النتائج 1 إلى 50 من 74

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي

    -12-



    ذات مساء رن الهاتف في منزل علي وإذا بالمتصل جعفر . وبعد السؤال عن الأحوال ، أخبر جعفر عليا بدعوة الشيخ محمد لهما على العشاء هذه الليلة . وافق علي على الفور فقد مضى زمان لم ير فيه الشيخ ، كما أنها فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها مع جعفر.

    وجاء الوقت الموعود . توجه علي إلى منزل جعفر ثم ترافقا إلى منزل الشيخ .

    استقبلهما الشيخ استقبالا حارا وعاتب عليا لطول غيابه و انقطاعه عنه. اعتذر علي بما اعتذر به من كثرة المشاغل و تزاحم الوظائف و الواجبات مما حال بينه و بين وصل أقرب الناس إليه و ألصقهم به ..... ثم حضر العشاء فشرع الثلاثة يأكلون و الشيخ يرسل دعاباته بين اللقمة و اللقمة ، مما أضفى على اللقاء بهجة كانت النفوس متعطشة إليها أشد التعطش.


    بعد العشاء طلب الشيخ من علي و جعفر أن يتبعاه إلى حديقة المنزل .

    جلس الجميع على سرير من العشب الأخضر . يلمع فوقهم بدر يرسل أشعته الخافتة في أرجاء سماء صافية ممتدة. وعطر زهر ليلي يداعب الأنوف و يستنهض الذكريات ، و يرقق القلب لتنسل شجونه و أشواقه عبر ثقوب الزمن تعانق الماضي البعيد!

    وفيما كان علي مستغرقا في عرس شاعري تتراقص فيه خواطره على أنغام ناي الشجن و الشوق ، إذ قطع عليه حفله صوت الشيخ ينطلق في صفاء و رقة يخاطب جعفرا و عليا و يسألهما أن ينصتا لدقائق يحدثهما فيها بأمر هام مفيد.

    وابتدأ الشيخ حديثه ، و جعفر و علي ينصتان إليه بانتباه شديد:

    أخواي الكريمان يحضرني في هذا المقام عبرة شريفة سالت على خد حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم مع فراغه من طعام شهي قدم له بعد جوع قاتل ! فقال صلى الله عليه و سلم وقد دمعت عيناه ، بأبي هو و أمي و روحي و كل ما أملك ، خبز و لحم و بسر و ماء .... والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة....
    فإذا قارنا حالنا بحاله وجدنا عجبا إذ من منا يصدر عن المائدة فيبكي و يقول ما قاله صلى الله عليه و سلم؟!

    هل تعرفون لماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا و نعجز عنه نحن ؟!

    ...........وكان صوت الشيخ يتهدج عشقا و شوقا كلما تلفظ باسم الرسول صلى الله عليه و سلم .......

    يتابع الشيخ فيقول : لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم استقر في قلبه ما لم يستقر في قلوبنا . لقد استقرت في قلبه معرفة الله تعالى فلذلك كان أكثر الناس استحضارا لربه و أكثر الناس حبا و عشقا له سبحانه و أعظم الناس خوفا منه و مراقبة له. وكان غرس هذه المعرفة في قلوب الصحابة الكرام أعظم همه و منتهى غايته. لأن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يبعث بشيء سوى تعبيد الناس لرب الناس و إفراده بهذه العبادة. ولما كان الإنسان قلبا و جوارحا و كان القلب هو محل العقل و التوجه كان تعبيد الإنسان لربه لا يعني شيئا سوى تعبيد القلب له سبحانه. فصار التعريف بالله هو طريق تعبيد الإنسان لله عز وجل. ولأجل هذا قيل في أبي بكر أعظم الناس إيمانا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم : والله ما سبقكم بكثرة صلاة و لا صيام و لكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا كانت الخوارج رغم كثرة صلاتها و صيامها كلاب النار لأنها تقرأ القرآن لا يجاوز التراقي إلى القلب.

