-4-


في المساء أثناء لقاء التينة هم علي أن ينفرد بجعفر و يخبره بما حصل معه اليوم ، لكنه عدل عن ذلك و رأى ان يشغل نفسه بتأمل الطبيعة الساحرة ؛ فهو يشعر في أعماقه أن ما يبحث عنه سيجده يوما في لحظة من لحظات تأمله و تفاعله مع جمال الكون الساحر. هنا يكتشف علي نفسه أكثر فأكثر و تضيء له هذه التأملات مساحات واسعة من نفسه ، كانت مظلمة قاتمة فإذا بسحر الطبيعة يضيئها و يلونها بألوان متفتحة خلابة!

انقضت سويعات اللقاء الأخوي الحميم ، و مضى كل منهما إلى بيته يسرع الخطى ليبدأ عملا آخر يغني به ذاته و يرقي فيه نفسه. جعفر بثبات قلبه و بساطة فكره و قوة منطقه و إدراكه لما يريد ، و علي برهافة نفسه و تفجر مشاعره و تتطلعه نحو المجهول الذي يحسه و لا يدركه ! فعلي لا يسير إلى الهدف بعقله فقط بل غالبا ما يسبقه قلبه إليه فيتحسسه و يستشعره و يهيم به فترة. ثم إذا هدأت مشاعره و استقرت نفسه عاد يشق الطريق إليه مرة أخرى بالعقل و التجرد و دقة المحاكمة . و لذلك كان على علي أن يسلك الطريق التي يسلكها جعفر مرتين !


وصل جعفر منزله ليجد والدته كالعادة في غرفتها تركع و تسجد و تقرأ في كتاب الله تعالى دون كلل و لا ملل.
منذ الصغر و جعفر يرى والدته على هذا النحو ؛ لذلك كانت لكلمات أم جعفر وقع في نفسه ..... . هكذا صاغته منذ صغره بالتوجيه و السلوك المطابق لما توجهه به. فجاء على نحو فريد لا يكاد يشغله شيء غير الطاعة و تحقيق العبادة ؛ كما يحلو لأم جعفر أن تقول . فهذه العبارة هي واحدة من مجموع عبارات تشكل قاموس أم جعفر. و قد قامت أم جعفر ببناء ولدها لبنة لبنة بمفردات قاموسها الإسلامي المتميز ؛ و الذي هو عبارة عن حصيلة قراءاتها و سماعها للمحاضرات و الدروس ومنها دروس الشيخ محمد صديق زوجها الراحل .
مرة جاءها خطاب من المدرسة يطلبها أن تحضر على عجل. ولما حضرت ، أخبرها المدير بأن ولدها رفض أمرا مدرسيا وجه إليه.فطلبت من المدير أن يشرح لها حقيقة الأمر فعلمت أن ولدها إنما رفض تقسيم أحد الأساتذة الذي وضعه هو وفتاة مستهترة في مجموعة واحدة لتنفيذ مشروع يتطلب لقاءات خارج دوام المدرسة. وكم كانت دهشة المدير كبيرة عندما سمعها تقول : لأن يترك ولدي المدرسة خير لي من أن يقبل أمر هذا الاستاذ! ثم شرحت له خطورة هذا الأمر و كيف أنه أولا مخالف للشريعة و ثانيا قد يكون ذريعة إلى انحراف تضيع معه سعادة الدنيا و الآخرة..... إلى غير هذا من مفردات قاموسها الإسلامي التربوي الغني... ثم مضت أم جعفر وتركت المجلس وسط دهشة واستغراب المدير و الأساتذة الحاضرين!
ولكن الأمر تطور و ركب المدير رأسه فقرر أن يفصل جعفر إذا لم يلتزم أمر أستاذه متعللا بأنه إن رضخ لجعفر فستكون سابقة تجر ما بعدها!
و جاءها الخطاب الرسمي من الإدارة فقالت بكل بساطة و برود: فلينتقل جعفر إلى مدرسة جديدة!
ولما راجعتها أختها في الموضوع و كيف أن هذا قد يعني ضياع هذه السنة على جعفر .... أجابتها ببرود ، وهي تحدق في الأفق ، وبعد أن رشفت من قدح شاي كان في يدها رشفات عدة : بل يستغل جعفر ما تبقى من هذه السنة ليكمل حفظ كتاب الله تعالى و يلازم الشيخ محمد في دروسه العلمية كلها!
وبقي الطرفان على عنادهما إلى أن توسط بعض الأقرباء من وجهاء القرية لدى المدير و أقنعوه بالعدول عن قراره!


استيقظ علي على صوت والدته تقول له : هيا يا علي فقد حان موعد الجلسة مع سارة ، وما هي إلا لحظات و تصل. جلس علي في السرير و بدأت الأفكار تنساب في جداول الخواطر؛ خاطر يتبعه خاطر وزخم المشاعر يعلو و يتلاطم على جنباتها....... الآن بعد قليل سيفعل ما لا يجده صوابا! لماذا؟! مجاملة لجيرانهم و أصدقاء والديه! وكان هذا يعذبه و يؤلمه! فهو إن رفض الطلب دخل في مشاكل مع والديه و إن قبله دخل في مشاكل مع نفسه!

هذا من جهة و من جهة أخرى يخشى علي على نفسه من سهام إبليس التي سيرشق بها لا محالة في جلسة التدريس ولن تنفع كل الإحتياطات و الإستعدادات النفسية المسبقة فهو يعرف نفسه جيدا و يدرك حقيقة ضعفه! ....
لكن مهلا لماذا يفكر على هذا النحو؟ لماذا لا يقبل التحدي و يعطيها درسا في الخلق الإسلامي و الثبات الإيماني؟ لعله يؤثر فيها فتنقلب حالها! ..... لكن لا ..... أليس هذا قبولا بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة والتي طالما انتقدها و شنع على أهلها ! أليس هذا ضربا للإتباع الشرعي بعرض الحائط ؟!!.........

ارتدى علي ثيابه و جلس في الصالة ينتظر الموعد وخواطر شتى تتنازع نفسه و عقله. وما هي إلا لحظات حتى طرق الباب و دخلت سارة بزينة بهية و حلة كاشفة و عطر فواح ، وما هو إلا أن وقعت عينه عليها و شم أنفه عطرها حتى أصابه إبليس بمقتل فأسقط في يديه وانهدمت احتياطاته و استعداداته فوق رأسه!