-12-
ذات مساء رن الهاتف في منزل علي وإذا بالمتصل جعفر . وبعد السؤال عن الأحوال ، أخبر جعفر عليا بدعوة الشيخ محمد لهما على العشاء هذه الليلة . وافق علي على الفور فقد مضى زمان لم ير فيه الشيخ ، كما أنها فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها مع جعفر.
وجاء الوقت الموعود . توجه علي إلى منزل جعفر ثم ترافقا إلى منزل الشيخ .
استقبلهما الشيخ استقبالا حارا وعاتب عليا لطول غيابه و انقطاعه عنه. اعتذر علي بما اعتذر به من كثرة المشاغل و تزاحم الوظائف و الواجبات مما حال بينه و بين وصل أقرب الناس إليه و ألصقهم به ..... ثم حضر العشاء فشرع الثلاثة يأكلون و الشيخ يرسل دعاباته بين اللقمة و اللقمة ، مما أضفى على اللقاء بهجة كانت النفوس متعطشة إليها أشد التعطش.
بعد العشاء طلب الشيخ من علي و جعفر أن يتبعاه إلى حديقة المنزل .
جلس الجميع على سرير من العشب الأخضر . يلمع فوقهم بدر يرسل أشعته الخافتة في أرجاء سماء صافية ممتدة. وعطر زهر ليلي يداعب الأنوف و يستنهض الذكريات ، و يرقق القلب لتنسل شجونه و أشواقه عبر ثقوب الزمن تعانق الماضي البعيد!
وفيما كان علي مستغرقا في عرس شاعري تتراقص فيه خواطره على أنغام ناي الشجن و الشوق ، إذ قطع عليه حفله صوت الشيخ ينطلق في صفاء و رقة يخاطب جعفرا و عليا و يسألهما أن ينصتا لدقائق يحدثهما فيها بأمر هام مفيد.
وابتدأ الشيخ حديثه ، و جعفر و علي ينصتان إليه بانتباه شديد:
أخواي الكريمان يحضرني في هذا المقام عبرة شريفة سالت على خد حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم مع فراغه من طعام شهي قدم له بعد جوع قاتل ! فقال صلى الله عليه و سلم وقد دمعت عيناه ، بأبي هو و أمي و روحي و كل ما أملك ، خبز و لحم و بسر و ماء .... والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة....
فإذا قارنا حالنا بحاله وجدنا عجبا إذ من منا يصدر عن المائدة فيبكي و يقول ما قاله صلى الله عليه و سلم؟!
هل تعرفون لماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا و نعجز عنه نحن ؟!
...........وكان صوت الشيخ يتهدج عشقا و شوقا كلما تلفظ باسم الرسول صلى الله عليه و سلم .......
يتابع الشيخ فيقول : لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم استقر في قلبه ما لم يستقر في قلوبنا . لقد استقرت في قلبه معرفة الله تعالى فلذلك كان أكثر الناس استحضارا لربه و أكثر الناس حبا و عشقا له سبحانه و أعظم الناس خوفا منه و مراقبة له. وكان غرس هذه المعرفة في قلوب الصحابة الكرام أعظم همه و منتهى غايته. لأن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يبعث بشيء سوى تعبيد الناس لرب الناس و إفراده بهذه العبادة. ولما كان الإنسان قلبا و جوارحا و كان القلب هو محل العقل و التوجه كان تعبيد الإنسان لربه لا يعني شيئا سوى تعبيد القلب له سبحانه. فصار التعريف بالله هو طريق تعبيد الإنسان لله عز وجل. ولأجل هذا قيل في أبي بكر أعظم الناس إيمانا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم : والله ما سبقكم بكثرة صلاة و لا صيام و لكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا كانت الخوارج رغم كثرة صلاتها و صيامها كلاب النار لأنها تقرأ القرآن لا يجاوز التراقي إلى القلب.
ومن تأمل في سيرته و سنته صلى الله عليه و سلم وجد أن غاية همه كانت في تحقيق هذا المطلب . ولذلك كان لزاما على من يريد أن يغرس معرفة الله تعالى في قلبه أن يعود إلى الكتاب و السنة يقرؤهما كما كان الصحابة يقرؤون : معرفة للحركة و علم للعمل . و القرآن من أوله إلى آخره هو تعريف بالله و تعليق للقلب به. يقول تعالى : ( هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد و ليذكر أولوا الألباب ). ومن تأمل في سنته وجد الأذكار والمواعظ و عد النعم و كلها تعريف وتذكير بالله أنه المتفرد بالنعم جميعها المالك للذرة و المجرة و ما بينهما لا يشذ عن ملكه و إرادته شيء .....
وهذا لو غرس في قلب المرء صارت حاله غير الحال و طريقه غير الطريق و همه غير الهم. فإن الإنسان إذا علم و استقر في قلبه أن وجوده في هذا الكون هو محض فضل الله عليه ليس لأحد فيه سوى الله أي فضل و أن جميع هذه النعم التي يرفل بها إنما هي محض منة الله عليه ، و أنه لا يتحرك ولا يقوم و لا يقعد إلا بقوة الله و حوله و إرادته و لا يرف له جفن إلا بإذنه و لا يخفق له قلب إلا بأمره ....... إذا استقر هذا في قلبه صار مستحضرا لربه في كل حركة و كل سكنة ، وصار الله أحب إلى قلبه من كل أحد . وكلما قويت هذه المعرفة و كان استقرارها في القلب أمكن كلما قوي هذا الإستحضار و هذا الحب ، حتى يصير عشقا خالصا لا يعود يأنس معه القلب بأحد غير الله عز وجل . فتستوي عنده مذمة الناس و مدحهم وقربهم و بعدهم.
وهذا هو التوحيد الذي لأجله خلق الله الخلق و بسببه ابتعث الرسل . فإن الله ما خلق الخلق إلا للعبادة( وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) وهذه فسرها أحد السلف كما في جامع بيان العلم لابن عبد البر: إلا ليعرفون. وهذا من فقهه لأن القلب إن عبد صار صاحبه عابدا و إن غفل و تعلق بغير الله صار صاحبه في عداد الغافلين. والرسل لم تبعث بشيء سوى التوحيد كما أخبر ربنا سبحانه في آيات كثيرة لأن التوحيد و إفراد الله بالتوجه و التعلق هو الحق و الحقيقة ، فهو بالتالي ما يصلح الإنسان و يسعده. وتنكبه يعرض المرء للشقاء في الدنيا و الحساب في الآخرة. إذ بماذا نجيب ربنا يوم نخرج من هذه الدنيا فيسألنا عن نعمه التي نرفل بها ؟!............
الشيخ يشرح و يفصل و علي مطرق رأسه تقفز الدموع من عينيه ، تسيل على خديه ثم تسقط على الأرض تنساب بين الحشائش لتصل إلى التراب فتختلط به. و قلبه يخفق بقوة و هيجان و عقله ألغى جميع العمليات الذهنية العالقة و استبدلها بواحدة عنوانها التوحيد هو الحقيقة!
واستمر الشيخ يتحدث إلى أن بدأ علي ينحب وتصدر منه أصوات و آهات. فتوقف الشيخ عندها و سالت الدموع من عينيه فتحركت بها دموع جعفر. وصار الثلاثة ينحبون .
ثم قام الشيخ قائلا: خير ما نفعله في هذه اللحظة أن نقف بين يدي الله عز وجل. فقام الشيخ و كبر و صف خلفه علي و جعفر يصليان بخشوع و استحضار.
سجد الشيخ سجودا طويلا . و أحس علي كأنه يسجد للمرة الأولى فانطلق يناجي ربه و يكلمه و يأنس به .....
انفض اللقاء و عاد الجميع إلى منازلهم. وكانت ليلة لم ينم فيها علي فأحياها بالإستغفار و السجود و مناجاة الله ، و معاهدته على الطاعة و الخضوع و حمل رسالة التوحيد.


رد مع اقتباس


