النتائج 1 إلى 50 من 74

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي

    جزاك الله خيرا أخي محمد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    603

    افتراضي

    هناك ما إستصعب علي في قراءتي الأولى للمشاركة الأخيرة

    ربما أفهمها في قراءة ثانية

    .....
    فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

  3. #3

    افتراضي

    عذرا إن كان ثمة ما يحتاج إلى توضيح ولم أعطه حقه من البيان. فما أنا إلا قلم ضعيف يصيد المعاني بما في جعبته المتواضعة من سهام الألفاظ و التعابير. ثم إن بعض المعاني قد تحتاج إلى صائد ماهر فإن تصديت لها ولم أفلح فمن قصوري و قلة حيلتي.

    وعلى كل أنا جاهز للإجابة عن أي سؤال أو استفسار.

  4. #4

    افتراضي

    -7-



    في المساء توجه علي إلى الشاطئ ، ولكنه كان هذه المرة بمفرده لانشغال جعفر بأمر عائلي خاص. وقف علي على الشاطئ ينظر في صمت إلى الأفق و هواء البحر العليل يداعب صفحة قلبه فيموجها بأمواج من الذكرى و الحنين و الشوق.
    في أعماقه يحس أنه ذو ماض عريق ممتد في جذور الزمن ضارب في أعماق التاريخ ؛ قديم قدم هذا العالم الذي يمتع الناظر جماله و يبهر المتأمل سحره و غموضه... يا لله أي جمال و أي بهاء و أي رونق هذا الذي تشع به الطبيعة على الحياة فتصيرها حياة أخرى ليست كالحياة . فهي في معناها تتجاوز معنى الكدح من أجل اللقمة و التعب من أجل الراحة إلى معنى أسمى ، يجعل التعب سلما إلى الحقيقة و الكدح طريقا إلى المعرفة و الصمت مهادا للتأمل...
    الطبيعة لم تزل تنبض بالحقيقة وتنشر تردداتها عبر الأثير منذ فجر التاريخ ، حتى عبق الكون كله بعبقها واندمجت كل الأمواج في طيفها وصارت الدنيا كلها تهتز و ترقص على أنغامها و ألحانها.فلا يغرد عصفور و لا يشع ضوء و لا يفوح عطر إلا وطيفه مشبع بتردداتها ، تلتقطه النفس التائقة الرقيقة الباحثة عن الحقيقة و الجوهر.

    ليلا كان علي جاهزا تماما و حاضرا بكليته و بمجامع نفسه للقاء آخر يتعانق فيه الروح و العقل فيرقصان على أنغام وترددات الحقيقة. في مثل هذه اللقاءات تذوب نفس علي ؛ فتفنى في الموضوع و تحلق مع الكلمات و الأفكار بأجنحة التأمل الهادئ و التفاعل المتفجر .

    اللقاء ضم الثلاثة : جعفر و علي و الشيخ محمد. وقد استأنف فيه الحديث عن منهج القرآن و السنة في باب العقليات . وكيف أن الصحابة لما أخذوا بمنهج القرآن في هذا الباب عصموا من الزلل في الفهم بينما زل كثير من الخلف لتنكبهم المنهج العقلي العلمي القرآني. وتطرق الشيخ إلى البدايات التاريخية للانحراف المنهجي وكيف بدأ و ما العوامل التي أدت إلى ظهوره. ثم الحديث عن الفرق و أنواعها و كيف أنها تشترك جميعا في أن انحرافها لا يعدو تنكب المنهج العقلي القرآني الدقيق إلى مناهج متهافتة لا تكاد تثبت على رأي لا في فرع و لا في أصل. وذلك لأنها مضطربة في أصولها المنهجية جارية فيها وراء أهواء و آراء سقيمة ليس لها ما يسند من الدليل و البرهان.

    علي وجعفر يستمعان و يتابعان بدقة و انفعال. ثم شرع علي بتوجيه سؤال للشيخ عن دور العقل و مساحته في الإسلام؟ وهل حد له الإسلام حدا لا يتعداه ؟ أم نظمه من حيث أطلقه في مواضع و ضيق عليه في مواضع أخرى؟ وما حقيقة قول بعضهم أن غالب الفرق الكلامية ضلت لاعتمادها العقل سبيلا للمحاكمة و التمييز؟!

    تنحنح الشيخ و طلب من علي و جعفر أن يتابعا جوابه حتى ينتهي. ثم قال :

    أحبتي في الله ، في التصور الإسلامي لا تنفك المسؤولية الشخصية عن العقل و التمييز بل لا توجد إذا عدم العقل. بل بمجرد ما يرتفع العقل ترتفع معه إلا أن يكون ارتفاعه اختيارا كأن يتعاطى ما يزيله و يحجبه ؛ فهذه الحالة يختلف حولها أهل العلم وفيها تفصيل ليس هذا أوانه ومكانه.
    وفي التصور الإسلامي الإنسان ليس شيئا سوى عقل و أدوات علم من سمع و بصر . فأما أدوات العلم فهي لا تعدو كونها أدوات استقبال ليست إلا . و أما العقل فبه تتمايز الصور و الأشياء و يتحدد الوجود الخارجي و ترصد القوانين و الأحداث و الآيات و البراهين الخ...

    فبالعقل أنت لا بشيء آخر ؛ ومتى ما ألغيت عقلك ألغيت وجودك و كيانك بالكلية. ولهذا حرص الإسلام على العقل كل الحرص فمنع المسلم من تعاطي ما يؤثر فيه فضلا عما يرفعه و يزيله بالكلية. ولم يميز الإسلام بين النائم حال نومه و السكران حال سكره و المجنون فترة جنونه وسوى بينها باعتبار أنها تشترك و تندرج جميعا تحت مسمى زوال العقل.
    بل لو قيل أن معنى المسؤولية الشرعية هو العقل مطابقة لكان لهذا القول حظ من النظر و نصيب من الإصابة. ولو تأمل متأمل في الخطابات الشرعية لوجدها جميعها موجهة للعقل سواء منها ما كان حواريا أو تكليفيا أو وعظيا. فلهذا نقول ، و أرجو أن تنتبهوا و تدققوا في الآتي:
    الإسلام أطلق للعقل العنان و فتح له الباب على مصراعيه فلا محدودية للعقل في ديننا على الإطلاق. إذ كيف نحد العقل ؟ وبأي شيء ؟ ليس ثمة جواب على هذا السؤال إلا أن نقول : بالعقل ؛ أي نحد العقل بالعقل. فهذا الجواب الإضطراري دليل بين على أنه لا يحد في باب العقليات إلا ما يحده العقل نفسه و بالتالي فإن إطلاقه هو المتعين. ولا يقال في هذا المقام بل العقل يحد بالشريعة ؛ فإن هذا ليس هو موضع البحث لأننا لا ننازع في هذا و لا نتردد في إثباته ، بل نضلل من يتردد في هذا . و من أثبت خلافه وقطع به هو عندنا زنديق ولا كرامة. بل كلامنا الآن منحصر حول العقل بوصفه أداة تمييز لا أصلا يرد إليه ؛ لأن الأصل الذي يرد إليه ينبغي أن يجمع أوصافا من بينها العصمة والإحاطة وغيرها مما لا يمكن إضافته للعقل . فهذا هو مفهوم العقل عندنا و هذا التصور هو الذي عليه المعول في خطابات الشارع ؛ ومن تأمل آي القرآن وجدها تتوسط العقل بوصفه أداة تمييز وتحليل لا مرجعا يرد إليه.
    وأما الفرق الكلامية فغلطها وضلالها من جهة العموم أنها تعد العقل مرجعا لا مجرد أداة تمييز .وهذا لو تأملوه فيه مناقضة للعقل نفسه. وغلطهم و ضلالهم في التفاصيل واضح و بين لمن تأمل كلامهم و حجاجهم الذي يكثر فيه اعتماد ما لا دليل عليه و تركيب مقدمات خاطئة يرتبون عليها نتائج باطلة معارضة لنصوص الوحيين ؛ ثم لا يكترثون بهذه المخالفة و لا يغتمون لها بل سريعا ما يستلون سيف التأويل ويعملونه في ظواهر النصوص التي هي عندهم غير مرادة إلا إن وافقت أهواءهم وقواعدهم الخاصة!...

    ومضى الشيخ يشرح و يفصل و يعدد وعلي وجعفر يتابعان باهتمام بالغ و استغراق كامل. علي لم يكتف بالمتابعة فقط بل كان يسجل في كراس عنده بعض الأفكار و العناوين ، إضافة إلى أسماء المراجع و الكتب و الشخصيات التي يذكرها الشيخ في كلامه.

    وانفض اللقاء في ساعة متأخرة من الليل ليرجع كل من الأخوين إلى بيته بعد أن تواعدا على الذهاب غدا إلى السوق لشراء ما يتيسر من الكتب. وكانت تلك فكرة علي الذي لم يستطع النوم ليلتها من شدة شوقه أن يطلع الصباح و ينطلق مع جعفر للبحث عن تلك المراجع و الكتب المدونة عنده. وحتى في إغفاءته القليلة بعد صلاة الفجر لم يغب الموضوع عن ذهنه بل كان حاضرا بقوة من خلال حلم قصير ، زار فيه مكتبة ضخمة تحتوي على آلاف المراجع و الكتب . و فيما كان يهم بتناول أحد تلك الكتب الضخمة إذ زل من يده و ووقع على رأسه ليستفيق من حلمه ويجد أخاه حسينا يضربه بالوسادة على رأسه محاولا إيقاظه و هو يقول له : انهض يا علي فجعفر ينتظرك ...
    في لمح البصر قفز علي من السرير و طلب من حسين الخروج من الغرفة ثم لبس ثيابه بسرعة و خرج مع جعفر إلى السوق و قلبه يسابق سيارة الأجرة فيسبقها بأشواط يستطلع الطريق إلى الهدف ثم يرجع بلهفة أزيد و شغف أعمق!

    أمضى علي يوما كاملا في السوق يبحث و يشتري ما يتيسر له ولا يتوقف إلا حين يعلمه جعفر بدخول وقت الصلاة . و في المساء كان علي قد أنفق جميع مدخراته ولم يبق معه حتى ما يدفعه لسائق سيارة الأجرة!

    دخل علي إلى المنزل برفقة جعفر الذي كان يعاونه في نقل الكتب إلى غرفته ، و أهله ينظرون إليهما في دهشة كبيرة و لا يكادون يفهمون هذا الدافع الكبير الذي يعتلج في صدر علي والذي حرمه النوم حتى الصباح وجعله ينفق جميع مدخراته المالية على مجرد كتب تحتوي على أوراق مطبوعة! لكنها في نظر علي أغلى و أثمن من جواهر الأرض و كنوزها .

    نظر علي إلى الساعة كما هي عادته دائما ليحسب الوقت و الزمن المتبقي من العطلة الصيفية التي شارفت على نهايتها و لم يبق منها سوى خمسة أيام فقط . وكان هذا كافيا لإيقاد نار فوق النار التي تضطرم في داخله ، فتحول في لحظات إلى شعلة لا تنطفئ و جذوة لا تهدأ ؛ فألقى عنه غبار التعب و نفض عن عينيه رماد النعاس و استل سيف إرادته يبطش به في شهوتي النوم و الراحة....
    ولم تنفع نداءات والدته المتكررة له أن ينضم إليهم في جلسة العشاء حيث الأطباق الفاخرة التي يحبها علي. ولما يئست الوالدة من ولدها أمرت بالطعام أن ينقل إلى غرفته . فدخلت عائشة إليه لتسلمه الطعام فيما هو منهمك بتصفح المراجع و تدوين الملاحظات هنا و هناك . لقد كان بصدد تفحص سريع لهذه المراجع سيخلص منه إلى خطة محددة و سريعة لبدء قراءتها و دراستها و جمع الفوائد منها. لذلك لم ينتبه لدخول أخته و لا لصينية الطعام التي أحضرتها له إلا بعد مضي ساعات طويلة شعر عقبها بجوع قاتل !

    وهكذا أمضى علي الأسبوع المتبقي من إجازته الصيفية بين القراءة و التأمل و جمع المعلومات و تدوينها. فتحول إلى قارئ و قارئ فقط ، حتى أن الكثير الكثير من مشاكله اليومية كمراهق متدين يعيش في بيئة منفتحة ، نوعا ما ، تضاءلت و تضاءلت و كادت أن تنعدم....

    وبدأ العام الدراسي فأقبل التلاميذ إلى صفوفهم بعد إجازة طويلة اقتضت من الاساتذة أن يقوموا بخطوات تمهيدية يحتاجون إليها في بداية كل عام ليأخذوا بأذهان الطلبة من جو اللعب و اللهو و الإسترخاء إلى جو الطلب و الكد و الإجتهاد. لكن الحال مع علي كان مختلفا تماما فهو لم يكن في حاجة إلى أي تمهيد ، إذ لم يكن في إجازته بعيدا عن جو القراءة و الدراسة و التفكير بل ابتدأ عامه الدراسي كما لو أنه ينتقل من فصل دراسي إلى فصل آخر لا تفصل بينهما أية إجازة أو استراحة ....

    وقضى علي عامه الدراسي لا يكاد يخرج من منزله إلا إلى المسجد أو للقاء جعفر على الشاطئ أو في البرية بين الفينة و الفينة. حتى الشيخ محمد لم يلتق به إلا مرات قليلة و في جلسات الشيخ العامة مع طلابه. لكنه كان يهاتفه كثيرا ليسأله عن بعض ما يشكل عليه فهمه من مصطلحات جديدة ، فقهية كانت أو كلامية يواجهها وهو يغوص بمتعة لا نظير لها في كتب التراث الإسلامي .
    وأحس جعفر بأن عليا أصبح ملما في فترة قصيرة بأنواع من العلوم اللغوية و الأصولية و الكونية و مطلعا على كم هائل من المذاهب الفلسفية الفكرية القديمة و المعاصرة. و كان من أهم ما يميز محصلته الثقافية الكبيرة أنها دوما في ازدياد و أنها في حسه دائرة واحدة و مشهد واحد ، لا يميز بين علم و علم ولا يحتقر علما فيؤخره و يقدر آخر فيقدمه .... الكل بالنسبة له سواء و شغفه بحقير العلوم هو كشغفه بجليلها و لكنه مع ذلك كان يتعامل معها بمنطق الأولويات و الأهم فالمهم ....

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد القلموني مشاهدة المشاركة
    -7-






    أحبتي في الله ، في التصور الإسلامي لا تنفك المسؤولية الشخصية عن العقل و التمييز بل لا توجد إذا عدم العقل. بل بمجرد ما يرتفع العقل ترتفع معه إلا أن يكون ارتفاعه اختيارا كأن يتعاطى ما يزيله و يحجبه ؛ فهذه الحالة يختلف حولها أهل العلم وفيها تفصيل ليس هذا أوانه ومكانه.
    ....

    الله يبارك فيك أخ أبو محمد ؛ ولكن هل بإمكانكم أن تشرحوا لنا أكثر المعنى الذي تجسده هذه الجملة .

    كذلك هل كلمة يغتمون تعني يهتمون ، أم هي خطأ مطبعي.

    ثم لا يكترثون بهذه المخالفة و لا يغتمون لها
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

  6. #6

    افتراضي

    (يغتمون) هي من الغم . و الغم هو الكرب لغة. يقال غمه الأمر ، يغمه غما ، فاغتم ، و انغم . حكاها سيبويه كما في لسان العرب.

    أما الجملة التي سألت عنها فأعني بها أن التكليف الشرعي موقوف على سلامة العقل و بلوغ سن التمييز. فعن ابن عباس ، قال : مر علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان ، وقد زنت وأمر عمر بن الخطاب برجمها ، فردها علي وقال لعمر : يا أمير المؤمنين ، أترجم هذه ؟ قال : نعم ، قال : أو ما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رفع القلم عن ثلاث ، عن المجنون المغلوب على عقله ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم )؟ قال : صدقت ، فخلى عنها . أخرجه الحاكم و قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.
    والإستدلال لهذه الفكرة يطول لتوافر الأدلة وتضافرها في هذا الباب.

  7. #7

    افتراضي

    -8-



    ومرت الأيام كما تمر السنونو من فوق سطوح المنازل ؛ سريعة في مجيئها ، سريعة في انقضائها ، و ما هي إلا خفقتا جناح حتى تصرمت أيام السنة و انقضت شهورها و لم يبق إلا القليل القليل من أيامها.

    وفيما يهم الطلبة بالإستعداد لترك مقاعد الدراسة إلى مقاعد الكد و التحضير لامتحانات نهاية العام إذ وقع ما هز البلاد من أقصاها إلى أقصاها....... قصف جوي لا يكاد يهدأ ليوم واحد ومعارك هنا و هناك على جبهات مختلفة. إنه العدو يكشر عن أنيابه و ينفذ بعضا من وعيده و تهديده. وبنتيجة ذلك أقفلت جميع المدارس و الجامعات أبوابها و لزم الطلاب بيوتهم و تسمر الناس أمام الشاشات يتابعون و يترصدون الجديد من الأحداث و التعقيدات....... واستمر الحال على هذا لمدة شهرين تقريبا. عاد بعدها الطلاب إلى مدارسهم و خضعوا لامتحانات نهاية العام . ثم ما هي إلا أيام قليلة حتى يبتدئ علي و جعفر دراستهما في المرحلة الجامعية.

    أسبوعان فقط يفصلان تلاميذ الجامعات عن بداية العام الجامعي. قضاهما كل من علي و جعفر في القراءة و المباحثات الفقهية و الكلامية و حضور حلق الشيخ محمد.

    الشيخ محمد لم يجلس إلى علي منفردا منذ سنة تقريبا ، و كان كثيرا ما يلمح لجعفر عن رغبته في الإجتماع بعلي . لكن انشغال علي المستمر كان يحول دون حصول هذا اللقاء . نعم لقد كان علي يهاتف الشيخ كثيرا و يسأله و يحاوره في قضايا كثيرة . لكن الشيخ كان يريد لعلي شيئا آخر ! وهذا ما أحسه جعفر فصارح به الشيخ الذي اكتفى بصمت عميق أقلق جعفرا و جعله فريسة هواجس جمة!

    فجعفر يفهم الشيخ محمد تماما كما يفهم المريد شيخه ، وعادة الشيخ في صمت كصمته هذا أن يكون وراءه ما وراءه مما لا يطمئن مطلقا.

    وابتدأ العام الجامعي ودخل كل من علي و جعفر مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها اختلافا كليا. إنهما الآن في وسط متشعب و معقد تلتقي فيه على مقاعد الدراسة ، و في القاعات و الساحات تيارات مختلفة و أفكار متنوعة و متناقضة ... علي وجعفر لم يستسلما لهذا الواقع ولم يذوبا في أحضانه بل تعاطيا معه بعزة منيعة وعلو مستنير. كانا يشعران أنهما أصحاب رسالة أسمى و أعلى و أجل من كل تلك الطروحات الأرضية الملتصقة بالطين بل بالأوحال أحيانا! هكذا كانت نظرتهما لتلك التيارات على تنوعها و اختلافها و تناقضها !

    لم يمض أسبوع حتى كان كل من علي و جعفر قد فرغا من تشخيص الوسط الجامعي و تحديد مختلف أنواع التيارات و الأفكار التي تتجاذبه. وفي حركة سريعة و قرار تلقائي منبعث من صميم تكوينهما الثقافي و التربوي تحدد سلوكهما و نشاطهما وطريقة تعاملهما مع هذا الوسط المضطرب.
    علي اختار خط الإنفتاح الكامل . وأما جعفر فاختار العزلة الجزئية. كلاهما ينطلق من ثقته بنفسه و بما عنده من أصول فكرية و عقائدية. وهذا التباين لم يكن له في البدء كبير أثر على علاقتهما ، إذ أن جعفر يفهم تماما منطلقات التحدي العقلاني و العلمي التي تكتنف خطوة علي . وهو إذ لم يوافقه عليها ليس لأنه يرفض هذه المنطلقات ، و إنما قناعة منه و تقديرا أنه لا جدوى من التعامل بمثل هذه الطريقة مع وسط لا يتفاعل مع نفسه و محيطه بصدق و تجرد.
    وعلي يفهم أيضا منطلقات الثقة و الطمأنينة الكاملة التي لا تشوبها شائبة ، ولا تحتاج إلى توسط الشك طريقا إلى اليقين ، في نفس كنفس جعفر ربيت منذ الصغر على العبادة و الطاعة في أجواء عائلية لا شغل لها يوميا سوى الوظائف الشرعية من الصلاة و الصيام و قراءة القرآن و تعلم العلم الشرعي ...

    اختلفا ولكنهما لم يتفرقا و هكذا ظل شأنهما معا إلى أن وقع ما لم يكن بحسبانهما.....

    علي في بداية العام الجامعي كان منشغلا بتحديد مستويات القوة و الضعف العلمي في المنطلقات العقائدية للتيارات و على مستوى نخبها الثقافية ، التي تمارس الوعظ الفكري و التحريض السياسي في وسط أنصارها و محازبيها من الطلاب و الطالبات.

    وكخطوة تمهيدية تسبق الإحتكاك المباشر و تمهد له بدأ علي يجمع المعلومات عن تلك التيارات. ثم شرع بشراء الكتب الفكرية التي تعبر عن آرائها العقائدية و الفلسفية . ولما ضاقت مكتبته عن استيعاب أرتال الكتب و أفواجها المتنوعة فوجا يتلوه فوج ، بدأت غرفته تمتلئ في زواياها و أرجائها بتلك الأرتال ؛ حتى ليخيل للداخل إليها للوهلة الأولى أنه في مستودع للكتب لا في غرفة للنوم و الراحة!

    لقيه والده ذات يوم ينقل مجموعة كبيرة من الكتب و المجلدات إلى غرفته فتبعه ليجد أن هذه المجموعة متخصصة في الفكر الشيوعي المادي. فتعجب طويلا وقال : من كتب التراث و العلوم إلى كتب الشيوعية و ماركس ! فرد عليه علي قائلا : لا بد من هضم أفكار هؤلاء ليتسنى لنا حوارهم و دعوتهم ببصيرة و برهان.
    ضرب الحاج مصطفى كفا بكف و ترك ولده و هو يقول: لا أدري ... ولكن هل تعي حقا ما تريده يا بني! .......
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد القلموني ; 03-07-2008 الساعة 04:42 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •