النتائج 1 إلى 17 من 17

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي ردّ من الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله على من يزعم أنه ينكر الجن

    ردّ من الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله على من يزعم أنه ينكر الجن أو يؤولهم بأنهم الجراثيم والمكروبات. وقد نشره رحمه الله في مجلة المنار، المجلد 32، عدد رمضان 1351هـ الموافق ديسمبر 1932م.

    البُهيتة الثانية: إنكار الجن

    هذه أخت التي قبلها (يقول أبو حسن: أي ادعاء أن الشيخ رشيد يتأول الملائكة، وقد ردّ الشيخ على هذا الزعم في مقالة سبقت هذه)، والكلام فيها متمم لما قبله ومشترك معه في بعض شواهده كما تقدم في خاتمة المقالة السابقة، ولهذا قدمناها على مسألة الشمس.

    قال في مجلة الأزهر بعد مسألة الملائكة:
    ومثل ذلك ما قرره في المكروبات عند ذكر الجن في القرآن، وليت شعري هل هذه المكروبات الجنية هي التي كانت تعمل لسليمان ما يشاء من محاريب وتماثيل وقدور راسيات ؟ وهل هي التي قال عفريت منها لسليمان عليه السلام {أَنَا آتِيكَ بِهِ} بعرش بلقيس {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} (النمل: 39) ؟ وهل هي التي قالت لقومها: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأحقاف: 30) إلخ. اهـ بنصه وقد أعاد هذه المسألة في غير المجلة.

    يوهم محرر مجلة مشيخة الأزهر من ابتلاهم الله بقراءتها أن صاحب المنار يقول أن الجن الذين أخبر الله بهم في كتابه عبارة عن هذه المكروبات التي كشف الأطباء أمرها في القرن الماضي، وأنه ما ثم شيء يطلق عليه هذا الاسم واسم العفاريت والشياطين غيرهم. وهذا افتراء وبهتان كالذي قبله سواء.

    الجن خلق خفي مستتر من عالم الغيب أثبتتهم جميع الأديان وطريقتنا فيهم هي وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى من أمرهم في كتابه وبكل ما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم لمن علم به وليس منه شيء قطعي يدخل في العقيدة، ولا نزيد على ما ثبت عندنا من خبر المعصوم شيئًا.

    وقد ورد ذكر الجن والشياطين وإبليس في مواضع كثيرة من أجزاء تفسيرنا العشرة وفي مواضع كثيرة من مجلة المنار فأثبتنا في كل موضع من التفسير ما أثبته الكتاب العزيز بما يقربه إلى العقل ورددنا على المنكرين والمتأولين لما هو المتبادر من النصوص.

    ولو أردنا إيراد الشواهد منها كالشواهد في الملائكة لطال الكلام فيما لا فائدة من نشره في الجرائد اليومية وإنما نشير إلى بعض مواضعها لمن يريد مراجعتها، ونكتفي منها بما نثبت به أن محرر مجلة مشيخة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء فيه بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه لا يفهم ما يُقرأ له ولا يعقله مهما تكن درجة وضوحه وتكراره !! وإما أنه يتعمد الكذب والبهتان والخيانة في النقل والعزو انتقامًا لنفسه لا خدمة للعلم والدين. لتعلم الأمة أن العلم الصحيح لا يكون بالألقاب الرسمية، ولا بمجرد الشهادات المدرسية. وقد بينا في المنار وفي تاريخ الأستاذ الإمام ما كان من قيمة شهادات العالمية في الأزهر وما كان من المحاباة والرشوة فيها قبل الإصلاح الذي وضع قواعده ذلك المصلح العظيم، على أن الإصلاح لم يشفِ العلل كلها كما يعلم أهل الأزهر أكثر من غيرهم. ومن شاء الوقوف على هذه الحقائق فليقرأ المقصد الثاني من الفصل السادس من تاريخ الأستاذ الإمام من صفحة 425 484 باكيًا على العلم والدين.

    بعض الشواهد في مسألة الجن والشياطين:

    (1) جاء في تفسير {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ} (البقرة: 34) من جزء التفسير الأول ص 265 ما نصه ملخصًا من درس الأستاذ الإمام: (أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس وهو فرد من أفراد الملائكة كما يفهم من هذه السورة وأمثالها في القصة إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (الكهف: 50) وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلاً جوهريًّا يميز أحدهما عن الآخر، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف كما ترشد إليه الآيات، فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة، وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً} (الصافات: 158) وعلى الشياطين في آخر سورة الناس.

    (2) زاد الأستاذ الإمام هنا بعد نشر تفسير هذه الآيات في المنار سنة 1320 ما نصه بخطه: (وعلى كل حال فجميع هؤلاء المسميات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا نعلم حقائقها ولا نبحث عنها، ولا نقول بنسبة شيء إليها ما لم يرد فيه نص قطعي عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. اهـ.
    فكان رحمه الله يرى أن تعريف الملائكة والجن بالحد المنطقي متعذر لأنهم من عالم الغيب، وقد اشتركوا في اسم الجن المفيد لمعنى الخفاء والستر، والمعقول أن يكون تعريفهم بالرسم وهو الصفات كالطاعة والعصمة للملائكة دون الجن، فهم في الجنس الروحي الخفي كالأنبياء في البشر، والشياطين كأشرار البشر الظالمين المجرمين الفاسقين، وسائر الجن كسائر البشر يتفاوتون في الصلاح والفساد مثلهم، وللراغب الأصفهاني كلام كهذا في مفردات القرآن ذكرته في تفسير سورة الأعراف.

    (3) ما تقدم نقله عن الأستاذ الإمام في المسألة من بحث الملائكة وتعليقنا عليه وهو مسألة إسناد الوسوسة إلى الشياطين والإلهام إلى الملائكة وما هو ببعيد.

    (4) ذكرت في صفحة 96 من الجزء الثاني من التفسير أن قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة: 168) لا يقتضي معرفة ذات الشيطان وإنما يعرف بأثرة وهو وحي الشر وخواطر الباطل والسوء في النفس التي يفسرها قوله تعالى {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 169) وفصلنا ذلك تفصيلاً، وكذا تفسير هذه الجملة بعينها من آية 207 من سورة البقرة أيضًا وهو في ص 257 من الجزء وفيه تفصيل آخر.

    (5) ذكرت في بحث إعاذة مريم وذريتها من الشيطان الرجيم من ص 29 ج3 حديث (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها) وتفسير البيضاوي للمس بالطمع في الإغواء، وقول الأستاذ الإمام أن الحديث من قبيل التمثيل، وحديث إسلام شيطان النبي صلى الله عليه وسلم وما يرد على الموضوع من قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} (الحجر: 42) ومشاغبة دعاة النصرانية للمسلمين في تفضيل المسيح على نبينا وما يرد عليهم من إنجيل مرقس في تجربة إبليس ليسوع المسيح أربعين يومًا لم يأكل فيها طعامًا مع تحقيق المسألة. وهذا كله ينافي الافتراء علينا بأننا نقول: الجن والشياطين عبارة عن الميكروبات فقط.

    (6) في الصفحات 425 - 430 من جزء التفسير الخامس تفسير لقوله تعالى {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} (النساء: 117) إلى الآية 119 بينت فيه نصيب الشيطان من الناس وإضلاله لهم واشتغالهم بالأماني وما يأمرهم به في وسوسته، وحال من يتخذه وليًّا من دون الله، وهو في جملته وتفصيله يدحض شبهة مجلة الأزهر وبهتانها.

    (7) في ص 65 ج66 تفسير لقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم} (الأنعام: 128) الآية، وفي أوله: وإنما يسمى كل من الجن والإنس معشرًا لأنهم جماعة من عقلاء الخلق. وفي هذا البحث شبهنا تأثير الشياطين في النفس بتأثير الميكروبات في الجسم بعد ذكر المنكرين لوجود الجن، وهذا نص عبارتنا:
    فإن كل إنسي يوسوس له شياطين الجن بما يزين له الباطل والشر ويغريه بالفسق والفجور كما تقدم مفصلاً، فإن هذا الخلق الخفي الذي هو من جنس الأرواح البشرية يلابسها بقدر استعدادها للباطل والشر ويقوي فيها داعيتهما كما تلابس جنة الحيوان الخفية الأجساد الحيوانية فتفسد عليها مزاجها وتوقعها في الأمراض والأدواء، وقد مر على البشر ألوف من السنين وهم يجهلون طرق دخول هذه النسم الحية في أجسادهم وتقوية الاستعداد للأمراض والأدواء فيها، بل إحداث الأمراض الوبائية وغيرها بالفعل، حتى اكتشفها الأطباء في هذا العصر وعرفوا هذه الطرق والمداخل الخفية بما استحدثوا من المناظير التي تكبر الصغير حتى يرى أكبر مما هو عليه بألوف من الأضعاف ولو قيل لأكبر أطباء قدماء المصريين أو الهنود أو اليونان أو العرب أن في الأرض أنواعًا من النسم الخفية تدخل الأجساد من خرطوم البعوضة أو البرغوث أو القملة ومع الهواء والماء والطعام وتنمي فيها بسرعة عجيبة فتكون ألوف الألوف وبكثرتها تتولد الأمراض والأوبئة القاتلة لقالوا إن هذا القول من تخيلات المجانين، ولكن العجب لمن ينكر مثل هذا في الأرواح بعد اكتشاف ذلك في الأجساد، وأمر الأرواح أخفى، فعدم وقوفهم على ما يلابسها ألوفًا من السنين أولى. وقد روي في الآثار ما يدل على جنة الأجسام ولو صرح به قبل اختراع هذه المناظير التي ترى بها لكان فتنة لكثير من الناس بما يزيدهم استبعادًا لما جاء به الرسل من خبر الجن، ففي الحديث (تنكبوا الغبار فإن منه تكون النسمة) والنسمة في اللغة كل ما فيه روح، وفسره ابن الأثير في الحديث بالنَّفَس بالتحريك أي تواتره الذي يسمى الربو والنهيج وتبعه شارح القاموس وغيره، وهو تَجَوُّز لا يؤيد الطب ما يدل عليه من الحصر. وروي عن عمرو بن العاص: اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة. وهو بعيد عن تأويلهم وظاهر فيما يقوله الأطباء اليوم وهو مأخوذ من الحديث الذي تأولوه، وعمرو من فصحاء قريش جهابذة هذا اللسان. اهـ.
    وذكرت في مواضع أخرى من المنار ما ورد من الآثار في أنواع الجن ومنها حديث (خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الحساب والعقاب) أخرجه ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو الشيخ وابن مردويه. وفي معناه غيره.

    (8) في (ص328 - 372 جزء 8) بسط قصة آدم مع إبليس. وقد فصلت في هذا البحث ما تقدم في سورة البقرة من كون الجن الروحاني جنسًا يشمل الملائكة.
    وقلت: إن لفظ الجنة اللغوي يشمل الجن الروحاني والجن المادي التي تسمى المكروبات 342 ثم فصلت هذا في تفسير قوله تعالى من هذا السياق {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} (الأعراف: 27) تفصيلاً موضحًا لهذا البحث يراجع في (ص 264 - 371) ومنه يعلم مأخذ شبهة المفتري المحرف للكلم عن مواضعه، ولا نطيل القول في هذا لأنه لا طائل تحته، وحسبنا ما ذكرنا دليلاً على قلة اطلاع المفتري علينا وسوء فهمه وفساد نيته، وما سيأتي في المقال الآتي أقوى دليلاً، وأقوم قيلاً.

    __________
    (1) سبق ذلك في مواضع أشبهها بما هنا ما في (ص 508 - 515 ج 7) تفسير.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    مجلة المنار، المجلد 26، عدد شعبان - 1344هـ الموافق فبراير - 1926م

    موقف الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله من الدعوة إلى وحدة الأديان

    استفتاء في كلمة للملك فيصل في الأديان السماوية

    نشرت جريدة الخلافة (خلافت) التي تصدر في بمبي (الهند) في عددها الذي صدر في 22 صفر من هذه السنة (1344) الاستفتاء الآتي، وقد نشر في كثير من جرائد الأقطار الإسلامية، ولهج كثير من الناس بعد اطلاعهم على ما قاله الملك فيصل عن الأديان والأنبياء بأنه ردَّة عن الإسلام، وهذا نصه:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إلى العلماء الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها:
    (عقيدة الأمير فيصل ملك العراق ابن الملك حسين بن علي المكي في الأديان السماوية).
    هذه خطبة للأمير فيصل ابن الشريف حسين، ألقاها في الحفلة التي أقامها اليهود في دار الرئاسة الحاخامية لليهود في بغداد، ونشرتها جريدة دجلة التي تصدر هناك في عددها الثاني والعشرين تاريخ 12 ذي القعدة سنة 1329 هـ 19 تموز سنة 1921 ننقلها للقراء بحروفها، ليطلعوا على حقيقة معتقد هذا الأمير في الأديان السماوية، وأنه كوالده في اعتماده في كل أموره على الإنكليز لا على الله.

    ***
    الخطبة بنصها

    (إني أشكر مواطني الإسرائيليين العراقيين لإقامتهم هذه الحفلة الكريمة التي أعربت عن شعورهم نحو البلاد، وإني أسأل الله تعالى أن يوفقني إلى الأعمال التي تزيد ثقتهم بي، واعتمادهم علي).

    (إني لا أرى في هذا الاحتفال مسلمًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا، وإني أعتقد (أنه) لو جاء موسى و عيسى و محمد إلى هذا الاحتفال، وشهدوا منا ما نقوله من يهود ونصارى ومسلمين [1] لغضبوا علينا غضبًا شديدًا، أنا أريد أن يقول الجميع:

    إننا ساميون عراقيون نرجع إلى جد واحد، وما الاختلاف [2] الدينية والمذاهب إلا دسائس دنيوية دسها بعض الأشخاص أو الأمم الخارجية، ومتى عرفنا ذلك يرفع من بيننا اسم اليهود والنصارى والمسلمين، وإني لا أرى لزومًا لتكرار القول، فإنا أولاد جدٍّ واحد، إننا أولاد سام، وآباؤنا سكنوا العراق مدة طويلة، وقاموا بأمر تعميره مشتركين، قال أحد الخطباء الآن: إن للأمة العربية أيادي بيض (؟)على اليهود في جزيرة العرب، وأنا أقول: ما قام العرب تجاه اليهود إلا بالواجب المفروض الذي لا يطلبون مقابله حمدًا ولا شكرانًا. إن البلاء قد نزل باليهود والمسلمين [3] على حدٍّ سواء، إني أرغب أن يتزايد الاعتماد في هذه الأيام لننقذ البلاد من الخراب الذي أنزلته بها أيادي الظلم والاستعمار السابقة التي عاثت بأرض العراق فسادًا).

    (فإني لم أزل أتذكر كلمة لأكبر رجل في العالم - وهو المستر لويد جورج زعيم الحكومة الإنكليزية - قالها في مانشستر على ما أظن، وهي قوله: نحن دخلنا العراق ونرغب أن نرجعها إلى حالها حال جنات النعيم).

    (نحن لا نستطيع أن نبلغ بالبلاد العراقية إلى درجة جنات النعيم في خمسين عام أو أكثر، ولكننا نقول: كل من سار على الدرب وصل، إن لي الأمل العظيم في نجاحنا في هذه المسألة ؛ لأننا اليوم بعهدة أكبر دولة وأعظم أمة ألا وهي بريطانيا العظمي، فإن المراحل البعيدة لا نستطيع قطعها، ولكن بمساعدة بريطانيا ومعاضدتها ستكون المراحل قصيرة، فإنا نبلغ مُنانا إذا ساعدتنا بريطانيا كما هي تساعدنا اليوم، فبسعي الإنكليز ومعاضدتهم سيكون النجاح قريبًا، إني أرغب أن أرى هذا النجاح، ولكن من أين لي ذلك العمر الطويل، فإننا إذا لم نراه (؟) فإن أبناءنا سيشهدوه (؟) ويشكرونا على ذلك العمل، وفي الأخير أقول: إن ليس لي غاية سوى تقدم البلاد، وليس لي حزب إلا الجميع، وأملي وطيد بأن إخواني الإسرائيليين سيبذلون جهدهم لرقي البلاد العراقية كما هو شأنهم في البلاد الأخرى.
    ا هـ، انتهت بحروفها.

    فنوجه رجاءنا إلى علماء الإسلام أن يفتونا في رجل يعتقد ويصرح على رءوس الأشهاد بأن الديانات والمذاهب ما هي إلا دسائس دنيوية دسها بعض الأشخاص أو الأمم الخارجية، وأنه لو جاء موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وسمعوا كلامه يغضبون عليه غضبًا شديدًا، ومع ذلك هو لا يبالي بهم، ويريد أن يرفع اسم اليهود والنصارى والمسلمين من بين أفراد الشعب الذي يحكمه، هل هذا الرجل (يُعد) مسلمًا ؟ أفتونا مأجورين ا هـ، الاستفتاء.


    ***
    (جواب المنار)

    هذه الكلمة التي قالها فيصل ملك العراق البريطاني هي هِجّيرَى فريقين من الناس: دعاة اللادينية، وأعداء الرابطة الإسلامية، الذين يرى القارئ بعض مقاصدهم في مقالنا الخاص بالمسألة السورية - وقد فصلناه من قبل في مقالات كثيرة - ولقد كان فيصل في غنى عن اتباعهم وعن الحكم بهواه على ما يرضي رسل الله صلواته وسلامه عليهم وما يغضبهم، لو كان حريصًا على مظاهر الدين الذي نشأ فيه، نعم كان يسعه أن يدعو اليهود إلى الاتفاق مع المسلمين والنصارى في التعاون على ترقية العمران في العراق، فإن ذلك لا ينافي استمساك كل منهم بدينه.

    إن كان فيصل يعرف عقائد الإسلام وقواعده التي يكون بها المسلم مسلمًا، ويؤمن بما جاء في كتاب الله تعالى وبما أجمع عليه المسلمون منها، فعليه إذا لم يقل بها ويدعُ إليها أن يسكت عنها، أو أن لا يصرح بمخالفتها، وهذا أقل ما يباح له في مثل ذلك الموقف.

    إن حكم الإسلام في الاختلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في الدين هو أن دين الله تعالى على ألسنة رسله واحد وهو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} (آل عمران: 19) الآيات، وهو واحد في العقائد والمقاصد، ولكنه مختلف في الشرائع العملية والمناهج، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (المائدة: 48)، ومن أصول الإسلام أن محمدًا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وأن بعثته عامة، وأنه لا يعتد بدين أحد بلغته دعوته إلا إذا اتبعه، وأن موسى صلى الله عليه وسلم لو كان حيًّا ما وسعه إلا اتباعه، وكذا غيره من الرسل {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: 81).

    إن كان فيصل ملك العراق البريطاني مؤمنًا بما ذكر فالواجب عليه أن يقول: لو جاء موسى وعيسى ومحمد - عليهم صلوات الله وسلامه بالرغم من كل منافق وكافر مجاهر - لغضبوا غضبًا شديدًا من ترككم لوحدة الإسلام، وعدم اتباع خاتم الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام، الذي بعث هاديًا لإزالة الاختلاف والاختصام، وناسخًا لما كان من الاختلاف في الشرائع والأحكام، وداعيًا إلى ما يحبه الله ويرضاه من الإخاء الإنساني العام، ومحرمًا لعصبيات الأجناس والأوطان والآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة، والتفرقة بين من يؤمن بخاتم الرسل ويتبعه ومن يكفر به ويخالفه معلومة بالضرورة، لا يسع مسلمًا جهلها، ومن أنكرها وخالفها لا يعد مسلمًا، ولا أن يعامل معاملة المسلمين في ولاية عامة ولا خاصة ولا زواج ولا إرث ولا غير ذلك، ولولا أن أهل العراق خانعون لسلطة أجنبية قاهرة لطالبه علماؤهم من السنة والشيعة جميعًا أن يصرح بعقيدته، ويتبرأ مما تبادر إلى أذهان الناس الذين قرؤوا خطبته في كل قطر من مخالفة ما ذكر، ويعتذر عنه بأنه لم يكن يريد بما ذكر في الخطبة ما يخالف شيئًا من تلك الأصول الإعتقادية القطعية في الإسلام، ولكن العبارة كانت قاصرة - مثلاً - أو يجدد إسلامه.

    إذا كان فيصل يجهل ما لا يسع مسلمًا جهله من عقائد الإسلام وأصوله، فهو بدين اليهود والنصارى وتاريخهما أجهل ؛ لأنه لم يتلق علوم الدين ولا غيرها عن العلماء فيتكلم عن علم، وجل ما يعلمه مقتبس من الجرائد وأحاديث المجالس، ليس له قاعدة يرجع إليها فيها، فيكون على بينة من مراد قائليها منها، فيظهر أنه سمع أو قرأ قول بعض أهل العلم والرأي: إن اختلاف المذاهب الذي كان مثار الشقاق والتفرق بين أهل الدين الواحد كالإسلام، إنما كان سببه البدع والأهواء، والتنازع على الملك أو الجاه، ثم استغلته الأمم والدول الطامعة في ملك أهله واستعمار بلادهم كما فعل الإنكليز في الهند، وكما يفعلون الآن في العراق ؛ ففهم الكلام مقلوبًا أو حرفه بهواه فحمله على اختلاف الأديان، جاهلاً أو غير مكترث بالإجماع ونصوص القرآن، ولو كان كلامه في الخلاف المذهبي بين أهل السنة والشيعة بقصد جمع كلمتهم لكان يكون له وجه، وكلامه نص في الخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى فلا وجه له.

    أي فيصل ! إن الخلاف بين اليهود والنصارى منشؤه عدم إيمان اليهود بالمسيح عليه السلام، وأن الخلاف بين المسلمين من جهة وبين اليهود والنصارى جميعًا من جهة أخرى هو في التوحيد المحض والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ولم يكن هذا ولا ذاك (دسائس أجنبية دسها بعض الأشخاص أو الأمم الخارجية) ؛ ليوقعوا الشقاق بين أبناء سام كما زعمت حتى يصح قولك: (ومتى عرفنا ذلك يرفع من بيننا اسم اليهود والنصارى والمسلمين) ؟

    ثم ما معنى قولك بعد هذا: (وإني لا أرى لزومًا لتكرار القول، فإنا أولاد جد واحد، إننا أولاد سام) فهل انتساب الشعوب إلى جد واحد يقتضي عقلاً أو طبعًا أن يكونوا على دين واحد ؟ كيف وأولاد الأب الواحد القريب قد يختلفون في الدين، ولو صح قولك لما وجد في الأرض دينان، فإن جميع أهل الأرض من أولاد نوح أبي سام، ومن أولاد آدم عليهما السلام ؟

    على أن أهل العراق ليسوا كلهم من أولاد سام كما زعمت، فالمشهور أن الكلدانيين - وهم أقدم أمم الحضارة في العراق - من أولاد كوش بن حام بن نوح، وفي البلاد كثير من سلائل الفرس الآريين، ويقال: إن الكرد بدوهم، وقيل: من عرق آخر، وقيل: بل هم من العرب، ومع هذا فقد سمح فيصل لهم بأن يحافظوا على جنسيتهم، ثم أي حاجة إلى اشتراط انتساب أهل الوطن الواحد إلى جد واحد من ألوف السنين، وماذا يقول في الإنكليز الذي يمهد لهم سبيل السيادة الدائمة في البلاد بخطبته هذه وسائر أقواله وأعماله هل هم من أولاد سام أيضًا ؟ وهل يقبلون أن يرتفع اسم النصارى عنهم أو عن بقايا الآشوريين والكلدانيين الذين يتخذونهم ذريعة لفصم عروة كل اتحاد في العراق، كيف وملك الإنكليز هو حامي الإيمان المسيحي، وشعبه من أشد شعوب الأرض عناية وبذلاً في سبيل نشر النصرانية ؟ ومما أودعه الإنكليز في المعاهدة الإنكليزية العراقية حرية دعاة النصرانية في العراق ؛ ليعملوا ما استطاعوا في تحويل المسلمين فيه عن الإسلام.

    يا حسرة على فيصل وعلى أبي فيصل وعلى إخوة فيصل ! يا حسرة على أهل بيت ينتسبون إلى خاتم الرسل وسيد ولد آدم ثم يكون هذا حظ أمته وملته ومنهم ! ولماذا هذا كله ؟ لأجل التمتع بلقب (ملك) في ظل الإنكليز، ألا بعدًا لملك زائل بل لقب باطل، يتوسل إليه بهذه الوسائل، وصاحبه لا يملك به إلا تنفيذ أمر الأجنبي فيما يهدم به سلطان أمته وتشريع ملتها.

    يبشر الملك فيصل البريطاني أهل العراق بأن مستر لويد جورج الذي زعم أنه أكبر رجل في العالم قال: (نحن دخلنا العراق، ونرغب أن نجعلها جنات النعيم)، وأن العوام ورعاة الإبل والغنم في العراق لترتعد فرائصهم من هذه البشارة ؛ لأنها صريحة في أن الإنكليز لا ينشئون هذه الجنات للعراقيين بل لأنفسهم ؛ لأنهم ينوون امتلاك العراق وعدم الخروج منه، وفيصل يعتقد هذا ويرضاه، ولكنه لا يعلم أن أكثر أهل العراق يفهمونه، كما يعلم أنهم إذا فهموه لا يرضونه، ولذلك بشرهم به ! كأنه لا يقرأ كما يقرءون يوم ما يفعل الإنكليز في السودان وفي مصر أيضًا.

    وجملة القول في جواب الاستفتاء أن ما تبادر إلى أفهام الناس في الهند ومصر وغيرهما من عبارة فيصل هو عين ما عليه المعطلون للأديان، المنكرون للوحي، الداعون إلى استبدال الروابط الجنسية والوطنية بالدين، ولا مخرج له إذا أراد أن يحافظ على ظاهر الإسلام لاشتراطه في ملك العراق أو لذاته إلا أن يتأول لنفسه بأنه لجهله باللغة العربية لم يستطع أن يعبر عن مراده، ويذكر نحوًا مما تقدم في كلامنا، أو يتوب ويجدد إسلامه، ويجب على علماء العراق مطالبته بذلك، وأن ينذروه بخلعه إذا أبى، ولا يستطيع هو ولا سادته الإنكليز أن يعاقبوهم على هذه المطالبة، كما عللنا سكوتهم فيما تقدم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

    __________
    (1) كذا، ولعل في العبارة حذفًا، والمعنى المفهوم من السياق سابقه ولاحقه أن الرسل يغضبون من انتماء الناس إلى مللهم، إنما يرضون استبدال الجامعة الجنسية والوطنية بها.
    (2) كذا، ولعل أصلها الاختلافات.
    (3) أي على العرف القديم لا على عرفه الذي اقترحه آنفًا.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •