-5-



في المساء جلس الصديقان كالعادة على الشاطئ ينتظران غروب الشمس و يحدقان في الأفق البعيد. جعفر يتمتم بالأذكار و علي تتجاذبه الأفكار و الآلام إلى أن حانت لحظة الغروب فنسي علي كل شيء و استغرق مع المشهد البهي الساحر. ثم مرت لحظات تحول فيها ألمه إلى طاقة و خواطره المتصارعة إلى خاطر واحد وهم ملتهب و عزم صلب... في هذا المقام يستحضر علي أنه في صدد البحث عما به ستتضح الصورة و تنجلي الحقيقة ، فتتغير حاله و يشتد عوده و ينطلق بثبات تهفو إليه النفوس .....

يمر الوقت سريعا ولكن مسلسل الأفكار و صور الخواطر لم تحط رحالها بعد ، و لا يتوقع لها ذلك في ذهن كذهن علي و قلب كقلبه و نفس كنفسه... وينطلق الأخوان إلى المسجد و علي أبدا لا يتوقف عن التفكير و تملي الدلالات التي التقطها في جلسة تأمل الغروب ... هناك حقيقة كبرى يحس بها و لكنه لا يعيها بعد ؛ تناغم هائل بينها و بين مكوناته ورغم ذلك لا يهتدي إليها ! .... قلبه يتفطر و يتحرق شوقا إليها ؛ يناديها يصرخ بها في أعماقه أن تأتيه على عجل و لكن ما من مجيب ! تلوح و تتوارى ! هذا دأبها معه ! كفاتنة في حديقة غناء تميس وتتهادى بين الأشجار و الأزهار ليلوح منها جمال و يختفي جمال آخر فلا تكاد تحيطها الأعين و لا تكاد تكتمل منها الصورة ! فالنفوس منها على حرقة و القلوب إليها على شوق ! و أي شوق ؟! شوق تختلج به الأضلاع و يضطرب له الجنان و تسير بحدائه الدموع تزحف في أسى و صمت على صفحات الوجه الحزين !


بعد صلاة العشاء طلب جعفر من علي أن يرافقه إلى منزل الشيخ محمد ليسأله في بعض المسائل الفقهية. علي الذي كان يتوق إلى لقاء مع الشيخ محمد منذ زمن ، قبل على الفور و توجه مع جعفر إلى منزل الشيخ . فاستقبلهم الشيخ و البشر يعلو وجهه و محياه و رحب بهما أشد ترحيب . ثم اصطحب ابريقا من الشاي كان قد أعد للتو و سلة فواكه و انطلق بهما إلى حديقة المنزل ومنها إلى حديقة مجاورة تبعد عن البيت قليلا ، و تلتقي بطريق جبلية تعود أن يسلكها جعفر و علي في طريقهما إلى التينة.

وجلس الثلاثة تحت شجرة زيتون عتيقة في سكون ليل ساحر ، يضيء ظلمته بدر منير يتوسط سماء صافية كصفاء قلوب الثلاثة...
بعد السؤال عن الأحوال و الطمأنينة على الأهل و الخلان استأذن جعفر بطرح الاسئلة على الشيخ .
فسأله عن صيام التطوع إن فسد هل يقضى؟ و سأله أيضا عن الوتر وقضائه.
تنحنح الشيخ و النور يسري بين قسمات وجهه ويشع بريقا في عينيه وابتدأ الكلام قائلا بعد الحمد و السلام :
إخوتي الكرام لا يأتيكما سؤال من الفقه في المعاملات أو العبادات إلا أتيتكم ببيانه مفصلا شافيا من القرآن المحكم و السنة الصحيحة الصريحة ... ما هو راسخ منه في ذاكرتي أستظهره بعون الله و توفيقه و ما شذ عني و غاب أطلبه في بطون الكتب و أمهات التصانيف وأبذل جهدي في البحث عن أدلته حتى أضعه بين أيديكم غضا طريا يسيل له لعاب أهل التحقيق و الإتباع. ذلكما مما علمني ربي و أكرمني حيث ابتدأت منذ نعومة أظفاري بقراءة كتب السنة و شروحها ، حتى إذا اشتد عودي شددت الرحال إلى مجالس العلماء أسمع منهم و أتفقه عليهم و أتأدب على يديهم ؛ فما تركت عالما يبلغني إياه زادي و راحلتي إلا شددت إليه ولازمته و أخذت عنه. ولله وحده الحمد على ذلك كله ، إذ ليس بجهدي و لا جهادي وصلت و إنما بتوفيق ربي و كرمه و منته علي. إخوتي الكرام ما خلقنا الله في هذه الدنيا إلا لأمر واحد و هدف جامع : معرفته و توحيده. فوا أسفا على أناس أتوا إلى الدنيا فملأوها ضجيجا و صراخا ثم خرجوا منها و ما عرفوا أجمل ما فيها ! أتوا إليها فعاشوا كالأنعام بين أهلها ثم خرجوا فودعوها وما فقهوا منها شيئا و لا عرفوا لها و لا لوجودهم هدفا! إخوتي الكرام أحياة كهذه لا ضابط فيها و لا ميزان و لا أمن و لا أمان خير أم حياة التوحيد و الطاعة و الخضوع لله الواحد الديان؟! أيفضل المرء الظلمة على النور و الموت على الحياة ويبقى مع ذلك معدودا في العقلاء؟! ..... ثم شرع بذكر الأجوبة على أسئلة جعفر مستنبطا من القرآن و السنة و الأثر ؛ لا يتكلم كلمة و لا يذكر قاعدة إلا استظهر لها من الأدلة ما يعضدها و يؤكدها.
كل هذا و علي مشدوه يتابع بدقة و انفعال و توثب ، يلتقط المعاني معنى معنى بتلهف يتوق إلى المزيد و المزيد.

رغم أن الشيخ لم يتكلم كثيرا ولم يتكلم بكلام مبتكر غير مسبوق إلا أن عليا أدرك بأدواته الشاعرية المرهفة أن ثمة وراء هذا الكلام شيئا يتعلق بما يبحث عنه! إذ أن تفاعله النفسي مع هذا الكلام كان أشبه ما يكون بتفاعلاته وأحاسيسه مع الطبيعة في جلسة الغروب و جلسات تأمل الكون الساحر! هناك شيء مشترك بينهما يومض و يختفي ومع كل ومضة حزمة من الدلالات الغامضة يحاول علي أن يلتقطها و يترجمها فما يفلح! لا يزال يحتاج إلى لغة خاصة يترجم من خلالها هذه الدلالات ! و لكن أين يجد هذه اللغة وكيف له أن يتعلم أبجدياتها و تراكيبها؟!...

الشيخ بدا لعلي واثقا مما يقوله مطمئنا إليه غاية الإطمئنان يمضي في حديثه و كأنه يقرأ من كتاب مفتوح و سفر مكشوف لا رموز فيه و لا تعقيد و لا طلسمة! وكان هذا يشد عليا وكيف لا ؟! وهو المتعطش إلى هذه الطمأنينةو الباحث عن تلك الثقة ؟!

في لقائه الأول المباشر مع الشيخ محمد لم ينبس علي ببنت شفة ، اكتفى فقط بتشكر الشيخ على موعظته و استأذنه أن يزوره في القريب في أمر يشكل عليه و لم يجد له حلا. فرحب الشيخ بفكرة الزيارة أشد ترحيب . و انفض المجلس على أن يكون موعد الزيارة بعد غد .


مضى علي إلى منزله وهو يسترجع كلمات الشيخ و يدقق في معانيها و يقيس مستويات التأثير و الأهمية فيها و يبحث عن السر وراء عظمتها و رونقها ...... فلم يلبث طويلا حتى تبين له أن الشيخ يجيد لغة العقل تماما كما يجيد لغة القلب! بل يجيدهما معا في أسلوب متوازن لا يسمح لأحدهما أن يطغى على الآخر!.....
فشده هذا الإستنتاج للشيخ أكثر و عزم أن يختبره في اللقاء المقبل . و ليكن الإختبار الأول في مجال العقليات الذي يتصدر الأهم في اهتمامات علي ! ......


في صباح اليوم التالي كان علي لا يزال حديث عهد بلقاء العقل و العاطفة ، بلقاء الروح و الفكر ، بلقاء من نوع آخر من ماهية مختلفة من طبيعة متميزة ؛ لقاء طالما تاقت له النفس و اشتاقت له الروح و هفا إليه العقل ! علي في كينونته يحب هذا النوع من التمازج ، يهيم بهذا النسيج المتألق وهذا التناغم الساحر....
ولذلك مرت جلسة التدريس مع سارة دونما خسائر تذكر ؛ فجذوة جمال وسحر اللقاء الروحي الفكري لم تخبت بعد و ليس ثمة مقارنة بينها و بين جمال المادة في حس علي ! لهذا كان انتصارا مميزا تفتحت له نفس علي و تألقت مداركه ورقت روحه و سما عقله ...
وفي المساء كان لجلسة الغروب طعم مختلف و مذاق آخر فتفاعل الروح المنتصرة على الجسد مع جمال الكون و سحر الطبيعة ليس كتفاعلها وهي أسيرة الجسد و المادة! لقد أحس علي في هذه الجلسة أنه اقترب خطوة من فهم دلالات الجمال الكوني الساحر... لكن الحقيقة لا تزال تومض و تختفي و بين الحالين كم من رموز غامضة مكثفة تنتظر الترجمة و التحليل ...