_____ 2 _____
واضع علم العروض
ذهب القدامى إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 – 175 هـ) هو واضع هذا العلم. وجاء في "إنباه الرواة" للقفطي أنه : “ استنبط من العروض وعلله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من العلماء كلهم. وقيل إنه دعا بمكة أن يُرزق علماً لم يسبق إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من مكة ففتح عليه بالعروض".
وتذكر الروايات أنه مر يوما بسوق الصفارين فسمع دقدقة مطارقهم على الطسوت، فحملته تلك الأنغام على تقطيع أبيات الشعر، وفتح الله عليه بالعروض. وتقول الروايات أيضا إنه حبس نفسه أياما وليالي يستعرض ويستقرئ ما روي ما أشعار ذات أنغام موسيقية متعددة. وبعد استقراء عدد كبير من الأبيات واستعراض أنغامها اهتدى إلى قواعد مضبوطة وأصول محكمة سمّاها "علم العروض".
غير أنَّ ابن فارس (ت 395 هـ) أنكر على الخليل فضل الريادة، ونسب إليه فضل التجديد فقط عندما قال:” فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود الدؤلي أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له : نحن لا ننكر ذلك بل نقول إنَّ هذين العِلْمين قد كانا قديما، وأتت عليهما الأيام وقلّا من أدي الناس، ثم جدّدهما هذان الإمامان" فالخليل جدد علماً قد أتت عليه الأيام وقلَّ بين أيدي الناس، ولكن ابن فارس لا ينكر كون الخليل أول من تكلم في العروض.
ولعل هذا الإظطراب في موقف ابن الفارس عائد إلى كونه من أتباع المذهب التوقيفي في اللغة. فموقفه هذا حمله على القول إنَّ الخط توقيف، وكذلك الأمر في النحو والعروض حتى ذهب به تطرف في هذا المذهب إلى حدود نفي الإختراع والتجديد ورفض القياس " وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياساً لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان مقانقها". وليس هنا مجال القول في هذا الرأي.
فحسبنا منه أنه ينفي عن الإنسان القدرة على الإختراع، يطالب بترديد ما قاله القدامى؛ وفي ذلك مخالفة لسنة التطور والتجدد وإلا لكان الجمود أصاب العقل البشري، وشل طاقاته الكامنة التي تجلت إبداعات فنية وتقنية، وطبع هذا العصر بطابع الثورة الصناعية والإليكترونية الهائلة.
وقد تسائل القدامى عن أسباب وضع هذا العلم، وذكروا منها ما يتناسب مع تلك التي ذكرت لوضع النحو. فالخليل لاحظ أن الأذواق قد فسدت، والملكات قد اضطربت، فاختل الوزن الذي كان يعرفه الشعراء بسليقتهم ومن طباعهم، وراح جماعة ينظمون الشعر في عصره على أوزان لم تسمع بها العرب، فانزوى ناحية وراح يوقع ألحان الشعر القديم وأنغامه مهتديا إلى خمسة عشر وزنا كما يقولون. وذهبت أكثر الروايات إلى أن تلميذ الأخفش تدارك عليه بحر المتدارك فصارت بحور الشعر ستة عشر بحراً تسمى اليوم بحور الخليل.
غير أن بعض المراجعات أثبتت بطلان القول أن تلميذ الأخفش قد تدارك بحرا على الخليل.


رد مع اقتباس
