-23-
الحلقة الأخيرة
حمل جعفر جسد علي الطاهر و انطلق به بين البراري و السهول يقطع المفاوز ... تودعه الطيور و الأغصان و الورود ... الجميع يشيعه بنظرات عز و فخار و بهجة .... قريبا جسد موحد آخر ستضمه هذه الأرض الطيبة تباهي به الدنيا ...
كان جميع من في المعسكر قلقا لتأخر جعفر و علي ... و قنت الشيخ محمد يدعو لهما خاصة ...
في المساء شوهد شخص يمشي بخطوات متثاقلة وعلى كتفيه جسد آخر ... تداعى الجميع فإذا جعفر يحمل عليا ...
تقدم جعفر حاني الرأس و الألم يعصف في قلبه وبين جوانحه . وضع عليا التلميذ بين يدي الشيخ المعلم . نظر إليه ... وغبش الدموع في عينيه ، تنهمر بلا انقطاع . قال للشيخ محمد : لقد استشهد علي ...
وعلت أصوات التكبير و التهليل تنطلق من الحناجر ، و أكب الشيخ على علي يقبله و نشيج البكاء يقطع صوته . ثم استقبل القبلة و كبر ساجدا يدعو الله لعلي أن يتقبله من الشهداء و يسأله أن يلحقه به عن قريب ...
ومع الفجر كان الخبر قد انتشر ، و ذاع صيت استشهاد علي ... ودخل الحزن عائلتي الحاج مصطفى وحسام ... وتوافد الجميع لحضور الدفن ... فيما ظلت خديجة مع أهل علي تسليهم و تواسيهم و الحزن في قلبها أعظم من الجبال . ومع هذا تصبر نفسها و تحبسها أن لا يخرج منها غير ذكر الله و الدعاء ... فكانت تعطي القوم درسا رائعا من دروس التوحيد العملي ...
وفي داخلها قرار حاسم و جازم لا عودة عنه أبدا ... لقد قررت أنها لن ترتبط بأحد بعد علي طمعا أن تكون زوجه في الجنة ...
في المساء دخل الحاج مصطفى غرفة علي . أضاء المصباح و نظر في زوايا الغرفة متجنبا قدر المستطاع أن تقع عينه على سرير علي ... ثم حانت منه التفاتة إلى السرير فبكى بكاء شديدا ... اليوم لن ينام علي على هذا السرير و لكن الأمل بالله كبير أن يكون الآن في روضة من رياض الجنة يستريح من عناء الدنيا ...
توجه إلى المغسلة التي كان يتوضأ منها علي ، فحضر نفسه للصلاة ثم كبر حيث كان علي يكبر وافتتح صلاته يقرأ و يبكي...
بعد دقائق توجهت عائشة إلى غرفة علي بخطوات وئيدة ، وهي في الطريق كانت تتذكر تلك الأيام الجميلة حين كانت تتسلل إلى غرفته ليلا لتجده يصلي أو يقرأ ، فتنتظر فراغه مما هو فيه لتحادثه و تمازحه و تتعلم منه ...
دخلت عائشة الغرفة فوجدت أباها يصلي فصفت خلفه ... وما هي إلا دقائق حتى دخل حسين فصف بقرب عائشة ... قدمته عائشة ليقف بقرب والدها و بقيت هي في الخلف ... سجد الوالد و سجد الجميع خلفه يبكون و يسألون الله لعلي المغفرة و الدرجات العالية في الجنة ...
حسين قرر في سجوده أن يتوب إلى الله تعالى و يسير في طريق التوحيد الذي طالما دعاه إليه علي ، فكان يصده و يتهرب منه ... لقد جاء استشهاده ليؤكد كل كلمة و كل حرف سمعه من أخيه ... لقد علمه علي اليوم المعنى الحقيقي للتوحيد وكيف يكون الله حقيقة أكبر من كل شيء في حياته!....
رجعت خديجة إلى المنزل بصحبة والدها و إخوتها ... والدموع تنهمر بلا توقف من مقلتيها ... دخلت غرفتها ووقفت بين يدي الله تصلي و تناجيه ، و تسأله بافتقار و إلحاح أن يثبتها و يلحقها بعلي و يجعلها زوجه في الجنة ...
جلس حسام يفكر في الأحداث السريعة التي تتلاحق فصولها في منزله ... حجاب خديجة .... ارتباطها بعلي ... مشاكل هذا الإرتباط في عائلته ... و اليوم اسشهاد علي ...
وهو يراجع حواراته مع علي تذكر يوم قال له في البرية أن وعي الموت و تحريك العقل هما الدافع للإنسان كي يبحث عن الحقيقة ... ولكن أية حقيقة يبحث عنها حسام ؟! ... هل هناك أوضح من هذه الحقيقة التي شهدها مرارا و تكرارا؟!
وطفق يفكر بالموت فوجده مصيرا محتوما لأي إنسان ... حاول أن يهرب ... شعر برهبة ... تذكر طمأنينة علي و ثبات خديجة اليوم ... عاد يفكر في كلام علي ...
في الصباح قبيل الفجر ذهب حسام إلى غرفة خديجة ليتفقدها فوجدها نائمة في مصلاها ... أيقظها فقامت على عجل لتتوضأ وتحضر نفسها لصلاة الفجر ... جاءها والدها بعد برهة وهو يمسح عن وجهه و يديه الماء ... أقام الصلاة و كبر! فصفت خديجة خلفه في ذهول ...
بعد الصلاة نهضت خديجة فعانقت والدها عناقا حارا و هي تبكي وقد اختلطت في عينيها دموع الفرح و الحزن معا ...
تمت الرواية بعون الله
وكتبها راجي عفو ربه و الفقير إلى فضله ومنته
أبو محمد القلموني


رد مع اقتباس
