-
زارني طيفه مساء باسما لي باستهزاء فاضح . نهضت من بين ركام الأوراق تبعته بخطى متعثرة بأسئلة صامتة. دخل زنزانته و أقفل عليه الباب و أومأ لي بطرفه أن أقف على الطرف الآخر محترما مسافة الجواب الأعمى!
أشار لي بكلتا عينيه إلى زاوية الأرقام ، مررت بلمحة على خمسة عشر خطا . في كل خط اثنتا عشرة مجموعة . في كل مجموعة تسعة و عشرون جوابا أعمى و سؤال مبصر واحد. لم أقرأ الأسئلة فأنا أعرفها جيدا و أحفظها عن ظهر قلب.
بعد الخط الخامس عشر فاصل طويل ثم مجموعة تواريخ و في مقابل كل منها علامة استفهام لا يتصدرها سؤال ، و ليس ثمة مساحة فارغة قبلها لكتابته لاحقا!
نظرت إليه و إذا بدمعة تقفز إلى وجنتيه صارخة هادرة ، هبت كريح عاتية اقتلعت كل ما قد علق بي من أوراق و رمتها بعيدا !
أطرقت رأسي و ثبتت في العاصفة متمسكا بقضبان الزنزانة و برائحة مطر لم يهطل! . حتى إذا هدأت العاصفة قليلا جعل بركان خامد في داخلي يتحرك شيئا فشيئا .
نهضت متمسكا بالقضبان . تفرست في وجهه و دمعته . رفعت رأسي ، خلعت رداء الصمت و ألقيت به في مهب الريح الآفلة. و أخذت أصرخ من أعماق فؤادي :
إسمع ! أنا لم أعد ذلك الخجول الذي يخنقه الضوء و تدفئه العتمة ! لقد آن الأوان لأحدثك فتصمت و أواعدك فأخلف و تقترب فأبتعد و تظهر فأتوارى!
كأني بك الآن تريد أن تشير إلى تلك الأرقام فتسلسل بها لساني و تخفت بها صوتي! و لكن هيهات! فقد ولى زمن كنت فيه الصامت المتلقي و جاء زمن سأصرخ فيه و ألقن. و لتسمع الدنيا كلها معك بمن فيهم أولئك الأقزام الذين يعرفون أنفسهم جيدا!
من أجل ابتسامة غصبوها من ثغرها لا من أجل ابتسامتك الهازئة بي ! من أجل دموع تجري من عينيها لا من أجل دموعك ! من أجل غصة أحرقوا بها حلقها لا من أجل غصصك! من أجل قلب أشعلوه بالحرائق لا من أجل زنزانتك!
لا تحدثني بعد اليوم عن تقصيري في حقك بل لن أسمح بغير الحديث عن حقها هي! ما ذنبها ؟ و بأي حق توأد ابتسامتها ؟ و يخنق صوتها و تقتل فرحتها؟! بأي منطق أرعن تسجن ضحكتها في زنزانة منفردة للإنتظار العبثي؟!
أي قانون أخرق مغتصب متسلط يبيح لنفسه حرق أنفاسها بلهيب الغصص المستمر؟!
من ذا الذي يدعي في العلم منزلة فيفتي بالتسلط و يشرع الإستعباد و يطلق أقزامه العبيد ليكتبوا له بأصابعهم المهترئة توسلا ، شهادات في الجهل المركب؟!
ألا فلتسمع الدنيا ومعها هؤلاء الأقزام القذرون :
ألا مهما اشتد ليل القذارة فلن نتوقف للحظة عن انتظار صبح الطاهرين. لن نعترف بحق أحد بالتسلط علينا . لا شرعية للغاصبين و لا مكانة للجهلة الأغبياء .
نحن بدين الحرية ندين ، فلن نتعبد في غير محرابه و لن يكرهنا أحد على أن نعتقد في الحقيقة غير ما هي عليه مطابقة. سيبقى إدراكنا الجازم مطابقا للواقع و لن تغيره أقلام العبيد الأقزام المهترئة ذلة و حقارا!
ألقيت كلماتي هذه بلا منبر أقف عليه. إذ متى كانت الزنازين تحتوي منابرا للكلمة ؟ وهل في الوطن كله اليوم منبر للكلمة حتى أبحث عنها في عنابر اللكم والركل؟!
قفلت راجعا إليها فإذا بها متمددة . اقتربت منها لأجد عينيها مفتوحتين محدقتين في المجهول الآتي و بين الفينة و الفينة دمعة تخرج من أسر حزنها إلى حرية الفناء. هل هي التي تشفق على تلك الدموع فتحررها واحدة بعد أخرى؟! أم أن تلك الدموع هي التي تخرج لتخفف و لو قليلا من لظى قلبها المستعر؟!
أنفاسها تخرج مسرعة و جمجمتها لا تهدأ شوقا إلى ذكريات معطرة بأنفاسه . ترى هل تستذكره الآن لما كان صغيرا في حجرها ، تحضن سريره بذراعيها و تستنشق عبير أنفاسه المتلاحقة و تتحسس نبضات قلبه الصغير؟!
أم تراها تكاد تقتلها اللهفة إليه يافعا يسعى بين يديها بحماقاته ثم يأوي إلى حضنها يستدر عطفا يتغذى به؟!
هل لازالت صور تلك اللحظات الأخيرة التي لم يودعها فيها ماثلة تؤرق جفن آمالها الساهرة؟!
متى يزورها النوم خلسة فيطبق جفنيها بهدوء و يرسم على وجهها ابتسامة هازئة؟!
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى