النتائج 1 إلى 50 من 74

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي

    -1-
    دعاء حار ختم به الشيخ محمد درسه ، قام على أثره متكئا على كرسي التدريس يطوي صحفه و يتأبطها. ثم يرتدي بردته و يتناول عصاه متجها إلى باب المسجد. و فيما كان يهم بالخروج من المسجد إذ لمح شابا في مقتبل العمر يجلس في الباحة الخارجية مصوبا عينيه نحو الأفق في تأمل عميق و استغراق ملفت.
    اقترب الشيخ من الشاب و ألقى التحية عليه. سأله عن اسمه فعرف أنه ابن الحاج مصطفى الذي كانت تربطه به صداقة قديمة و زيارات كثيرة ، انقطعت منذ سنوات بسبب خلاف في وجهات النظر بينهما حول ظاهرة الحماس لدى الشباب و كيف يجب التعامل معه.
    الخلاف لم يكن مجرد خلاف نظري بل نشأ بعد مشكلة حصلت في المسجد بين أحد الشباب المتحمس و أحد الكهول الصالحين الذي كان يصر على عمل وجد عليه مشايخه من قبل ؛ فإذا بالشاب يصفه و بكل ثقة و برود و اطمئنان ، على حد تعبير الحاج مصطفى، بأنه بدعة و ضلالة! هذه الحادثة لم تكن إلا حلقة من سلسلة حوادث كثيرة مشابهة ، لكنها تطورت هذه المرة و أدت إلى أن يقف العنصر الشبابي مع أخيهم بينما ساند وجهاء القرية و كبراؤها الكهل الصالح . و انتظر الجميع موقف الشيخ محمد ؛ كل يرجو تأييده و نصرته. فكان للشيخ محمد رأي لم يعجب الوجهاء و الكبراء حيث لمحوا فيه ميلا إلى الشباب و تأييدا خفيا لهم. ومنذ ذلك الحين انقطع أغلب هؤلاء عن الصلاة في مسجد الشيخ محمد ولم يبقى من مرتادي المسجد سوى العنصر الشبابي و نذر يسير من الكهول الصالحين الذين بقوا مصرين على تخطئة الشيخ محمد في وجهة نظره تلك. و لكنهم لم يروا في هذا مبررا كافيا لترك الصلاة في المسجد ، خصوصا و أنهم من الأحياء القريبة من مسجد الشيخ محمد و لا يستطيعون لتقدم سنهم قصد الجامع الآخر الذي يقع في شرق القرية ؛ فإن ذلك يشق عليهم فعله إذا أرادوا المواظبة على الصلوات الخمس في المسجد كما هو حالهم ودأبهم.

    علي كان إلى حينها مترددا بين وجهتي نظر متضادتين واحدة من أبيه ؛ سمعها مرارا و تكرارا في اجتماعات العائلة و الأصحاب. وملخصها تخطئة الشيخ محمد لتساهله مع هذه الظاهرة الشبابية التي ينبغي الأخذ على يديها بشدة كما هو رأي الحاج مصطفى ، الذي لا ينكر علم الشيخ و فضله ولكنه يأخذ عليه هذا الميل لهؤلاء الشباب. و أما وجهة النظر الثانية فهي وجهة نظر جعفر صديق علي الحميم و زميل الدراسة. فجعفر يثني على الشيخ و يعده من المشايخ الصالحين الذين لا يخافون في الله لومة لائم ، فهو ليس كالشيخ مفيد الذي لايتردد جعفر في وصفه بالخضوع للكبراء و أصحاب الأموال و الثروات.

    في كل الأحوال ، لم يكن علي في تلك الفترة مهتما جدا بهذا النوع من الخلاف .و لم يكن يشغل نفسه بتمييز المخطئ من المصيب في هذه المشكلة بخلاف جعفر الذي كان كثير الإهتمام بهذه القضايا. علي كان متجها وقتها بكليته إلى الدراسة و التحصيل العلمي. التفوق رائده و النجاح بأعلى الدرجات هاجسه . لم يكن يزعجه شيء أكثر من أن يجد طالبا يلم بأنواع من العلوم و المعرفة لا يلم هو بها حتى و لو كان ذلك الطالب أعلى منه في السنوات الدراسية. فكان يبذل جهدا مضاعفا ليتفوق حتى على هؤلاء الذين هم أكبر منه سنا و سنوات دراسية. كل ما يأخذه من والده و والدته من مال كان يدخره لشراء الكتب العلمية ما يتصل منها بالدراسة و ما لا يتصل. ولا يكاد يسمع بافتتاح معرض للكتاب حتى يشد إليه الرحال بما معه من مال مدخر فلا يرجع إلا و قد صرف المال كله على ألوان الكتب و أنواعها. حتى كون في فترة قصيرة نسبيا مكتبة علمية ضخمة قل أن تبحث ولا تجد فيها ضالتك. هذا و أهله وخصوصا إخوته و والدته يتعجبون من صنيعه هذا ، و أما والده فيفتخر به أمام أقرانه و يعد هذا من مزاياه و إشارة إلى مستقبل مشرق و واعد.

    جعفر لم يكن في مثل اجتهاد علي لكنه كان طالبا ذكيا و نبها و كان من أخلص أصدقاء علي و أقرب المقربين إليه. والده رحمه الله تعالى كان من الرجال الصالحين المتمسكين بدينهم وكان من ألزم الناس بالشيخ محمد وأقربهم إلى قلبه؛ إذ كان صديقه الحميم منذ الصغر ولم تنقطع صداقتهما يوما إلى أن لقي أبو جعفر وجه ربه . والدته تلقب بالتقية ابنة التقي و ذلك لشدة تقواها و حرصها على الدين قبل كل شيء. و كذلك والدها الحاج برهان الذي كان يعده أهل القرية من الأولياء الصالحين أصحاب الكرامات. بعد وفاة والد جعفر قامت والدته بتربيته هو و إخوته الأربعة فأنشأتهم على الدين و تعاليمه وحرصت كل الحرص على غرز الخوف من الله وتعظيمه في قلوبهم ، وذلك منذ نعومة أظفارهم. إضافة إلى هذا كانت تحث الذكور منهم على ارتياد المساجد و حضور حلق التدريس و خصوصا حلقات الشيخ محمد صديق زوجها الراحل. ولذلك درج جعفر منذ صباه على حضور دروس الشيخ محمد و ملازمته بصورة شبه يومية.

    وهكذا كان على علي أن يقصد مسجد الشيخ محمد كلما أراد لقاء جعفر خارج دوام المدرسة أو في فترات الصيف.
    فإن صادف يوم الميعاد بينهما يوم درس للشيخ محمد صلى علي في المسجد الشرقي القريب من داره ، ثم توجه إلى المسجد الآخر ينتظر فراغ جعفر من حضور الدرس.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    بارك الله بكم أخ أبو محمد؛

    ولكن عندي تساؤل : لقد لاحظت أن في القصة أشياء مشتركة بينها وبين الواقع في القلمون ، و أنت في البداية قلت أنها تحكي معاناة متخيلة تلتقي مع الواقع في كثير من دلالاتها و إيحاء اتها ، فهل هي قصص حصلت في القلمون وأنت آثرت تدوينها وإعطاءها صبغة من خيالك لتضفي عليها رونقا جماليا ، أم أنها قصص من معين نفسك ولكن بحكم الواقع الذي تعيشه فلا بد أن تكون متأثرة به.

    وجزاكم الله خيرا .
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

  3. #3

    افتراضي

    أخي الكريم أعتقد أنك سألت سؤالا ثم أجبت عنه في بعض كلامك و هذا من نباهتك بلا شك.

    أما المشترك الذي لاحظته فهو قد يكون مشتركا عرضيا وهو ما يسميه المناطقة بالعرض العام. وهذا يتعلق بأنواع كثيرة كما هو معلوم. وليس ببعيد عندي أن تشترك القلمون في تلك الصور التي عنيتها مع بلدات كثيرة في العالم الإسلامي. فهناك تفاصيل كثيرة قد تبدو لنا مميزا ذاتيا بينما هي في الحقيقة لا ترقى إلى أن تكون مميزا عرضيا .

    أخي الكريم هذه القصة كتبتها في الغربة حين كانت المساحة الأكبر من المخيلة محجوزة و بإلحاح لذاكرة أنهكها الشوق إلى الوطن. من هنا أنا لا أنفي تورطي في حب تفاصيل القلمون و لا أنزه نفسي عن التعلق بها إلى الدرجة التي قد يجري بها قلمي دون أن أشعر.

    لكنني أؤكد لك بأن أحداث هذه القصة ليست شيئا حدث معي و لا مما شهدته أو عاينته .
    وفي الختام أشكر لك سؤالك و تعليقك الجميل .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    أخي الكريم أعتقد أنك سألت سؤالا ثم أجبت عنه في بعض كلامك و هذا من نباهتك بلا شك.


    أخي العزيز ، لكم الشكر على كلامكم الجميل.


    أما المشترك الذي لاحظته فهو قد يكون مشتركا عرضيا وهو ما يسميه المناطقة بالعرض العام. وهذا يتعلق بأنواع كثيرة كما هو معلوم. وليس ببعيد عندي أن تشترك القلمون في تلك الصور التي عنيتها مع بلدات كثيرة في العالم الإسلامي. فهناك تفاصيل كثيرة قد تبدو لنا مميزا ذاتيا بينما هي في الحقيقة لا ترقى إلى أن تكون مميزا عرضيا .


    هذا عين العقل ، وبخاصة عندما تخرج من مجتمعك الضيق إلى رحاب الله الواسعة ، فترى أن ما حسبته خاصا بمنطقة أو بلدة معينة هو حقيقة مصغرة عن الحقيقة الكبرى التي
    تشترك بها كل المناطق الإسلامية.



    أخي الكريم هذه القصة كتبتها في الغربة حين كانت المساحة الأكبر من المخيلة محجوزة و بإلحاح لذاكرة أنهكها الشوق إلى الوطن. من هنا أنا لا أنفي تورطي في حب تفاصيل القلمون و لا أنزه نفسي عن التعلق بها إلى الدرجة التي قد يجري بها قلمي دون أن أشعر.



    أي شخص لا بد أن تتأثر كتاباته بما نشأ عليه ولو حاول تجنب ذلك. فالطبع يغلب التطبع.


    لكنني أؤكد لك بأن أحداث هذه القصة ليست شيئا حدث معي و لا مما شهدته أو عاينته .

    صادق ولو.


    وفي الختام أشكر لك سؤالك و تعليقك الجميل .

    أشكركم بدوري على رحابة صدركم.

    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

  5. #5

    افتراضي

    -2-


    خرج جعفر ليجد عليا يتكلم مع الشيخ محمد . فاقترب منهما وألقى السلام. ولما علم الشيخ محمد بالعلاقة التي تربط الشابين أثنى عليها و أوصاهما بالمحافظة على هذه الأخوة و تخليصها من الشوائب والمصالح الفانية . وهذا كان دأب الشيخ محمد حيثما وجد اثنين متآخيين أن ينصحهما بهذه النصيحة الملفتة التي قل من ينصح بها في هذه الأزمنة.

    لفتت هذه النصيحة ذهن علي و قلبه معا فهي كما صاغتها شفتا الشيخ ومن خلال مفرداتها المتقنة بدت كأنها قاعدة علمية تشد الذهن خصوصا و أن الشيخ استشهد لها بقوله تعالى : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فاستدل الشيخ من الآية أن الخلة إذا لم تؤسس على التقوى انقلبت يوم القيامة عداوة. ولامست هذه النصيحة أيضا شغاف قلب علي و سرت معانيها المفتوحة الواسعة في نفسه المرهفة فأحدثت لها قشعريرة هزت أعماقه هزا. و كان أقل ما فعلته هذه النصيحة أن بددت سحائب مخاوف جمة كانت قد استوطنت نفس علي لكثرة ما يسمعه في مجالس والده من كلام يثير الشك و الريبة حول فكر الشيخ و مذهبه.

    ومضى الأخوان يجوبان الشاطئ الشرقي للقرية ينتظران غروب الشمس ؛ تلك اللحظة الساحرة التي تأسر فؤاد علي و تهيج نفسه الرقيقة حتى لتكاد قطرات الدموع تقفز من عينيه فيداريهما خشية أن يلحظهما جعفر . لكن جعفر كان يلاحظ هذا التأثر و يتعجب له و يكلم فيه عليا و يسأله عن سره ، فلا يجيب علي سوى بكلام لا يكاد يفهمه جعفر إلا بصعوبة بالغة و لا يراه وجها محقا و لا سببا مقنعا . كان علي يقول له : جمال الطبيعة يأسرني يا جعفر! أحس بتناغم قوي بين داخلي و بين الطبيعة . الطبيعة تغني نفسي و تصقلها يا جعفر ! في كل مرة أقف فيها مع الطبيعة و أتأملها أشعر أنني أكشف جوانب أخرى في نفسيتي ! أحس بالطبيعة و كأنها مرآة مكثفة لنفسي!

    هذا الكلام يبدو لجعفر أقرب إلى لغز يحاول فك رموزه فلا يفلح!

    ما أن تحين لحظات الغروب حتى يتباعد الصديقان فيجلس كل واحد منهما على صخرة ينظران إلى الأفق ؛ كل ينظر بمنظاره الخاص و مشاعره الكامنة الخاصة . علي يستسلم لهيبة المشهد و دلالاته المتنوعة : دلالة الزمن المنقضي ، و دلالة الجمال المهيب ، و دلالة الوجود ، ودلالة الكنه الغائب المتواري خلف سحر المشهد !

    وأما جعفر فيستحضر بعضا من مواعظ الشيخ محمد و يربط بين الكون و المكون (بضم الميم و فتح الكاف و تشديد الواو) و يتمتم خاشعا بما يحفظ من أدعية و أذكار.

    ويسقط قرص الشمس فيقف جعفر والفرح و النشاط يعلوان وجهه و محياه . و يقفز من فوق الصخرة لينادي على علي قائلا : هيا يا أخ علي ؟ ألم تكتفي بعد؟ لقد غابت شمس هذا النهار. هيا لعلنا نجد مكانا في الصف الأول وراء الشيخ محمد.
    تصل هذه الكلمات إلى ذهن علي المستغرق في تأمله و تفاعله مع روعة المشهد و جلاله وغموض إيحاءاته ، فتغدغه بمشاعر واقعية تشيع الراحة و الهدوء في نفسه بعد جرعة دسمة من التأمل الشاعري المتفجر !

    وينطلق الأخوان إلى المسجد بجد و نشاط هذا يحدوه الأجر و الثواب الأخروي و ذاك يحدوه الأمل في أن يجد ما يشبع نهمته و حسه المرهف و تعطشه إلى الحقيقة المختبئة المتوارية وراء جمال الكون ، الذي لا تشبع نفسه من تمليه و تأمله و الإستغراق مع دلالاته الغامضة!

    و يصلي الأخوان المغرب و يجلسان بعد الصلاة يقرآن القرآن إلى حين أذان العشاء . فيصليان العشاء ثم ينطلقان إلى التينة وهي مكان ناء في البرية تظلله شجرة تين ضخمة عتيقة ، غالبا ما يختلفان إليها بين الفينة و الفينة للحديث و نقاش المواضيع المختلفة المتصلة بالوضع السياسي و التطورات العلمية والأدبية و غيرها . و ينضم إليهما في الغالب بعض الإخوة من تلاميذ الشيخ محمد أيضا. والمكان معد و مهيأ لصنع الشاي و القهوة إذا اقتضت الجلسة ذلك. لكن عليا كان يفضل في بعض الأحيان أن يكون هو و جعفر منفردين يتهامسان في سكون الليل المهيب ، حيث يشعره هذا بنوع من الصفاء الفكري يستطيع من خلاله أن يصقل و يرتب كثيرا من الافكار العالقة في ذهن لا يمل من الإستقبال و التفكير و البحث و التأمل .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي

    ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فاستدل الشيخ من الآية أن الخلة إذا لم تؤسس على التقوى انقلبت يوم القيامة عداوة.

    أهلاً بعودة المشرف العام إلى المنتدى
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  7. #7

    افتراضي

    أخي الحبيب وسيم إذا حضر الماء بطل التيمم. و وجودكم هو الماء المبطل للتيمم.
    فبارك الله بك و بجميع المشرفين و جعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •