-
أول الأثر.. في خيال الانسان
لقد سبقت مخيلة الانسان، في تناولها احتمال تأثير الاضطرابات الصغيرة في سلوك الأنظمة الكبيرة، نظرية الفوضى العلمية وذلك من خلال أعمال الخيال العلمي الكثيرة. ونذكر هنا على سبيل المثال الأعمال الأدبية لكل من جاك هادامارد سنة 1890 وبعده بيار دوهيم سنة 1906 اضافة الى قصة راي برادبوري "صوت الرعد" والتي تأمل فيها الكاتب بامكانية السفر عبر الزمن الى الماضي واحداث بعض التغيرات التي من شأنها التأثير في أحداث المستقبل وفي المفارقات التاريخية بشكل عام. فقد تحدثت القصة عن تأثير موت فراشة عاشت في عصر الدينوصورات على أحداث لاحقة كلفظ الكلمات في اللغة الانكليزية وتبدل مسار الأوضاع السياسية، وكان ذلك سنة 1952. أما بعد ظهور النظرية الى العلن، جاءت السينما لتلقي المزيد من الضوء عليها من خلال أفلام منها "الأبواب المنزلقة" (Sliding Doors) الذي صور قصتين متوازيتين عن حياة امرأة تمكنت من اللحاق بالقطار اللندني في أحد الأكوان وفشلت في اللحاق به في كون آخر، مصورا تأثير هذه الحادثة البسيطة على مجرى حياتها بالكامل. اضافة الى هذا الفيلم يأتي فيلم "تردد"(Frequency) في سنة 2000 الذي يدور حول والد وابنه تمكنا من التواصل عبر الزمن بواسطة موجات الراديو في محاولة لتغيير الماضي نحو الأفضل، ثم فيلم "أثر الفراشة" سنة 2005 الذي تناول التبدلات السلبية التي تحصل في الماضي والتي ترخي بظلالها على مستقبل أحد الأشخاص بحيث تتنوع حياة هذا الأخير تباعا من كونه عضوا في أخوية الى سجين الى شخص مبتور احد الأعضاء وفقا لكيفية تلاعبه بماضيه. ناهيك عن عدد من المسلسلات الأميركية التي أفردت بعضا من حلقاتها لهذه الفكرة ومنها The Simpsons و Scrubs و .Malcolm In The Middle
تعقيبا على ما سبق، لا بد من الحديث عن وقع "اثر الفراشة" على سلوك الانسان.
العلاقة المتينة
يجد العلماء بين"أثر الفراشة" وسلوك الانسان علاقة متينة تظهر تجلياتها في حيثيات التجارب التي تطغى على حياة هذا الأخير. فبناء على مشاهداته اليومية، لا يصعب على المرء ملاحظة كيف أن تغييرا ثانويا في حياة أحدهم يؤدي الى تبدل في سلوكه ومجرى حياته نحو اتجاهات غير متوقعة. ويعزو العلماء هذا التبدل السلوكي الى الأحداث والذكريات المحفوظة في عقل الانسان الباطني والمتراكمة فيه منذ نعومة الأظافر. ولاعطاء هذا التحليل حيزا من الواقعية الملموسة، يلجأ هؤلاء الى المثال الذي يصور واقعة اقدام أحد المراهقين على الانتحار من غير أن يكون قد مر بمرحلة أو بأخرى من مراحل الاكتئاب. فيقع ذويه حينها في حيرة من أمرهم بغية تحديد الدوافع والأسباب ليكتشفوا بعدها تفاصيل صغيرة في حياة المراهق لم يلتفتوا اليها باعتبارها سببا ممكنا للانتحار.
ننطلق من هنا لنطرق باب الشق الأشمل والمتعلق بتطبيق مفهوم "أثر الفراشة" على محيط الانسان البيئي والطبيعي.
نشاط مدمر!..
لا بد بداية من الاشارة الى شبكة الاعتماد المتبادل التي تحدد معالم مختلف العلاقات الطبيعية في كوكب الأرض والى تأثير انقراض أحد الأجناس على بقية أوجه الحياة. ويقول العلماء، في هذا الصدد، أن الكوكب شهد خلال 439 مليون سنة خلت خمس كوارث فناء، أدت في كل مرة الى محو ما بين %50 و%95 من أشكال الحياة من بينها تلك التي هيمنت في حينه. ويضيف هؤلاء أننا اليوم وسط كارثة الفناء السادسة حيث حلت سابقتها في عصر الدينوصورات التي اختفت قبل 130 مليون سنة. لكن الخطير هنا هو كون الانسان، هذه المرة، ضالعا في تسريع حدوث الكارثة ومعرضا لخطر الانقراض مثله في ذلك مثل بقية الكائنات. في هذا الاطار يتوقع عالم البيولوجيا في جامعة هارفرد ادوارد ويلسون أن استمرار الحال على ما هي عليه اليوم سوف يعرض نصف أجناس الحيوان والنبات الى الانقراض بحلول عام 2100. وبسبب الاعتماد المتبادل للأجناس على بعضها البعض
يتخوف سبعة من بين كل عشرة علماء بيولوجيين أن يهدد هذا الخطر وجود الانسان بما يفوق تهديد ظاهرة الاحتباس الحراري له، وذلك حسب استطلاع قام به المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي. أضف الى ذلك تحذير الصندوق العالمي لحماية الطبيعة من أن التنوع في العالم تراجع بمعدل الثلث تقريبا في السنوات الخمس والثلاثين الماضية، والذي اشارالى أن الفترة الممتدة بين 1970 و2007 شهدت تراجع الأنواع التي تعيش على الأرض بواقع %25 والأنواع التي تعيش في البحر بنحو %28 وتلك التي تعيش في المياه العذبة بنسبة %29. وانطلاقا مما سبق، يقول الخبراء أن معظم الأغذية والأدوية في العالم تأتي أساسا من الطبيعة وأن تضاؤل الأنواع يجعل بقاء البشر عرضة للمخاطر. وهنا لا يتردد هؤلاء في التنبيه من أن تراجع التنوع البيولوجي يعني ان ملايين البشر سيواجهون مستقبلا تكون فيه امدادات الطعام والمياه اما غير كافية واما مرتعا للأوبئة والأمراض القاتلة.
رب سائل يسأل هنا عن سبب سرد كل هذه الوقائع..
السبب بسيط، فعندما يشارك ملايين البشر في احداث تبدل في تفاصيل النظام البيئي يؤدي ذلك التصرف، غير المسؤول في معظم الأحيان، الى تغيرات عظيمة ومدمرة أحيانا لذلك النظام. اذ يتفق الخبراء على أن النشاط الانساني، بمختلف تجلياته، قد أحدث بالغ الأثر في النظام البيئي للكوكب، ويضيفون أن هذا النشاط، ربطا بنظرية الفوضى و"أثر الفراشة"، يساوي على المستوى الجماعي جراء تراكم الأعمال الفردية الانسانية في شتى أنحاء الأرض، العمل "السلبي" لبلايين الفراشات مجتمعة. فالضرر الذي ألحقه البشر في معظم المواطن البيئية الحيوانية والنباتية على الأرض، بدءا من تلوث مياه البحار والمحيطات مرورا بالتبدلات الكيمياثية في تركيبة التربة وتقلص المساحات الخضراء ووصولا الى اتلاف الغلاف الجوي بالانبعاثات الغازية المختلفة، مهد لنتائج كارثية على مستوى التنوع البيولوجي، المدافع الأول عن الكوكب في وجه الكوارث الطبيعية، ولنا في "مجاعة البطاطس الايرلندية" الشهيرة خير دليل على ذلك.
النظرة القاتلة..
وأخيرا،
لقد شهدت سنة 2008 وفاة ادوارد لورنز، رائد نظرية الفوضى والأب الشرعي لأثر الفراشة عن عمر يناهز التسعين عاما. لكن قبل ذلك بسنوات، وخلال تسلمه عام 1991 لجائزة كيوتو للعلوم الأساسية في مجالي الأرض والكواكب، بادرته اللجنة المانحة بأنه مؤسس المبادئ النظرية في فهم التوقعات المناخية وصاحب الانجاز الجريء في اكتشاف نظرية الفوضى وأثرها البالغ في مروحة واسعة من العلوم، وبأنه الرجل الذي تسبب بواحد من أكثر التبدلات المثيرة في نظرة البشرية للطبيعة منذ أيام اسحق نيوتون.
أجل، لقد تبدلت تلك النظرة.. لكنها تحولت الى نظرة قاتلة!
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى