-16-
في الصباح كانت قد عزمت على أمر ما بصورة قاطعة و تمسك لا ضعف فيه . توجهت إلى الكلية وتابعت المحاضرات اليومية .
في طريق العودة توقفت عند سوق تجاري. ترجلت من السيارة و اندفعت إلى داخل السوق بقدم ثابتة و قلب راسخ ... ثم ما هي إلا دقائق حتى خرجت خديجة تلف رأسها بحجاب يغطي كامل شعرها ! ...
وهي تدخل إلى المنزل رآها أخوها فأسرع وراءها يسائلها عن حقيقة ما تضع على رأسها.
وكم ذهل و هو يسمعها تقول بكلمات موجزة وسريعة : حجاب شرعي ألم تسمع به قبل اليوم؟! ثم دلفت إلى غرفتها وأهل المنزل لا يكادون يصدقون ما قالته خديجة!....
لما حان وقت العشاء سألت الخادمة عن المتواجدين في الصالة . فلما علمت بأن بين الحضور غرباء وضعت الحجاب على رأسها و توجهت برأس مرفوع ممتلئ فخرا و اعتزازا . و شعور لذيذ يخالجها ! إنها أول مرة تغير في حياتها الإجتماعية تغييرا جذريا مؤسسا على قناعة عقلية ذاتية. ما أتفه الإنسان حين لا يحرر عقله للنظر و التأمل ، و ما أشد خسارته يوم لا يختار بعقله الحر أسلوب الحياة الأمثل!! هكذا كانت خديجة تحدث نفسها وهي تدخل إلى الصالة و تلقي تحية الإسلام ، وتجلس بقرب والدها بتحد لافت .
بعد انتهاء العشاء دخلت خديجة غرفتها فتبعها أخوها يصرخ في وجهها مسائلا إياها مرة أخرى عن سبب وضعها للحجاب.
أجابته بهدوء شديد: هل تريد معرفة السبب أم نزعه بالقوة؟! فصرخ قائلا: بل سأنزعه بالقوة!
في هذه اللحظات دخل الوالد ليسمع ابنته تقول لأخيها بهدوء ولكن بكلمات عاصفة قوية : الحجاب هذا الذي تراه ، موجود الآن في قلبي وليس فقط على رأسي. وأنا الأمة الفقيرة الضعيفة لن تسمح لك بنزعه عن الرأس فكيف بالقلب الذي لا سلطان لك عليه؟!
بدت علامات الذهول على محيا الوالد بعد أن سمع هذه الكلمات من خديجة. خيل إليه أنه لا يعرف ابنته أو أن هذه ليست ابنته بل فتاة أخرى لم يرها قبل اليوم. لقد كانت متألقة ساحرة كساها الحجاب حلة وكلماتها القوية زينة ، فبدت كعروس فاتنة تغني ليلة العرس!
طلب الوالد من ابنه أن يخرج من الغرفة و أن يدعه و خديجة لوحدهما.
أقبل الوالد على ابنته يسلم عليها و يسألها عن أحوال الدراسة و الإختبارات. ثم ترافقا إلى الشرفة.
طلب قدحين من الشاي . وجلس يتأمل مع ابنته في الطبيعة و يحدثها عن موسم اللوز الذي بكر هذا العام ...
خديجة ابنة زينب ، المرأة المتحررة والمتحدرة من عائلة متدينة محافظة. درست في بريطانيا مدة خمس سنوات كانت كفيلة بإعادة تشكيل عقلها ، و صياغته بما يتوافق مع العقلية الغربية في نظرتها للإنسان و قضايا الحرية و المرأة و الدين ...
التقت حسام زوجها في لندن أثناء زيارته لأحد معاهدها في بعثة علمية اختير عضوا فيها. وهناك بدأت معه علاقة عاطفية استمرت ثلاث سنوات انتهت بزواجهما . وقد باركت عائلتها هذا الزواج إلا أنها أبدت تحفظا شديدا على طريقة تفكير حسام و زينب ، و انتقدت تعديهما للضوابط الدينية والتقاليد الإجتماعية ...
اليوم خديجة بدت كمن يحيي ما اندرس في العائلة ، وكمن يهدم ما عملت أمها المتوفية منذ سنوات على تأصيله و تجذيره! وهذه كانت المفاجأة التي صدمت حسام!
صحيح أن حسام ليس خط هجوم أول على التمسك الديني كما كانت زوجته. لكنه سمح لها بتأسيس العائلة على النمط الغربي الخالص. وبالتالي فإن وجود من يعارض هذه الأسس قد يهدد استقرار العائلة بصورة جدية! وهذه النقطة تحديدا هي ما يقلق حسام!
كاد يفرغ من قدح الشاي ولم يفتتح الموضوع مع خديجة! يحس برهبة غير معتادة ... التفكير الديني بالنسبة له منطقة خطرة جدا يصعب عليه اقتحامها ... هو لا يريد أن ينزع الحجاب عن رأس ابنته كما يرغب ولده فادي ... لكنه يريد أن يتأكد من حقيقة اختيار خديجة له ، هل هو بمحض إرادتها ؟! وما الذي جعلها تختاره و تتمسك به فجأة على هذا النحو؟! هل هو مجرد تمسك ديني بحت أم له تعلق بتيار الإسلام السياسي الذي ينجح كما في كل جيل باقتحام الجامعات و المعاهد و تجنيد أعداد هائلة من الطلاب يعدهم ليحملوا فكره و طروحاته!
بحركة عفوية ملؤها الحب أمسك حسام بيد ابنته و حدق في عينيها قائلا :
ابنتي الحبيبة هل تصارحيني بحقيقة الأمر؟
نظرت خديجة إلى والدها بنظرة ملؤها الثقة والقوة. أجابته بنبرة حانية و بسمة ناعسة فيها من دلال الابنة: أبتي هل تثق بي؟
أتاها الجواب سريعا : لطالما فعلت و أنت تعلمين هذا جيدا.
اعتدلت في جلستها . حدقت في الأفق قليلا ثم أقبلت على والدها تشرح له كيف أنها فجاة استفاقت من كابوس الغفلة لتجد غمر النعم يحيط بها ، و لتفتش قلبها فإذا به سادر في غيه متماد في نكرانه و جحوده. الله أعطاني الصحة و الجمال و الإتزان و هو سبحانه من يرزق جميع من في هذا الكون وهو عليم بما فيه لا يشذ عنه فيه حبة خردل. فلماذا لا أتبع منهجه و لماذا أتنكب الطريق التي رسمها لنا في كتابه؟ ما الذي أجنيه من مخالفة تعاليمه ؟ أليس هو مالك كل شيء وواهب كل شيء و من بيده كل شيء؟!..............
كان حسام يتابع كلام خديجة بدقة و ذهول ... لا يكاد يصدق ما يسمعه ...... إن خديجة تتحدث كما لو كانت تعيش حقا كل كلمة تتفوهها ... هي متأثرة فعلا بما تقول ... الأمر إذا ليس مجرد عارض ويزول عن قريب .....
ناقشها في حقيقة النكران و الجحود وأنه ليس كل من لم ترتد الحجاب جاحدة ناكرة . فهناك تفاسير متعددة للقرآن ولكل اجتهاده و رأيه الخاص. لكن خديجة لم تقتنع بهذا الكلام و سألت والدها أن يأتي بتفسير آخر لآية الحجاب على أن يكون تفسيرا منطقيا ينسجم مع النص.
واكتشف حسام أن خديجة متعمقة إلى حد كبير في اتجاهها الجديد ! فتعجب من هذا كثيرا ! و أرجع الأمر إلى كثرة قراءاتها ، ازدياد ساعات المطالعة اليومية عندها منذ مدة ، و اقتنائها للكتب المتنوعة التي ربما وسعت آفاقها و جعلتها تفتح عقلها على الدين و تعاليمه بصورة أكثر منهجية ........
في ختام الجلسة و بعد أن أفرغ حسام ما في جعبته من شبه كان يقذفها ذات اليمين و ذات الشمال ، بعضها لم تستسغه خديجة و بعضها استمهلت والدها للنظر فيه . خاطبها والدها قائلا : تعلمين جيدا يا خديجة أنني لست ممن يجبرك على ما لا ترين ولكنني أرجو منك أن تتفكري أكثر في هذا الطريق الذي يبدو لي أنك تعتزمين السير فيه ، دققي فيه أكثر !. وفي النهاية أيا يكن اختيارك سأحترمه ، وأتمنى أن لا تكفي عن احترام من يخالفك الرأي كما لمست و أعجبني من كلامك الآنف .....
خديجة كانت تدرك مسبقا أن والدها ليس ممن يجبرها على شيء . علمها منذ الصغر فكرة احترام الرأي الآخر و عدم مصادرة حق الآخرين في اختيار ما يرون . وهي من النقاط الأساسية التي جعلتها تميل إلى علي منذ البدء ؛ حين كانت تسمعه في المجالس الطلابية يؤصل لهذا الأدب من نصوص القرآن و السنة.
لكنها كانت تطمع أن تغير في أبيها وتكون سببا إلى هدايته و استقامته...


رد مع اقتباس
...........لك حدا يتصل فينا يألنا صاير كل هالتطورات بالأصة!!!..........
