اقتربت مني في وسط الزحام ونحن نخرج من المسجد والتدافع على أشده ، الكل يتسابق عليه للسلام و المعانقة. قالت وهي تسدد ضربات كلامها إلى مرمى أذني : لماذا كل هذا؟ هل هو أهم من فلان؟ وذكرت إسم شخصية مرموقة في عالم السياسة اللبنانية. اتقيت حروفها بمهارة و ركلت لها كلمة كانت مباغتة و صاعقة إلى درجة أنني أحسستها و قد تشظت بها علامات تعجب و استفهام ، طغت على أصوات المفرقعات التي تشق الفضاء و تصم الآذان!
ثم مضيت دون أن ألتفت. فلم أقل ما قلته لأتابع الحديث. فثمة كلمات نقولها لنفتتح الحديث و ننهيه دفعة واحدة. فلا يكون في نيتنا حينها أن نفهم الآخر بل أن نصدمه.
نعم بلال هو أهم بلا شك. لأنه بنقائه و أصالته لا يزال أحد الشهود النادرين على حقبة مضت و زمن انقضى كان فيه التيار الإسلامي في القلمون متميزا و قويا و هادرا ، بصرف النظر عن قناعاتنا الخاصة بتفاصيل طرحه و أركان مشروعه الذي كان يقدمه للناس يومها! فقد نختلف معه في الكثير الكثير و نتفق معه في قليل قليل لكنه برغم ذلك كله يختزن جمالية معينة لا يزال لها سحرها الخاص و رونقها المتألق في نفوس الكثيرين. وقد ارتسمت اللوحة هذه المرة في شخص بلال من خلال حركته السريعة و لباسه الاسود و لحيته الممتدة و اندفاعه الساحر و عنفوانه الآسر ! لتعود مخيلتنا إلى ذلك التاريخ تستمطر وسمي ذكرياته العابقة ، فتهتز به قلوبنا و تربو و تنبت من كل زوج حنين بهيج!
فهل يحق لقريب أو بعيد أن ينكر علينا تذوقنا لجمالية هذه الصورة لمجرد أننا لا نتطابق مع ما تستبطنه من مفاهيم مجردة؟! ومتى كانت الذائقة شيئا يمكن فحصه و إخضاعه وتدقيقه بمجهر المنطق؟! أو ليس من حق المرء أن يعجب حتى ولو لم يقتنع؟! وهل ضربة الإعجاب لا تكون إلا بمطرقة المحاكمة العقلية وسندان المنطق الصارم؟!
في المسجد رأيت والدي يشق الصفوف بين المتزاحمين يعاونه أخي حتى إذا وصل إليه بكى ذلك البكاء الذي لم أشهده قبل اليوم سوى مرتين : مرة حين توفي جدي عليه رحمة الله و الثانية حين توفي عمي رحمه الله. فمكثت صورتا البكاء هاتين في أرجاء ذاكرتي طيلة فترة غربتي لا تبرحانها ، أتملى منهما و أتعلم و أعشق. و اليوم اكتسبت صورة ثالثة ملتهبة في شاعريتها إلى حد الجنون!
وفي منزل الأم كان اللقاء الأروع بكل مفرداته و بكل تداعياته ؛ في تفاصيله التي حدثت و في تلك التي لم تحدث بعد منتظرة دورها الذي حجز له القدر قبل سنوات طويلة مقعدا ، مستقبليا ضائعا ، على لائحة الإنتظار!
لقد مرت الدقائق مسرعة تضرب صفحة الزمن بعنف مولدة موجا يذهب في كل ناحية . فهل يضرب أحدها على صخرة في إحدى النواحي ليرتد إلينا زبده في المستقبل القريب!
ثم حان الوقت الذي كان يفترض أنه خصص للقاء أحبة تعودت لقاءهم كل أسبوع دون انقطاع. لقد كنت أريد أن اقول لهم شيئا فإذا بصوت بلال يقرع أذناي بما كنت سأتحدث به! لقد صعقتني كلماته لأنها كانت ستكون كلماتي! كيف استطاع أن يسرقها من ذهني؟! كيف امتدت يده في خفاء وخفة لتسحب من لساني ما كدت أفوه به ؟!
كلام في الصميم يختصر كل شيء ، يستلهمه بلال من عقيدة راسخة لا يزحزحها شيء ! لذلك كانت تخرج حية نابضة تهدم و تبني في ثوان قليلة ! أين منها كلماتي الميتة المتكلفة؟! بلال كان ينطق بشيء عاشه أما أنا فأنطق بما لا أريد أن أعيشه! وهذا هو الفارق الكبير!
ليت الإخوة كانوا معي ليستمعوا إلى كلماته! فلربما استطاع في تلك العجالة أن يبلغ في حديثه إليهم ما لم أستطع أن أبلغه طيلة تلك المدة الطويلة!
ثم في هذه الليلة كان الوفاء يكرم و يحتفى به في الزنزانة التي تركها بلال ! خمسة عشر سنة من البذل ثم إذا بالمكافأة شهر كامل يقضيه في نفس المكان الذي شهد آلام السجين طيلة كل تلك الفترة العصيبة!
هل دخل لأجل أن يعاين تلك الآلام؟! هل تعجل بلال في الخروج قبل أن يودعها فأناب أخاه عنه لهذه المهة العسيرة؟! هو الذي لم يرفض له طلبا واحدا قبل اليوم ، فلماذا يرفض اليوم طلبه الأخير؟!
أم لعل لهذه الزنزانة قدرا خاصا وهو أن لا تشغر للحظة واحدة؟! فإذا غادرها زيد حط فيها عبيد! و إذا جفاها بلال جبر كسرها خالد!
يا لله خمسة عشر سنة و هو يحلم بتلك الليلة التي يأتي فيها بأخيه ليسلمه إلى والدته فينظر ابتسامتها و يرتاح! خمسة عشر سنة قضاها بين سجن أخيه و دمع والدته . ثم في تلك الليلة يغادر دمعها إلى السجن و يخرج بلال من السجن إلى دمع الوالدة!
ولازلنا نرقب ذلك اليوم الذي يصيب فيه الجفاف بحر عينيها الزاخر! فهل يأتي؟! متى تضرب حواجز القدر و النسيان سدا منيعا بين بئر مقلتيها الغائر و نهر الزنزانة المتدفق؟!


رد مع اقتباس
