-1-دعاء حار ختم به الشيخ محمد درسه ، قام على أثره متكئا على كرسي التدريس يطوي صحفه و يتأبطها. ثم يرتدي بردته و يتناول عصاه متجها إلى باب المسجد. و فيما كان يهم بالخروج من المسجد إذ لمح شابا في مقتبل العمر يجلس في الباحة الخارجية مصوبا عينيه نحو الأفق في تأمل عميق و استغراق ملفت.
اقترب الشيخ من الشاب و ألقى التحية عليه. سأله عن اسمه فعرف أنه ابن الحاج مصطفى الذي كانت تربطه به صداقة قديمة و زيارات كثيرة ، انقطعت منذ سنوات بسبب خلاف في وجهات النظر بينهما حول ظاهرة الحماس لدى الشباب و كيف يجب التعامل معه.
الخلاف لم يكن مجرد خلاف نظري بل نشأ بعد مشكلة حصلت في المسجد بين أحد الشباب المتحمس و أحد الكهول الصالحين الذي كان يصر على عمل وجد عليه مشايخه من قبل ؛ فإذا بالشاب يصفه و بكل ثقة و برود و اطمئنان ، على حد تعبير الحاج مصطفى، بأنه بدعة و ضلالة! هذه الحادثة لم تكن إلا حلقة من سلسلة حوادث كثيرة مشابهة ، لكنها تطورت هذه المرة و أدت إلى أن يقف العنصر الشبابي مع أخيهم بينما ساند وجهاء القرية و كبراؤها الكهل الصالح . و انتظر الجميع موقف الشيخ محمد ؛ كل يرجو تأييده و نصرته. فكان للشيخ محمد رأي لم يعجب الوجهاء و الكبراء حيث لمحوا فيه ميلا إلى الشباب و تأييدا خفيا لهم. ومنذ ذلك الحين انقطع أغلب هؤلاء عن الصلاة في مسجد الشيخ محمد ولم يبقى من مرتادي المسجد سوى العنصر الشبابي و نذر يسير من الكهول الصالحين الذين بقوا مصرين على تخطئة الشيخ محمد في وجهة نظره تلك. و لكنهم لم يروا في هذا مبررا كافيا لترك الصلاة في المسجد ، خصوصا و أنهم من الأحياء القريبة من مسجد الشيخ محمد و لا يستطيعون لتقدم سنهم قصد الجامع الآخر الذي يقع في شرق القرية ؛ فإن ذلك يشق عليهم فعله إذا أرادوا المواظبة على الصلوات الخمس في المسجد كما هو حالهم ودأبهم.
علي كان إلى حينها مترددا بين وجهتي نظر متضادتين واحدة من أبيه ؛ سمعها مرارا و تكرارا في اجتماعات العائلة و الأصحاب. وملخصها تخطئة الشيخ محمد لتساهله مع هذه الظاهرة الشبابية التي ينبغي الأخذ على يديها بشدة كما هو رأي الحاج مصطفى ، الذي لا ينكر علم الشيخ و فضله ولكنه يأخذ عليه هذا الميل لهؤلاء الشباب. و أما وجهة النظر الثانية فهي وجهة نظر جعفر صديق علي الحميم و زميل الدراسة. فجعفر يثني على الشيخ و يعده من المشايخ الصالحين الذين لا يخافون في الله لومة لائم ، فهو ليس كالشيخ مفيد الذي لايتردد جعفر في وصفه بالخضوع للكبراء و أصحاب الأموال و الثروات.
في كل الأحوال ، لم يكن علي في تلك الفترة مهتما جدا بهذا النوع من الخلاف .و لم يكن يشغل نفسه بتمييز المخطئ من المصيب في هذه المشكلة بخلاف جعفر الذي كان كثير الإهتمام بهذه القضايا. علي كان متجها وقتها بكليته إلى الدراسة و التحصيل العلمي. التفوق رائده و النجاح بأعلى الدرجات هاجسه . لم يكن يزعجه شيء أكثر من أن يجد طالبا يلم بأنواع من العلوم و المعرفة لا يلم هو بها حتى و لو كان ذلك الطالب أعلى منه في السنوات الدراسية. فكان يبذل جهدا مضاعفا ليتفوق حتى على هؤلاء الذين هم أكبر منه سنا و سنوات دراسية. كل ما يأخذه من والده و والدته من مال كان يدخره لشراء الكتب العلمية ما يتصل منها بالدراسة و ما لا يتصل. ولا يكاد يسمع بافتتاح معرض للكتاب حتى يشد إليه الرحال بما معه من مال مدخر فلا يرجع إلا و قد صرف المال كله على ألوان الكتب و أنواعها. حتى كون في فترة قصيرة نسبيا مكتبة علمية ضخمة قل أن تبحث ولا تجد فيها ضالتك. هذا و أهله وخصوصا إخوته و والدته يتعجبون من صنيعه هذا ، و أما والده فيفتخر به أمام أقرانه و يعد هذا من مزاياه و إشارة إلى مستقبل مشرق و واعد.
جعفر لم يكن في مثل اجتهاد علي لكنه كان طالبا ذكيا و نبها و كان من أخلص أصدقاء علي و أقرب المقربين إليه. والده رحمه الله تعالى كان من الرجال الصالحين المتمسكين بدينهم وكان من ألزم الناس بالشيخ محمد وأقربهم إلى قلبه؛ إذ كان صديقه الحميم منذ الصغر ولم تنقطع صداقتهما يوما إلى أن لقي أبو جعفر وجه ربه . والدته تلقب بالتقية ابنة التقي و ذلك لشدة تقواها و حرصها على الدين قبل كل شيء. و كذلك والدها الحاج برهان الذي كان يعده أهل القرية من الأولياء الصالحين أصحاب الكرامات. بعد وفاة والد جعفر قامت والدته بتربيته هو و إخوته الأربعة فأنشأتهم على الدين و تعاليمه وحرصت كل الحرص على غرز الخوف من الله وتعظيمه في قلوبهم ، وذلك منذ نعومة أظفارهم. إضافة إلى هذا كانت تحث الذكور منهم على ارتياد المساجد و حضور حلق التدريس و خصوصا حلقات الشيخ محمد صديق زوجها الراحل. ولذلك درج جعفر منذ صباه على حضور دروس الشيخ محمد و ملازمته بصورة شبه يومية.
وهكذا كان على علي أن يقصد مسجد الشيخ محمد كلما أراد لقاء جعفر خارج دوام المدرسة أو في فترات الصيف.
فإن صادف يوم الميعاد بينهما يوم درس للشيخ محمد صلى علي في المسجد الشرقي القريب من داره ، ثم توجه إلى المسجد الآخر ينتظر فراغ جعفر من حضور الدرس.


رد مع اقتباس
.gif)

