-
ولقد كان الدور الذي حصل عليه محمد رشيد رضا كبيرا، وحرجا ففي مرحلة من المراحل اصطدمت مصالح فيصل الأول بمصالح احرار سورية، فقيدوا صلاحياته قبل ان يهرب الى العراق، وكان الشيخ وثيق الصلة بالمؤتمر السوري وبالملك وهذا ما جعله موزع الانتماء لكن ذلك لم يمنع من ان يترك لنا نصا جميلا عن ملك لا يكفيه مرتبه الذي خصصته له حكومة الاستقلال، ومن خلال ذلك النص ينتقد جبن المتسلطين، ونفاقهم لكل من هو اكبر منهم في المنصب.
يقول المعلم الثالث عن مرتب فيصل الاول: «ولم يكن للوزراء من الشجاعة الادبية والتكافل ما يؤهلهم لتقييدهم ـ كبار المسؤولين ـ وتعويدهم على الوقوف عند حدود سلطتهم الرسمية اذا كانوا هم قد اعتادوا في عهد الترك ان يميلوا مع اهواء الرؤساء والكبراء، ومع هذا امكن لحكومة الاستقلال ان تقيد الملك براتب محدود لم يكن راضيا به على كثرته، وكان يستهلك راتب كل شهر في أوله او قبل بدو هلاله، ويطلب من وزارة المالية سلفة بعد سلفة، فلا ينال كل ما يطلب، ولا اكثره بسهولة..»!!.
وسقى الله تلك الايام التي لم تكن فيها وزارات المالية وثروات الاوطان مباحة لكبار المسؤولين، فهي تدل على اننا بدأنا بداية صحيحة لكن عجزنا لاحقا عن احداث التراكم ومواصلة مشوار النزاهة السياسية الى اقصاه.
ويزعم محمد رشيد رضا انه قال لفيصل الاول بعد خلافه مع المؤتمر السوري العام: انت لم توجد المؤتمر بل هو الذي اوجدك فقد كنت قبله مجرد قائد منطقة لجيش انجليزي تتبع اللورد اللنبي فجعلك المؤتمر ملكا على سورية».
ولا يمكن التأكد من صدق اقوال تقال بعد وفاة خصوم اصحابها لكن المؤكد ان عواطف المعلم الثالث لم تكن مع الهاشميين، فرأيه فيهم ليس على ما يرام، ولولا الخوف من سوء التأويل في هذه الظروف الملتبسة لعرضناه بالتفصيل فهو من الآراء المقنعة والموثقة.
ان محمد رشيد رضا لم يكن ثائرا كالمعلم الاول الافغاني، ولا مفكرا عميق الغور كالمعلم الثاني محمد عبده انما كان تلميذا نجيبا لمؤسسة الاصلاح الديني التقليدية التي تستخدم الذكاء وليس السلاح في المجابهة، ومن حبه لذلك التيار يسجل آيات اعجابه بدرويش افندي رجل طرابلس الكبير الذي اعجب به الوالي مدحت باشا ايما اعجاب واراد توريطه في الشراب ليكون نديمه فقال له ذات يوم وهما في منتزه بركة البداوي بطرابلس: خذ هذا الكأس ولنشربها على اسم مولانا السلطان المعظم، فقال درويش افندي بداهة.. كأس من يد أفندينا مدحت باشا باسم مولانا المعظم السلطان امير المؤمنين لا ينبغي ان تصب في الجوف وتخالط القذر بل مكانها الرأس، قالها درويش افندي وصب الكأس على عمامته البيضاء، فأعجب به مدحت باشا وزادت كرامته عنده وهذا النوع من الورع افضل طبعا من اسلوب المنافقين الذين لا يتورعون في سبيل السلطة عن فعل أي شيء.
ان من يتربى على هذا الاسلوب من البعد عن المحرمات يستطيع ان يرى الصلة بين العهر السياسي للدولة وتجارة بيع الجسد التقليدية عند النساء والرؤية هنا مشروطة بألا ينغمس بالعمل السياسي كفريق تصبح عنده مكاسب يدفعه الحفاظ عليها الى تقديم تنازلات كثيرة، ولربما لهذا السبب بالذات لم يتمكن المعلم الثالث من رسم تلك العلاقة بين العهرين.
ومن اراد ان يقول ما اشبه اليوم بالبارحة فليفعل فالشيخ رضا يحكي عن سرقة دفتر نفقات الدولة وتسليمه للفرنسيين ليعرفوا من يصرف على المقاومة ومن يقبض باسمها وفي الرحلتين عدة اخبار عن «جمعية الجامعة العربية» التي أسسها المعلم الثالث وكان لها قسم سري يقسمه الزعماء وهذا قبل ان تصبح علنية وقبل ربع قرن من تأسيسها رسميا بنصيحة بريطانية. ان كتابة التاريخ الرسمي استنادا الى رحلات المعلم الثالث عملية محفوفة بالمخاطر فهو وفي كل حدث يضع نفسه قبل الجميع ودائما بعد الملك مباشرة وهذا يتنافى مع ما سجله المؤرخون الرسميون وغير الرسميين عن تلك المرحلة، لذا يصبح من صالح قراء ادب الرحلات ان يستمتعوا بالجانب الاجتماعي من رحلتي الشيخ الى بلده ورجوعه الى مراتع صباه، وألا ينظروا اليه كشاهد عيان على ذلك العصر، فشهاداته مخلوطة بالنرجسية التي تعيق رؤية الحدث على حقيقته، وتبهره ـ من البهار ـ بالكثير من الاستطرادات الذاتية المألوفة عند اصحاب العمائم في مختلف الازمنة والامكنة، فلهذه النخبة الفاضلة اسلوب متشابه في السرد والرواية لم تبدله الايام، فباستثناء التخلي عن سجع القرون المتأخرة ظل ذلك الاسلوب موحد الروح والمحتوى بتحويرات طفيفة تقتضيها مستجدات الحقب والعصور.ما صحة هذا الموضوع؟ هذا الكلام منقول عن جريدة الشرق الاوسط جريدة العرب الدوليه
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى