النتائج 1 إلى 50 من 289

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    يحكى أنّه اجتمع ذات مساء، على طاولة السلطان الكبيرة، وفي صحن زجاجيّ جميل، كلّ من: التفّاحة والبرتقالة والموزة والرّمانة.‏

    ولّما كانت الرّمانة كبيرة الحجم، نقد تضايقت الموزة منها، وقالت:‏

    - ابتعدي عنّي أيّتها الغليظة، أنتِ تضايقينني!.‏

    احمرّ وجه الرّمّانة خجلاً، وقالت:‏

    - عفواً موزة، أنا لم أقصد إزعاجك، ولكن كان عليكِ أن تنبهيني بطريقة لبقة.‏

    - ومن أنت حتّى أنّبهك، ثمّ كيف تناديني باسمي دون أن تسبقيه بكلمة سيّدة!؟‏

    - ولماذا كلمة سيّده هذه؟.. كلّنا فواكه، فلمَ تتعالين علينا؟.‏

    ضحكت الموزة، حتّى كادت تتدحرج وتسقط من الصحن، وبعد أن هدأت وقالت:‏

    - أولاً... أنا طريّة، وطعمي حلو، فالأطفال الذين لم تبزغ أسنانهم يمضغونني بسهولة.‏

    ثانياً.. تقشيري سهل... ولا بذور لي، فهل عرفتِ لماذا يجب أن تناديني بالسيدة موزة؟!.‏

    مطّت الرّمانة فمها، وقالت:‏

    - قفي عند حدّك أيّتها المتغطرسة، واعلمي أنني أخبّئ في جوفي مئات الحبّات الصغيرة أحفظها من عوامل الطقس، ألمّ شملها، وأزرع في قلوبها الأمل، لتحلم كلّ حبّة، أن تصبح شجرة رمّان كبيرة.‏

    أُعجبت التفّاحة بحديث الرّمانة، فصفّقت لها بورقيتها اللتين لهما شكل قلب، اغتاظت الموزة منها، وضربتها في مكان الفصين، فانخفست وصاحت:‏

    - آخ... آخ‏

    فار الدم في وجه البرتقالة، وقالت:‏

    - موزة... عيب، الزمي حدودك، واعلمي بأن الألقاب لاتعلي في المكانة، لكلّ صنف من الفاكهة مذاق خاص، وفائدة خاصة.‏

    ثمّ دفعنها بأوراقهنّ خارج الصحن.‏

    وقعت الموزة على الطاولة، وانحنى ظهرها فصارت تشبه العجائز.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    دخل أحمد إلى غرفته، فوجد قطّته الصغيرة" لولو" تجثم أمام حوض السّمك، تنظر إلى السّمكات الصغيرات الملوّنة، والحصى المتلامعة، وفقاعات الهواء التي يطلقها أنبوب رفيع، موصول بجهاز كهربائي.‏

    تقدّم أحمد من قطّته بهدوء، فلاحظ أنّها تلحس فمها، بينما صار الخط المستقيم داخل عينيها، يشبه صنّارة صيد.‏

    خاف أحمد على سمكاته، لأنّه لم يفطن إلى أنّ قطّته البيضاء، التي أحضرها البارحة من بيت جدّته، تأكل السمك.‏

    ومن غير أن يدري، زعق أحمد في وجه لولو:‏

    - ابتعدي يا جنيّة، وإلاّ أرجعتك إلى بيت جدّتي، الحقّ عليّ، كان يجب أن أترك جدتي تضربك، لأنّك شربكت لها طابة الصوف الحمراء.‏

    نطّت لولو، واختبأت تحت الكرسي، وهي تموء بحزن وانكسار.‏

    ثمّ اقترب من حوض السّمك، وبدأ يعدّ السّمكات.‏

    فجأة، أحسّ بوبر ناعم يدغدع قدميه.. آه... إنها قطّته لولو، لقد أحسسّت أنّه متضايق، فأرادت أن تعرف السّبب، لذا رفعت ذيلها إلى أعلى، فبدا على شكل إشارة استفهام.‏

    هدأ أحمد، وجلس على الكرسي، فنطّت لولو إلى حضنه، وحطّت رأسها على فخذه بينما راحت يده تمسح على شعرها الأبيض، كالقطن.‏

    نظرت لولو إليه، فقال:‏

    - لولو، هل تسمحين بسؤال؟.‏

    دعكت لولو رأسها بقائمتها الأمامية، كأنّها تفكّر، ثم ماءت بصوت منخفض، كإشارة لموافقتها!!.‏

    سألها أحمد:‏

    - هل صحيح أنّك تحبين أكل السّمك؟‏

    ارتجف جلد "لولو" عندما سمعت اسم السّمك وكأن الكهرباء قد مسته. انزعج أحمد من قطّته، وقال:‏

    - أنت ظالمة يا لولو، لقد ارتجفتِ لأنّك كنت تخطّطين لأكلها، انظري إلى تلك المخلوقات الرائعة، ألا ترينها تلمع مثل النجوم؟.‏

    إنّها تعيش في الماء لتبقى نظيفة، تصوّري لولو، لقد ضمرت يداها، كي لا تضرب بهما أحداً وتحوّلتا إلى زعانف صغيرة، تساعدها على السباحة.‏

    بينما ضمرت رجلاها، وتحولتا إلى ذيل، لتتّجه حيث تريد، دون أن تزعج أحداً بصوت أقدامها؟.‏

    أغمضت لولو عينيها، فتابع أحمد غاضباً:‏

    - افتحي عينيك يا كسولة، كثرة النوم تسبّب الخمول، آه ما أنشط السمكات إنها لا تغمض عيونها، حتى في أثناء النوم، هي ليست مثلك يا لولو!!‏

    وقبل أن يكمل تأنيبه للقطّة، سمع صوت أمّه تناديه من المطبخ:‏

    - تعال يا أحمد، الطّعام جاهز، ألا تحبّ السّمك المشوي؟.‏

    قفز أحمد من فوق الكرسي، وركض صوب مائدة الطعام، جلس أمام صحنه، وبدأ يأكل بشراهة.‏

    وبعد أن شبع، تذكّر قطّته الصغيرة البيضاء فأحسّ بأنّه قد بالغ في تأنيبها لذا خجل من نفسه واحمرّت أذناه.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    دخل ماجد مع أبيه دكّان الخيّاط، حاملاً بيده قطعة قماش ملونة، ليخيط طقماً للعيد. أخذ الخيّاط مقاس ماجد، ووعدهما أن ينهي خياطتها بعد أسبوع، ثمّ وضع قطعة القماش على الرّف.‏

    حلّ المساء، فأغلق الخيّاط باب دكّانه، وذهب إلى بيته.‏

    كان الظلام داخل الدكّان دامساً، والسكون مخيّماً.‏

    فجأة، سمع كلّ من الإبرة والمقص صوت بكاء، بحثا عن مصدر الصوت، فعرفا أنه ينبعث من على الرف.‏

    إنها قطعة القماش الملونة!!‏

    سأل المقص:‏

    - ما بكِ أيّتها الضيفة العزيزة، لماذا تبكين؟.‏

    ردّدت قطعة القماش الملوّنة:‏

    - أنا أبكي على حظّي التعس، فما إن أصبحت جوزة قطن، حتى قطفني الفلاّح، وأرسلني إلى معمل الغزل، حيث حوّلني العمّال إلى قطعة نسيج.‏

    تنهدت قطعة القماش وأضافت:‏

    - وبعد أن اشتراني التاجر، وأجلسني على الرفّ، شعرت بالارتياح، كنت مسرورة لمشاهدة الناس، الداخلين والخارجين من المتجر، لكن عندما صادفني أبو ماجد وابتاعني تغيّر الحال، فغداً ستجري لي عمليّات جديدة، سأقصّ بشفرتين حادتين، وأوخز بالإبرة، يا الله كم أنا خائفة.‏

    تنحنح المقص، وقال:‏

    - أنت تبالغين يا صديقتي، فما قيمة حياتك إذا بقيت مركونة على الرّف، ستأكلك العثّة، وترمين في حاوية القمامة، أمّا إذا تحوّلت إلى طقم عيد، فإنك سترين الأطفال وهم ينفخون بالوناتهم الملوّنة، وتركبين الأراجيح، بينما سنبقى أنا وصديقتي الإبرة، جالسين على الطاولة، نحلم بالفرح.‏

    تدخلت الإبرة قائلة:‏

    - ما قاله صديقي المقص صحيح، ومع هذا فأنا سأعمل جاهدة، أن أدخل في مساماتك، كي لا أوجعك في أثناء الخياطة، وتذكري أنّك أنت من سيدخل البهجة إلى قلب ماجد!؟ ارتاحت قطعة القماش، وارتختْ، بعد أن تجعدت أثناء انفعالها، ثم نامت، وهي تحلم بمجيء العيد.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مع معرفة الخبر، طار أحمد ونور من الفرح.‏

    لقد قرر والدهما، أن يصطحب أسرته معه إلى الكويت، وسيكون السفر بعد يومين، ركض أحمد إلى خزانته الصغيرة، أخرج خارطة الوطن العربي، وبدأ يمرّر إصبعه فوقها، باحثاً عن دولة الكويت، بينما راحت نور تجمع ألبسة لعبتها مها وترتّبها في حقيبة صغيرة.‏

    كل شيء في البيت يبدو فرحاً، ماعدا السّاعة المعلقة على الحائط، فما إن سمعت كلمة سفر حتى كادت مسنناتها تقف عن الحركة، واضطربت عقاربها، فصارت تسبّق حيناً، وتقصّر حيناً آخر.‏

    انقضى اليوم الأوّل، وصحّة الساعة تزداد سوءاً، فالرّقاص النشيط ثقلت حركته، وصار ينوس ببطء شديد، حتى وجهها اللاّمع، بدا شاحباً.‏

    أحسّت اللوحة المعلقة على الحائط نفسه بمرض السّاعة، فسألتها:‏

    - ما بكِ يا صديقتي، تقولي آه.. آه، بدلاً من تَكْ.. تَكْ، هل أنتِ مريضة؟‏

    ردّت الساعة بحرقة، قائلةً:‏

    -آه.. أيتها اللوحة الجميلة، غداً سيسافر الصغيران كما تعلمين، بينما سأبقى أنا معلقةً على الحائط، كقطعة خشبيّة ميّتة، من سيوقظهما في الصباح، ليذهبا إلى المدرسة، من سيشير إلى موعد نومهما؟... أجيبيني أيّتها الصديقة، أكاد أقع!!.‏

    حزنت اللوحة، عندما سمعت كلام السّاعة، فانكمشت على نفسها، حتى كاد الإطار يسقط منها وبعد تفكير قصير، قالت:‏

    - اسمعي أيّتها السّاعة الطّيبة، الصغيران يحبّان عصفورك، الذي يخرج كل ساعة، ويصيح كوكو.. كوكو.. بعدد الساعات، فأرجو أن تطلبي منه ألاّ يخرج صباح الغد، ليبقى الصغيران نائمين، ولا يسافران.‏

    عملت السّاعة بنصيحة اللوحة، فتأخّرت الأسرة عن موعد الطائرة.‏

    انزعج أحمد، نظر إلى الساعة بغضب، نهض إليها، وقفل الباب الذي يخرج منه العصفور!!.‏

    في اليوم التالي، سافرت الأسرة، على متن الطائرة، بعد أن غيّر الأب موعد الرحلة.‏

    وبعد شهر من وصولهم، فتحت المدارس أبوابها، لكن الصغيرين تأخّرا في النوم، ولم يذهبا إليها.‏

    جلس أحمد على سريره حزيناً، تذكّر ساعته الجميلة، وعصفوره الحبيب.‏

    وما إن سمع زقزقة العصافير، تنبعث من حديقة البيت، حتى شعر بالذنب، لحبسه عصفوره فدسّ رأسه تحت الغطاء، وراح يبكي بحرقة شديدة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في الحديقة العامّة، وتحت شجرة الكينا الكبيرة، جلس عبد الله أمام صندوقه الخشبي، كان الصندوق مزركشاً بمسامير لامعة، ومزوّداً بدرج صغير، يحتوي علب صباغ ملوّنة، وفرشاة وخرقة صفراء لمسح الأحذية.‏

    نظر عبد الله إلى الأطفال، الذين يلعبون في الحديقة، فاغرورقت عيناه بالدموع، ثم وقف وركل الصندوق، فتدحرج وصاح:‏

    - آخ.. لمَ تضربني أيّها الصديق، لقد خلعت مساميري؟!‏

    دُهِش عبد الله، نظر إلى الصندوق، فرأى درجه يمتدّ مثل اللسان.‏

    أحسّ عبد الله بالذنب، فبلع ريقه، وقال:‏

    - اعذرني يا صديقي، فأنا متضايق، لأنني أرى الأطفال، ينفخون البالونات، ويمسحون على شعر الدمى، بينما أنفخ أنا الغبار من فوق الأحذية وأمسحها بالخرقة.‏

    بكى الصندوق، فقرقعت العلب في بطنه، ثم قال:‏

    - اصبر يا صديقي، الحياة قاسية، ومع هذا فهي حلوة، تذكّر أصدقاءك الذين يحبونك، تذكّر أباك المريض، ألست أنت من يرسم الابتسامة على شفتيه، أنت شاطر، وسيكون لك مستقبل زاهر في الدراسة، ستصبح طبيباً، وتشتري سيّارة حمراء.‏

    فرح عبد الله عند سماعه كلمة سيّارة، نظر إلى صندوقه بمودّة، وتخيّل علب الصباغ الدائرية مثبتة كالعجلات على طرفي الصندوق، فنطّ مبتهجاً وهو يغنّي:‏

    صندوق الألعاب يا خير الأصحاب.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    الغصن فرحان، لأن العصفورين الأصفرين بنيا عشّهما فوقه.‏

    رقدت العصفورة على البيض بحنان وعصفورها يقف بجوارها، ينظر إليها، والابتسامة لاتفارق منقاره، يتذكّر كيف بنيا عشّهما قشّة قشّة وبطّناه بالريش الناعم، صحيح أن ريشهما قد بللّه العرق، لكنّه تعبٌ مثمر ولذيذ.‏

    بعد أسبوعين، وفي صباح ربيعي جميل، نقر أحد الفراخ قشرة البيضة، ومطّ منقاره الليّن ثمّ بدأ يزقزق، كأنّه يطلب من الطبيعة، أن تفتح له ذراعيها.‏

    غمرت السّعادة قلب الأبوين، فطارا إلى الحقول، ليزفّا نبأ السعادة.‏

    تتالى فقس البيض، فصار العش يحتضن أربعة فراخ جميلة.‏

    الفراخ تكبر، ويتبدّل زغبها الناعم، لينبت مكانه ريش جميل، كانت تنام تحت أجنحة بعضها تأكل ما يجلبه الأبوان، إلاّ واحداً منها، فقد كان لا يأكل إلاّ الدودة الكبيرة، ولا ينام إلاّ ممدداً، ناسياً أن العش قد ضاق لأن الفراخ كبرت، ومع كلّ هذا كان "يسقّطُ" في العش.‏

    حكَتْ الفراخ الثلاثة لأمها، عن طباع أخيها السيّئة، فخاطبته قائلة:‏

    - كن مهذّباً، واعلم أنّ الإساءة ترتدّ على صاحبها، وإلاّ فسأحرمك من الطعام مدة يوم.‏

    انزعج الفرخ الرابع من كلام أمه، وازدادت طباعه سوءاً.‏

    في اليوم التالي، قالت الأم لفراخها:‏

    - أحبّائي، حرّكوا أجنحتكم داخل العش، لتقوى وتساعدكم على الطيران. حرّك الفراخ الثلاثة أجنحتهم، سخر الرابع من إخوته وقال:‏

    - ستتعب أجنحتكم، ولن تقدروا على الطيران أمّا أنا، فجسمي مرتاح لذلك سأكون أقوى منكم!!‏

    الفراخ الثلاثة تطير من غصن إلى غصن تلعب مع الفراشات، تزقزق وتضحك غار الفرخ الرابع من إخوته، نطّ يريد مشاركتها اللعب، فوقع على الأرض وجرح رأسه.‏

    هرع أبواه وإخوته إليه، احتضنوه، وطاروا به إلى العش.‏

    ضمدّت الأم رأس صغيرها، فلم يعد بإمكانه أن يرى شيئاً!؟.‏

    في اليوم التالي، كان الأبوان والإخوة الثلاثة يبتسمون، لأنّ الفرخ الرابع، كان يحرّك جناحيه وحيداً داخل العش.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    الحمار الأبيض مربوط بشجرة جوز، إنّه يأكل البرسيم، وأذناه الطويلتان مرخيّتان، ومقوّستان كمقود درّاجة.‏

    فجأة.. وقع بصره على العصا المرميّة بجواره، فبصق اللقمة من فمه، وقال:‏

    - إلى متى ستلاحقينني أيّتها الأفعى، لقد كرهت حياتي، صرت أراكِ في منامي!؟‏

    تململت العصا وقالت:‏

    - حمار... لا تنفعل، كي لا يذهب صوابك فأنا لست إلاّ أداة يستخدمها صاحبها، دون إرادتها!!‏

    - تمسكني، أيّتها الممثلة، هل نسيت آثار ضربتك على عنقي وجنبي، أليس لديكِ عمل سوى ضربي؟‏

    - افهمني أرجوك، الذنب ليس ذنبي، فكم أحبّ أن تحرقني النار وتحوّلني إلى رماد، بدل أن أضربك!!‏

    - وهل تظنينني ساذجاً إلى هذا الحد، كي أصدّق كلامك، وكيف أفعل ما دام أنّ قلبك قد تيبّس؟‏

    أخذت العصا نفساً عميقاً، فطقطقت، وتشقّق لحاؤها، ثمّ قالت:‏

    - صدّقني أيّها الحمار الصبور، أرجوك، فأنا أعرف كم تقاسي، نعم، لأنني أرى العقور الموزّعة على جسدك، وأسمع صوت الذباب اللحوح، الذي يقرصك.‏

    هدأ الحمارُ، ثمّ حكّ رأسه بحافره، وقال:‏

    - الظاهر أن كلامك صحيح، ولكن، لماذا لا تعصين صاحبك؟.‏

    تأوّهت العصا، وقالت:‏

    - الأجدر بك أن تعصيه أنت، لأنّك قوي وتستطيع أن ترفس.‏

    نظر الحمار بقسوة، إلى صاحبه النائم في ظلّ شجرة زيتون، ثم نتر الرسن بقوّة، فانقطع.‏

    نهق الحمار نهقات فرحة، ثم أمسك العصا بشفتيه برفق، واتّجه إلى حقل بعيد، وهو ينطّ برشاقة وسعادة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •