-
-18-
خديجة لم تفرح بشيء بعد تدينها كفرحها برسالة علي ، التي كتب إليها يستأذن في خطبتها......... فأرسلت إليه و على الفور جوابها باختصار و بكلمات مقتضبة و سريعة ، تشعر بمدى فرحتها و استعجالها لإتمام الإرتباط:
علي حدد اليوم الذي ترغب فيه بلقاء والدي وأعلمني به.
جاءها جواب علي سريعا بأنه لا يمانع أن يلتقي والدها في أي يوم تحدده هي ، ما دامت تجد أنه من الممكن إتمام الأمر رغم وجود تلك العقبات.
في المساء توجهت خديجة إلى والدها و سألته أن يرافقها إلى غرفتها لتحدثه بأمر هام جدا.
بمقدمة لطيفة لا تخلو من وعظ مبطن أعلنت خديجة لوالدها خبر الشاب الذي يريد التقدم لخطبتها ، و كونه من خير الشبان و أعقلهم .......
داخل الوالد حسام سرور وهو يستمع إلى ابنته تتحدث في موضوع عاطفي بحت باتزان وحكمة . وأعجبه حسن انتقائها الألفاظ للتعبير عن المعاني بالدقيق المحبب منها .
أجابها بأنه لا يعرف شيئا عن الشاب المذكور و يتعين عليه السؤال عنه أولا. وافقت خديجة مع لفت نظر والدها إلى أن الشاب يدرس معها في الجامعة ، و أنها لهذا من أكثر الناس معرفة به. ابتسم حسام معلنا التقاطه لإشارة خديجة و إدراكه جيدا لأبعادها. وفهمت خديجة هذه الإبتسامة ، على وجهها ، فعلتها حمرة الخجل ...
وانفض اللقاء و خديجة منشغلة الذهن بالذي سيكون رسول والدها للسؤال عن علي.
في اليوم التالي نادى حسام ابنه فادي و فاتحه بالموضوع و طلب إليه أن يسأل عن علي.
فادي يعرف عليا بصورة جيدة من أحد أصدقائه المقربين والذي هو في التيار العلماني في الجامعة . ولذلك ما أن سمع باسمه حتى ارتعدت فرائصه و استشاط غضبا كتمه عن والده.
مساءا توجه فادي إلى غرفة خديجة مغضبا والشرر يتطاير في عينيه . ودخل مع خديجة في نقاش حاد سبب صياحا و ارتفاعا في الأصوات.
تناهى الصوت إلى حسام فأسرع إلى غرفة خديجة ليجدها وقد احمر وجهها واتسعت عيناها ، فبدت كوردة حمراء تسحر الألباب. وأما دفاعها المستميت عن علي فأظهرها كلبوة تدفع عن عرينها !
كان المنظر رائعا جدا . لقد ذكرته بوالدتها الراحلة بما كانت تملك من إصرار و تحد. حتى حركاتها وانفعالاتها التي بدت في يديها و عينيها ، وتلون وجهها ، و قعودها و وقوفها أثناء الكلام ... كان كل ذلك يذكره بزينب الأم ..... لكن يا لله! كيف يتفق أن يتكرر المشهد ذاته ؟! بالأمس كانت زينب تحارب أخاها من أجل حسام المتفلت؟! و اليوم الإبنة خديجة تحارب أخاها من أجل علي المتدين؟!
مشهدان إذا نظر إليهما المرء من زاوية وجدهما متناقضين متنافرين . وإن نظر إليهما من أخرى وجدهما متفقين متآلفين: ابنة تكرر فعل أمها و إن اختلفت التفاصيل و الحيثيات. زينب دافعت عن حقها في الإختيار و خديجة اليوم تدافع عن ذات الحق! ارتاحت نفسه لهذه النتيجة وهنا تدخل ليوقف الحوار و يطلب إليهما سماع ما سيقوله .....
كان النصر لخديجة دون ريب ، فحسام مهما كان موقفه من التدين فهو لا يفرضه على ابنته لا في اختيارها السلوكي و لا في اختيارها العاطفي. في رأي حسام أي شيء يشعره برغبة التسلط و فرض الرأي هو رزية يجب التنزه عنها. وهو لا يلتفت إلى الآثار مهما كانت ما دام أنها اختيارات إنسانية بحتة تصدر عن آراء حرة ، لا يجوز كتمها مهما كانت درجة اختلافه معها .....
وحصلت خديجة على الموافقة فطارت بها فرحا. وهاتفت عليا في منزله مبشرة ، وسائلة إياه أن يدخل على والدها من الغد.
وتم ارتباط علي بخديجة . واشترطت عائلتاهما أن يكون الزواج بعد إكمالهما الدراسة. وعاشا أياما جميلة ملؤها الحب و السعادة في ظل أجواء إيمانية دعوية. لقد أثمر ارتباطهما زخما دعويا في الوسط الطلابي و في محيط العائلتين.
كان التوحيد هو شغلهما الشاغل ومنبع عواطفهما و مصب أحلامهما و أهدافهما. لا يجلسان مجلسا إلا ويتحدثان فيه عن التوحيد حقيقة صارخة ، و نعمة باهرة ، و حاجة ماسة قاهرة ، وتحررا حقيقيا كاملا .....
وما هي إلا أيام حتى بدأ فسطاط علي و خديجة يتسع و يتسع في عائلة حسام معلنا دخول السنة الأزلية إلى بيته : سنة الصراع بين الحق و الباطل ، بين التوحيد و الشرك ؛ بين إتباع الهوى و الشهوات ، و إتباع تعاليم رب الأرض و السماوات ؛ بين تصورات الجاهلية حول الوجود و الحياة و الإنسان ، و تصورات الإسلام حولها......
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى