تحول إلى جبهة حرب بينه وبين ما يزيد عن مائتي جندي صهيوني قبل اقتحامهم المنزل واستشهاد عقل.

    قالت: "كنت كثيرا ما أسمع عن وضع الشباب المطارَدين من قبل جيش الاحتلال، وكيف لا يشعرون بالأمن في بيوت مستضيفيهم؛ فصممت أن أفوز بشرف إيوائهم فاقترحت على ابني الأكبر نضال أن نحفر خندقا خلف المنزل، تحت حظيرة الحمام ليصبح مأوى للشباب المطاردين، وفعلا لاقت هذه الفكرة ترحيبا من زوجي وابني فأعددنا الخندق، وعرضت الأمر على شباب المقاومة الذين كان يعرفهم ليكرمنا الله بشرف خدمة المجاهد عماد عقل.

    تؤكد أم نضال: "كنت أشعر بقمة السعادة وأنا أشرف على خدمة عقل، وأتمنى أن يمكث أكبر قدر من الوقت في المنزل، ولكن في بعض اللحظات كنت أشعر بالقلق؛ لأن وجوده في المنزل يشكل خطرا كبيرا على أبنائي ففي أي لحظة يمكن أن يتعرض المنزل للاقتحام وبالتالي ربما أفقد أبنائي الستة، وكنت سرعان ما أهذب نفسي وأنهرها، فإن كان عقل حمل روحه على كفه ليقاوم جيش الاحتلال ويصرعهم ويشكل بؤرة خطر على أعدائه فنحن كذلك على استعداد أن نضحي بأرواحنا من أجل أن نحميه ونحمي وطننا".


    أولادي فداء للوطن

    وكثيرا ما تعرض منزلها للاقتحام من قبل جيش الاحتلال وعماد مختبئ به حيث كان ينفذ عمليات المقاومة ثم يعود إليها بملابسه وعليها دماء الجنود، حيث ينجو بنفسه من دوامة الاعتقال في الخندق الذي أُعدَّ له بعد أن تهيئ له الطريق. وحول هذا تقول: "في يوم عاد عماد من عمليته البطولية في حي الزيتون وقد اتسخ بنطاله بدم أحد الجنود وما كاد يخلعه لأغسله حتى حاصر جيش الاحتلال المنزل فخرجت أجري إلى عماد ليهرب من باب المطبخ إلى الخندق الخلفي وعدت إلى الغرفة لتفقدها فربما نسي سلاحه أو بعض الرصاص، فتدور الشبهات حول المنزل، وفعلا فقد نسي عماد مع السرعة سلاحه الشخصي على الأرض وبعض الرصاصات"، تابعت فرحات بصوت يحن إلى تلك الأيام: "ولا أدري كيف نجا جميع أولادي في ذلك اليوم من موت محقق؟".

    وليس غريبا على مثل هذه الأم أن تتمنى أن يرزق الله جميع أولادها الشهادة وحب الاستشهاد ليسيروا على درب عقل، لتختم قولها: "من يحب الله والوطن فلا يتوانى عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تشمت الأعداء بشعبنا بدموعها على شاشات التلفاز
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    زوجة الشهيد جمال منصور: زوجي فتح لنا طريق الجنة

    حينما يكون الحديث عن العظماء تبدو الكتابة مغامرة؛ إذ كيف يكتب اللاعظماء عن العظماء.. هكذا يكون الحديث عن عائلة التحمت بلوحة ثابتة إطارها جدول من الشهداء وبحر من البطولة.

    هكذا هي عائلة "جمال منصور" القائد الذي سقط شهيدا بصواريخ إسرائيلية ليترك خلفه زوجة وأولادا لم تزحزحهم المصيبة قيد أنملة عن الهدف الذي نذروا حياتهم له.. هذه هي الحقيقة التي تكتشفها في طيات الحديث مع زوجة الشهيد جمال منصور- أم بكر- التي لم تعرف يوما معنى للتراجع أو الملل، بل إنها- كما تقول- تستمد من جمال الصبر والإصرار والإخلاص في مماته كما في حياته.

    وتقول أم بكر: إن الإخلاص خاصية فسيولوجية وسيكولوجية من هيكل الفكر عند زوجها جمال.. تبكي ولم تمتص قسمات الوجه دمعات الحرقة، فلا مندوحة من ثمر لكن جمالا لم يمت- كما تقول- بل إنه كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لن تستطيع أن تنهشها الصواريخ ولا الطائرات.

    وتضيف أم بكر: زوجي كان شاهدا على العصر وعلى تاريخ القضية الفلسطينية.. وتتابع: "آه أيتها القوافل المحتشدة على أبواب الجنة! من يسقي أبا بكر شربة لا يظمأ بعدها أبدا..".

    وتتابع قائلة: رصيف الجنة مزدحم بوجوه عرض السماوات والأرض أعدت للاستشهاديين.. يفرح الشهداء ويحزن الباقون…

    لم أصدق إنني سأكون رفيقة دربه...


    "لم أصدق أنني سأكون رفيقة دربه…"، بهذه الجملة بدأت "أم بكر" زوجة الشهيد جمال منصور حديثها حول شخصية زوجها الذي تعرفت عليه أثناء دراستها الجامعية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس.

    وأضافت: "شخصيته مؤثرة، وحديثه يأسر الألباب، ولم أكن أتوقع أن أرتبط بشخص يحمل مواصفاته؛ حيث كان واسع الاطلاع وشديد الحساسية.. تعرفت عليه في السنة الأولى من دراستي عندما جاء يقدم لي التهنئة بمناسبة ارتدائي للحجاب، وكانت فرحتي بهذا اللقاء كبيرة، وبعد عودتي من عمان في إجازتي السنوية تقدم جمال لخطبتي فكانت فرحتي كبيرة وغمرتني السعادة ولم أصدق أن شخصا مثله سأكون رفيقة دربه".

    صمتت قليلا حينما سألناها عن شعورها بعد استشهاد زوجها ثم قالت: "أحمد الله أن اختاره شهيدا".

    الشهداء مشتاقون إليه..

    وحدثتنا عن حوار قصير تم بينها وبين زوجها صباح يوم الاستشهاد:

    أم بكر..

    نعم يا أبا بكر.

    أتدرين من اتصل بي الليلة؟

    لا، من ؟

    إنه الشهيد صلاح الدين دروزة، لقد زارني في المنام متصلا هاتفيا وقال : إنني مشتاق إليك..

    وكانت هذه المحادثة آخر الكلمات التي تحدث بها المجاهد جمال منصور، الناطق بلسان حركة "حماس" قبل خروجه من منزله مودعا زوجته وأولاده الخمسة.

    الحديث طويل والأشجان كثيرة، ولعل المقابلة التالية تضيف بعض الشيء إلى زوايا حياة امتلأت صفحاته بالجهاد.

    وفيما يلي نص المقابلة التي أجريناها مع أم بكر:

    * ما شعورك كزوجة شهيد وصفه الجميع بأنه مدرسة في شكل رجل؟

    - رغم الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد زوجي البطل باستشهاده فإنني أشعر بالفخر والاعتزاز، وأن الله سبحانه وتعالى اختاره شهيداً.

    فأحمد الله تعالى أن أختار زوجي شهيداً ليفتح لنا طريقاً إلى الجنة؛ حيث إن الشهيد يشفع لسبعين من أهله وأقاربه، وقد نجح أبو بكر في مدرسته في تعليم الزوجة والابنة والولد التربية الصحيحة، وأسأل الله أن يعينني على السير على دربه وتربية أطفالي الخمسة على طريق والدهم والبقاء على عهده.

    * كيف باعتقادك ينبغي أن تستقبل المرأة المسلمة خبر الشهادة؟

    - باعتقادي أنه على المرأة المسلمة أن ترضى بما قدر الله سبحانه لها، وعليها أن تصبر وتحتسب، وأن تدعو الله سبحانه وتعالى وتقول: "اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها".

    فقدر الله نافذ ولا راد لقضائه، والله سبحانه هو الذي أعطى وهو الذي أخذ، وعليها أن تحمد الله أن زوجها أو ابنها أو أخاها هو من بين الناس الذين يجرهم الله بالشهادة حيث قال سبحانه: "ويتخذ منكم شهداء".

    * ما الفراغ الذي تركه أبو بكر في حياتك وحياة أولادك؟

    - لقد كان أبو بكر وسيبقى- إن شاء الله- كل شيء في حياتي، لقد فقدت الزوج الوفي الذي كان أوفى مَنْ أُحبّ وأَحب من أوفى، وفقدت الأب الغالي والأم الحنون… لقد فقدت شريك عمري ورفيق دربي في السراء والضراء، لقد فقدت الصديق الصدوق..

    أعتبر أنني فقدت الجمال والحنان باستشهاده في الدنيا، ولكني أسأل الله أن يعوضني في أولادي خيراً، وأن يلحقني وصغاري بزوجي الغالي في جنات الخلد، وأن يعينني لمجيء ذلك اليوم على تعويض أولادي ما فقدوه باستشهاد والدهم؛ حيث إنه كان يتفنن في أساليب إدخال السعادة إلى قلوبنا جميعا. فقد كان الفرحة والنسمة بالنسبة لهم، وقد كان بالنسبة لنا جميعاً القدوة، وقدوته يستمدها من الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم).

    * ما هي الأعباء التي تركها أستشهاد جمال عليك؟

    - استشهاده ترك المسؤولية كاملة علي حيث أن والدي ووالدتي وكذلك والدته ووالده أختارهم الله منذ سنوات فالمطلوب مني الآن أن أكون الأم الحنونة ورب الأسرة القدوة بالنسبة لأولادي فعلي القيام بدور الرجل والمرآة في أن واحد.

    * ماذا اخذت وتعلمت من مدرسة جمال؟

    - لقد تعلمت الكثير الكثير من مدرسة جمال. وقد ذكرت أن قدوة أبو بكر هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لقد تعلمت منه اتباع القول بالعمل، والصبر والاحتساب عند المصائب، والشجاعة في قول الحق، وعدم الخوف عند الشدائد والحكمة في التعامل مع المواقف البسيطة والصعبة، ووضع الأمور في حجمها الطبيعي أي عدم تضخيم الأمر الصغير وعدم تصغير الأمر الكبير.

    كما تعلمت الرضى بما كتب الله، وان الحياة لا تنتهي باستشهاد إنسان أو وفاته وانه لكل زمان دولة ورجال ……الخ.

    حقيقة لا أستطيع ذكر الجوانب التي تعلمتها من مدرسة أبى بكر حيث انه لا يمكن إحصاؤها ومن احب أن يعلم ما تعلمت من أبي بكر فليرجع إلى سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

    * هل ستدفعي اولادك لسلوك نفس الطريق الذي سلكه والدهم؟

    - اسأل الله أن يعينني على ذلك. فطريق أبو بكر هي طريق الجنة المحفوفة بالصعاب والأشواك وليست محفوفة بالورود والرياحين.. وان فعلت أن شاء الله سألحق به مع أولادي إلى الجنة و أنا مستعدة أن أدافع حياتي وحياة أبنائي ثمنا لها فالجنة عروس مهرها النفوس.

    * ماهي الزوايا الخفية في حياة جمال منصور كما تابعتها عن قرب؟

    - أن أبا بكر الداعية المسلم المجاهد، الجريء القوي، الشجاع هو نفسه الإنسان الحنون العطوف الرؤوف في بيته فهو على استعداد للقيام بأعمال البيت كاملة من اجل مساعدتي ومساعدة أبنائي رغم انشغاله الدائم في الليل والنهار.

    أبا بكر يمتلك روحانية غالية جدا وقرب من الله سبحانه لا يوصف. فقد كان في شهر رمضان وخاصة أيام الاعتقال يختتم القرآن الكريم يوميا، ولا ينام إلا بعد أن يدعو الله ويقرأ القرآن ويعالج نكد الصغار بالقرآن ويسهر إلى ساعات متأخرة من الليل ليتابع ما ضاع عليه في النهار من متابعة أخبار العالم ورغم ذلك يوقظنا لصلاة الفجر.

    أبا بكر إنسان مرهف الحس وفنان. فبالإضافة إلى حنكته السياسة وقدراته الأدبية فهو رسام شعارات غريبة وكان يقوم برسم لوحات للصغار لمدارسهم والتي تنال إعجاب كل من يقع نظره عليها.

    من يتعامل مع أبا بكر وأنا زوجته اعترف أن من يخطئ معه يخجل من نفسه لانه يعالج الأمور بطريقة غريبة تجعل الإنسان يعترف بذنبه ويتوب ولا يعود لنفس الخطأ.

    * ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المرأة المسلمة في ظل انتفاضة الأقصى؟

    - على المرأة المسلمة أن لا تستهين بدورها في كل الأوقات. فدورها في ظل انتفاضة الأقصى مضاعف.. فعليها أن تشجع أبناءها على محاربة اليهود أعداء الله و أعداء الدين ومغتصبي أراضينا، وعليها أن تقف جنبا إلى جنب مع ذوي الشهداء والجرحى والمنكوبين ومع الذين هدمت بيوتهم ودمرت منازلهم وفقدوا أعمالهم وان تصبر على زوجها إن ضاقت ذات اليد بالنسبة إليه وان تعينه قدر إمكانها وان تبذل الغالي والنفيس من اجل دعم الانتفاضة ودحر الاحتلال.

    * ما هي الرسالة التي توجهينها لنساء فلسطين في ظل هذه الاوضاع؟

    - أقول لهن ما قاله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز" اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" فالصبر يا نساء فلسطين فان الصبر مفتاح الفرج" وان النصر صبر ساعة "فان مع العسر يسرا أن مع العسر يسرا".

    كونوا يا اخوتي على ثقة بنصر الله وان الله سبحانه لن يترك الظالمين" ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء".

    أقول لهن: إذا كنتن قد تعبتن وتألمتن فاعلمن أن الجنة لكن جزاء صبركن فان شهداءنا في الجنة وقتلى اليهود في النار وقال سبحانه:" إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مما لا يرجون" وليكن شعارنا دائما ما قاله الشاعر قولا وتطبيقا:

    اقتلوني مزقوني اغرقوني في دمائي

    لن تعيشوا فوق ارضي لن تطيروا في سمائي
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    والله قصص مؤثرة ، مشكورة؛ بس من هو جمال منصور ؟ هل بالإمكان أن تقولي لنا من هو يا روعة؟
    لأن بالمقال مفي شي بعرّف عنو .
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •