النتائج 1 إلى 50 من 74

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي

    أخي الحبيب وسيم إذا حضر الماء بطل التيمم. و وجودكم هو الماء المبطل للتيمم.
    فبارك الله بك و بجميع المشرفين و جعل ما تقدمونه في ميزان حسناتكم

  2. #2

    افتراضي

    -3-



    المدرسة ستبدأ بعد أيام قليلة وهذه السنة هي السنة المدرسية الأخيرة و ينتقل بعدها علي إلى الجامعة .

    استيقظ علي هذا الصباح ليجد جارتهم إقبال في زيارة معتادة لبيتهم . ولكنها هذه المرة في صحبة ابنتها سارة ، ابنة السادسة عشر ربيعا والتي تصغره بسنة دراسية . كان يهم بفتح كتاب من كتبه العلمية ليبدأ بالقراءة حين وصله صوت والدته تتحدث إلى إقبال قائلة : علي يستيقظ عادة في هذا الوقت لأنه لا ينام بعد العشاء بل يظل ساهرا يحيي الليل في القراءة ، ولا ينام إلا بعد أن يصلي الصبح في المسجد. وإقبال تتعجب من هذا و تثني عليه.

    إقبال امرأة في الثلاثينات من عمرها ، متحررة إلى حد ما . فلا ترتدي في الغالب ثيابا محتشمة . وهذا كان يؤذي عليا و يؤلمه في أحيان كثيرة و يكاد لا يجد له مبررا أبدا! فهي امرأة متزوجة و عندها أولاد فما الذي يجعلها تتبرج على هذا النحو حتى و لو كانت غير متدينة؟! وأيضا ما الذي يجعل والديه يحرصان على هذه العلاقة المتميزة مع هؤلاء الجيران ؟ صحيح أن أهله لا يعدون في المصطلح العامي الشائع : متزمتين كما يتهم به أهل جعفر مثلا ، فالحاج مصطفى لا يرى ضيرا في السلام باليد على إقبال ولا يرفض دعواتهم المتكررة لحضور احتفالات مناسباتهم الخاصة التي لا تكاد تنتهي. ورغم ما يرافق هذه الإحتفالات من رقص و غناء و خمر في بعض الأحيان إلا أن الحاج مصطفى لا يعتذر عنها بل يحضر و يهنئ و يمشي سريعا. وفي ظنه أنه بهذا فعل الخير من تلبية الدعوة و التهنئة و لم يشارك في الشر الذي يتخلل الحفل .... لكن هذا التبرير لم يكن يعجب عليا أبدا بل يعده ضعفا واضحا لا وجه له!

    وقد حصل و ألحت عليه والدته أن يحضر معهم بعض تلك الإحتفالات التي تؤكد لهم فيها إقبال مسبقا خلوها من الخمر و الغناء إلا أن عليا يرفض بشدة و لا يقبل المشاركة فيها. و أما والده فلا يضغط عليه في هذا بل لا يكاد يطلبه منه أبدا !

    دخلت الحاجة صفية على علي لتقطع عليه حبل أفكاره و لتطلب منه أن يرتدي ثيابه و يحضر إلى الصالة فجارتهم إقبال تريده في أمر. استوقفها علي ليسألها عما تريده إقبال لكنها لم تجبه و أصرت أن يسمع منها بنفسه.

    نهض علي ولبس ثيابه و اتجه إلى الصالة و الإنزعاج باد على محياه. ألقى السلام ثم جلس بعد أن رفض يد إقبال الممتدة إليه كالعادة ! فهي في كل مرة تمد يدها و يردها علي خائبة ! ومع ذلك لا تمل و لا تكل ! وكان هذا يزعج عليا ولا يكاد يحتمله ، إلى أن حوله إلى نوع من التحدي و التصميم أن يكسفها في كل مرة و أيا يكن الحضور!
    وكالعادة تعزف إقبال سمفونيتها المعروفة أنها كوالدته تماما و أنها كانت تحمله في صغره كثيرا ... و كان لا ينام إلا على كتفيها! وعلي يبتسم و يعتذر و يحاول تغيير الموضوع.

    ثم دخلت والدته مع إقبال في حديث عن الجيل الجديد الذي لا يعرف التوسط و الإعتدال أبدا ؛ فإما متفلت سكير و إما متزمت متشدد ، و أما التوسط الذي تصف به زوجها الحاج مصطفى فلا يكاد يوجد في هذا الجيل . و إقبال تثني على قولها و تؤكد عليه خصوصا ما كان منه متعلقا بوسطية الحاج مصطفى و اعتداله!

    وبعد هذه التعليقات التفتت إقبال إلى علي لتخاطبه وقد كان على وشك الإنسحاب من المجلس الذي لم يرقه مطلقا خاصة مع وجود سارة التي يصنفها علي بأنها نسخة مطورة عن أمها !

    ابتدأت إقبال حديثها بالثناء على تفوقه العلمي وشاركتها سارة في هذا ، فقاطعهم علي شاكرا لهم ثناءهم ومديحهم. بعد ذلك طلبت منه إقبال ما أربكه و أقلقه من تدريس ابنتها سارة مادة الرياضيات حيث ستنتقل إلى مدرسة القرية هذه السنة مما يستلزم أن تتقدم إلى امتحان الدخول بعد أيام قليلة . لم يرق لعلي الطلب كما لم يرق له السبب أيضا فهذا يعني أن سارة ستصبح طالبة في مدرستهم! والمدرسة لا ينقصها أمثال سارة من المتبرجات المستهترات! حاول أن يعتذر ويعطي حلولا بديلة كأن يعيرها بعض الكتب المساعدة . و لكن إقبال أصرت على طلبها وأحس علي أنه إن رفض طلبها فستعدها هذه المرأة إهانة ، و ليس هناك أي مجال أن تتفهم وجهة نظره الشرعية مهما حاول ! فهي في نظره مجرد قالب مقفل لا يستقبل و لا يرسل ؛ يتعامل فقط مع ما هو مخزن داخله! فقبل علي على مضض. و ضرب صباح الغد موعدا لبدء أول جلسة تعليم . وانفض المجلس و علي منشغل الذهن بما حدث معه .

    أليس هذا ضعفا منه ؟ ألم يكن يجدر به أن يرفض هذا الطلب ؟ أو ليس هو من ينتقد صنيع والده أنه لا يقف منهم الموقف الشرعي الصحيح ؟ ما الفرق بين ما ينتقده في والده و يسميه ضعفا واضحا و بين ما فعله هو الآن منذ لحظات؟!!! أوليس الأمر واحدا وإن اختلفت التفاصيل ؟! لم يستطع ذهن علي أن يفرق بين الصنيعين فاستسلم لنتيجة أنهما مستويان و أن ما فعله آنفا مجرد ضعف ليس إلا!
    هذا الضعف لم يستوقف حركة علي و لم يشل نشاطه لأنه تعود منذ تفتحه أن يكون شديد الصراحة مع نفسه . وهو توجيه تعلمه من إحدى المحاضرات المسجلة التي أهداها له جعفر قبل سنوات. وقد تأثر بها علي كثيرا و درج على حوار نفسه و مصارحتها منذ ذلك الحين.
    فهذا الخطأ و هذا الضعف ليس هو أول و لا آخر أخطائه و ضعفه ؛ بل هناك كيت و كيت مما يقع فيه علي بين الفينة و الفينة. لكنه برغم هذا لا يسمح لنفسه أن تتعلق بأسباب واهية تبرر هذه الأخطاء من مثل فساد الزمان و عدم وجود الدولة الإسلامية التي تحفظ على الناس دينهم و خلقهم . علي لا يقنع بمثل هذه التبريرات و يعدها سخيفة لا تنهض لمجرد نقاشها.

    وقد كان يشعر في داخله أنه ثمة شيء إن عرفه و انفتح له أغلق كل تلك الأبواب و لم يعد لتلك الاخطأء و لا لذلك الضعف سبيل إلى قلبه و نفسه! لكنه لا يعرف ما هو و لا أين يجده؟! إلا أن مجرد وجود هذه الفكرة وإستيلائها على قلبه و ذهنه كان كافيا لفتح باب الأمل و مساعدته على تخطي نتائج هذه الأخطاء وما قد تقتضيه من يأس و قعود!
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد القلموني ; 23-06-2008 الساعة 11:48 AM

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    في إنتظار التتمة...
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  4. #4

    افتراضي

    -4-


    في المساء أثناء لقاء التينة هم علي أن ينفرد بجعفر و يخبره بما حصل معه اليوم ، لكنه عدل عن ذلك و رأى ان يشغل نفسه بتأمل الطبيعة الساحرة ؛ فهو يشعر في أعماقه أن ما يبحث عنه سيجده يوما في لحظة من لحظات تأمله و تفاعله مع جمال الكون الساحر. هنا يكتشف علي نفسه أكثر فأكثر و تضيء له هذه التأملات مساحات واسعة من نفسه ، كانت مظلمة قاتمة فإذا بسحر الطبيعة يضيئها و يلونها بألوان متفتحة خلابة!

    انقضت سويعات اللقاء الأخوي الحميم ، و مضى كل منهما إلى بيته يسرع الخطى ليبدأ عملا آخر يغني به ذاته و يرقي فيه نفسه. جعفر بثبات قلبه و بساطة فكره و قوة منطقه و إدراكه لما يريد ، و علي برهافة نفسه و تفجر مشاعره و تتطلعه نحو المجهول الذي يحسه و لا يدركه ! فعلي لا يسير إلى الهدف بعقله فقط بل غالبا ما يسبقه قلبه إليه فيتحسسه و يستشعره و يهيم به فترة. ثم إذا هدأت مشاعره و استقرت نفسه عاد يشق الطريق إليه مرة أخرى بالعقل و التجرد و دقة المحاكمة . و لذلك كان على علي أن يسلك الطريق التي يسلكها جعفر مرتين !


    وصل جعفر منزله ليجد والدته كالعادة في غرفتها تركع و تسجد و تقرأ في كتاب الله تعالى دون كلل و لا ملل.
    منذ الصغر و جعفر يرى والدته على هذا النحو ؛ لذلك كانت لكلمات أم جعفر وقع في نفسه ..... . هكذا صاغته منذ صغره بالتوجيه و السلوك المطابق لما توجهه به. فجاء على نحو فريد لا يكاد يشغله شيء غير الطاعة و تحقيق العبادة ؛ كما يحلو لأم جعفر أن تقول . فهذه العبارة هي واحدة من مجموع عبارات تشكل قاموس أم جعفر. و قد قامت أم جعفر ببناء ولدها لبنة لبنة بمفردات قاموسها الإسلامي المتميز ؛ و الذي هو عبارة عن حصيلة قراءاتها و سماعها للمحاضرات و الدروس ومنها دروس الشيخ محمد صديق زوجها الراحل .
    مرة جاءها خطاب من المدرسة يطلبها أن تحضر على عجل. ولما حضرت ، أخبرها المدير بأن ولدها رفض أمرا مدرسيا وجه إليه.فطلبت من المدير أن يشرح لها حقيقة الأمر فعلمت أن ولدها إنما رفض تقسيم أحد الأساتذة الذي وضعه هو وفتاة مستهترة في مجموعة واحدة لتنفيذ مشروع يتطلب لقاءات خارج دوام المدرسة. وكم كانت دهشة المدير كبيرة عندما سمعها تقول : لأن يترك ولدي المدرسة خير لي من أن يقبل أمر هذا الاستاذ! ثم شرحت له خطورة هذا الأمر و كيف أنه أولا مخالف للشريعة و ثانيا قد يكون ذريعة إلى انحراف تضيع معه سعادة الدنيا و الآخرة..... إلى غير هذا من مفردات قاموسها الإسلامي التربوي الغني... ثم مضت أم جعفر وتركت المجلس وسط دهشة واستغراب المدير و الأساتذة الحاضرين!
    ولكن الأمر تطور و ركب المدير رأسه فقرر أن يفصل جعفر إذا لم يلتزم أمر أستاذه متعللا بأنه إن رضخ لجعفر فستكون سابقة تجر ما بعدها!
    و جاءها الخطاب الرسمي من الإدارة فقالت بكل بساطة و برود: فلينتقل جعفر إلى مدرسة جديدة!
    ولما راجعتها أختها في الموضوع و كيف أن هذا قد يعني ضياع هذه السنة على جعفر .... أجابتها ببرود ، وهي تحدق في الأفق ، وبعد أن رشفت من قدح شاي كان في يدها رشفات عدة : بل يستغل جعفر ما تبقى من هذه السنة ليكمل حفظ كتاب الله تعالى و يلازم الشيخ محمد في دروسه العلمية كلها!
    وبقي الطرفان على عنادهما إلى أن توسط بعض الأقرباء من وجهاء القرية لدى المدير و أقنعوه بالعدول عن قراره!


    استيقظ علي على صوت والدته تقول له : هيا يا علي فقد حان موعد الجلسة مع سارة ، وما هي إلا لحظات و تصل. جلس علي في السرير و بدأت الأفكار تنساب في جداول الخواطر؛ خاطر يتبعه خاطر وزخم المشاعر يعلو و يتلاطم على جنباتها....... الآن بعد قليل سيفعل ما لا يجده صوابا! لماذا؟! مجاملة لجيرانهم و أصدقاء والديه! وكان هذا يعذبه و يؤلمه! فهو إن رفض الطلب دخل في مشاكل مع والديه و إن قبله دخل في مشاكل مع نفسه!

    هذا من جهة و من جهة أخرى يخشى علي على نفسه من سهام إبليس التي سيرشق بها لا محالة في جلسة التدريس ولن تنفع كل الإحتياطات و الإستعدادات النفسية المسبقة فهو يعرف نفسه جيدا و يدرك حقيقة ضعفه! ....
    لكن مهلا لماذا يفكر على هذا النحو؟ لماذا لا يقبل التحدي و يعطيها درسا في الخلق الإسلامي و الثبات الإيماني؟ لعله يؤثر فيها فتنقلب حالها! ..... لكن لا ..... أليس هذا قبولا بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة والتي طالما انتقدها و شنع على أهلها ! أليس هذا ضربا للإتباع الشرعي بعرض الحائط ؟!!.........

    ارتدى علي ثيابه و جلس في الصالة ينتظر الموعد وخواطر شتى تتنازع نفسه و عقله. وما هي إلا لحظات حتى طرق الباب و دخلت سارة بزينة بهية و حلة كاشفة و عطر فواح ، وما هو إلا أن وقعت عينه عليها و شم أنفه عطرها حتى أصابه إبليس بمقتل فأسقط في يديه وانهدمت احتياطاته و استعداداته فوق رأسه!

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد القلموني مشاهدة المشاركة
    ارتدى علي ثيابه و جلس في الصالة ينتظر الموعد وخواطر شتى تتنازع نفسه و عقله. وما هي إلا لحظات حتى طرق الباب و دخلت سارة بزينة بهية و حلة كاشفة و عطر فواح ، وما هو إلا أن وقعت عينه عليها و شم أنفه عطرها حتى أصابه إبليس بمقتل فأسقط في يديه وانهدمت احتياطاته و استعداداته فوق رأسه!

    بالإنتظار!!

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الزاهر مشاهدة المشاركة
    بالإنتظار!!



    صرنا ٢
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

  7. #7

    افتراضي

    -5-



    في المساء جلس الصديقان كالعادة على الشاطئ ينتظران غروب الشمس و يحدقان في الأفق البعيد. جعفر يتمتم بالأذكار و علي تتجاذبه الأفكار و الآلام إلى أن حانت لحظة الغروب فنسي علي كل شيء و استغرق مع المشهد البهي الساحر. ثم مرت لحظات تحول فيها ألمه إلى طاقة و خواطره المتصارعة إلى خاطر واحد وهم ملتهب و عزم صلب... في هذا المقام يستحضر علي أنه في صدد البحث عما به ستتضح الصورة و تنجلي الحقيقة ، فتتغير حاله و يشتد عوده و ينطلق بثبات تهفو إليه النفوس .....

    يمر الوقت سريعا ولكن مسلسل الأفكار و صور الخواطر لم تحط رحالها بعد ، و لا يتوقع لها ذلك في ذهن كذهن علي و قلب كقلبه و نفس كنفسه... وينطلق الأخوان إلى المسجد و علي أبدا لا يتوقف عن التفكير و تملي الدلالات التي التقطها في جلسة تأمل الغروب ... هناك حقيقة كبرى يحس بها و لكنه لا يعيها بعد ؛ تناغم هائل بينها و بين مكوناته ورغم ذلك لا يهتدي إليها ! .... قلبه يتفطر و يتحرق شوقا إليها ؛ يناديها يصرخ بها في أعماقه أن تأتيه على عجل و لكن ما من مجيب ! تلوح و تتوارى ! هذا دأبها معه ! كفاتنة في حديقة غناء تميس وتتهادى بين الأشجار و الأزهار ليلوح منها جمال و يختفي جمال آخر فلا تكاد تحيطها الأعين و لا تكاد تكتمل منها الصورة ! فالنفوس منها على حرقة و القلوب إليها على شوق ! و أي شوق ؟! شوق تختلج به الأضلاع و يضطرب له الجنان و تسير بحدائه الدموع تزحف في أسى و صمت على صفحات الوجه الحزين !


    بعد صلاة العشاء طلب جعفر من علي أن يرافقه إلى منزل الشيخ محمد ليسأله في بعض المسائل الفقهية. علي الذي كان يتوق إلى لقاء مع الشيخ محمد منذ زمن ، قبل على الفور و توجه مع جعفر إلى منزل الشيخ . فاستقبلهم الشيخ و البشر يعلو وجهه و محياه و رحب بهما أشد ترحيب . ثم اصطحب ابريقا من الشاي كان قد أعد للتو و سلة فواكه و انطلق بهما إلى حديقة المنزل ومنها إلى حديقة مجاورة تبعد عن البيت قليلا ، و تلتقي بطريق جبلية تعود أن يسلكها جعفر و علي في طريقهما إلى التينة.

    وجلس الثلاثة تحت شجرة زيتون عتيقة في سكون ليل ساحر ، يضيء ظلمته بدر منير يتوسط سماء صافية كصفاء قلوب الثلاثة...
    بعد السؤال عن الأحوال و الطمأنينة على الأهل و الخلان استأذن جعفر بطرح الاسئلة على الشيخ .
    فسأله عن صيام التطوع إن فسد هل يقضى؟ و سأله أيضا عن الوتر وقضائه.
    تنحنح الشيخ و النور يسري بين قسمات وجهه ويشع بريقا في عينيه وابتدأ الكلام قائلا بعد الحمد و السلام :
    إخوتي الكرام لا يأتيكما سؤال من الفقه في المعاملات أو العبادات إلا أتيتكم ببيانه مفصلا شافيا من القرآن المحكم و السنة الصحيحة الصريحة ... ما هو راسخ منه في ذاكرتي أستظهره بعون الله و توفيقه و ما شذ عني و غاب أطلبه في بطون الكتب و أمهات التصانيف وأبذل جهدي في البحث عن أدلته حتى أضعه بين أيديكم غضا طريا يسيل له لعاب أهل التحقيق و الإتباع. ذلكما مما علمني ربي و أكرمني حيث ابتدأت منذ نعومة أظفاري بقراءة كتب السنة و شروحها ، حتى إذا اشتد عودي شددت الرحال إلى مجالس العلماء أسمع منهم و أتفقه عليهم و أتأدب على يديهم ؛ فما تركت عالما يبلغني إياه زادي و راحلتي إلا شددت إليه ولازمته و أخذت عنه. ولله وحده الحمد على ذلك كله ، إذ ليس بجهدي و لا جهادي وصلت و إنما بتوفيق ربي و كرمه و منته علي. إخوتي الكرام ما خلقنا الله في هذه الدنيا إلا لأمر واحد و هدف جامع : معرفته و توحيده. فوا أسفا على أناس أتوا إلى الدنيا فملأوها ضجيجا و صراخا ثم خرجوا منها و ما عرفوا أجمل ما فيها ! أتوا إليها فعاشوا كالأنعام بين أهلها ثم خرجوا فودعوها وما فقهوا منها شيئا و لا عرفوا لها و لا لوجودهم هدفا! إخوتي الكرام أحياة كهذه لا ضابط فيها و لا ميزان و لا أمن و لا أمان خير أم حياة التوحيد و الطاعة و الخضوع لله الواحد الديان؟! أيفضل المرء الظلمة على النور و الموت على الحياة ويبقى مع ذلك معدودا في العقلاء؟! ..... ثم شرع بذكر الأجوبة على أسئلة جعفر مستنبطا من القرآن و السنة و الأثر ؛ لا يتكلم كلمة و لا يذكر قاعدة إلا استظهر لها من الأدلة ما يعضدها و يؤكدها.
    كل هذا و علي مشدوه يتابع بدقة و انفعال و توثب ، يلتقط المعاني معنى معنى بتلهف يتوق إلى المزيد و المزيد.

    رغم أن الشيخ لم يتكلم كثيرا ولم يتكلم بكلام مبتكر غير مسبوق إلا أن عليا أدرك بأدواته الشاعرية المرهفة أن ثمة وراء هذا الكلام شيئا يتعلق بما يبحث عنه! إذ أن تفاعله النفسي مع هذا الكلام كان أشبه ما يكون بتفاعلاته وأحاسيسه مع الطبيعة في جلسة الغروب و جلسات تأمل الكون الساحر! هناك شيء مشترك بينهما يومض و يختفي ومع كل ومضة حزمة من الدلالات الغامضة يحاول علي أن يلتقطها و يترجمها فما يفلح! لا يزال يحتاج إلى لغة خاصة يترجم من خلالها هذه الدلالات ! و لكن أين يجد هذه اللغة وكيف له أن يتعلم أبجدياتها و تراكيبها؟!...

    الشيخ بدا لعلي واثقا مما يقوله مطمئنا إليه غاية الإطمئنان يمضي في حديثه و كأنه يقرأ من كتاب مفتوح و سفر مكشوف لا رموز فيه و لا تعقيد و لا طلسمة! وكان هذا يشد عليا وكيف لا ؟! وهو المتعطش إلى هذه الطمأنينةو الباحث عن تلك الثقة ؟!

    في لقائه الأول المباشر مع الشيخ محمد لم ينبس علي ببنت شفة ، اكتفى فقط بتشكر الشيخ على موعظته و استأذنه أن يزوره في القريب في أمر يشكل عليه و لم يجد له حلا. فرحب الشيخ بفكرة الزيارة أشد ترحيب . و انفض المجلس على أن يكون موعد الزيارة بعد غد .


    مضى علي إلى منزله وهو يسترجع كلمات الشيخ و يدقق في معانيها و يقيس مستويات التأثير و الأهمية فيها و يبحث عن السر وراء عظمتها و رونقها ...... فلم يلبث طويلا حتى تبين له أن الشيخ يجيد لغة العقل تماما كما يجيد لغة القلب! بل يجيدهما معا في أسلوب متوازن لا يسمح لأحدهما أن يطغى على الآخر!.....
    فشده هذا الإستنتاج للشيخ أكثر و عزم أن يختبره في اللقاء المقبل . و ليكن الإختبار الأول في مجال العقليات الذي يتصدر الأهم في اهتمامات علي ! ......


    في صباح اليوم التالي كان علي لا يزال حديث عهد بلقاء العقل و العاطفة ، بلقاء الروح و الفكر ، بلقاء من نوع آخر من ماهية مختلفة من طبيعة متميزة ؛ لقاء طالما تاقت له النفس و اشتاقت له الروح و هفا إليه العقل ! علي في كينونته يحب هذا النوع من التمازج ، يهيم بهذا النسيج المتألق وهذا التناغم الساحر....
    ولذلك مرت جلسة التدريس مع سارة دونما خسائر تذكر ؛ فجذوة جمال وسحر اللقاء الروحي الفكري لم تخبت بعد و ليس ثمة مقارنة بينها و بين جمال المادة في حس علي ! لهذا كان انتصارا مميزا تفتحت له نفس علي و تألقت مداركه ورقت روحه و سما عقله ...
    وفي المساء كان لجلسة الغروب طعم مختلف و مذاق آخر فتفاعل الروح المنتصرة على الجسد مع جمال الكون و سحر الطبيعة ليس كتفاعلها وهي أسيرة الجسد و المادة! لقد أحس علي في هذه الجلسة أنه اقترب خطوة من فهم دلالات الجمال الكوني الساحر... لكن الحقيقة لا تزال تومض و تختفي و بين الحالين كم من رموز غامضة مكثفة تنتظر الترجمة و التحليل ...

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •