لابد من التفكُّر في ساعة الموت والإعدادِ لما بعدها :
لذلك من أنت أيها الإنسان ؟ أنت زمن ، أنت بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك .
إنسان الله عمره عند الله تسع وسبعون سنة وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وخمس ساعات وأربع دقائق وثماني ثوان ،
انظر إلى ساعتك ، كلما تحرك العقرب ثانية واحدة قرّبك من النهاية ، والنهاية صفر ،
النهاية تنهي كل شيء ، القوي يموت ، والضعيف يموت ، والطاغية يموت .
الإنسان يمضي بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي :
يا بن آدم ، أنا خَلقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
وأنا في طريقي إليكم شعرت كيف مضت هذه الأيام العديدة كلمح البصر ، وهكذا العمر .
قد يقول الإنسان : عمري ستون عاما ، أو خمسون ، أو أربعون ، هذه الأعوام كيف مضت ؟
يقول لك : البارحة كنت طالبا في الابتدائي ،
الآن أنا في سن الستين ، فإذا مضت الستون كلمح البصر ففي الأعم الأغلب السنوات الباقية تمضي أيضاً كلمح البصر ،
وفجأةً يكتَب النعي ، فجأة كان شخصاً فأصبح خبراً ،
فجأة وضع في النعش ، فجأة وضع في القبر ، وقف أهله للتعزية ، بعد شهرين أو ثلاثة نسي هذا الرجل ،
وعاشوا حياتهم اليومية ، وكأنه لم يكن ،
فإن أمضى حياته في طاعة الله فلا يعنيه ما الذي سيكون .
حينما يولد الإنسان كل مَن حوله يضحك ، وهو يبكي وحده ، فإذا وافته المنية ، وكان محسنًا فكل مَن حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً يضحك وحده .
والله أيها الإخوة الكرام ، مرة شيّعنا ميتا ، وقفت على قبره ، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على سطح الأرض إنساناً أذكى ولا أعقل ممن يعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها ،
الغني يموت ، والفقير يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت ، والوسيم يموت ، والدميم يموت ، والمحسن يموت ، والمسيئ يموت ، وكل مخلوق يموت ،
ولا يبقى إلا ذي العزة والجبروت .
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
كل ابن أنثى وإن طـالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة
فاعلم بأنك بعدهــا محمــــول .
فائدة التفكُّر في الموت :
التفكير في الموت أيها الإخوة ليس تشاؤماً ، لكن له وظيفة إيجابية ،
التفكر في الموت يجعلك على الصراط المستقيم ، تأخذ أعلى شهادة تؤسس معملا ، تقيم مشروعا ضخمًا ، هذا لا يمنع ، لكن التفكر في الموت يمنعك أن تعصي الله ،
يمنعك أن تنحرف ، والتفكر في الموت يسرع الخطى إلى الله .
مرة كنت في مطار ، ورأيت شريطًا متحركًا ، وقفت عليه ، وأنا واقف أمشي ، شيء جميل ، إن مشيت عليه كانت السرعة مضاعفة ، وعليه سوران يمنعانك أن تنحرف ، شريط متحرك له سوران ، تصورت أن هذا الشريط المتحرك مع السورين يرمز إلى التفكر في الموت ، فيسرع الخطى إلى الله ، ويمنعك أن تنزلق ، لذلك :
(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ ، يعني الموت )) .
[ الترمذي ]
مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .
(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به )) .
[ أخرجه الشيرازي ، و الحاكم ، والبيهقي ، عن علي ] .
نكمل لاحقا ً بإذن الله عز و جل .


رد مع اقتباس
