النتائج 1 إلى 37 من 37

مشاهدة المواضيع

  1. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    عوامل رواج السحر والمس ومظاهرهما

    توجد هناك الكثير من العوامل، نذكر منها:

    فطرة حب الاستطلاع عند الإنسان

    توصل الباحثون في تاريخ البشر وفي نفس الإنسان إلى أن الإنسان عنده ولع شديد بمعرفة الغيب، يقول العلامة ابن خلدون رحمه الله:

    اعلم أن من خواص النفوس البشرية: التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر، سيما الحوادث العامة، كمعرفة كم بقي من عمر الدنيا، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها، والتطلع إلى هذا الغيب طبيعة بشرية مركوزة في طبيعة الإنسان، مجبول عليها هؤلاء البشر، ولذلك يولعون بمعرفة ذلك عن أي طريقة، حتى عن طريق المنامات والرؤى، يريدون أن يعرفوا ويستكشفوا ما يأتي من هذا الغيب، أو ما يخفى عليهم من هذا الغيب.

    وقد أتت الشرائع الإلهية متوافقة تماماً مع هذه الغريزة، وهي غريزة حب الاستطلاع، أو غريزة الفضول والتطلع إلى استكشاف الغيب المجهول، حيث جاءت الشرائع الإلهية متوافقة مع هذه الفطرة، فقامت بإشباع هذه الفطرة، فجاء في الوحي الإلهي وعلى ألسنة الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ما يشبع هذا النزعة في النفس البشرية، فحدثت الناس عن العوالم غير المنظورة التي سماها القرآن الكريم: عالم الغيب، حيث حدثهم ربهم سبحانه وتعالى عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، كما حدثهم عن عالم الملائكة، وحدثهم عن عالم الجن، وحدثهم طويلاً عن الموت، وعن سكرات الموت، وماذا يحدث بعد الموت، وماذا يحصل في القبر، وماذا يحصل في البعث والنشور، وكذا أحوال أهل الجنة وأهل النار، وأطلعهم على كثير من الحوادث التي ستقع على ظهر الأرض، وبالذات أشراط الساعة، كالمسيح الدجال، وغير ذلك من الأحداث التي تعلمون.

    فهناك طاقتان فكريتان في كيان الإنسان: الإيمان بما تدركه الحواس، والإيمان بما لا تدركه الحواس، فالإيمان بما تدركه الحواس اقتصرت عليه جاهلية العلم، ونعني بذلك: العلم الذي قال الله سبحانه وتعالى في أصحابه: لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7]، فأبدل من العلم عدم العلم؛ ليدل على استوائهما؛ لأنه علم يقف عند الظواهر فقط دون أن ينفذ إلى ما وراءها من الحقائق. أما العلم بالغيب الذي لا تدركه الحواس فقد أنكره العالم المادي، حيث أنكر الروح؛ لأنها لا تخضع لحاسة الذوق، ولا السمع، ولا الشم، ولا البصر، ولا اللمس، أما الإسلام فإنه يؤمن بالطاقات الإنسانية جميعاً، ويعطي كل طاقة ما يصلح لها من الغذاء، فالعالم المادي مبسوط أمام الإنسان يدركه بحواسه أو بواسطة الآلات، والمجال رحب ومفتوح للبحث والتنقيب واستكشاف ما يفيد هذا الإنسان.

    أما عالم الغيب فقد أعطى الإسلام الإنسان غذاءً خصيباً في هذا المجال حينما أخبرنا عن الجن والشياطين، لكن قد اختلف حديث القرآن عن الجن عنه في حديثه عن الشياطين، فحينما حدثنا القرآن عن الشيطان فصل ووضح معالم الشيطان، ونفسيته، وأهدافه، ومراميه، وخطواته، ونوّع في الكلام تنويعاً كثيراً حتى نكاد نرى صورةً بارزة ومعالم واضحة مفصلة لهذا العدو المبين، بل كأننا نلمسه؛ لأن هذا -بلا شك- له دوره في حماية هذا الإنسان من كيد ذلك العدو المبين. أما الجن فقد جاءت الإشارة إليهم مفصلة في سورة الجن، وجاءت مختصرة في مرور عابر في سورة الأحقاف، وفي قصة سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وفي هذا فائدة، وهي: إشباع هذه الفطرة المغروزة فينا من حب استكشاف ما حولنا من العوالم الغيبية، وهذا مما يزيد مساحة العقيدة ويوسع رقعتها، ويلبي ميلاً فطرياً عند الإنسان إلى الإيمان بكائنات لا تدركها الحواس.

    إن الحديث عن الجن في بدايته موضوع شيق وجذاب، له بريقه؛ لأنه يلمس هذا الوتر الحساس في نفس كل منا، فللموضوع لذة وجاذبية، ويحيطه الغموض الذي يغري باكتشافه، ويشكل عامل جذب نحوه، ويشبع غريزة حب الاستطلاع والتفتيش وراء المجهول، وقد شكل هذا الفضول سبباً رئيساً في انتشار ظاهرة العلاج الشعبي للمس الجني. فهذا من أعظم الأسباب التي روجت لهذا الأمر، وجعلته على كل لسان؛ حيث أنه يشبع هذه الفطرة والغريزة المركوزة في كل واحد منا، وهي حب الفضول وتتبع مثل هذه الأخبار؛ ولأنها تشبع هذا الشعور الموجود في الإنسان، فكثير من الناس إزاء هذا الشعور وهذا الإشباع لا يسعهم إلا أن يغضوا الطرف عن التحري والتحقق والتثبت مما يسمعون؛ لأنه يوافق هذا الميل عندهم.

    ترويج بعض الدعاة للموضوع من دون ضوابط

    هناك أناس مسئولون عن شيوع هذه الظاهرة، وفي مقدمتهم للأسف الشديد طائفة من الشيوخ والدعاة المشهورين، حيث رحبوا منذ البداية بهذا الموضوع، ونشروا قصصه بأنفسهم على المنابر، ونشروا تجاربهم الشخصية والقصص التي حكاها لهم الثقات على الملأ، دون أن يضعوا في اعتبارهم طبيعة هذه الجماهير التي يخاطبونها، وأن هذه الطبيعة قابلة للغلو في هذا الباب، فمن ثم فتحوا الباب دون أن يضعوا له ضوابط أو قيود، وهم إذ فتحوا هذا الباب، ولم يضعوا له ضوابط ولا قواعد، ولم يوجدوا في نفس الوقت نوعاً من الإشراف الجماعي أو الإشراف العلمي على هذا الأمر، فانتشرت التجارب وعمت الأخطاء الفردية

    اشتغال من قلت بضاعتهم من العلم والإيمان بالتأليف عن الجن

    من المسئولين عن شيوع هذه الظاهرة: هؤلاء المعالجين الذين روجوا لهذا الأمر بصور شتى بين الشباب، فألفوا الكتب التي بلغب أكثر من (84) كتاباً -حسب إحصائية قام بها أحد الإخوة- وأنت حيثما حللت وأينما ذهبت في معارض الكتب فإنك تجد هناك قسم خاص بكتب الجن! ولو حاولنا عمل إحصائية متكاملة فإننا سنذهل بالعدد الكبير من المؤلفات في هذا الباب، وهذا أحد العوامل التي أودت بنا إلى هذه الظاهرة الخطيرة، حيث تفصل هذه الكتب في دراسة أعراض هذا المس المزعوم وطرق علاجه؛ فتتكلم عن الجن، وأحواله، ونواميسه، وكيف تعتدي على البشر، وكل مؤلف يقول لك: هذه تجربتي الشخصية، والحالات التي تأتيني، وفعلت كذا، وعالجت كذا، ولله الحمد والمنة استطعنا إخراج الجن. إلى غير ذلك مما نسمعه ونقرؤه.

    ليس هذا فحسب بل إن الشباب والأحداث والمراهقون خاضوا في هذا الأمر! فتجد حديث المجالس عن الجن، ويقرءون الكتب التي تتحدث عن الجن، وأشرطة الكاست أغلبها عن الجن، وهناك حوار مع الجني المسلم كما يزعمون! فالواحد منهم يظن أنه ما عليه إلا أنه يقرأ آيات من القرآن الكريم، فإذا ضحك المريض أو بكى أو اختنق أو تشنج؛ فإن هذا يعني أنه مصاب بالسحر أو بمس الجن، ويا حبذا لو تكلم فسرعان ما ينفعل المعالج مع هذا الجن، ويقوم بتسجيل المحاورة في أشرطة، ومن ثم يقوم بإذاعتها بين الناس. وقد انتشرت الحكايات الكثيرة عما يحدث في جلسات العلاج، وهذا من أكبر أسباب انتشار هذا الأمر، ونحن نذكر هذه الأسباب؛ لأنها مهمة جداً في الوقاية من هذا الداء، ومحاربة هذه الظاهرة التي أصبح كل واحد منا مسئولاً عن مواجهتها وإخمادها والقضاء عليها؛ لما يترتب عليها من مخاطر جسيمة سنذكرها إن شاء الله تعالى حينما نتكلم في النهاية عن طرق الوقاية أو العلاج.

    الصحف

    من المسئولين عن انتشار هذا الأمر وشيوعه: بعض الصحف؛ لأن الصحف لا تعترف إلا بالتوزيع، حتى تمتلئ جيوب أصحاب الجرائد، ولا نستثني الصحف المسماة بالإسلامية، فإنها قد دخلت أيضاً في هذا الموضوع، ولعبت دوراً كبيراً في الترويج له، وفتحت الباب على مصراعيه لإشغال الرأي العام بهذا الموضوع، وفتحت الباب لاستغلال الدجالين والمدعين لهذا الأمر. ويكفي لبيان المهزلة إعلان حزب من الأحزاب السياسية بخط عريض: لعلاج فشل الخطوبة المتكرر، فهم يعزفون على الوتر الحساس عند الجهلة وقاصري العقول من الناس، ويغرون الناس بأن عندهم الحل لكل مشكلة.

    إذاً: علينا أن نلقي هذا الطب -حسب اعتقادهم- في البحر؛ لأنهم يزعمون أن كل مرض سببه المس، بل إن هناك من يزعم بأن الجن يعمل عمليات جراحية! ويعالج العقم! ويعالج تكسير العظام! ويفعل كذا وكذا إلخ، وهناك أساطير وحكايات لا يعلم أين ستتوقف وكيف ستنتهي إلا الله سبحانه وتعالى. فالحقيقة أن سلبيات هؤلاء المعالجين كانت سبباً رئيساً في تفاقم هذه الظاهرة، وفي كثرة هذه الحالات، وإلا فإن ظاهرة المس الجني موجودة في كل زمان، بل يوجد في كتب الطب النفسي بالذات صور لعملية الإحراق للمصروعين، حيث كانوا يعالجون حالات الصرع بالإحراق؛ حتى تخرج الأرواح الشريرة من المريض كما كانوا يقولون, وهذا يوجد منذ زمن بعيد جداً، حتى في كتب أهل الكتاب توجد حوادث تنسب إلى المسيح أنه عالج فيها المس الجني

    التهويل والإفراط

    ظاهرة المس الجني موجودة في كل زمان، لكنها كانت محصورة ومحدودة، وكذلك ظاهرة السحر والحسد، فإنه وقبل انتعاش الصحوة الإسلامية كان الناس يراعون أمور المروءة، وكان من أكبر العيب أن تسمع رجلاً يقول: عمل لي فلان عملاً؛ لأن هذه الكلمة لم تكن تصدر إلا من النساء الأميات القاصرات الجاهلات، وكان هذا يعتبر من خوارم المروءة، ولما كنت في الثانوية كان المدرس يقول لنا: ماذا تعمل في المسألة؟ نقول: نعمل عملاً، وكان الواحد منا يستحي من قول هذه الكلمة؛ لأنها لا تشيع إلا في حصص الرياضة، فنظراً لمشابهتها للألفاظ النسائية كان الإنسان يستحي من استعمال هذا التعبير، أما الآن فإن هذه الكلمة قد راجت حتى أنه لا يكاد يوجد حدود بين عقلية النساء التافهات القاصرات، وبين رجل ضخم البنية، كما قال تعالى: تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4]، ثم تراه يقول: هذا عمل لي عملاً! ويستعملون هذه الألفاظ التي ما شاعت إلا على ألسنة النساء، وليس كل النساء بل فقط الأميات الجاهلات.

    بفضل هؤلاء المعالجين المزعومين انتقل موضوع الجن والسحر والحسد من الوسط النسائي إلى وسط الرجال، أو بتعبير أدق: إلى وسط الدعاة، ومن بعض الدعاة انتقل إلى الوسط الرجالي، واستوى الرجال مع النساء في الاستغراق والاندماج مع هذه الظاهرة الخطيرة. فكل ما فعله هؤلاء المعالجون أنهم لم يعالجوا في الحقيقة، بل وسعوا رقعة هذا البلاء، ونشروا خبره، وسلطوا الأضواء عليه، ولفتوا أنظار الناس إليه، وفتحوا أبواب الشر على مصراعيها! ولا زالت حالات المس والصرع الجني موجودة، لكنها في الحقيقة ليست بهذه الكثرة التي نراها اليوم، فكثير مما نرى أو نسمع عنه من الحالات -بل أغلبها في الحقيقة- ليست مساً جنياً، وليس لها علاقة بالصرع، وإن تكاثر المعالجون على الخطأ في تشخيصها، ومن ثم في علاجها.

    وسوف أذكر دليلاً حياً عابراً على هذا الكلام: أحد المشايخ المشهورين في السعودية وهو الشيخ: العمري كان له للأسف الشديد دور فعال في نشر الاهتمام بموضوع الجن، حتى أنه من شدة استغراقه في هذا المجال كان العلماء ينكرون عليه الإفراط في موضوع الجن، ثم دار الزمان دورته، وإذا به تُنشر له مقالة في إحدى الجرائد العالمية المشهورة بأنه ينكر تماماً الصرع الجني، ولا يعترف بشيء اسمه: صرعاً جنياً! وهذا بسبب غلوه وإفراطه في موضوع الجن، حيث جعله ينقلب إلى الجهة المقابلة، بعدما خاض فيما خاض، والآن بنفس اللسان ها هو يقول: إن هذا الصرع لا أصل له على الإطلاق! وينكر حقيقة الصرع الجني للإنس، مما اضطر العلماء هذه المرة أيضاً أن يردوا عليه ليردوه إلى الحال الوسط، وهو إثبات المس.

    عدم التفريق بين المرض العضوي والنفسي وبين الصرع والمس

    بعض المرضى بمرض عضوي مزمن أو نفسي ييأسون من علاج حالاتهم، أو من قدرتهم على الخروج من المشكلات الاجتماعية، فإذا ما انتبه صاحب هذا الدافع إلى هذا الداء الجديد .. داء السحر واعتداء الجن؛ فسرعان ما يتعلق بالقشة، ويهديه تفكيره إلى أن سبب هذا المرض الذي يعاني منه هو من الجن أو السحر أو نحو ذلك، فيهرع إلى طلب العلاج.

    هناك أمراض عضوية، وهناك أمراض نفسية، والمريض بالمرض النفسي قد يتأثر بما يقرأه ويسمعه حتى يقع فريسة الإيحاء الذاتي، فيقرأ عنه من باب الفضول وحب الاستطلاع خاصة النساء؛ لأن أصل كلمة هستيريا مأخوذة من كلمة (هسترا) يعني: الرحم، فكانوا فيما مضى يقصرون هذا المرض فقط على النساء، إلى أن اقتنعوا في العصر الحديث بأنه مرض يصيب الرجال والنساء، لكن نسبة النساء فيه أكثر. الشاهد: أن النساء لهن تأثر بهذا المجال أكثر من غيرهن، حيث يقرأن عن الجان، ونواميسه، وحركاته، وكيفية اعتدائه ومسه للإنسان، ويفصل مؤلف الكتاب، ويشرح أعراض المرض، وأسبابه، وطرق علاجه... وأكبر خطأ يرتكبه المؤلفون: أنهم يجعلون هذه المادة متوفرة ومتاحة لكل من شاء، ويسترسل المؤلف في ذكر أعراض قد تتشابه في كثير من الحالات مع أعراض الأمراض العضوية والنفسية؛ من صداع، وضيق الصدر، وارتفاع ضغط الدم أو انخفاضه، أو مغص، أو غثيان، أو شبه غيبوبة، أو اضطراب عصبي، أو تشنجات إلى أو غير ذلك، وهذه الأعراض قد تقابلنا في حياتنا اليومية نتيجة أسباب شتى ومشاكل اجتماعية يعانيها الإنسان، فإذا كانت المرأة أو الشخص الذي يقرأ هذا الكتاب يعاني من هذه المشكلات فسوف يقتنع في ضوء ما قرأه أن به مس من الجن، أو أن هذه المرأة وقعت في شرك السحر، في حين أن الحقيقة غير ذلك، خاصة وأن بعض المرضى النفسيين يكون عندهم ما يسمى بالميل للاضطهاد، وكثير من الشعب المصري عنده ميل إلى أن يبين أنه مظلوم، وأن بعض الناس يحسدوه، أو يتآمروا عليه، أو يعملون له سحراً، أو أن الجن يؤذونه... إلى غير ذلك من مظاهر الشكوى والتظلم؛ وإسقاط المشاكل على الآخرين. فكثير من الحالات -التي هي في الأصل سالمة من الجن- عندها أعراض إما عضوية أو نفسية، وتجد أحدهم يتوغل في الوهم إلى أن يصبح الوهم في نظره حقيقة واقعة، وربما أدى به الأمر إلى أنه يتعرض لصرع الجن حقيقة؛ بسبب ذهابه إلى المعالجين، وهم الذين يجلبون له الجن، ويجنون عليه.

    كثرة التخوف من الجن والمبالغة فيه

    من جراء انتشار هذا الكلام، والمبالغة في الحديث عنه من خلال الكتب والأشرطة والجرائد انتشرت الأوهام والوساوس، والخوف المرضي، والهلع، وتغلغل ذلك في قلوب كثير من الناس، حتى إنهم عظموا الجن، وخافوا ورهبوا منهم، وضعف التوكل على الله سبحانه وتعالى، وتعلق الناس بالمخلوق الضعيف الذي يعتقدون أن عنده العلاج بدلاً من وثوقهم بالله سبحانه وتعالى، فصار فيهم شبه بمؤمني الجن الذين قالوا: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6]، وهذا نفس ما حصل من هؤلاء المعالجين ومن هؤلاء المرضى، وقوله: (رهقاً) يعني: خطيئة وإثماً، قال القرطبي : المراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، كان الرجل إذا نزل في وادي وأراد أن يبيت فيه يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في جواره حتى يصبح، أي: يتعوذ بملك الجن في هذه المنطقة من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار هذا السيد حتى يصبح. قال مجاهد : (( فَزَادُوهُمْ )) أي: أن الإنس زادوا الجن طغياناً بهذا التعوذ، والواو هنا -على هذا القول- تعود إلى الإنس، يعني: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ [الجن:6] أي: يتحصنون ويحتمون ويلتجئون، بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] يعني: فتسبب الإنس بفعلهم هذا في أن زادوا طغيان الجن، ونحن لا نعتب على الجن في هذه الحالة؛ لأنهم وجدوا أناساً عقولهم ضعيفة، فما بالهم لا يلعبون بهم وقد أتوا إليهم بأنفسهم، وأعطوهم من السلطان ما لم يكونوا يحلمون به؟! ولماذا لا يصرعهم الجن في الحقيقة؟! حتى قالت الجن: سدنا الإنس والجن. وقال قتادة و أبو العالية و الربيع و ابن زيد : ازداد الإنس بهذا فرقاً وخوفاً من الجن، وقال سعيد بن جبير : فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] يعني: كفراً.

    وقد فُتح باب من الشر والبلاء، وخُدش التوحيد، وانتشر السحر، والجدل، وإهمال الدعوة بسبب الانشغال بكل هذه الأشياء التي فتحت لنا أبواباً من الشر ما كنا نسمع عنها من قبل، ولولا أني لست من أنصار تفسير كل شيء بالتآمر العلماني واليهودي والصليبي والاستشراقي لقلت: لا يبعد أن يكون هذا من فعل أعداء الإسلام، فهم الذين شجعوا هذا الخط، لكن أنا لست من أنصار هذا المنهج، وقد حقق هؤلاء من حيث لا يدروا لأعداء دعوة التوحيد مكاسب عظيمة جداً، ولابد أن أعداء الإسلام سيشكرون لهم أن شغلوا الناس بهذه الأشياء، وصدوا الناس عن سبيل الله، وأوقعوهم في الشرك، وأحيوا كثيراً من الفتن التي نلمسها!! يقول الرازي في تفسير الآية: المعنى: أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان، فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترءوا عليهم، فزادوهم ظلماً.

    إذاً: الإنس هم الذين تسببوا في زيادة طغيان الجن، وكثير من هؤلاء الناس الذين يدّعون الصرع، ومن هؤلاء المسمين بالمعالجين، كان لهم دور كبير في إشاعة المس الوهمي والمس الحقيقي، (( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ))، فاغتنم الشيطان حالة الرعب والفزع التي انتابت الناس بطريقة وبائية أكثر مما غنم من الطبع واللمس نفسه. ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه فكان أن زادهم الشياطين رهقاً لما رأوهم قد ولعوا باللبس الجني، ونفخوا في الشيطان، حتى خافوه ونسوا قوله تبارك وتعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]. بدلاً من الدعوة إلى التوحيد، وإلى تقوية الإيمان والتوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن يتلوا عليهم قوله تبارك وتعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وقوله تبارك وتعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]، بدل هذا كله؛ إذا بهم ينفخون ويعظمون الشيطان الذي أُمرنا بتحقيره وتصغيره، والصواب هو تحقيره وازدراؤه، كما روى الإمام أحمد : (إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر)، قوله: (ينضي) يعني: يأخذ بناصيته ويقهره ويذله، ألم يكن إبليس كما قال النبي عليه الصلاة السلام في حق ابن الخطاب : (ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غيره)؟! بدل أن يوقدوا شعلة الإيمان واليقين في قلوب الناس، والتوكل على الله سبحانه وتعالى؛ حتى تحرق بنورها هؤلاء الشياطين، إذا بهم يجتهدون في إطفاء هذه الجذوة الإيمانية بتضخيم الشياطين، وأن الشياطين يفعلون ويفعلون! وهم بهذا الاعتقاد يضادون المنهج النبوي الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم. فإن الرسول عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نحقر الشيطان، وكيف نتجنب الأشياء التي تنفخ هذا الشيطان وتعظمه، فعن رجل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فعثرت دابتي، فقلت: تعس الشيطان، فقال: لا تقل: تعس الشيطان، ولكن قل: باسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب)، أي: لأنك إذا قلت: تعس الشيطان، كأنك تبين أن الشيطان قد بلغ منك مبلغاً حينما يكيدك وأنه يفعل بك ما يريد، وهذا مما ينافي سلوك أهل التوحيد. فهؤلاء الذين يهزمهم الرعب والخوف هم مرضى من كثرة ما يسمعون، فهم يفزعون ويخافون، بل ويخيفون الأطفال، فإن الأطفال حينما يسمعون هذه الأشياء يخافون من النوم في الظلمة، ومن الجلوس في البيت بمفردهم، وهذا خوف مرضي، وهو خطر على نفسية الأطفال بلا شك. فهؤلاء يهزمون أنفسهم بأنفسهم بسبب الرعب الذي يُدخلونه في قلوبهم من خوف الجان، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر:50]، وينادي أولهم آخرهم: الجن.. الجن، السحر.. السحر، العين.. العين!


    يُتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 22-09-2008 الساعة 12:41 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •