"أحداث البقيع"... كي لا نخطيء في توجيه المسئولية عما جرى
هل يمكن تصنيف ما وقع من أحداث على بعد أمتار من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مجرد صدفة؟
ويمكن طرح السؤال بصيغة أخرى: إلى أي مدى يمكن اعتبار الحكومة السعودية متورطة فيما بات يُعرف بـ"أحداث البقيع"؟
تصريحات وبيانات أصدرتها شخصيات شيعية في السعودية، تحمل مسؤولية ما حدث لعناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما تنتابهم الجرأة ويحملونها للهيئة ككيان، والذي تُوج برئاسته الشيخ عبد العزيز الحمين، في تغييرات السبت ما قبل الماضي، وهو المعروف بقربه من الملك عبدالله عبد العزيز.
لن أجيب على السؤال أعلاه، ولكنني سأخوض في جولة إقليمية وأبعد من ذلك قليلاً، فربما نجد من خلال وصل بعض الأحداث التي تبدو متفرقة، إجابة على السؤال، وعلى ضوئه يمكن فهم الكثير من الأمور.
***
قبل نحو أقل من أسبوعين وقع انفجار استهدف تجمعاً شيعياً في باكستان، وخلال تشييع إحدى الشخصيات الشيعية المُستشهدة في ذلك الانفجار؛ وقع انفجار آخر، حصد أرواح العديد من الشيعة الباكستانيين.
يمكن القول إن الصراع الطائفي بين الوهابيين والشيعة في ذلك البلد محلي صرف، ولكن لنسجل على الأقل أن الوهابية طرفاً فيه، ولنتذكر التمويل والدعم الذي كانت (ولا زالت) الحكومة السعودية تقدمه للمتشددين الوهابيين في باكستان، وتغذية هذا الخط بالمال والفكر، فهو يُعد ربيبها فعلاً.
***
تشعر القيادة السعودية بنوع من الحنق، لأن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، رحل عن سدة الرئاسة في البيت الأبيض قبل أسابيع، ولم يوجه الضربة الموعودة والمنتظرة (في الرياض)، إلى طهران. حتى أن أحد أركان الحكم السعودي (بندر بن سلطان) أسرّ لبعض من حوله: أن الضربة آتية لا محالة، فقط انتظروا إمساك بنيامين نتانياهو بزمام الأمور في تل أبيب.
منحت الرياض (الوهابية) لصراعها السياسي مع طهران (الشيعية)، بُعداً طائفياً، غدته من خلال آلتها الإعلامية بشكل واسع، الذي يقدم في المقروء والمسموع والمكتوب منه، إلكترونياً وورقياً، خطاباً طائفياً غرائزياً، يصل في بعض الأحيان إلى حدود الإسفاف (الأصول اليهودية للرئيس أحمد نجاد أنموذجاً).
***
قد لا نحتاج إلى مجهر لاكتشاف مدى التورط السعودي فيما يجري على الساحة العراقية، واستهداف شيعته، تارة بالتفجيرات والعمل الأمني، وأخرى سياسياً، حين أصرت على عدم استقبال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (الشيعي)، أو مسار المماطلة والابتزاز السياسي في افتتاح سفارة لها في بغداد، أو ضغطها على دول تدور في فلكها السياسي، لعدم إسقاط الديون عن العراق، وأغلبها منحته للنظام السابق.
***
في الساحة اللبنانية يتجلى الحقد الطائفي السعودي على الشيعة هناك، فمن الغطاء السياسي الذي منحته للعدوان الإسرائيلي في حرب تموز عام 2006، إلى إقحام حلفاء الرياض من فريق 14 آذار، في خضم معركة طائفية، وإشعال الفتنة المذهبية هناك تحت عناوين متعددة، مستعينة مرة أخرى بآلتها الإعلامية، أو بشراء ذمم بعض السياسيين اللبنانيين.
حتى العمل الأمني لم يكن غائباً، فلقد كانت الأجهزة الأمنية السعودية تقوم بأدوار خطيرة جداً، في تمويل وإسناد بعض المجموعات السنية المتطرفة، وهو ما أثار مخاوف حتى بعض الدول الأوروبية، وتحديداً فرنسا، التي تجري حالياً تحقيقاً أمنياً، حول وصول أسلحة فرنسية باعتها باريس للرياض، إلى أيدي عناصر متشددة في طرابلس وبعض مخيمات الفلسطينيين في لبنان.
***
توترات مذهبية في البحرين، تأخذ بُعداً أمنياً، واعتقالات تطال نشطاء شيعة، ومحاكمة لهم لتورطهم فيما يدعيه نظام الحكم هناك بأنه "محاولة انقلابية".
وتوترات تحمل الطابع ذاته في الكويت، واستهداف لرموز وشخصيات شيعية هناك.
ويتزعم الجانب الأبرز من التوتير المذهبي في هذين البلدين شخصيات معروفة ببعدها السلفي مثل النائبان البحريني جاسم السعيدي، والكويتي وليد الطبطائي.
وهنا يبدو من الصعب إغفال الأيدي السعودية، السياسية أو الدينية في التوتير المذهبي، سواءً على الساحة البحرينية أو الكويتية أو في دول أخرى. على الأقل يمكن تحميلها مسؤولية كل تبعات تيار التشدد السلفي محلياً وخارجياً، والذي رعته ومولته لعقود مضت، بالإضافة إلى الخطاب الطائفي البغيض الذي يصدر من آلتها الإعلامية.
***
هل احتاج ان أجيب الآن على السؤال الذي تصدر هذه المقالة؟
لا يبدو ذلك.
ناصر علي الصادق - « شبكة الملتقى » - 24 / 2 / 2009م


رد مع اقتباس
