ايلي زاخر - النهار الرياضي - الأحد 24 آب 2008 - السنة 76 - العدد 23451
لم تتخلَّ نوادي كرة القدم الكبرى في أوروبا، عن جهوزيتها الفريدة، التي دبت فيها الحياة الميدانية، وانتعشت في ذروة التعاملات المثيرة، التي يواظب على تأجيجها غلاة الناشطين في حلقات انتقالات اللاعبين والنجوم. وعلى رغم الدخول في فعاليات بعض البطولات الوطنية، فان مفاجآت الانتقالات تستعر يوما بعد يوم الى حين انتهائها في 31 آب الجاري.
مذ انطلقت بطولات فرنسا والمانيا وانكلترا، بدا ان الاحداث الاولمبية وفرادة نتائجها، لم تحجب عنها خيوط الاهتمامات بالمباريات، وما يرافقها عادة من تأثيرات اعلامية، كأن حرارة المنافسات، تستحضر الكثير من المواقف الداعمة والمحطات التي تنبىء بأن المواجهات في البطولات الآتية، ستجري على صفيح ساخن، قياسا بما ستحفل به وقائعها من مفاجآت وتوقعات غير مضمونة.
وفي أول موقف أحادي ينم عن كبرياء بافاري وثقة متعاظمة بفريق بايرن ميونيخ، استبق الرئيس الفخري للنادي القيصر فرانتس بكنباور، الاحداث المجهولة في دوري أبطال أوروبا، واطلق تأكيدات على مستوى ما تحضّر له الفريق، مشيرا الى أن الفريق البافاري سيحرز لقب مسابقة دوري أبطال أوروبا للموسم الجديد، و"ان هذا الفوز هو انجاز منطقي".
وعلى رغم مغالاته واندفاعه للتعبير عما يتوق الى تحقيقه، وما يتصل بهما من أمور حذرة حيال قوة النوادي المشاركة في دوري أبطال أوروبا، فان بكنباور فاتته وربما عن غير قصد، نتائج بايرن ميونيخ في ثلاث محطات المانية في فترة شهر واحد. فقد تسارعت المواقف الميدانية المتصلة بالفريق، بعد ثلاث جولات مختلفة في التفاصيل، استهلها هذا الموسم في بداية منافساته في الداخل الالماني التي استبقت معركة الانخراط في المباريات الاوروبية لاستعادة ما فقده من اعتبار.
قد تكون النتائج التي سجلها الفريق البافاري حتى الآن، لا تنسجم البتة مع موجات التفاؤل، التي أطلقها باعتزاز "القيصر"، الذي بدا على عادته في كل المواسم السابقة، متفائلا بالفريق، أيا تكن الملاحظات القاسية التي يسوقها هو نفسه حيال أي اخفاقات غير مقبولة او اختراقات غير مسموح بها، ما كان لها ان تصيب الفريق لو تم ضبطه كما يفترض لمواجهة أي طارىء.
غير ان بكنباور تعمد إبداء ثقته ببايرن ميونيخ وتماسكه، كقوة ضاربة على الارض بقيادة المدير الفني الجديد يورغن كلينسمان، الذي لم يشأ حتى الآن اظهار أي شكل من الكبرياء والاعتزاز بالفريق، قبل خروجه من معمودية الاختبارات الاولية، التي يمكن على ضوئها وضع الفريق بمكوناته كلها تحت مجهر اعادة الدرس، وأخذ العبر مما حدث حتى الآن.
وخلافا للاعتدد "القيصري" سجل بايرن ميونيخ ثلاث نقاط حُمر، قد لا تكون تعكس الواقع الميداني الجيد، الذي رأى من خلاله بكنباور ان "البايرن يمكنه منافسة كل نوادي أوروبا، واحراز بطولة دوري الابطال".
هل يوافق يورغن كلينسمان ما أتى على تأكيده الرئيس الفخري للنادي؟
من الامور المنطقية التي يتكل عليها مدرب البايرن، عدم الذهاب بعيدا في التفاؤل والاسترسال في الاسترخاء والنوم على حرير. وفي هذا الاتجاه، لا يمكن اعتبار كلينسمان واقفا في ضفة بعيدة من بكنباور، اذ ان مصالح الرئيس الفخري والمدرب تلتقي في بقعة واحدة، متقاربة الاهداف، لا تغيب عنها مشاعر الفخر والثقة بهذا الفريق المميز، الذي تقف وراءه مؤسسة عريقة، عرفت كيف تطلق النادي البافاري، شهبا مضيئا في سماء كرة القدم الالمانية والاورويبة.
غير ان ما استجد من نتائج أولية، لا يمكن التغاضي عنها، على رغم كل الحيثيات التي أفرزت أسبابا، يراد منها عدم فقدان الثقة بالفريق في بداياته هذا الموسم.
في أول اطلالة المانية له مع بايرن ميونيخ، وجد المدرب يورغن كلينسمان نفسه في نهائي "السوبر كأس" الالمانية. غير ان حسابات كلينسمان لم تتطابق على الارض وطموحات بوروسيا دورتموند الذي فاز 2 – 1. وكان كلينسمان يعتقد أن ما بحوزته من نجوم مقتدرين سيفتح له باب الحظ في الامتحان التجريبي الاول، ويساعده على تخطي أي عوائق، وخصوصا ان المباراة شكلية وتقليدية، لا تقدم ولا تؤخر. وكان أهم ما شغل باله، العبور المتتابع الى المنافسات الأهم في أوروبا، بعيدا من أي توجس او قلق، فتأتي مداخلاته الميدانية متجانسة والمواقف المتفائلة التي كانت تعم الشارع ا لكروي في ميونيخ. وخلافا لما كان سائدا، آثر كلينسمان ان لا يطلق العنان لنفسه، وفضل عدم ركوب موجة التفاؤل قبل الدخول الجدي في الصراع، وان كان على "السوبر كأس" الالمانية. وعليه اصر على اشراك نسبة عالية من نجوم الفريق، عله يقطف الثمار قبل أوانها. وتلقى كلينسمان الصدمة الاولى، التي لم يعرها اهتمام المغلوب على أمره، ونظر الى أبعد من الخسارة مع بوروسيا دورتموند، آخذا في الاعتبار كل ما يكتب عن الفريق والمباراة السابقة.
وفيما كان بايرن ميونيخ يستعد لافتتاح مباريات الدوري الالماني "البوندسليغه" وجد كلينسمان نفسه امام مباراة من الوزن الخفيف في الدور الثاني من كأس المانيا. وأيا تكن التشكيلة التي خاض بها المباراة، فان فريق "أرفورت" المغمور تمكن من هز شباك البايرن ثلاث مرات، إلا أنه فشل في ادراك التعادل، ليخرج الفريق البافاري فائزا 4 – 3، لتشكل هذه النتيجة ناقوس خطر، لان تأهله الى الدور التالي في مسابقة كأس المانيا جاء بمثابة الهزيمة، إذ اعتبر المحللون ان نتيجة 4 – 3 مع فريق هاو غير معروف لا تبررها أية أسباب مهما كانت واقعية، وقد تكون اشارة احترازية لما يتأتى في القريب المنظور. وعشية المباراة الافتتاحية في الدوري الالماني، واجه بايرن ميونيخ خصمه هامبورغ أس في، بتشكيلة غلب عليها اختيار البدائل، نظرا الى معاناة الفريق البافاري من الاصابات في صفوف نجومه فرانك ريبيري وويلي سانيول وتيم بوروفسكي المنتقل حديثا الى الفريق، لوكا توني وخوسيه سوزا. وانتهت المباراة بالتعادل 2 – 2.
وتركت هذه النتيجة آثارا عميقة من المراجعة والتدقيق في كل ما جرى على امتداد اللقاءات الثلاثة التي خاضها البايرن تحت اشرافه الفني. وفيما كان التلفزيون الالماني يستعرض نتائج المرحلة الاولى من البطولة، تساءل محلل النشرة الرياضية: “كيف ستتبدل استراتيجيا يورغن كلينسمان؟ وما هو السيناريو الجديد الذي يعده بعد سحب قرعة كأس أوروبا؟
في رأي المراقبين، ان بطولة المانيا تحتمل الكثير من الصبر والانفتاح على الفرق المشاركة، ويمكن ان تشهد مزيدا من حركتي المد والجزر، وخصوصا بين النوادي المرشحة للفوز بالبطولة. غير انه من السابق لأوانه الانسياق وراء أحلام الطموحات الشخصية التي تغذيها الرغبة في التفوق، ومن غير المعقول بناء قصور في الهواء. فالمنافسة على الزعامة الكروية في المانيا، سيكون لها طعم خاص، ولن يتمكن أي فريق من المجموعة المقتدرة تثبيت ركائزه قبل الانتهاء من المرحلة الاولى ذهابا، التي على ضوئها يصبح ممكنا الاقتراب ولو قليلا من حدود الجزم واعطاء الكلمات بعضا من مشاعر التبجح والكبرياء.



