بسم الله الرحمن الرحيم
ضيوفنا هذه المرة أهل أعطاهم الله فشكروا وابتلاهم سُبحانه فصبروا، لا يُحسدون على الإبتلاء وإنما يُحسدون على ما وهبهم الله من صبر على المصاب وما ثبتهم به في محنتهم... رافقوا ابنتهم (منى) من بداية مرضها إلى أن سلموها لباريها ... لن أُطيل في التعريف وإنما سأترككم مع المقابلة التي أجراها موقع القلمون مع عائلة الطفلة منى ليتكلموا بأنفسهم وليردوا عما ورد إليهم من أسئلة ...
أترككم مع والد الطفلة منى وسيم القص ووالدتها سونيا حليحل وجدها حسن القص ليروا لكم بعض المواقف حول هذه المحنة... فإلى مراسلنا الكلام...
1- منى هي الأصغر بين أخواتها... هل كانت مميزة بين أخواتها ... يا ريت تحكولنا فكرة ولو بسيطة عن طفلتكم عن تصرفاتها ومدى تعلقكم بها
لقد تميزت منى عن أخواتها في أمور عدة حتى قبل ولادتها، فحملها وولادتها كانا أسهل بكثير ممن سبقها، كانت ومنذ صغرها رفيعة الأخلاق شديدة الذكاء يكفيها سماع الشي مرة واحدة لتحفظه وتتذكره لفترات طويلة. كانت تبكي إذا رأت أحد أبويها متضايقا أو مريضاً وكانت منذ عمر السنتين تأتي إلينا كل يوم تقريباً لتعاوننا وتقول (الله يحميكن،الله يحميلكم ولادكن، وان شاء الله يكون عمركن طويل) كنا دائما نستغرب منها تكرار ذلك. كانت تحب الخير لغيرها فعندما كنا نشتري لها ولأخواتها الألعاب كانت غالبا ما تُعطي لعبتها لأختيها وعندما كنت أطلب منها أن تحتفظ بلعبتها أو أن تستبدلها بلعبة أختها ترفض وتقول لي دعهن فأنا أكون أكثر سرورا عندما أرى أخواتي مسرورات. أذكر أنها وبعد أن اكتشفنا مرضها بأيام وكانت حينها قد أجرت عملية دقيقة في الرأس ، كنت جالساً إلى جانبها في السرير فأدخلو إلى غرفتها بنت من عمرها يداها مكسورتان، يومها قالت لي "بابا حرام هالبنت خليني أعطيها إيد مني، أنا معي إيدتين". كانت تهب لمساعدة أمها في أمور المنزل وتؤنب أختها الكبيرة إذا تقاعست في ذلك. كانت تترك كل شيء تفعله (أكل، تلفاز، إلخ...) وتركض لتستقبلني عند الباب كلما عدت من عملي وتطلب منيح أن أسمح لها بتقبيل يدي ولكني كنت أرفض وأحملها وأعانقها بدلاً من ذلك فتنادي على أختها الكبرى تعالي وقبلي يد أبوك التي يعمل بها ليشتري لك الطعام والألعاب. كانت صبورة جدا على الألم ، لا تشتكي حتى ل نتضايق عليها وقد لاحظ عليها أكثر من عشرة أطباء ورددوا نفس العبارة "منى طفلة عبقرية وتعي وتعرف كل ما يحدث لها ولكنها تهتم بكم وتحاول أن تُشعركم أن كل شيء على ما يرام وأنها لا تعاني من شيء.
يطول الحديث كثيرا لو أردنا أن نوفيها حقها ولكن باختصار كانت طفلة مميزة في العديد من الأمور، وجعلتنا نتعلق بها إلى حد كبير.
2- متى كان اكتشاف المرض بالضبط وكيف وهل كان ليؤثر إكتشافه المبكر في نتيجة العلاج؟؟
2- لقد تم اكتشاف مرضها في أواخر حزيران 2007م أي قبل وفاتها بـ 9 أشهر وحسب الأطباء فإن اكتشافه المُبكر لم يكن ليؤثر في نتيجة العلاج.
3- كيف تلقيتم خبر إصابتها وكيف تلقته هي نفسها هل كانت واعية لما يدور حولها ؟؟؟
3- كانت الصدمة عنيفة جداً وأشبه بتلاوة حُكم الإعدام على ابنتنا ولكننا سرعان ما وكلنا أمرنا لله وقلنا سنعمل كل ما في وسعنا ونترك الباقي على الله عز وجل. أم بالنسبة لمنى فقد كانت معنا لحظة تلفينا الخبر ورأت الذهول على وجوهنا والدموع في عيوننا فراحت تواسينا وتقول لنا (أنا بخير، لا تخافوا علي سأكون بخير) علما أنها قبل ذلك ولأكثر من شهر كانت تُردد من وقت لآخر "أنا سأموت" ولم نكن نعلم شيئاً عن مرضها حينها وكنا نظن أنها مُجرد عبارة سمعتها وترددها دون فهمها ونطلب منها عدم ذكر ذلك.
وحسب الأطباء فقد كانت منى واعية لما يدور حولها خلال فترة علاجها. وقد أخبرني أستاذها الذي عينته لها المستشفى والذي كان يأتي ليدرسها في البيت، قال لي حين أتى " لاحظت منذ أول جلساتي معها أن ذكاءها خارق وتتلقى بطريقة مُذهلة ولكنها كانت تُشعرني أنها تتعلم لإرضائك انت وأمها وكانت عيناها تقول لي إن ما تُعلمني إياه لن يلزمني ". لقد كانت منى تُحس بدنو أجلها ولكنها كانت تؤثر أن لا تُظهر ذلك والله أعلم.
4- لم آثرتم عدم إخبار أحد بمرض منى ... هل هناك أسباب مُقنعة ؟؟؟... ألم يكن الإفصاح أولى ليكثر لها الدعاء ويكون هناك من يقف معكم في هذه المحنة منذ بدايتها!؟
4- لقد كان رأي هو الإفصاح عن الموضوع منذ البداية للأسباب ذاتها التي وردت في هذا السؤال ولكن زوجتي كان لها وجهة نظر مُختلفة فنزلت عند رغبتها في هذا الموضوع. فقد رأت زوجتي أن هذا من خصوصيات منى التي قد لا تُحب هي نشرها ثم إن الإفصاح عنه كان سيؤدي بالكثير إلى حمل همها وشعورهم بالعجز لعدم قدرتهم على فعل أي شيء. أما فيما يخص الدعاء فكانت زوجتي تقول ليس هناك أفضل من دعاء الأب والأم وهذا علماً أن بعض الأقارب والأصحاب كانوا على علم بكل ما يحصل معها منذ اليوم الأول ولكن عددهم محدود.
5- جدُّ مُنى وصل قبل أيام من وفاتها ما هو تعليقه على ما رآه من منى وأهلها والطاقم الطبي الذي كان متابعا لحالتها
5- بسم الله الرحمن الرحيم
لقد غادرت لبنان قبل أسبوع من وفاة الطفلة منى إبنة وسيم القص رحمها الله.
أرسلت المستشفى إلى سفارة كندا في لبنان تقريراً يشرح وضع منى مما سمح لي بالحصول على التأشيرة خلال نصف ساعة ولقد أبلغنى المسؤول في السفارة بأنهم في الحالات العادية لا يعطوا الفيزة إلا بعد عشرة أيام من تقديم الطلب ولكن "كرمال" منى سنعطيك الفيزة الآن فشكرتهم لتعاطفهم وعلى إحساسهم بوضع المريضة.
وصلت أوتاوا يوم الخميس قبل أسبوع من وفاة الطفلة منى التي كانت حاضرة في استقبالي مع أهلها رغم البرد الشديد، انتقلنا مباشرة إلى المستشفى حيث أمضينا الليلة الأولى في جناح خاص لها مع وسيم زيدان الذي تفرغ مع وسيم القص والدها لمتابعة حالتها الصحية في أسبوعها الأخير في النهار كانت تُنقل منى إلى البيت لتكون بجانب إخوتها وفي الليل كنا نذهب للنوم معها في المستشفى.
منى طفلة مميزة باعتراف المشرفين عليها، كانت ابتساماتها لا تشير بأنها مريضة، كانت تتحمل الألم لكي لا يشعر والداها بحالها، كانت منزعجة فقط لأنها لا تستطيع أن تُعبر عما تريد فقد كانت تستعيض عن كلامها بالإشارة لأن المرض اشتد عليها ومنها من الكلام . كنا نفهم من عيونها الساحرة ماذا تريد. كل من يقف بجانبها ويكلمها تبتسم له، كانت تحب أخواتها كثيراً وترتاح لوجودهم بقربها . رئيسة القسم قالت بأنها لم تشاهد طفلة مثل منى تتحمل الأوجاع بهذا الصبر، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته..
والدة منى سونيا محمد حليحل أم مثالية لم أسمع ولم أشاهد في التلفزيون مثيلا لها، وقفت بجانب ابنتها منى تسعة أشهر دون ملل ولا كلل تنقلها للمعالجة يومياً وتسهر عليها الليالي بصبر وعناد كيف لا وهي تدري بوضعها الصعب والذي ساعدها بالإعتناء بها هو أن سونيا تتقن اللغة الإنكليزية اتقانها اللغة العربية فقد كانت تشرح للممرضات كل ما يحصل لمنى خارج المستشفى.
أما وسيم القص فقد كان متعلقاً ومحبا لمنى الصغيرة أكثر مما يتخيل الإنسان في الشهر الأخير ترك عمله في الشركة ولازم منى في البيت وفي المستشفى وعندما طلب من الشركة إجازة لمتابعة مرض ابنته كان الجواب من الشركة الإجازة للترفيه وليس للعناية بابنتك، مكانك مؤمن في الشركة إذهب واعتني بابنتك.
لم أتخيل يوماً في حياتي ولم أشاهد معاملة مميزة كالتي شاهدتها في المستشفى من الممرضات والأطباء المشرفين على حالة منى فقد كانوا يتناوبون عليها لفحص الدم ولفحص الأوكسيجين والسؤال عن طعامها ونومها وشربها ولقد كانوا يلاطفونها ويبتسمون لها وينشدون الأغاني التي تحبها وما ادهشهم وجود أكثر من عشرة أشخاص حول منى من أهلها وأصدقائهم طوال الفترة التي تبقى فيها في المستشفى، في اليوم الأخير لم تكن تغادر ممرضة حتى تأتي غيرها ولقد شاهدت كيف كانت الممرضات يقفن على النافذة ويزرفن الدموع على منى لأنهم يعرفون بأنها قد شارفت على الإنتهاء، لا أريد الإطالة فلقد اختصرت ما شاهدت وما عرفت، رحمها الله وألهم أهلها الصبر والسلوان.
6- يا ريت تحكيلنا عن موقف تحسه الأكثر لصوقا بذاكرتك ، موقف لطفلتكم منى...وموقف آخر ممن حولكم وحول منى في تلك المصيبة
6- ليس هناك من موقف واحد أكثر لصوقاً بل هناك مواقف كثيرة لا تغيب عن الذهن أبداً وتفصيلها يغطي كتباً. أذكر مثلاً عندما كانت في المستشفى وبعد أن أجرت أول عملية في الرأس، كنت جالساً بجانبها في السرير فمر عصفور من أمام النافذة فقالت لي " أبي، لماذا يطير العصفور ولا نطير، فأجبتها لأن العصفور له أجنحة وليس لنا أجنحة، فقالت لي: أنا أريد أن أطير وليس لدي أجنحة ولكنني سأطير" أحسست يومها بفزع شديد لأنني شعرت أنها ترى ما لا أراه.
موقف آخر حصل معي ، في اليوم الذي أبلغونا فيه بنتيجة آخر صورة أجرتها وقالوا لنا أنها ستموت وأنه لن ينفعها شيء بعد الآن . كانت وقتها تلعب مع الممرضات في غرفة الألعاب فطلب منا الأطباء أن نمسح دموعنا ونحاول إظهار البسمة على وجوهنا لأنها تريد المجيء إلينا. وبعد أن أتت وهممنا بالإنصراف، سألت زوجتي الطبيبة لآخر مرة " ألا نعطيها الدواء اليوم" فأجابت الطبيبة : لا ، لا دواء بعد اليوم. بعد فترة وبينما كنت جالساً معها في غرفتنا في المستشفى شعرت بضيق شديد وأحسست أني بحاجة لأن أعبر عن بعض مشاعري لأخفف عن نفسي فقررت أن أرثيها ولكنني قلت في نفسي كيف أرثيها وهي لا تزال على قيد الحياة وقد يشفيها الله عز وجلوهو القادر على كل شيء. شعرت أن في ذلك يأس وقنوط من رحمة الله عز وجل وبينما أنا أفكر بذلك قالت لي " أبي، رأسي يؤلمني" فقلت لها سأستدعي الممرضة حالاً لتُحضر لك (بانادول) فقالت لا يا أبي أما سمعت الأطباء يقولون إنهم لن يعطونني الدواء بعد اليوم. لم أستطع وقتها التماسك وسطرت هذه الحادثة في هذه الأبيات:
رثائي لإبنتي منى قبل وفاتها بأيام
عجيبٌ أأرثيها و تسري بها الدماء********أيا ليته لي قد أعد الرثاء
أتتني فقالت إذ بدأت رثاءها***********ألن يجد بعد اليوم في الدواء
سمعت الأطباء يحكون عن أجلي******أبي هل صحيحٌ ما يقول الأطباء
فهبت دموعي كي تجيب سؤالها******و كم من سؤال قد أجاب البكاء
قطعت الرجاء من الأطباء لكن*********من الله لا لم ينقطع الرجاء
فإن شاء ربي أن تموتي فحسبي هو**و إن شاء أن تحيي فنعم القضاء
أجابت و في العينين دمع صحيحٌ ذا******فربي حكيم يفعل ما يشاء
مصابي أليمٌ يا ابي فليكن عمار****رمزاً لنا و لترمز لأمي الخنساء
إذا مت قل حمداً إلهي و ادع لي********فعند المآسي لا يرد الدعاء
موقف ثالث :حدث معنا قبل وفاتها بأيام قليلة. كنا وقتها ننام أنا وهي وأخونا وسيم زيدان في الشقة التي أعطونا إياها بجانب المستشفى وكانت كل يوم تستيقظ مع طلوع الفجر وتقول لي " أبي لقد طلع الفجر وحان الوقت لتأخذني إلى البيت". وفي أحد الأيام إستيقظت باكراً مثل كل يوم وأيقظتنا. دخلت لأتوضأ وأجلسها وسيم زيدان على الطاولة وجلس بعيداً عنها فبدأت تتمتم بأغنية وترددها كلما انتهى المقطع. عندما انتهيت من الوضوء قال لي وسيم إن ابنتك تغني شيئا إقتربت منها فإذا بها تُغني أغنية كانت سمعتها مرة أو مرتين منذ ثمانية أشهر عندما أتت جدتها من لبنان مع الشريط الذي يحتوي على تلك الأغنية فطلبت مني حماتي يومها أن أسمعها الشريط ولو لمرة واحدة لأنه هدية من خالتها وهي تعلم أننا لا نسمع أولادنا الأغاني. تذكرت منى في ذلك اليوم الأغنية وراحت ترددها منذ أن استيقظت ثم طلبت مني أن أتصل بأمها وراحت تغنيها لها على التلفون. ما إن وصلنا يومها إلى البيت حتى بدأت منى تبكي وتقول لنا أنها تريد سماع تلك الأغنية، حاولنا إقناعها أننا لا نستمع إلى الأغاني بالإضافة إلى ضياع الشريط الذي يحتوي تلك الأغنية من زمن بعيد ولكن منى أصرت وظلت تبكي لأكثر من ساعة تريد سماع تلك الأغنية إلى أن خطر ببالنا أن نأتي بها عن الإنترنت وفعلا قمنا بالبحث عنها ووجدناها. بدت ابتسامة منى على وجهها عريضة منذ بدأت موسيقى تلك الأغنية تعزف ولكنها سارعت إلى أمها ونظرت إليها نظرة وداع وبكت بكاء شديداً حين قالت الأغنية " وفاضل دقيقة من عمري وخلاص مش راجع الدنيا تاني" وظلت تكرر نفس الشيء كلما ذكر المغني هذه الجملة. أذكر أن المقطع الأول من الأغنية يقول: الله أعلم إن كنت بحلم يا حبيبي ولا دي الحئيئة وفاضل دئيئة من عمري وخلاص مش راجع الدنيا تاني".
7- ما هي الكلمة أو النصيحة التي يوجهها الأهل الثكالى لمن لم يعرف نعمة الله في الولد فلم يؤد شكرها ويقوم بما لولده من حق عليه .. وهل فعلاً لا يدرك قيمة النعمة إلا من فقدها؟.. أسأل الله أن يعوضكما خيراً ويحفظ لكما ما بقي من أولادكما بحفظه ورعايته.
7- جزاكم الله خيراً وحفظكم وحفظ أولادكم وأهلكم من كل مكروه. أنا أعتقد أن الغالبية العظمى من الأهل يدركون نعمة الله في أولادهم ولكن ربما لا يوفونها حقها وقد لا يستطيع أحد أن يوفيها حقها فهي من أعظم نعم الله عزوجل علينا وقد جعلها الله تعالى من زينة الحياة الدنيا " المال والبنون زينة الحياة الدنيا" وقد زرع الله تعالى في أنفسنا حب أولادنا وتعلقنا بهم لدرجة أن أي انسان يُفضل أن يموت هو بدل أن يرى ولده يموت أو حتى يعاني أمامه. ليس بالضرورة أن يموت ولدك حتى تُحس بقيمة هذه النعمة، بل يكفي أن تبتعد عنه لأيام أو أن يمرض لا سمح الله حتى تشعر بمدى تعلقك به. إذا كان المقصود من السؤال هو القسوة على الأبناء أو الإساءة في تربيتهم فهذا للأسف موجود في كثير من البيوت والسبب برأي هو ركوننا إلى الدنيا ونسيان الموت واعتقادنا أن الدنيا دائمة لنا ولأولادنا. أنا أنصح كل أب أو أم يقسون على أولادهم أو يسيئوا تربيتهم أن يفكروا في تصرفاتهم، هل كانوا ليتصرفوا بنفس الطريقة لو علموا أن هذا اليوم سيكون آخر يوم يرون فيه ولدهم؟ إذا كان الجواب نعم فلا بأس أما إذا كان سيؤنبهم ضميرهم فيما لو مات إبنهم في نفس اليوم أو الساعة لا قدر الله فليجتنبوا هذا التصرف لأن الموت لا يُفرق بين وقت أو عمر. لقد كانت منى رحمها الله تعالى إبنتي المدللة وقد زاد ذلك من ألمي عليها ولكن ضميري مرتاح من ناحية تعاملي معها خلال حياتها . أسأل الله أن تكون أعماركم وأعمار أولادكم طويلة وأن تمضوها في طاعة الله عز وجل. الأمر الثاني والذي هو جزء من ديننا ولكننا نغفل عنه هو أن أولادنا أمانة من الله بين أيدينا وسوف نحاسب على هذه الأمانة كيف تعاملنا معها وكيف سلمناه إياها بعد أن وهبنا إياها طاهرة نقية.
نصيحتي باختصار هي " هيئ لأولادك كأنهم يعيشون أبداً وعاملهم كأنهم يموتون غداً".
8- أنا ليس لدي سؤال وإنما أُحب أن أسمع من أهل منى أمورا قد لا تكون وردت في الأسئلة المطروحة ويحبون أن يتحدثوا عنها...
8 – كثيرة هي الأمور التي نُحب أن نتحدث عنها في ما يخص منى رحمها الله. صحيح أن حياتها كانت قصيرة ولكنها تركت لنا الكثير من الذكريات الجميلة والمؤلمة في نفس الوقت فقد كانت تحرك البيت كله وتملؤه مرحاً وحباً ولكن سأعتذر عن الكلام عن الكلام عن ذلك الآن ، فإني لا أشعر أنني جاهز بعد للغوص في تلك الذكريات. قد أستطيع فعل ذلك بعد أن يمضي بعض الوقت على وفاتها رحمها الله ولكنني سأنتهز الفرصة هنا لأعبر عن شكرنا الكبير للأخ وسيم زيدان (الشامي) وعائلته الكريمة على وقفتهم معنا في محنتنا الأخيرة. هناك أخرون كثيرون منهم أجانب وقفوا معنا في محنتنا ونحن نقدر ذلك كثيراً ونشكرهم ونسأل الله تهالى أن يأجرهم على ذلك ولكن الأخ وسيم جاء ليُمضي مع منى شهرها الأخير يلاعبها ويحملها ويغني لها مع أنها كانت تمازحه وتقول له "صوتك غير جميل" ولكنها لا تلبث أن تطلب منه أن يغني لها مجدداً. لقد بقي معنا وساندنا حتى بعد أن فاضت روح منى إلى بارئها فجزاه الله عنا وعن منى كل خير. الشيء الآخر الجدير بالذكر هو وقفة زوجتي في هذه المحنة، فأنا كنت أتوقع أن تنهار في أي لحظة ولكنها ظلت متماسكة وقوية طيلة فترة العلاج وحتى بعد وفاة منى رحمها الله وقد كانت تسير أمور البيت وكأن كل شيء طبيعي حتى لا تشعر منى وإخوتها ولا أنا بالمصيبة التي ألمت بنا. كما أن مساندة المستشفى والعاملين فيها ومساندة الشركة التي أعمل بها ساعدا كثيرا في تخطي أصعب المراحل التي مررنا بها. ففي المستشفى كانوا يعاملون منى مثل ابنتهم بل وأفضل وأمنوا لنا الكثير الكثير من الخدمات التي لا يتسع الوقت حتى لذكرها الآن. أما الشركة التي أعمل بها فقد دفعوا لي مرتبي كاملاً عن مدة شهرين ونصف انقطعت فيها عن العمل دون أن يُلغوا يوما واحدا من إجازتي علماً أن هناك أناساً آخرين هنا مروا بظروف مشابهة ورفضت شركاتهم أن تعطيهم يوماً واحداً ليكونوا مع أولادهم.
9- ماذا تقولوا أيها الأب وأيتها الأم اللذين ابتليت طفلتهم بمرض ينزع الحياة من جسمها العضو تلو الآخر لكل أم تدعو على طفلها لأتفه الأسباب بدعاو لو ألقيناها على جبل لخر. كلمات وجمل نسمعها تكراراً من الأم عندما تغضب من طفلها غافلة عن ساعة الإستجابة.
9- نقول كما أجبنا على سؤال سابق، إذا كان الأهل يرضون فعل وقول نفس الشيء لأولادهم فيما لو علموا أنهم سيموتون في نفس اليوم فليفعلوا وأنا أعلم أنه لا أحد سيفعل ذلك إذا فكر بهذه الطريقة. صحيح أن تربية الأطفال تكون صعبة في بعض الأحيان خصوصا في هذه الظروف الصعبة والضغط الذي يعيشه الأهل ولكن علينا أن نضع نُصب أعيننا أن أولادنا أمانة بين أيدينا سوف نحاسب عليها وتذكر أيها الأوب وأيتها الأم دائماً أنه لو حصل مكروه لإبنكم لا سمح الله فستندمون على كل إساءة أو قسوة وجهتموها له ندماً يرافقكم مدى الحياة جدا ولكن ما يريحني كما قلت أن منى كانت مميزة عندي وقد أعطيتها كل الحب الذي عندي دون أن أظلم إخوتها طبعاً وكنت دائما أعاملها على هذا الأساس. لا أستطيع أن أعبر عن مدى فرحتى اليوم فقد رأيتها في منامي وكنت أجرها في نفس العربة التي كنت أجرها بها في المستشفى ، كانت مستلقية فيها على أساس أنها ميتة وأنني ذاهب بها لأكفنها فإذا بها قد أفاقت فحملتها فقالت لي إني أحبك كثيراً يا أبي وأعطتني قبلة على خدي.
10- كلمة توجهها للأعضاء والمشرفين ولإدارة الموقع ولكل أهل البلدة عبر هذا المنتدى
10- أود أن أتوجه بالشكر لكل أعضاء المنتدى خصوصاً الذين أرسلوا بالعزاء والذين عبروا عن مشاعرهم سواء بالشعر أو بغيره. كما أشكر المشرفين والإدارة على اهتمامهم بموضوع منى وعلى إعداد هذه المقابلة لإتاحة الفرصة لنا للتحدث عنها. ولان ننسى أيضاً وقفة أهلنا وإخواننا في القلمون الحبيبة خاصة في الأيام الأولى بعد وفاتها إذ تلقينا المئات من الإتصالات لتعزيتنا. أنا صراحة أشعر بالتقصير تجاه موقع القلمون فلطالما طلب مني المساهمة أكثر من في بنائه وتطويره حتى قبل وجوده ولكن الظروف كانت دائما تحول دون المشاركة بالمستوى المطلوب أو حتى بالحد الأدنى . بالنسبة للمنتدى فقد كنت دائماً من المتابعين مع أن مشاركاتي فيه جد محدودة ولكنني أتابع الكثير من النقاشات والمواضيع وكنت أفعل ذلك حتى في الفترة التي كانت فيها منى مريضة ولكن بدرجات متفاوتة.
المواضيع والنقاشات بشكل عام جدية وعلى مستوى رفيع رغم تفاوت وجهات النظر حول الكثير من الأمور وتعدد الإنتماءات وهذا يعكس المستوى الرفيع لأعضاء المنتدى ويبشر بالخير لأن المشاركات في النهاية هي صورة من كتبها. لا يخلو الأمر من بعض التجاوزات من بعض الأعضاء في بعض الأحيان ولكن الإدارة تعمل جاهدة على الحد من هذه الأمور وحل المشاكل. أنا أدعو نفسي وأدعو جميع الأعضاء إلى الإرتقاء بمستوى المشاركة أكثر فأكثر حتى يتثنى للجميع الإستفادة والإفادة من كل لحظة نتواجد فيها على المنتدى وليحدد كل واحد ما هو هدفه من التواجد والمشاركة في المنتدى (التعلم، التثقف، لقاء الأصدقاء، التسلية البناءة دون مضعية الوقت، ...) .
في الختام تذكروا أننا أبناء دين واحد وبلدة واحدة وأن الأخ الذي تختلف معه بالرأي قد يكون محقاً وأن يكون هدفك هو طرح أفكارك ونقاشها وتقبل أفكار الآخرين بدل فرض أفكارك عليهم والحذر من التجريح أو الإساءة للآخرين، فربما تفقد من أسأت إليه لا سمح الله فتندم على ذلك خصوصاً إذا كنت قد ظلمته. لتكن قاعدتك في الحياة أن لا تعمل عملاً تندم عليه يوماً في حياتك ومن باب أولى طبعاً أن لا تعمل عملاً تندم عليه يوم تلقى الله عز وجل. اللهم كفّر عنا سيئاتنا وتب علينا واحشرنا مع الصالحين والحمد لله رب العالمين...
لا يسعنا في ختام هذه المقابلة إلا أن نشكر عائلة أخونا وسيم القص على ما أعطوه من وقتهم ونشكر كل من ساهم في إنجاح هذه المقابلة ونسأل الله أن يُبعد عن اهلنا جميعاً كل مكروه ... ولا ننسى أن نُعزي في ختام هذه المقابلة أخونا جاسم علوان وزوجته الكريمة وأهله جميعاً بمن فيهم الأستاذ الفاضل حسن علوان ونسأل الله أن يرزقهم الصبر والسلوان على مصابهم الجلل بفقدانهم طفلهم ريان بالحادثة الأليمة التي حصلت منذ أيام في القرية