    ومن تأمل في سيرته و سنته صلى الله عليه و سلم وجد أن غاية همه كانت في تحقيق هذا المطلب . ولذلك كان لزاما على من يريد أن يغرس معرفة الله تعالى في قلبه أن يعود إلى الكتاب و السنة يقرؤهما كما كان الصحابة يقرؤون : معرفة للحركة و علم للعمل . و القرآن من أوله إلى آخره هو تعريف بالله و تعليق للقلب به. يقول تعالى : ( هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد و ليذكر أولوا الألباب ). ومن تأمل في سنته وجد الأذكار والمواعظ و عد النعم و كلها تعريف وتذكير بالله أنه المتفرد بالنعم جميعها المالك للذرة و المجرة و ما بينهما لا يشذ عن ملكه و إرادته شيء .....
    وهذا لو غرس في قلب المرء صارت حاله غير الحال و طريقه غير الطريق و همه غير الهم. فإن الإنسان إذا علم و استقر في قلبه أن وجوده في هذا الكون هو محض فضل الله عليه ليس لأحد فيه سوى الله أي فضل و أن جميع هذه النعم التي يرفل بها إنما هي محض منة الله عليه ، و أنه لا يتحرك ولا يقوم و لا يقعد إلا بقوة الله و حوله و إرادته و لا يرف له جفن إلا بإذنه و لا يخفق له قلب إلا بأمره ....... إذا استقر هذا في قلبه صار مستحضرا لربه في كل حركة و كل سكنة ، وصار الله أحب إلى قلبه من كل أحد . وكلما قويت هذه المعرفة و كان استقرارها في القلب أمكن كلما قوي هذا الإستحضار و هذا الحب ، حتى يصير عشقا خالصا لا يعود يأنس معه القلب بأحد غير الله عز وجل . فتستوي عنده مذمة الناس و مدحهم وقربهم و بعدهم.

    وهذا هو التوحيد الذي لأجله خلق الله الخلق و بسببه ابتعث الرسل . فإن الله ما خلق الخلق إلا للعبادة( وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) وهذه فسرها أحد السلف كما في جامع بيان العلم لابن عبد البر: إلا ليعرفون. وهذا من فقهه لأن القلب إن عبد صار صاحبه عابدا و إن غفل و تعلق بغير الله صار صاحبه في عداد الغافلين. والرسل لم تبعث بشيء سوى التوحيد كما أخبر ربنا سبحانه في آيات كثيرة لأن التوحيد و إفراد الله بالتوجه و التعلق هو الحق و الحقيقة ، فهو بالتالي ما يصلح الإنسان و يسعده. وتنكبه يعرض المرء للشقاء في الدنيا و الحساب في الآخرة. إذ بماذا نجيب ربنا يوم نخرج من هذه الدنيا فيسألنا عن نعمه التي نرفل بها ؟!............

    الشيخ يشرح و يفصل و علي مطرق رأسه تقفز الدموع من عينيه ، تسيل على خديه ثم تسقط على الأرض تنساب بين الحشائش لتصل إلى التراب فتختلط به. و قلبه يخفق بقوة و هيجان و عقله ألغى جميع العمليات الذهنية العالقة و استبدلها بواحدة عنوانها التوحيد هو الحقيقة!

    واستمر الشيخ يتحدث إلى أن بدأ علي ينحب وتصدر منه أصوات و آهات. فتوقف الشيخ عندها و سالت الدموع من عينيه فتحركت بها دموع جعفر. وصار الثلاثة ينحبون .

    ثم قام الشيخ قائلا: خير ما نفعله في هذه اللحظة أن نقف بين يدي الله عز وجل. فقام الشيخ و كبر و صف خلفه علي و جعفر يصليان بخشوع و استحضار.
    سجد الشيخ سجودا طويلا . و أحس علي كأنه يسجد للمرة الأولى فانطلق يناجي ربه و يكلمه و يأنس به .....

    انفض اللقاء و عاد الجميع إلى منازلهم. وكانت ليلة لم ينم فيها علي فأحياها بالإستغفار و السجود و مناجاة الله ، و معاهدته على الطاعة و الخضوع و حمل رسالة التوحيد.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد القلموني ; 03-07-2008 الساعة 04:43 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    متابعون بتلهف!!!..........

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    France
    المشاركات
    1,301

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد القلموني مشاهدة المشاركة

    فقال صلى الله عليه و سلم وقد دمعت عيناه ، بأبي هو و أمي و روحي و كل ما أملك ، خبز و لحم و بسر و ماء .... والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة....

    يشهد الله يا أخ أحمد بأنني ما أكلت أكلة فرحت بها إلا تذكرت حديثك هذا لنا بعد غداء لنا في مدرسة المنار .... ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)



    وبالمناسبه ... كان الغدا دجاج بالصينيه ... شويلنا ياهن الأخ الحلبوني عند عيشه

    واصل ... بارك الله بك
    "سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"


  4. #4

    افتراضي

    بارك الله بالإخوة حميعا و كلي شكر و امتنان لتعليقاتم الجميلة الرائعة.

  5. #5

    افتراضي

    -13-



    في اليوم التالي انطلق علي إلى الجامعة بوجه آخر و هم جديد. كل شيء كان مختلفا في ذلك الصباح حتى نسيمه الذي داعب صفحة وجهه . لقد صار كل شيء يذكره بالله و يحضره معه و يربطه به. أليس هذا ما كان يبحث عنه؟! نعم هو كان يبحث عن جناح يتوازن به ، فوجده أخيرا. و سابقا كان يقف في الطبيعة فيشعر أنها تكلمه و لا يفهم كلامها ! أما اليوم فقد أصبح يفهم كل ما تقوله ! حتى أدنى حركة شفاه صامتة تصدرها صارت كلاما واضحا و مفهوما!

    في ذلك الصباح مر علي باستراحة الجامعة ، فلم يلتفت أدنى التفاتة إلى خديجة التي كانت تنتظره كما في كل صباح لتشرب معه الشاي قبل ابتداء المحاضرات. ذهلت خديجة ! و قوي ذهولها لما فعل علي نفس الشيء في استراحة الغداء ، حيث تجاهلها تماما و بقي في المصلى و لم يخرج منه إلى حين ابتداء المحاضرة التالية! ثم مع انتهاء الدوام فعل علي نفس الشيء! فهاجت نفسها و كادت تختنق بعبرتها! لماذا يفعل علي هذا؟! ما الذي فعلته له؟! ما الذي غيره ؟!

    وازداد إلحاح هذه الأسئلة في نفسها مع الأيام . وأورثها هذا حزنا شديدا. وطفقت تسائل نفسها : أيعقل أن ينسى علي كل ما كان بيني و بينه؟! أيعقل أن يكون شعوره نحوي كذبة لم أكتشفها إلا الساعة؟ !

    كلا ! و ألف كلا! علي لم يكن كاذبا لقد كانت مشاعره صادقة و حقيقية وهي أعلم الناس بهذا! فما السبب إذا؟!

    اشتغلت بمراقبته فلاحظت عودته إلى جعفر و كثرة جلوسه معه . إذ لا يمر يوم إلا و تراهما من بعيد جالسين في المصلى يتهامسان حينا و يقرآن في كتاب الله حينا آخر.

    أيكون جعفر هو السبب وهي لا تدري ؟! أيعقل أن يخضع علي المتمرد لجعفر و يسلم له ؟!

    هي تعلم أن جعفرا يعترض على علاقتها بعلي ، و أنه حاول معه مرارا و تكرارا لكي يضع حدا لهذه العلاقة غير الشرعية كما يصفها. لكن ما تعلمه هو أن عليا حاور جعفرا و بين له وجة نظره المخالفة. وذات يوم جاءها مهموما مغموما فلما ألحت عليه شرح لها ما جرى بينه و بين جعفر و ما يشعر به من أن جعفرا ربما يهجره بسبب اختلاف في الرأي بينهما! وتبين لها في حينه ما يكنه علي لجعفر من حب و مودة .......

    لكن هذه الفكرة لم تدخل رأسها فاستبعدتها نهائيا ، خصوصا و أن عليا كان حتى أيام قليلة لا يرى جعفرا إلا نادرا و لفترات موجزة و سريعة. ثم إن معرفتها بعلي تجعلها تستبعد هذا الإحتمال كليا.

    وحارت خديجة في أمر علي . و مرت أيام و أيام و هي تعاني ألم الفراق و تتجرع مرارة الهجر ، بعد أنس شربت فيه من كأس العشق حتى ثملت و تنفست فيه من مسك الهيام حتى انتشت!

    في المنزل كانت تتصرف بغرابة شديدة ؛ فبعد أن كانت كزهرة متفتحة لا تجلس مجلسا إلا عبق بأريج حيويتها وإنطلاقة روحها المقبلة على الحياة بقوة و اندفاع . صارت كثيرة الصمت قليلة الكلام لا تكاد تجلس إلا وحيدة منفردة تتأمل في المجهول و تحاكي الغيب و تقلب في صفحات الماضي!

    وشعر بهذا والدها فتسلل إلى غرفتها ذات يوم خلسة ، و جلس إليها يداعبها و يلاطفها علها تبوح له بسرها الدفين. في البداية آثرت الصمت و الإخفاء . لكن بعد برهة وجيزة حرك ملل الوحدة و ألم الوحشة في نفسها دافع الكلام . فسألت والدها عن علاقة حميمة متينة يقرر أحد طرفيها أن يوقفها فجأة و دون سبب ظاهر واضح! فكيف للطرف الثاني أن يعلم بحقيقة ما حصل؟!

    نظر الوالد إلى ابنته بعطف كان يشع بريقه في عينيه وقال: يا ابنتي من حقيقة الطرف الذي أوقف العلاقة يعلم السبب. فلا بد للشريك أن يعود إلى حقيقة شريكه و يراجع صفاته و أسس شخصيته الإجتماعية ليعثر على ما قد يدنيه من الجواب.

    أعجبها جواب والدها فقررت إجراء هذه المراجعة لتحاول تبين السبب الكامن وراء خطوة علي.

    شكرت والدها و قبلته. و انطلقت من المنزل بسيارتها تجوب الطرقات إلى أن استقرت في مكان كانت تختلف إليه كثيرا مع علي .
    عندما نزلت من السيارة كانت نفسها تتطلع إلى لقاء علي في هذا المكان الذي طالما التقته فيه. لكن أملها خاب و نفسها كسرت لما وصلت ولم تجد عليا!

    جلست خديجة حيث كانت تجلس مع علي سابقا ، فطلبت قدحا من الشاي ثم شرعت تتأمل في صفات علي و تستعرض أسس شخصيته كما أشار عليها والدها. لم تلبث قليلا حتى بدأت تعاليم علي تنشط في عقلها و تنساب من الذاكرة إلى الذهن .

    التحليل المنطقي هو أساس من أسس التفكير المنهجي... إذا كنت في صدد تحليل مسألة ما فلا تغفلي مقدمة واحدة ..... المقدمات الصحيحة السليمة و التفكير المنهجي المنطقي يقود إلى النتيجة .... تحليل النتيجة و إعادة تفكيكها و دراستها مرحلة متقدمة من مراحل التفكير المنهجي السليم ..... النتيجة الصحيحة ليست بالضرورة أول فكرة تلمع في الذهن .... تمحيص الأفكار يكون بنقدها نقدا شديدا و إيراد جميع الإعتراضات عليها .... إذا وصلت إلى نتيجة معينة بعد طول بحث و تأمل فلا تجعلي منها بذاتها أصلا يرد إليه دون أسسها المنطقية التي أدت إليها ، وكوني حاضرة وجاهزة دائما إلى تغييرها و تبديلها إن ظهر لك ما يخالفها .......

    وهكذا استغرقت خديجة وقتا في استحضار هذه الكلمات وما كان يعقبها من شروح مفصلة يسوقها علي بأسلوب جذاب يسهل ما فيها من تعقيد و صعوبة ، و يصيرها سهلة المنال قريبة من العقل و الذهن.

    رشفت من قدح الشاي و عادت لتتأمل و تفكر على ضوء هذه القواعد:

    حب علي كان حبا صادقا وحقيقيا . و استدلت لهذا بأحداث و أحداث و بسلوكياته العامة و بما كان يظهره أمامها....

    علي لا يصدر إلا عن تلك القواعد و لا يختار إلا وفق منطقها الدقيق.....

    علي يحب الحق و يعشقه و يبحث عنه كثيرا ....

    علي رجاع إلى الحق و لا يحول بينه و بين الإعتراف به و الإذعان له أي حائل ....

    علي كان واعيا و مدركا لحقيقة هذه العلاقة و موقعها من الشريعة أيما إدراك ، فكان يعرف صوابها من خطئها و دخنها من صفائها .... وهو في هذا يقول الحق و لو على نفسه ...

    علي انقطع فجأة و لم يفصح عن السبب رغم شدة تعلقه بخديجة ....

    وبعد برهة من التأمل واستعراض المقدمات وجدت خديجة أن عليا وصل إلى شيء استولى على قلبه وعقله ، فسهل وهون عليه أمر إيقاف هذه العلاقة .... لكن ما هو هذا الشيء؟! وما حقيقته ؟! و هل توصل إليه علي فجأة؟! أم جاء نتيجة مرحلة طويلة من التأمل و البحث؟!

    أسئلة كثيرة جعلتها تحتار أكثر فأكثر.....

    نهضت من مكانها و توجهت إلى سيارتها و خواطر شتى تدور في ذهنها وجرح عميق ينزف في داخلها . ارتخت يدها و هي تمسك بمقود السيارة فارتمت عليه بأسى ، وساءلت نفسها بزفرة عميقة خرجت تتصدع في أنحاء صدر منقبض : لماذا؟! .... وشعرت بالضعف و هجمت عليها أفكار يائسة ...
    وهي تنظر إلى الأفق تراءت عليا في مشاهد قوة و إصرار واندفاع ساحر ، وكلمات مؤثرة تشحذ العزائم و تبلسم الجراح ؛ فبدأت يداها تشتدان شيئا فشيئا ... و إحساس راحة و أمل تشيعه تلك الكلمات في نفسها الهائجة فتبدأ بالهدوء و الإرتخاء قليلا قليلا ....

    أدارت مفتاح السيارة. رفعت رأسها وانطلقت في الطريق ... هذه المحنة هي الأولى من نوعها في حياتها ، فلتقابلها بكل ما تملك من تصميم و تحدي ! وهكذا قررت خديجة أن تواجه الموقف بقوة و بإصرار لا يعرف اللين ...

    في الطريق لم تكن تعرف إلى أين تتجه فالأفكار تتنازعها و عقلها بدأ ينشط لتحليل المشكلة بحثا عن الحل الأمثل .... لكن عجلات سيارتها كانت تذهب بها على غير شعور منها و بأمر من عقلها الباطن ، الذي لا يزال أسير الماضي ، إلى أطلال ذكريات الأمس القريب ....

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    772

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    اخ ابو محمد بدنا نبلش بالطباعة ما شاء الله لا يمل من اعادة القراءة و التمعن في الافكار و اكيد قراءتهم على الورق اجمل بكثير من على الكمبيوتر
    وفقك الله لما يحب و يرضى
    جزاك الله كل خير
    كلنا كالقمر له جانب مظلم

    "اول مية سنة بالحياة صعبين بعدها بتهون..." (بتصرف عن شيخي حميطون)

    بس ان شاء الله بعد هالمية سنة نكون بالجنة ...

    اذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في ود يجىء تكلفا



  7. #7

    افتراضي

    -14-



    لم يستشعر والد خديجة أي تخوف مما حصل و لم يؤرقه أن تكون خديجة على علاقة عاطفية ... هذه السلبية آلمته و جعلته يقلق من نفسه ويسائلها عن السبب .... لكنه بعد التدقيق في الأمر اكتشف أن السبب يرجع إلى ثقته العمياء بخديجة ... أقلقته هذه النتيجة أكثر فهذا يعني أنه سيعاملها وفق هذه الثقة مستقبلا و دائما ... لم تعجبه الفكرة .... فحاول أن يقنع نفسه بضرورة التعاطي مع خديجة في هذا الظرف بحرص أكبر ومتابعة أوسع وبصورة مباشرة ودقيقة ... لكنه فشل ، لأن هذا الأسلوب يتناقض مع أبسط مبادئه وقناعاته الذاتية .... فحار في أمره و عاد يواسي نفسه و يبدد مخاوفه التي أنتجتها تلك الثقة بهذه الثقة عينها ! فراح يسترجع في شخصية خديجة ما يرفع هذا القلق و يزيله بالكلية ...



    ليلا خرجت خديجة إلى شرفة المنزل . جلست على مقعد فاخر وثير تنظر إلى الأفق.
    ظلام دامس يغطي طبيعة ساحرة ممتدة وبقع ضوء خافتة تنتشر هنا و هناك في الأنحاء . خديجة تبحر بعينيها في عباب هذا الظلام الكثيف وتغوص في أعماقه تبحث عن المجهول . ثم ترتد إلى واحدة من تلك البقع المضيئة تسترد أنفاسها وتستريح من عناء التحديق في الظلمة.

    خواطرها وخيالاتها كانت كذلك تماما . مساحة من الظلام الممتد وبقع ضوء متناثرة . المشهد كان في حسها واحدا. لقد كانت متناغمة تماما مع ما تراه.
    هبات نسيم باردة تداعب وجهها و أطرافها بلا انقطاع . لم تكن مرتدية ما يكفي لمقاومتها ، ومع هذا لم تشعر بوخز صقيعها . ظلت أطرافها دافئة تستمد حرارتها من قلب استحال جمرة شوق ملتهب!
    أمواج خيالاتها تنطلق دائريا حول تلك البقع المضيئة ..... يزودها لهيب الشوق بطاقة تدفعها بقوة في الوسط المعتم ، لكنها ما تلبث أن تتكسر و تتحطم و تتبعثر على صخر الواقع المظلم!

    أمضت الليل بطوله تتأمل في ثنائي الظلمة و النور. ثم اكتشفت أن النور مهما كانت خافتا يستمد قيمته من الظلام الذي يلف ما حوله. نتيجة أشاعت في نفسها طمأنينة ابتعثت في قلبها أملا جديدا....


    علي كان في شأن آخر ... لازمه منذ استمع إلى تلك الكلمات الساحرة تخرج من فم الشيخ رقراقة عذبة تروي ما جدب من أنحاء قلبه و تسقيه بما هو خير ....
    الليل عنده خلوة العاشقين يغلق عليه باب غرفته ، و في زاوية من زوايا الغرفة مغسلة قديمة تحكي تضاريسها قصة زمن غابر ولى بآلامه و أفراحه . كم جلس قبلا يراقبها ويتأمل تفاصيل تلك التضاريس ، ليعود مع كل تفصيل فيها إلى الزمن يستخرج منه الذكرى! أما اليوم فشأنه معها مختلف ؛ يقف عندها ليتوضأ والدموع تقفز من عينيه تسابق قطرات الماء المنهمر !

    يفتتح ليله مع القرآن ؛ يقرأ الآيات بصوت متهدج ملؤه العشق . إنه كلام ربه و مولاه ، كلام من خلق الوجود و برأ الخلق ، كلام من هو أعلم به من حاله ، كلام من يعلم السر وراء كل حركة و سكنة و ناموس و قانون في جسد الإنسان و نفسه و في هذا الكون الساحر الجميل .... لذا كانت عنايته بالتدبر أعظم عناية لا يكاد يخلي حرفا إلا و يقف عنده ، يتأمل في المعنى و مقتضياته في الواقع . لقد كان كمن يقرأ رسالة من حبيب غائب طال انتظاره!
    عقله نشط متوثب لإلتقاط المعاني و قلبه في تفاعل مستمر معها .....

    بعد أن يفرغ من تدبر ما شرع بتدبره ، يقف علي و يستقبل القبلة و يكبر بخشوع ...
    يا لله ما أجمل تلك اللحظات التي يحضر فيها علي بين يدي ربه يناجيه و يخاطبه بتذلل و انكسار ... يقبل عليه و هو ينشد من أعماق قلبه وبملئ فكره و قناعته ذلك النشيد الأبدي : اللهم منك و بك و إليك .... يا له من نشيد ما أروعه يعلن فيه المسلم أنه من الله و بالله و لله ..... حقيقة لو استقرت في القلب لعاش بها الإنسان في الجنة و هو لا يزال بين أظهر الناس ... الناس في شأن و هو في شأن آخر ... الناس في هم و هو في فرح و حبور ... الناس مع شهواتهم و الأغيار و هو مع الله ليس في قلبه أحد سواه ... أحد أحد أحد ... يرددها المسلم وهو يرزح تحت صخر الشهوات و تلهب سياط الهوى ظهره .... أحد أحد أحد ... باستمتاع يداني استمتاع بلال في الصدر الأول .....

    ساعات ليله تمضي مسرعة بينما دقائق ليل خديجة لا تكاد تتحرك!

    هنا مشهد وهناك مشهد و بينهما فروق و مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل ....


    في الصباح استيقظت خديجة لتجد ألمها لا يزال ساهرا لم ينم ، شاخصا إليها يمننها بإغفاءة قصيرة صرعته فيها غريزة النوم. فتحت عينيها .... انقض عليها من جديد غارزا مخالبه و الأنياب!...
    لم تستسلم له .... خرجت إلى الشرفة وجلست تشرب الشاي و تتأمل ..... لا بد من البحث عن حل ... استعرضت تاريخ علاقتها بعلي وتوقفت مع بدايات تلك العلاقة ... يوم تفاجأت صباحا برسالة من علي على مقعدها .... لمعت في ذهنها فكرة الكتابة ... على الفور توجهت إلى مكتبها وسحبت منه دفتر الرسائل و بدأت تكتب و تكتب .... مضت ساعتان و هي تكتب ، لم تشعر خلالهما بالوقت ... ختمت الرسالة وارتخت على مقعدها في راحة و هدوء لم تشعر بهما منذ زمن...

    في اليوم التالي دخل علي قاعة المحاضرات ليجد على مقعده رسالة مختومة . فضها فوجدها من خديجة ! ...

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي

    وبعدين أخ أبو محمد ، لماذا توقفت عن الكتابة ؟

    إذا بتريد هك وقفات بلاها بترفعلي ضغطي ، وإذا صابني شي بكون من القصة.

    عم إمزح ، بوركتم وبوركت الأنامل التي تكتب ؛

    بالإنتظار على أحر من الجمر.
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •