شعــر: هــلال الفــارع
حَيِّ ابْنَ أُمِّي الَّذي فَزَّتْ بِهِ الْهِمَمُ
فَأَلْبَسَ العِلْجَ مِمَّا تَخْلَعُ القَدَمُ
وَرَدَّ عَنْ دَمِنَا ذُلاًّ يُوَاقِعُنا
بِسَهْمِ نَعْلٍ، غَلَى في رِيشَتَيْهِ دَمُ
يا بَدْرَ بَغْدَادَ سَافِرْ في السَّمَا أَلَقًا
مِنْ بَعْدِما انْكَشَفَتْ عَنْ وَجْهِكَ الظُّلَمُ
كُنَّا حَيَارَى، وهذا الظُّلْمُ يَخْسِفُنا
وليسَ يُنْصِفُنَا أَهْلٌ، ولا أُمَمُ
وَلَيْسَ يَغْضَبُ فينَا وَيْحَ أُمَّتِنَا
عَزْمٌ تَقَاعَسَ فينا، هَدَّهُ السَّقَمُ
حَتَّى انْبَرَى أَسَدٌ في الرَّافِدَيْنِ لهُ
زَأْرٌ، نَضَاهُ على الآفَاقِ مُعْتَصِمُ
أَحْيَا بِهِمَّتِهِ في مَوْتِنَا هِمَمًا
يا أُسْدَ بَغْدَادَ، قَدْ شَبَّتْ بِنا الهِمَمُ
هذا حِذاءُ بَنيكِ اليَوْمَ صارَ لَهُ
صَوْلٌ، فَكَيْفَ بِسَيْفٍ حَدُّهُ الكَرَمُ؟
يا بَدْرَ بَغْدادَ، هَلْ يُرْضيكَ مِنْ نَدَمٍ؟
هذا أَوانُ العُلا، فَلْيَهْدَإِ النَّدَمُ
أَنْهِضْ عُلاكَ، لَنَا هذا الفَضَاءُ، وفي
آفَاقِنَا سُحُبٌ تَشْقَى، وتَلْتَطِمُ
مَتَى نُعانِقْ – على أحلامنا- غَضَبًا
تَلْقَ الرَّواسِخَ تَهْوِي، وهي تَنْحَطِمُ
وَتَلْمَحِ الخَيْلَ تَعدُو للْوَغَى شُهُبًا
وَلَيْسَ يَكْبَحُهَا وَعْثٌ، ولا لُجُمُ
وَتَسْمَعِ الأَرضَ تَشْكُو من سَنَابِكِهَا
كَأَنَّما شَجَّهَا سَيْلُ الوَغَى العَرِمُ
يا بَدْرَ بَغْدادَ، إِنَّا منكَ نَنْسَجِمُ
فَأَرْخِ ضَوْءَكَ فينا، كُلَُّنَا نَهَمُ
هذا أَوانُ العُلا، فاصْدَحْ بِأُغْنِيَتِي
وَصُبَّ لَحْنَكَ، قدْ أَصْغَى إليكَ فَمُ
هذا أَوانُكْ، إنَّ الأَرْضَ شارِبَةٌ
دَمَ العِراقِ، وَفي الْحانَاتِ يُقْتَسَمُ
لا عاشَ قَوْمٌ، سَعَتْ سُخْمٌ لِعِزَّتِهِمْ
فاسْتَأْنَسُوا ذُلَّهُمْ، واسْتَافَهُمْ صَمَمُ
واسْتَمْرَؤُوا مِنْ هَوانٍ خَسْفَ طَاغِيَةٍ
وَإِنَّهُمْ في سَمَاءِ المُلْتَقَى عَلَمُ
هذي دِمَاهُمْ عَلَى الأَهْوارِ طائِشَةٌ
وفي الفُراتَيْنِ تَمْضِي، وهي تبتسِمُ
فكيفَ تَصْغُرُ فيهِمْ قَامَةٌ فَرَعَتْ
مِنْ صَدْرِ دِجْلَةَ، واسْتَهْدَتْ بِها الهِمَمُ؟
يا بدْرَ بَغْدادَ، هذا الليلُ يَحْتَدِمُ
يا بَدْرَ بغْدادَ، هذا الصَّبْرُ يُقْتَحَمُ
طالَتْ ظُلُوفٌ عَلى مَرْعَى غَزَالَتِنَا
وَجَالَ في أُفْقِنَا طاغٍ، ومُتَّهَمُ
وإِنَّ فينا أَخَا خَوْنٍ وَمَضْيَعَةٍ
أَغْوَتْ خُطَاهُ لُصُوصُ الغَرْبِ، والعَجَمُ
وَإِنَّهُ جِدُّ مَاضٍ في خِيانَتِهِ
وإنَّهُ جِدُّ رَاضٍ أَنَّهُ سَخَمُ
وَإِنَّهُ في بَذَا الأفْعَالِ مُنْخَرِطٌ
وَإِنَّهُ في أَذَى الأَغْرابِ يَنْتَظِمُ
سَعَى إِلَى المِنْبَرِ الطَّاوُوسُ يَمْلَؤُهُ
طَيْشٌ، وَفِسْقٌ، وكِبْرٌ، كُلُّهُ وَرَمُ
مُعَفَّرٌ بِدِماءٍ جَلَّ نَازِفُهَا
عَنْ وَقْفَةٍ، في مَدَاهَا كُلُّ ما يَصِمُ
وَكَادَ يَشْرَعُ في بَذْءٍ، وفي هَذَرٍ
وَحَوْلَهُ زُمْرَةُ بِالْعارِ تَعْتَصِمُ
وَكادَ، لولا يَدٌ بِالْغَضْبَةِ امتلأَتْ
يَهِيمُ في شَطَحَاتٍ، مَجَّهَا السَّأَمُ
لَمَّا بَدَا، وعَلا في وَجْهِهِ ظَمَأٌ
لِلنَّيْلِ مِنْ عِزَّةٍ حَمْراءَ تَعْتَرِمُ
فَرَّتْ حُشَاشَةُ شَهْمٍ ضَيْغَمٍ نَزِقٍ
مُدَجَّجٍ بِدَمٍ، تَشْقَى بِهِ الضِّرَمُ
يَكَادُ يَزْأَرُ مِنْ غَيْظٍ، وفي يَدِهِ
سَهْمَانِ راشَهُمَا: اَلنَّعْلُ والقَلَمُ
وَاحْتَارَ بينَ سِلاحَيْهِ، ومَا اتَّصَلَتْ
عَلَيْهِ حِيرَتُهُ، فاهْتَاجَ يَضْطَرِمُ
ألْقَى على النَّغْلِ نَعْلاً جَلَّ مَنْزِلَةً
عَنْ قاتِلٍ، بِدَمِ الأَطْفَالِ يَنْفَطِمُ
وَعَاوَدَ الرَّمْيَ، لا تُثْنِيهِ قَرْقَعَةٌ
مِنَ السِّلاحِ دَعَاها النَّذْلُ والصَّنَمُ
يا "بُوشُ" خُذْها نِعَالاتٍ مُطَهَّرةً
رَمْلُ العِراقِ بَرَاهَا، وهْو يَحْتَدِمُ
يا "بُوشُ" مالَكَ تَشْقَى في مُجَالَدَةٍ
تَغُبُّ مِنْكَ دَواهِيها، وَتَرْتَطِمُ
يا "بُوشُ" مالَكَ تَسْعَى خَلْفَ جائِحَةٍ
شَدَّتْ عَلَيْكَ، وفي أَنْيابِها الرُّجُمُ
هذا الَّذي صَدَّ عَنْكَ النَّعْلَ مُزْدَرِدٌ
لِلنَّعْلِ، ليْسَ لَهُ عِرْضٌ، ولا ذِمَمُ
الهالِكِيُّ، وأَتْعِسْ بالَّذي انْكَشَفَتْ
في شارِبَيْهِ خُطُوطُ العَارِ، والتُّهَمُ
مُطَأْطِئٌ بَيْنَ خَلْقِ اللهِ شَامِخَةً
كانَتْ عِراقِيَّةً، جَلَّتْ بِهَا الشِّّيَمُ
لَكِنَّمَا راحَ يَشْقَى في نَقَائِصِهِ
أَخُو الْجَهالَةِ، يَعْلُو وَجْهَهُ الغَسَمُ
وَيَجِمَعُ الخَوْنُ زَوْجًا في سَخِيمَتِهِ
لِزَوجِ نَعْلٍ، غَلا في صَمْتِهِ السَّأَمُ
يا أُمَّةً صالَ عَنْها مِنْ فَتًى حَجَرٌ
وَمْنْ غُلامٍ حِذاءٌ، وهي تَخْتَصِمُ
تَبيتُ تَغْرَقُ في لَهْوٍ، وفي بَذَخٍ
والذُّلُّ يَنْهَشُهَا، والخوْفُ، والعَدَمُ
وارَى بِعِزَّتِهَا الحُكَّامُ سَوْأَتَهُمْ
وَغَادَرُوهَا، إِذِ اسْتِشْرَى بِها الْوَصَمُ
لَمْ تَغْشَ مَكْرُمَةً مُذْ هانَ جَانِبُهَا
وَلَمْ تَسُدْ مُنْذُ أَدْمَتْ بَأْسَهَا التُّخَمُ
مَشْدُوخَةَ الحَلْقِ تَمْضِي، فهي صامِتَةٌ
ولَيْسَ يَصْدُرُ عَنْ ناياتِهَا نَغَمُ
حَتَّى ملاعِبُها سَكْرَى، ولا عَجَبٌ
فالأرْضُ تَهْمَدُ إنْ يَصْمِتْ بِهَا الأَلَمُ
يا أُمَّةً زَانَهَا المِلْيَارُ في عَدَدٍ
وَشَانَهَا الصِّفْرُ، لمَّا أَورَمَ الرَّقَمُ
يا اُمَّةَ الرُّسْلِ، هل تُرْجَى لِمظْلمَةٍ
حِيَاضُ قَوْمٍ، سَعَوْا للذُلِّ، واقْتُحِمُوا؟
تَسَاءَلَ الْجَمْعُ: مَنْ هَذَا الَّذي نَهَلَتْ
مِنْ كَفِّهِ صادِيَاتٌ، شَاقَهَا الشَّبِمُ
وَرِيعَ مِنْ بَأْسِهِ الفِرْعَونُ، وانْخَفَضَتْ
لِنَعْلِهِ هَامَةٌ، أَغْضَى لَهَا الْهَرَمُ
كَأَنَّمَا مِنْ يَدَيْهِ الْحُرَّتَيْنِ هَمَتْ
فِينَا – عَلَى ظَمَإٍ – بالمُشْتَهَى دِيَمُ
هَذَا الَّذي قَصَبَ الْجَزَّارَ "مُنْتَظِرٌ"
قَدْ أَرْضَعَتْهُ حَديدَ العِزَّةِ الشُّكُمُ
سَرَى عَلى صَهْوَةٍ تُفْضِي إلى شَرَفٍ
وَلَيْسَ تَحْجُبُهُ عَنْ غَايَةٍ لُثُمُ
أَرخَى على الشُّؤْمِ مِنْ كَفَّيْهِ، فانْتَفَضَتْ
عَلى يَدَيْهِ، دِمَاءُ القَوْمِ، وازْدَحَمُوا
يا بَدْرَ بَغْدَادَ، ما اخْتَلَّتْ لَنَا قِيَمُ
يا بَدْرَ بَغْدَادَ، ما اعْتَلَّتْ لَنا ذِمَمُ
لكِنَّنَا حينَ شَحَّتْ في بَيَارِقِنَا
بشَائِرُ النَّصْرِ، جَادَتْ بينَنَا قَدَمُ
يا أَيُّهَا النَّزِقُ "الزَّيْدِيُّ" مُدَّ لَنا
كَفَّا تَثَوَّرَ مِنْ هَبَّاتِهَا الأَدَمُ
أَخْزَيْتَهُ، وغَدًا تَخْزَى جَحَافِلُهُ
وكُلُّ مَنْ سَوَّقُوا الأَوطانَ، أَو ظَلَمُوا
خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ في ساحٍ مُقَدَّسَةٍ
هَوَى بِها صَلَفُ الكُفَّارِ يَنْقَصِمُ
أما رَأَيْتَ وُجُوهًا شَلَّهَا خَوَرٌ
يَكَادُ يَصْرُخُ فيها الذُّلُّ والهَدَمُ
يا وَيْحَ دِجْلَةَ، هَلْ مَنْ زَوَّرُوا وَطَنًا
يُسْقَوْنَ مِنْكَ، وتبْقَى بَيْنَهُمْ سُهَمُ؟
أَنْهِضْ دِماءَكَ، قَدْ فَاضَتْ دِلاءُ دَمٍ
حُرٍّ يَمُورُ، ويَغْلي، دونَهُ الحِمَمُ
أَنْهِضْ دِلاءَكَ، كَيْ تَرْوَى شَوَامِخُنَا
يا سَيِّدَ المَاءِ، لا تَبْخَلْ لِمَنْ عَزَمُوا
ثَارَ الحِذَاءُ على الطَّاغُوتِ، هَلْ هَضَمَتْ
أَرْضُ النًّبُوَّاتِ ما أَوْحَتْ بِهِ القُحَمُ؟
لَمَّا تَقَاعَسَ سَيْفُ الصَّمْتِ عَنْ شَرَفٍ
هَبَّ الحِذَاءُ، وَنِعْمَ العاصِفُ البَرِمُ
يا سَيِّدِي، مُنْذُ عَهْدٍ لَمْ يَغِضْ حَزَنٌ
يا سيِّدي، مُنْذُ وَجْدٍ لَمْ تَفِضْ نِعَمُ
يا أكْرَمَ النَّاسِ هذا السَّبْقُ هَيَّجَنَا
وَسَوْفَ يَنْبُتُ فينا، إنَّهُ القَسَمُ
يا أَيُّهَذا العِرَاقِيُّ الذي اتَّقَدَتْ
مِنْ عَزْمِهِ شُعْلَةٌ، وَقَّادُهَا القُصَمُ
راحَتْ نِعَالُكَ هذا الدَّهْرَ مَوْعِظَةً
للظَّالِمينَ، وَمَنْ هَانُوا، ومَنْ ظُلِمُوا!


رد مع اقتباس
