-13-

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين

مسألة "الهم" أسالت كثيرا من المداد، وفتحت للناس صنوفا من أبواب المقال... فلن نزيد قولا إلى ما سبق من جمهرة الأقوال، ولكننا سنقف قليلا عند المسألة الثانية في الآية: مسألة "البرهان".

رأينا نبنيه على مبدأ وقاعدة:
أما المبدأ فهو:
1-إن للسر جمالا
وأما القاعدة فهي:
2-إن ما لا سبيل إلى معرفته يجب السكوت عليه...

وعدم الالتفات إلى "المبدأ" يجر حتما إلى اختراق "القاعدة"...!

ماذا رأى الصديق عليه السلام؟

اختار القرآن هنا -وهو الموصوف بالبيان والتفصيل- أسلوب الإجمال: "بُرْهَانَ رَبِّهِ"...

فمقصود القرآن المبين إذن هو أن يبقى الأمر سرا...!

وأي سر !!

سر بين نبي وربه!!!

وللسر جماله... مثلما له مغزاه...

فلو رأينا -ولله المثل الأعلى- كبير قوم يسر إلى واحد من حاشيته أمرا، ولو رأينا -ولله المثل الأعلى- قرينة من المسر تشير إلى أنه يريد أن يبقى السر سرا... فبماذا سيوصف سلوك من يبخع نفسه لمعرفة محتوى ذلك السر!

ليس أدنى من صفات "قلة الأدب" و"الفضول" و"التطفل" و"التسور"...!!!

وفي غمرة البحث المضني سيغيب المقصد الذي كان يجب اعتباره:

فهذا الكبير -ولله المثل الأعلى- ما أراد بإسراره إلا أن يعلن للملأ أن لذلك الشخص مكانة عنده فهو يريد أن يخصه بشيء لا يكون لغيره... وقد يكون ما أسر به أمرا "عاديا" لا قيمة له في ذاته... وإنما يستمد قيمته كلها من معنى "السرية"!!

هذا المغزى هي النكتة التي غابت عند بعض الناس...

فليوسف عليه السلام عند ربه مكانة خاصة...

فكان الإسرار إلى الخاصة بشيء من الأشياء...

واكتفى في الإعلان عنه بوصف "برهان من ربه"

لكن الفضول دفع الناس إلى أن يحوموا حول ما لا يمكن معرفته فكانت النتيجة أن جاؤوا بغرائب وعجائب أمثلها طريقة تدل على عقم في الخيال وأقبحها طعن خفي في نبي الله يوسف... فانظر إلى مقصود القرآن -في التكريم والتنويه- وإلى مقاصدهم !!

فمنهم من أسقط اصطلاح المناطقة على لغة القرآن ففهم من كلمة "برهان" ما يفهم منها في اصطلاح تصانيف أرسطو والقوم... فزعموا أن يوسف اصطنع قياسات ووضع مقدمات واستنبط نتاجات... تمنعه من مجامعة المرأة!!
فغفلوا أن القياسات الصحيحة في متناول كل عاقل... وأن الامر يتعلق هنا ببرهان من "ربه" وليس من عقله... ثم كيف اطلعوا على ذهن يوسف وهو غيب من الغيوب!

ومنهم من زعم أن المرأة غطت وجه الصنم -إلهها- فسألها يوسف عن سبب ذلك فقالت إنها تستحي أن يراها إلهها في وضع مشين فوضعت غطاء على عينيه!

وزعموا أن يوسف اصطنع هنا قياس الأولى فقال إنه أولى بتقوى الله منها... فانصرف عنها...!!

فاعجب من خبر عن نبي تربي في أسرة كبار الانبياء لا يتعلم تقوى الله إلا من مشركة ذات شهوة!!

وزعموا أن صورة يعقوب عاضا على أصبعه تمثلت ليوسف في الجدار أو في السقف أو في السماء...!!!

فلا يقال لهم إلا هاتوا برهانكم عن "برهان ربه"!!

ورحم الله أبا جعفر شيخ المفسرين... فقد شاء له حسه العلمي أن يسرد بعض هاتيكم الأقوال... كما شاء حسه الخلقي -الجمالي!- أن يقول في نهاية المقال:

( وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آيةٌ من الله، زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة، وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا، ولا حجة للعذر قاطعة بأيِّ ذلك [كان] من أيٍّ . والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى ، والإيمان به ، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه).