-
-10-
خديجة البنت الصغرى المدللة في أسرة غنية كبيرة ، اهتمام والدها المفرط بالأدب الغربي وخصوصا الإنكليزي منه جعلها تقبل منذ صغرها على قراءة الروايات الإنكليزية. وشيئا فشيئا وصلت إهتماماتها إلى حد المتابعة المستمرة للجديد في هذا الميدان. إضافة إلى ولعها بقراءة مطولات النقد الأدبي التي تحصل عليها تباعا و بصورة مستمرة ودورية من مجلات أدبية متخصصة في هذا الشأن كالغرانتا و غيرها .... وكان لمكتبة والدها الضخمة العامرة بألوان الكتب الأدبية و أنواعها كبير أثر في دفع اهتماماتها باتجاه الأدب بجميع أنواعه ، حتى صارت صاحبة ذوق رفيع فيه. إلا أن هذا الإهتمام لم يجعلها تؤثره في الدراسة الأكاديمية بل فضلت دوما أن تتجه نحو العلوم مبقية على اهتماماتها الأدبية متقدة وملتهبة وماثلة بقوة في هواياتها العامة ، و كأحد أهم أركان شخصيتها و حضورها الثقافي و الإجتماعي.
ثقافتها الدينية متواضعة وبسيطة جدا بل لا تكاد تضبط فيها فكرة واحدة بصورة علمية دقيقة. وكنتيجة طبيعية لسعة اطلاعها الأدبي هي منفتحة جدا ، و لكن مع ذلك هي ميالة إلى الإحتشام أكثر من ميلها للتهتك . وشكل هذا الميل دوما ميزة ملحوظة من ميزات شخصيتها المتفتحة القوية.
علي في نظر خديجة شاب متدين مثقف معتدل؛ استمعت له أكثر من مرة يتحدث في احتفالات طلابية يقيمها التيار الإسلامي في مناسبات إسلامية متعددة. فوجدته واسع الثقافة مرهف الحس متمكنا مما يطرحه يهيم بثقافة الحوار و احترام الآخر ، ولا يمل من التحريض عليها و دعوة الطلاب إلى تبنيها والتزامها.
لبث علي أياما يفكر فيما يعتزم القيام به من كسر حاجز لم يسبق له كسره ، و فتح باب لم يجرؤ يوما على فتحه ، واقتحام منطقة كانت حتى الأمس القريب محظورة في سلوكه و أدبياته .
في مخزونه الفقهي ألف مستند و مستند يمكن أن يبرر به ، ولكن عمقه النفسي و نسيجه التربوي يرفضان هذه الأدلة مجتمعة و يصنفانها في خانة الحيل الفقهية الكاذبة!
ازدحمت المشاعر في داخله و تناقضت ؛ فمن جهة ينظر إلى الأمر من خلال حس مرهف و عاطفة صادقة متخففة من جميع الضغوط و القيود تريه مشاعره اتجاه خديجة في صورة إنسانية وإطار فطري طبيعي .... ومن جهة أخرى تلح عليه خلفيته الإسلامية المتأصلة في صميم شخصيته ، والمتمحورة حول ثابت قدسية النص والتزام دلالته وفق مراد المتكلم به و هو الشارع الحكيم الذي لا يقبل خطابه تأويلا و لا تعطيلا ، على رفض هذه المشاعر و طرحها جانبا.
حاول أن يتخفف من ضغط هذا التزاحم المتناقض فلم يفلح ، فلجأ إلى ما يلجأ إليه عادة من تعليق هذه القضية و ضمها إلى غيرها من الطلبات الذهنية العالقة التي تكدست في عقله الباطن تنتظر معالجة و حسما. ولأن شروط الحسم عنده دقيقة و يصعب استيفاؤها فغالبا ما تنتظر هذه الطلبات فترات طويلة قبل إنهائها و الوصول فيها إلى نتيجة مرضية. والنتائج مصنفة و مرتبة بصورة عامة على مرحلتين: مرحلة القناعة العقلية المجردة أو ما قد يسمى بمرحلة انتفاء المعارضات العقلية الواضحة . و المرحلة الثانية و هي الأصعب عنده وهي مرحلة القناعة القلبية أو ما قد يسمى بانتفاء معارضات الهوى و النفس ، و هي التي عليها يبنى السلوك و من خلالها ينطلق العمل.
إبقاء القضية معلقة بلا حسم كان في أغلب الأحيان متنفسا ينطلق فيه من سجن الملائكية و الكمال إلى فضاء الواقعية حيث الضعف الإنساني متلبسا بنورانية تقوى أحيانا و تخبت أخرى.
وهكذا قرر علي أن يلتقي بخديجة و يجلس إليها يحادثها و تحادثه. وليكن الطلب مباشرا و دون وسائط من رسائل أو أشخاص.
انتظر انتهاء محاضرات اليوم المعتادة و اقترب منها و هي توضب كراريسها و تجمع أقلامها تستعد لمغادرة القاعة. ألقى عليها السلام فردت عليه بابتسامة هزت جوانبه . سألها عن وقتها إن كان يسمح بجلسة قصيرة في استراحة الجامعة. فوافقت على الفور. طلب علي منها أن توافيه إلى المكان بعد دقائق متعللا بأنه يود أن يجري اتصالا هاتفيا. بينما هو في الحقيقة لا يريد أن يذهب إلى الإستراحة يمشي إلى جانبها ؛ على الأقل هذه المرة فهي الأولى و اللقاء وجها لوجه على طاولة من طاولات الإستراحة أخف وطأة على قلبه و مشاعره. كما أنه لم يتعود أن يمشي مع فتاة جنبا إلى جنب ولا يعرف كيف يتصرف حينها ولا في أي شيء يتكلم . فهو شخصية جادة إلى حد كبير و ما سيقوله لخديجة محدد و واضح ومختصر ولا ينفع إلا في جلسة جدية ولقاء مباشر.
جلس علي إلى خديجة بقلب ذليل منكسر ؛ يكسره العشق مرة و الشعور بالذنب مرة أخرى.
عشق طارئ مفاجئ لم يخطط له و لم يتهيأ لاستقباله و لم يخطر له على بال.
وشعور بالذنب لأنه سيقارف ما لا ينبغي له مقارفته بحسب تربيته وما درج عليه منذ الصغر ، مع أن في جعبة ثقافته الشرعية سهام تبرير لو رمى بها عن قوس عقله المتمرد لأصاب و ظهر بحجة قوية و منطق متين.
تكلم علي و أفصح عن مكنونه و تكلمت خديجة و أفصحت عن مكنونها.
خديجة بالنسبة إلى علي عارض قوي لا يمكن دفعه كزهر الربيع لا يستطاع مقاومة سحره و جماله و عطره الأخاذ ، بل أكثر من ذلك كرائحة الأرض الزاكية بعد لقاء حديث بمطر السماء لا تستطيع الأرض أن تحبس هذا العطر و تحول بينه و بين أن ينطلق و ينتشر في الفضاء يزكم الأنوف و يهيج الذكريات.
قلب متعطش ظمآن أمطرته شفاه خديجة بكلماتها الرقيقة وابلا من رذاذ مشبع بأنفاسها ، بروحها ، بهيامها ، فاختلط بركام مشاعر جياشة هائجة أنتج قلبا مثقلا مرهفا يلتقط أدنى إشارة و يترجم أعقد عبارة.
وعلي بالنسبة إلى خديجة قلب في منتهى الطيب و عقل في قمة النشاط و روح في غاية الشفافية. عقل و روح و خلق و ثقافة عناصر متكاملة في شخصية فذة ذات حضور طاغ مؤثر .
هذا اللقاء كان بمثابة تعارف شرح فيه كل منهما شيئا عن شخصيته و فكره و توجهاته في الحياة ، إضافة إلى حقيقة شعوره نحو الآخر ، و موقع هذا الشعور من منظومة شخصيته الفكرية و الإجتماعية.
علي كان في غاية الوضوح بحيث أذهل خديجة شدة صراحته ، التي لم تجدها في شاب ولا في فتاة ممن عرفت قبل اليوم!
فحبه لها حب فطري صادق لا يملك دفعه . وفي الوقت نفسه ليس مستعدا أن يذهب فيه خطوة واحدة بعيدا عن تعاليم الإسلام ، الدين الذي لا حدود لقناعته به لأدلة كثيرة متضافرة ظهرت له بعد شك جعله طريقا إلى اليقين. فليس ثمة شبهة يمكن أن تزعزع إيمانه بهذا الدين العظيم ، وليس ثمة شبهة يمكن أن يستسلم أمامها و لا يجد ما يدحضها به من عقل سليم و دليل متين. وهذا الجانب العقلي المتحدي في شخصيته انتبهت له خديجة مسبقا فيما تابعته من خطاباته في احتفالات المناسبات الدينية الطلابية.
لكن الجانب الجديد الذي أذهلها هو تركيزه على ضرورة فك الإرتباط بين ما يقوله و ما يفعله. فبحسب علي ما يقوله قد يكون قناعة منطقية يمكنه بها أن يدفع كل ما يعرض له من معارضات و شبهات عقلية ؛ ولكنه لا يعني بالضرورة كونه قناعة قلبية يمكنه أن يدفع بها معارضات الهوى و النفس.... باختصار و بوضوح شديد أخبرها علي أنه ليس ملاكا و أنه قد يقول شيئا و يعجز بضعفه الإنساني أن يتمثله ، لكنه لا يبرر هذا العجز و لا يعتذر له و لا يجرؤ على إلباسه لباس الصواب و الحق. وفي الوقت نفسه لا يعوقه هذا الضعف و لا يثبط من عزيمته بل يجعل منه دافعا متقدا ليستمر في بحثه عما يرقي نفسه و يشحذ همته...
كلمات في منتهى الصراحة و الوضوح لفتت قلب خديجة و أذهلت عقلها و زادت من تعلقها بشخصية علي.
علي في هذا اللقاء لم يكن يستعرض بل كان يكشف نفسه لخديجة من خلال عناوين واضحة و قوية و مباشرة . هو لا يريد لعلاقته بخديجة أن تكون بمعزل عن فكره و قناعته. و إذا كان ثمة ما يجعله يضعف على مستوى السلوك و الإلتزام فليس هذا الشأن أبدا على مستوى الفكر و المنهج. لأن عدم الخضوع للحق ليس كالضعف أمام الأمر و النهي. ذلك أن رفض الخضوع للحق هو كبر لا مبرر له ، بينما الإخفاق أمام الأمر و النهي قد يحدث بسبب غفلة ما وضعف جبلي لا ينفك ملازما صاحبه ما دامت الروح في البدن.
في ختام الجلسة وبعد أن أفرغ كل منهما ما في داخله من مشاعر و أفكار ، إذ هبت ريح خفيفة حملت في طياتها عطر زهر الياسمين الساحر . فدارت رأس علي و هاجت ذكريات جميلة ، صور هنا و هناك و أحداث عدة ... لكن مخيلته توقفت عند مشهد جلوسه مع جعفر في أيام خوال يتلوان كتاب الله وسط حديقة عبقة بعطر الياسمين.... هذا المشهد ثبت في ذهنه و لم يستطع له دفعا ! ....
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى