النتائج 1 إلى 50 من 74

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي

    -16-



    في الصباح كانت قد عزمت على أمر ما بصورة قاطعة و تمسك لا ضعف فيه . توجهت إلى الكلية وتابعت المحاضرات اليومية .

    في طريق العودة توقفت عند سوق تجاري. ترجلت من السيارة و اندفعت إلى داخل السوق بقدم ثابتة و قلب راسخ ... ثم ما هي إلا دقائق حتى خرجت خديجة تلف رأسها بحجاب يغطي كامل شعرها ! ...

    وهي تدخل إلى المنزل رآها أخوها فأسرع وراءها يسائلها عن حقيقة ما تضع على رأسها.
    وكم ذهل و هو يسمعها تقول بكلمات موجزة وسريعة : حجاب شرعي ألم تسمع به قبل اليوم؟! ثم دلفت إلى غرفتها وأهل المنزل لا يكادون يصدقون ما قالته خديجة!....

    لما حان وقت العشاء سألت الخادمة عن المتواجدين في الصالة . فلما علمت بأن بين الحضور غرباء وضعت الحجاب على رأسها و توجهت برأس مرفوع ممتلئ فخرا و اعتزازا . و شعور لذيذ يخالجها ! إنها أول مرة تغير في حياتها الإجتماعية تغييرا جذريا مؤسسا على قناعة عقلية ذاتية. ما أتفه الإنسان حين لا يحرر عقله للنظر و التأمل ، و ما أشد خسارته يوم لا يختار بعقله الحر أسلوب الحياة الأمثل!! هكذا كانت خديجة تحدث نفسها وهي تدخل إلى الصالة و تلقي تحية الإسلام ، وتجلس بقرب والدها بتحد لافت .

    بعد انتهاء العشاء دخلت خديجة غرفتها فتبعها أخوها يصرخ في وجهها مسائلا إياها مرة أخرى عن سبب وضعها للحجاب.

    أجابته بهدوء شديد: هل تريد معرفة السبب أم نزعه بالقوة؟! فصرخ قائلا: بل سأنزعه بالقوة!

    في هذه اللحظات دخل الوالد ليسمع ابنته تقول لأخيها بهدوء ولكن بكلمات عاصفة قوية : الحجاب هذا الذي تراه ، موجود الآن في قلبي وليس فقط على رأسي. وأنا الأمة الفقيرة الضعيفة لن تسمح لك بنزعه عن الرأس فكيف بالقلب الذي لا سلطان لك عليه؟!

    بدت علامات الذهول على محيا الوالد بعد أن سمع هذه الكلمات من خديجة. خيل إليه أنه لا يعرف ابنته أو أن هذه ليست ابنته بل فتاة أخرى لم يرها قبل اليوم. لقد كانت متألقة ساحرة كساها الحجاب حلة وكلماتها القوية زينة ، فبدت كعروس فاتنة تغني ليلة العرس!

    طلب الوالد من ابنه أن يخرج من الغرفة و أن يدعه و خديجة لوحدهما.

    أقبل الوالد على ابنته يسلم عليها و يسألها عن أحوال الدراسة و الإختبارات. ثم ترافقا إلى الشرفة.
    طلب قدحين من الشاي . وجلس يتأمل مع ابنته في الطبيعة و يحدثها عن موسم اللوز الذي بكر هذا العام ...

    خديجة ابنة زينب ، المرأة المتحررة والمتحدرة من عائلة متدينة محافظة. درست في بريطانيا مدة خمس سنوات كانت كفيلة بإعادة تشكيل عقلها ، و صياغته بما يتوافق مع العقلية الغربية في نظرتها للإنسان و قضايا الحرية و المرأة و الدين ...
    التقت حسام زوجها في لندن أثناء زيارته لأحد معاهدها في بعثة علمية اختير عضوا فيها. وهناك بدأت معه علاقة عاطفية استمرت ثلاث سنوات انتهت بزواجهما . وقد باركت عائلتها هذا الزواج إلا أنها أبدت تحفظا شديدا على طريقة تفكير حسام و زينب ، و انتقدت تعديهما للضوابط الدينية والتقاليد الإجتماعية ...


    اليوم خديجة بدت كمن يحيي ما اندرس في العائلة ، وكمن يهدم ما عملت أمها المتوفية منذ سنوات على تأصيله و تجذيره! وهذه كانت المفاجأة التي صدمت حسام!

    صحيح أن حسام ليس خط هجوم أول على التمسك الديني كما كانت زوجته. لكنه سمح لها بتأسيس العائلة على النمط الغربي الخالص. وبالتالي فإن وجود من يعارض هذه الأسس قد يهدد استقرار العائلة بصورة جدية! وهذه النقطة تحديدا هي ما يقلق حسام!

    كاد يفرغ من قدح الشاي ولم يفتتح الموضوع مع خديجة! يحس برهبة غير معتادة ... التفكير الديني بالنسبة له منطقة خطرة جدا يصعب عليه اقتحامها ... هو لا يريد أن ينزع الحجاب عن رأس ابنته كما يرغب ولده فادي ... لكنه يريد أن يتأكد من حقيقة اختيار خديجة له ، هل هو بمحض إرادتها ؟! وما الذي جعلها تختاره و تتمسك به فجأة على هذا النحو؟! هل هو مجرد تمسك ديني بحت أم له تعلق بتيار الإسلام السياسي الذي ينجح كما في كل جيل باقتحام الجامعات و المعاهد و تجنيد أعداد هائلة من الطلاب يعدهم ليحملوا فكره و طروحاته!

    بحركة عفوية ملؤها الحب أمسك حسام بيد ابنته و حدق في عينيها قائلا :
    ابنتي الحبيبة هل تصارحيني بحقيقة الأمر؟

    نظرت خديجة إلى والدها بنظرة ملؤها الثقة والقوة. أجابته بنبرة حانية و بسمة ناعسة فيها من دلال الابنة: أبتي هل تثق بي؟

    أتاها الجواب سريعا : لطالما فعلت و أنت تعلمين هذا جيدا.

    اعتدلت في جلستها . حدقت في الأفق قليلا ثم أقبلت على والدها تشرح له كيف أنها فجاة استفاقت من كابوس الغفلة لتجد غمر النعم يحيط بها ، و لتفتش قلبها فإذا به سادر في غيه متماد في نكرانه و جحوده. الله أعطاني الصحة و الجمال و الإتزان و هو سبحانه من يرزق جميع من في هذا الكون وهو عليم بما فيه لا يشذ عنه فيه حبة خردل. فلماذا لا أتبع منهجه و لماذا أتنكب الطريق التي رسمها لنا في كتابه؟ ما الذي أجنيه من مخالفة تعاليمه ؟ أليس هو مالك كل شيء وواهب كل شيء و من بيده كل شيء؟!..............

    كان حسام يتابع كلام خديجة بدقة و ذهول ... لا يكاد يصدق ما يسمعه ...... إن خديجة تتحدث كما لو كانت تعيش حقا كل كلمة تتفوهها ... هي متأثرة فعلا بما تقول ... الأمر إذا ليس مجرد عارض ويزول عن قريب .....

    ناقشها في حقيقة النكران و الجحود وأنه ليس كل من لم ترتد الحجاب جاحدة ناكرة . فهناك تفاسير متعددة للقرآن ولكل اجتهاده و رأيه الخاص. لكن خديجة لم تقتنع بهذا الكلام و سألت والدها أن يأتي بتفسير آخر لآية الحجاب على أن يكون تفسيرا منطقيا ينسجم مع النص.

    واكتشف حسام أن خديجة متعمقة إلى حد كبير في اتجاهها الجديد ! فتعجب من هذا كثيرا ! و أرجع الأمر إلى كثرة قراءاتها ، ازدياد ساعات المطالعة اليومية عندها منذ مدة ، و اقتنائها للكتب المتنوعة التي ربما وسعت آفاقها و جعلتها تفتح عقلها على الدين و تعاليمه بصورة أكثر منهجية ........

    في ختام الجلسة و بعد أن أفرغ حسام ما في جعبته من شبه كان يقذفها ذات اليمين و ذات الشمال ، بعضها لم تستسغه خديجة و بعضها استمهلت والدها للنظر فيه . خاطبها والدها قائلا : تعلمين جيدا يا خديجة أنني لست ممن يجبرك على ما لا ترين ولكنني أرجو منك أن تتفكري أكثر في هذا الطريق الذي يبدو لي أنك تعتزمين السير فيه ، دققي فيه أكثر !. وفي النهاية أيا يكن اختيارك سأحترمه ، وأتمنى أن لا تكفي عن احترام من يخالفك الرأي كما لمست و أعجبني من كلامك الآنف .....

    خديجة كانت تدرك مسبقا أن والدها ليس ممن يجبرها على شيء . علمها منذ الصغر فكرة احترام الرأي الآخر و عدم مصادرة حق الآخرين في اختيار ما يرون . وهي من النقاط الأساسية التي جعلتها تميل إلى علي منذ البدء ؛ حين كانت تسمعه في المجالس الطلابية يؤصل لهذا الأدب من نصوص القرآن و السنة.

    لكنها كانت تطمع أن تغير في أبيها وتكون سببا إلى هدايته و استقامته...
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد القلموني ; 07-07-2008 الساعة 02:01 AM

  2. #2

    افتراضي

    -17-



    في اليوم التالي توجهت خديجة إلى الجامعة يكسوها حجابها الجديد حلة من البهاء الإيماني الساحر. وقعت عين علي عليها فسر سرورا عظيما . وشكر الله أن جعله سببا إلى التزامها طريق الطاعة .

    كان المشهد مؤثرا جدا بالنسبة لعلي ، إلى درجة أن أعاد استنهاض مشاعر كادت تندرس من معالم قلبه و صفحة ذكرياته! لكنه استنهاض في بوتقة مشاعر إيمانية مختلفة ؛ لذا لم يعارضها كبير معارضة ... إذ هو قادر الآن أن يتحكم بها أكثر من ذي قبل ...

    في اليوم التالي وصلته رسالة من خديجة ذكرت فيها تعطشها للعلم الشرعي ، وأنها تحتاجه مساعدا و مرشدا لها في الطلب. كما سردت له شبه والدها و طلبت منه ردا وافيا عليها .

    فكتب لها رسالة طويلة فند فيها تلك الشبه . وتابع معها ما كان بدأه من تأصيل في رسالته الأولى.

    أفادت خديجة من هذه الرسالة جدا و جلست مع والدها تناقشه في تلك الشبهات. وتطمع في هدايته إلى طريق الإتباع... لكنه استمر في إعراضه لا يعنيه شيء أكثر من ضبط خديجة لأجل أن لا تتمادى و تشكل عنصر قلق و اضطراب في العائلة. كان هذا جل همه ..... !

    في الليل فتحت خديجة كتاب الله وجلست تبحث عما تقرأه. اختارت سورة إبراهيم . هزها مطلع السورة و آياتها الأولى. الآية الأولى (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) من الآيات التي يستشهد بها علي كثيرا . لكنها الآن تجد لها طعما آخر وهي تقرؤها في هدوء وتأن و تأمل . الله يتكلم و يقول للكون كله أن من يعيش بعيدا عن هذا الكتاب هو في ظلمات و ليس في ظلمة واحدة ، لا يخفف منها شيئا زيف بريق الشهوات و الأهواء . الناس جميعا غنيهم و فقيرهم من يعيش في القصور العالية و من يعيش في الكهوف النائية ، في ظلمات بعضها فوق بعض . ولا خروج لهم منها إلا بكتاب الله تعالى النور الساطع المبين.
    ( الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض و ويل للكافرين من عذاب شديد)
    فكيف يكفر بمن له ما في السماوات و الأرض ؟! كيف يجحد ؟! كيف يستساغ رد أمره ؟! كيف يهنأ من يرد تعاليمه؟! كيف يفكر و ينظر من يتنكب منهجه؟!
    تابعت خديجة القراءة في استغراق و تأمل فوجدت الجواب سريعا : ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا اولئك في ضلال بعيد ...) !
    وهنا دمعت عينا خديجة وتذكرت الآية العظيمة التي يستشهد بها علي كثيرا ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و إن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ...) قرأتها بصوت خاشع متهدج ملؤه الخوف و التوجه إلى الله عز وجل .نعم إنها تعيش في بيت يهتف للعوج و يطلبه و يهواه ؛ العوج في كل شيء في التصرفات و الفكر و السلوك. وبالتالي فهي تفهم جيدا كيف يؤثر هذا الهوس بالعوج على النفس ، و كيف يحجبها عن رؤية الآيات و البراهين المبثوثة في الكون و النفس! .........
    وضعت المصحف جانبا و سجدت لله تعالى تناجيه و تحمده و تتذلل بين يديه ، وتسأله أن يحفظها أمة له و أن يصون قلبها عن نزغ يريها الضلال نقي الثياب.

    ما أروع القرآن و ما أشهى معانيه ! خديجة أضحت تشعر بلذة تدبر كلام الله تعالى . ولن يحول بينها و بينه بعد اليوم حائل !

    وعاشت خديجة مع القرآن تتدبر وتسجد لله لما تجد من المعاني المؤثرة و لسان حالها ، و منطقها ، يتمثلان دلالة الخطاب في قوله تعالى : ( و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) .

    ومضت في طريقها الجديد تقرأ في كتاب الله تعالى و تبحث في التفاسير وكتب السنة ، و تتأمل في المعاني و تتعمق في هذا الإتجاه ، فتفيد منه حبا و عشقا لمولاها وقوة في دينها و تقواها و غنى في علمها و اطلاعها .
    وما هي إلا أيام قليلة حتى حسن حجابها و اتزنت صلاتها ، وأضحت وأكبر همها الدعوة إلى التوحيد و متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في صغير الأمور و كبيرها.

    ولم يبخل علي على خديجة في هذا المضمار أبدا فاستمرت الرسائل بينهما بلا انقطاع. هي تسأله و هو يجيب. وكان يلاحظ أنها تتقدم بسرعة غير اعتيادية.

    وطلب منها علي أن تكتب في مجلة التيار الإسلامي فلم تلبث قليلا حتى أصبحت صاحبة قلم دعوي متفنن مبدع يحرك الدمع و يهز النفس و يترك المعاني في القلب حية نابضة ، حتى لكأن صفحاته التي يجول فيها هي صفحات قلوب الطلاب لا صفحات ورق مجلتهم!



    ومع الأيام ازداد علي إعجابا بخديجة و كان يفتش قلبه باستمرار نحوها فيرصد من مشاعر الحب المتزن ما جعله يزمع على محاولة الإقتران بها في أقرب فرصة سانحة.

    كانت علاقته بها في الإطار الشرعي ؛ لا يلتقي بها إلا في لقاءات عامة و حوارات مشتركة تعقد من أجل ترشيد العمل الدعوي و متابعة بعض تفاصيله. لكن لما كثرت هذه اللقاءات وجد علي في نفسه ما يخدش توجهه و يعكر صفو توحيده!.... ففكر في الأمر طويلا إلى أن وجد أن محاربة الهوى و الشيطان لا تكون بمغالبة سنن الفطرة...... فقرر متوكلا على الله أن يتقدم لخطبتها. و آثر سؤالها أولا لعلمه بالفوارق الإجتماعية و المادية التي تفصل بينهما ، و لأنه يعلم أيضا بعد عائلتها الشديد عن التدين مما قد يشكل عقبة حقيقية في وجه هذا الإرتباط الذي يسعى إليه.

    صلى صلاة الإستخارة و كتب لخديجة رسالة يشرح فيها رغبته و ما أزمع عليه. وذكر في الرسالة هواجسه التي قد تحول بينه و بين الإرتباط بها من الفوارق المادية و الفكرية...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    2,340

    افتراضي


    للحقيقة ، هالشب إللي إسمو علي عجبني .

    جزاكم الله خيرا أخ أبو محمد القلموني .
    اللهم احفظ لنا هذا العمل وسدد خطانا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    لاه لاه لاه!!!

    الله يسامحكم!!!....................لك حدا يتصل فينا يألنا صاير كل هالتطورات بالأصة!!!..........

  5. #5

    افتراضي

    -18-




    خديجة لم تفرح بشيء بعد تدينها كفرحها برسالة علي ، التي كتب إليها يستأذن في خطبتها......... فأرسلت إليه و على الفور جوابها باختصار و بكلمات مقتضبة و سريعة ، تشعر بمدى فرحتها و استعجالها لإتمام الإرتباط:
    علي حدد اليوم الذي ترغب فيه بلقاء والدي وأعلمني به.

    جاءها جواب علي سريعا بأنه لا يمانع أن يلتقي والدها في أي يوم تحدده هي ، ما دامت تجد أنه من الممكن إتمام الأمر رغم وجود تلك العقبات.

    في المساء توجهت خديجة إلى والدها و سألته أن يرافقها إلى غرفتها لتحدثه بأمر هام جدا.

    بمقدمة لطيفة لا تخلو من وعظ مبطن أعلنت خديجة لوالدها خبر الشاب الذي يريد التقدم لخطبتها ، و كونه من خير الشبان و أعقلهم .......
    داخل الوالد حسام سرور وهو يستمع إلى ابنته تتحدث في موضوع عاطفي بحت باتزان وحكمة . وأعجبه حسن انتقائها الألفاظ للتعبير عن المعاني بالدقيق المحبب منها .
    أجابها بأنه لا يعرف شيئا عن الشاب المذكور و يتعين عليه السؤال عنه أولا. وافقت خديجة مع لفت نظر والدها إلى أن الشاب يدرس معها في الجامعة ، و أنها لهذا من أكثر الناس معرفة به. ابتسم حسام معلنا التقاطه لإشارة خديجة و إدراكه جيدا لأبعادها. وفهمت خديجة هذه الإبتسامة ، على وجهها ، فعلتها حمرة الخجل ...

    وانفض اللقاء و خديجة منشغلة الذهن بالذي سيكون رسول والدها للسؤال عن علي.

    في اليوم التالي نادى حسام ابنه فادي و فاتحه بالموضوع و طلب إليه أن يسأل عن علي.

    فادي يعرف عليا بصورة جيدة من أحد أصدقائه المقربين والذي هو في التيار العلماني في الجامعة . ولذلك ما أن سمع باسمه حتى ارتعدت فرائصه و استشاط غضبا كتمه عن والده.

    مساءا توجه فادي إلى غرفة خديجة مغضبا والشرر يتطاير في عينيه . ودخل مع خديجة في نقاش حاد سبب صياحا و ارتفاعا في الأصوات.

    تناهى الصوت إلى حسام فأسرع إلى غرفة خديجة ليجدها وقد احمر وجهها واتسعت عيناها ، فبدت كوردة حمراء تسحر الألباب. وأما دفاعها المستميت عن علي فأظهرها كلبوة تدفع عن عرينها !

    كان المنظر رائعا جدا . لقد ذكرته بوالدتها الراحلة بما كانت تملك من إصرار و تحد. حتى حركاتها وانفعالاتها التي بدت في يديها و عينيها ، وتلون وجهها ، و قعودها و وقوفها أثناء الكلام ... كان كل ذلك يذكره بزينب الأم ..... لكن يا لله! كيف يتفق أن يتكرر المشهد ذاته ؟! بالأمس كانت زينب تحارب أخاها من أجل حسام المتفلت؟! و اليوم الإبنة خديجة تحارب أخاها من أجل علي المتدين؟!

    مشهدان إذا نظر إليهما المرء من زاوية وجدهما متناقضين متنافرين . وإن نظر إليهما من أخرى وجدهما متفقين متآلفين: ابنة تكرر فعل أمها و إن اختلفت التفاصيل و الحيثيات. زينب دافعت عن حقها في الإختيار و خديجة اليوم تدافع عن ذات الحق! ارتاحت نفسه لهذه النتيجة وهنا تدخل ليوقف الحوار و يطلب إليهما سماع ما سيقوله .....

    كان النصر لخديجة دون ريب ، فحسام مهما كان موقفه من التدين فهو لا يفرضه على ابنته لا في اختيارها السلوكي و لا في اختيارها العاطفي. في رأي حسام أي شيء يشعره برغبة التسلط و فرض الرأي هو رزية يجب التنزه عنها. وهو لا يلتفت إلى الآثار مهما كانت ما دام أنها اختيارات إنسانية بحتة تصدر عن آراء حرة ، لا يجوز كتمها مهما كانت درجة اختلافه معها .....

    وحصلت خديجة على الموافقة فطارت بها فرحا. وهاتفت عليا في منزله مبشرة ، وسائلة إياه أن يدخل على والدها من الغد.

    وتم ارتباط علي بخديجة . واشترطت عائلتاهما أن يكون الزواج بعد إكمالهما الدراسة. وعاشا أياما جميلة ملؤها الحب و السعادة في ظل أجواء إيمانية دعوية. لقد أثمر ارتباطهما زخما دعويا في الوسط الطلابي و في محيط العائلتين.

    كان التوحيد هو شغلهما الشاغل ومنبع عواطفهما و مصب أحلامهما و أهدافهما. لا يجلسان مجلسا إلا ويتحدثان فيه عن التوحيد حقيقة صارخة ، و نعمة باهرة ، و حاجة ماسة قاهرة ، وتحررا حقيقيا كاملا .....

    وما هي إلا أيام حتى بدأ فسطاط علي و خديجة يتسع و يتسع في عائلة حسام معلنا دخول السنة الأزلية إلى بيته : سنة الصراع بين الحق و الباطل ، بين التوحيد و الشرك ؛ بين إتباع الهوى و الشهوات ، و إتباع تعاليم رب الأرض و السماوات ؛ بين تصورات الجاهلية حول الوجود و الحياة و الإنسان ، و تصورات الإسلام حولها......

  6. #6

    افتراضي

    -19-



    ومرت سنة و علي و خديجة ينضجان بالدعوة إلى التوحيد ، و تمثل خط الأنبياء و متابعة النبي صلى الله عليه و سلم في أفعاله و أقواله و دعوته.

    في الوسط الطلابي كانا الأنشط و الأكثر تأثيرا واندفاعا دون منازع. وقد حرصا على إغراق الطلاب في قضية التوحيد عملا و دعوة.

    وأطلت السنة التالية ورجع الطلاب إلى الكلية . وعاد علي و خديجة ليمارسا دورهما بلذة كبيرة و شغف متعاظم .

    بعد أيام ستبدأ انتخابات مجلس الطلبة لهذا العام. فشرع كل تيار يلتقي محازبيه و يستعد ليوم الإقتراع الطلابي.

    في لقاء التيار الإسلامي فاجأ علي الإخوة بتحليل جديد و عناوين أخرى لم يطرحها في السنوات الماضية . هذا التحليل يقول فيه علي لإخوانه نحن أتباع المصطفى صلى الله عليه و سلم قبل أن نكون أي شيء آخر ؛ لذا يجب علينا تمثل هديه و تلمس خطاه . و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يضحي بأي شيء من أجل أن تبلغ دعوة التوحيد القلوب و العقول .... جاءه ملك الجبال يعرض عليه أن يأخذ له بحقه ممن آذوه ... فأعلنها صريحة خفاقة مدوية في العالمين : أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله..... فيتعين علينا نحن إذا كنا صادقين في محبته أن نسلك سبيله و ننهج نهجه . فلا نفضل على دعوة التوحيد شيئا ، و لا نقدم بين يديها ما يغبشها و يراكمها من الأقوال و الأفعال و التصرفات .....

    وعليه فأرى أن لا نشارك في هذه الإنتخابات كممثلين بل نشارك كمنتخبين فقط ؛ وذلك للأسباب التالية :

    أولا هذه الإنتخابات حقيقتها هي تشكيل مجلس طلابي يتابع شؤون الطلبة ومصالحهم و مطالبهم من الناحية الأكاديمية البحتة. فليس من اختصاصه الدخول في تفاصيل الإختلاف الفكري وتغليب تيار على تيار...
    ثانيا عملنا الأساس هو الدعوة في هذا الوسط لا نبتغي أجرا و لا مغنما و لا انتصارا لتيار على آخر ... نريد لصوت التوحيد أن يرنم الآذان و يحرك القلوب و يشكل التصرفات و التعاملات و السلوك...

    فبناء على ما تقدم فإنه إما أن نشابه القوم في تفاعلهم مع هذا الحدث وإما أن نظهر لهم حقيقة دعوتنا وماهية مطلبنا . والفرصة الآن سانحة فلنستغلها لنعلن لهم ما يميزنا عنهم حقيقة وواقعا ...
    نحن لسنا دعاة ظهور و بهرج و لا نتحرك تحت عناوين جوفاء فارغة ... لكننا أصحاب رسالة تخاطب العقل في كينونته الإنسانية و محيطه الفطري ، لتأخذ بيده على ضوء قوانين المنطق و قواعد الإرتكاز الفطرية إلى الحقيقة التي تكتنف سر هذا الوجود كله ؛ ليكيف حياته وفقها و تنبثق سلوكياته من تصوراتها الدقيقة الرائعة...

    أما خوض المنافسة معهم فسيحجبهم عنا و يحجبنا عنهم ، و تصير دعوتنا بمعزل عن أن تطرق منهم القلوب و العقول ! ...

    الطلبة اختلفوا بين مؤيد لعلي و مخالف له. ثم احتدم النقاش إلى أن أعلن بعض الإخوة ما يشبه الحل الوسط بين الرأيين ، وهو أن يشارك التيار الإسلامي بممثلين عنه من خارجه ينتقونهم وفق قواعد النزاهة و الحيادية و التفاني المتفق عليها بين الطلاب. وبهذه الطريقة يتجنبون قدر المستطاع سلبيات المنافسة مع تيارات الإلحاد و العلمنة من الزاوية التي طرحها علي. و في نفس الوقت يعطون برهانا عمليا على صدق نواياهم و صفاء سريرتهم من حيث أنهم تيار دعوي حقيقة و واقعا ، و لا يهمه من يصل ليشكل نواة المجلس الطلابي بقدر ما يهمه أن ينشر دعوته خالصة من كل شائبة نفع زائل و مغنم زائف...

    توافق الجميع على هذا الحل و كان لهم ما أرادوا وخططوا. وبعد نجاحهم الباهر عقدوا لقاء موسعا للتقييم ، فكانت النتيجة أن نجاحهم كان بفضل الله أولا و بتشاورهم و تعاونهم و تمسكهم بدعوة التوحيد ثانيا . فأطلقوا شعارهم الجديد للمرحلة المقبلة :

    التوحيد دراسة و عملا و دعوة ، الشورى ، التعاون على البر و التقوى . وأسموه شعار العصر تيمنا بالسورة الكريمة التي جمعت هذه العناصر الثلاثة وجعلت منها دعائم الربح و النجاح .....

    ومرت السنة سريعا و الجميع يد واحدة حانية على القريب و ممدودة للبعيد . يحاولون إصلاح ما فسد من تلك القلوب بربطها بعلام الغيوب . الخطاب كان يتهادى حكمة و يتغلغل تأثيرا و يثمر يانعا في قلوب الطلاب البعيد منهم قبل القريب ..... أوقات جميلة لا تنتسى رغم قصر مدتها و سرعة انقضائها ....

    ......

    أيام قليلة و يترك الطلاب مقاعد الدراسة استعدادا لامتحانات نهاية العام .

    رافق ذلك حدث آخر تداعت له تيارات العمل الطلابي و أزمعت أن تقول فيه كلمتها قبل مغادرة الطلبة للكلية . هذا الحدث هو بدء الإستعدادات في شرق البلاد و غربها و في عرضها و طولها لخوض معركة الإنتخاب البرلماني .

    أدلت كل التيارات بآرائها و انتشرت بياناتها و منشوراتها تحلل و تشرح للطلبة رؤيتها و منظورها للحدث و تفاصيله ...

    في لقاء التيار الإسلامي فجر علي قنبلة لم تكن متوقعة من الكثيرين .
    في رأي علي الترشح للبرلمان ضرب لدعوة التوحيد عرض الحائط و تشويه لها و سير في طريق يناقض أبسط مقتضياتها .

    اختلف الطلاب و كان الإختلاف هذه المرة شديدا جدا ... وحصلت مناقشات كثيرة بين علي و قلة من مؤيديه من جهة و بين مخالفيه من جهة أخرى . وجرت محاورات حرص فيها الجميع أن لا تخرج عن نطاق الأخوة و التخاطب الإيماني المتزن .

    ما فاجأ عليا هو أن أقرب الناس إليه ، كخديجة مثلا ، لم يفهموا مراده في البداية ... وما أزعجه أن من كان يعدهم في الطليعة لم تأت عندهم الفكرة إلا بعد لأي و طول شرح ! ...
    مما جعله يفتح مراجعة دقيقة لمضمون الخطاب المعتمد و حقيقة الأفكار التي تشربها هؤلاء منه و ممن يطرح طرحه . في رأي علي مضمون الفكرة يقتضي تلقائية في الحكم على مثل تلك المستجدات . فما السبب الذي عطل هذه التلقائية في عقول من يفترض أنهم تشربوا الفكرة و عاشت في قلوبهم و عقولهم ؟!

    أليس الكفر بالطاغوت هو المقتضى الأول لكلمة التوحيد ؟! المشكلة التي واجهها علي في هؤلاء هي أنه لم يعلق بأذهانهم مجرد تعلق للتوحيد بهذه القضية . فالجهة عندهم منفكة تماما في هذه القضية !

    فكر طويلا إلى أن وجد ما أخافه و أربكه: التوحيد المطروح و المتقبل من أغلب الطلاب بدأ ينحو منحى صوفيا بحتا يحصر عمله بالقلب و القلب فقط !!! ... هالته هذه النتيجة ...

    في بداية اللقاء الثاني الذي أعقب تلك العاصفة من الإختلافات ، طلب علي الكلام فجاء في كلامه :
    إخوتي الطلاب أنا الآن لا أتكلم لأفرض عليكم رأيا في القضية المختلف حولها ... و صدقوني ليست المشكلة عندي الآن تعيين المصيب من المخطئ فيما اجتمعنا لأجله ... لكن يعنيني ويهمني جدا أن ألفت النظر إلى ما هو أعظم من تحقيق المناط في هذه القضية الفرعية .
    التوحيد ليس هو مجرد علاقة قلبية تتوجه بها إلى الله بمعزل عن تأثيرها السلوكي و الفكري و الإجتماعي في مجتمعك ، و بعيدا عن رصد مقتضياتها الكبرى في الواقع ....
    في عودة سريعة إلى التاريخ نجد أن التوحيد لم يقف عند حدود مكة و لا المدينة و لا الجزيرة العربية و لكنه انطلق إلى العالمين جميعا . وهذه الإنطلاقة كانت منذ البداية ، منذ أن أعلنها محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم إعلانا عاما لتحرير الناس كل الناس من العبودية و التبعية و الخضوع لغير الله في كل صورها و أشكالها و لتحرير الأرض كل الأرض من الطواغيت التي تنازع الله في ألوهيته و ربوبيته ..... وهذا هو الذي فهمه العربي من معنى كلمة التوحيد : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة و من جور الأديان إلى عدل الإسلام ..... كلمات خالدة لا تزال ترن في سمع الزمان و تتناقل أصداءها صفحات التاريخ على مر العصور و الدهور .... الإسلام هو دين التوحيد الذي بعث به موسى عليه السلام إلى فرعون ليقول له :
    (هل لك إلى أن تزكى و أهديك إلى ربك فتخشى) .... ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) ... ( وتلك منة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) .... إنه دين الحرية الحقيقية التي لا تتحقق بغير عقد التوحيد .....
    واليوم كيف يعقل كلمة التوحيد من لا يرى أن لها كلمة في شأن مؤسسات قامت على إدعاء حق التشريع الذي ليس إلا لله وحده؟! ...
    قد يختلف بعض الإخوة معي في حيثيات الموقف الشرعي من هذه المؤسسات ؛ فيقول بعضهم ندخل لنسمعهم هذه الكلمة و يقول البعض ندخل ضرورة .و جميعنا متفق على أن لكلمة التوحيد تعلقا مباشرا بهذه الأوضاع و تلك المؤسسات ، و أن تصنيفها في ميزان التوحيد الدقيق هو : أوضاع غير شرعية و مؤسسات جاهلية .....

    والبعض يقول : هي كذلك بلا شك لكننا ندخل من أجل أن نصوت ضد كل تشريع مخالف . و نرد عليهم بأن المشكلة لا تزال قائمة و لو صوتتم ضد كل تشريع يصدر ، لأن الذي تتعلق به كلمة التوحيد هنا و تحكم عليه بعدم الشرعية هو مجرد مزاولة عمل التشريع بمعزل عن اتفاقه أو اختلافه مع ما يشرعه الله تعالى .
    فنلفتهم إلى هذا لنرجعهم إلى إحدى الخيارين : الضرورة أو إسماعهم هذا الكلام من داخل المؤسسة . ولنا مع هذين القولين كلام و تفصيل نرد فيه ما ذكروا . لكننا في النهاية نتفق جميعا على الأصل الذي هو تصور تلك المؤسسات تصورا صحيحا نابعا من قضية التوحيد ، و إن اختلفنا في حيثيات التعامل معها كما تقدم .......

    بعد طول نقاش قرر المجتمعون بصورة جماعية أن لا يصدر عن التيار الإسلامي الطلابي أية توصيات في هذا الشأن . وإنما يترك لكل عرض رأيه ، و من ثم متابعته في محيطه الخاص .....

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    كلام جميل .... بانتظار التتمة!!!

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •