وحجة المنكرين في هذا الباب أن كل بدعة دينية تعد من العبادات المحضة أو تُجعل من شعائر الدين - فهي محظورة؛ لأن الله تعالى أكمل الدين وأجمعت الأمة على أن أهل الصدر الأول أكمل الناس إيمانًا وإسلامًا، وأن كل بدعة ليست من هذا القبيل - كالمنافع الدنيوية والوسائل التي يقوَّى بها أمر الدين والدنيا كالمدارس والمستشفيات والملاجئ الخيرية التي يثاب صاحبها بحسن نيته فيها - فإنها تعد بدعة حسنة، والتحقيق أن هذه لا تسمى بدعة شرعية، وإنما يطلق عليها اسم البدعة لغةً، فلا تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث الصحيح عند مسلم: (شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؛ لأن موضوع الحديث المحدثات في أمر الدين، ولكنها تعد من السنن الحسنة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة) -الحديث (وهو في صحيح مسلم أيضًا) فقد رَغَّبَ أمته بهذا الحديث في الاختراع النافع لها في دينها ودنياها، ولكن ليس لأحد أن يخترع في الدين نفسه شيئًا.

ثم إن البدعة الدينية إما أن تكون اختراع عبادة أو شعارًا دينيًّا لا أصل لهما وإما أن تكون تخصيصًا لعبادة مشروعة بزمان معين أو مكان معين أو هيئة معينة لم يخصصها بها الشارع. ومن هذا النوع عَدَّ الفقهاء صلاة الرغائب في رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان من البدع المذمومة. قال النووي في المنهاج:
وصلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان. وقد سمّى الشاطبي هذا النوع بالبدع الإضافية، وسمى النوع الأول البدع الحقيقية. وأطال في بيان ذلك في كتابه (الاعتصام) وفصله تفصيلاً.

هذا، وإن ما يعهد من الاحتفال بالمولد ليس عبادة مأثورة عن الشارع يؤتى بها على الوجه المشروع، ولا هو عمل دنيوي محض، بل يجمعون فيه عبادات يأتون بها أو ببعضها على وجه غير مشروع، وبين لعب ولهو، بعضه مباح وبعضه محظور، وقد كان يكون في احتفال القاهرة خيام يرقص فيها النساء المتهتِّكات مكشوفات الصدور والبطون، كما يحصل دائمًا في غيره من احتفالات الموالد - كالمولد الحسيني والمولد البدوي - وما هو شر من ذلك، ولكن قد أبطل هذا كله من الاحتفال الذي يكون في القاهرة، ولله الحمد.

وقد حاول مَن ذكرنا من العلماء تخريجه على أصل شرعي بإبطال ما يكون فيه من اللهو والاقتصار فيه على عمل الخير، ولولا تخصيص تلك العبادة بالزمان والمكان والصفات المخصوصة التي تشبه بها الشعائر والعبادات المشروعة وتلتبس بها - لما احتيج في تخريجه إلى ما تكلفوه.

وأما اجتماع الناس في مثل القباب والخيام التي تنصب في العباسية، وتزين بالمصابيح والأنوار الكهربائية، وإظهار البهجة والسرور، بذكرى مولد ذي الضياء المعنوي والنور، وذكر إخراج الله الخلق بهديه من الظلمات، وما آتاه من الهدى والآيات - فهو في نفسه من المباحات، المقرونة بالمستحبات والمندوبات، بشرط أن يخلو من البدع والمنكرات، وأن لا يعد من الشعائر الدينية ولا من العبادات، فإذا كان بحيث يظن العامة أنه مطلوب شرعًا حرم فعله قطعًا، بل كان بعض الصحابة يتركون بعض المسنونات؛ لئلا تظن العامة أنها من الواجبات، ومن هنا صرح الشاطبي في (الاعتصام)[3] بكون اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيدًا من البدع، وأفتى ابن حجر المكي بأن القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم بدعة، وذكر أن الناس يفعلونه تعظيمًا وقال: (فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص)[4] وقد علل فتواه بأن القيام يوهم العامة أنه مندوب، ويزاد عليه أن بعضهم يظن أنه واجب، وقد يعلل أيضًا بأنه يُفعل بهيئة العبادة لما يكون من الصلاة المخصوصة المعينة بالعدد في أثنائه.

ولكن لم يأخذ أحد بهذه الفتوى، فما زال العلماء يقومون كغيرهم ولم نَرَ لهم ردًّا للفتوى بدليل أرجح من دليلها، ولعل أكثر العوام يعتقدون وجوب هذا القيام لالتزام العلماء وسائر الناس له، ولو فطنوا لِتَرْك أحدٍ له لعدُّوه فاسقًا متهاونًا بالدين أو كافرًا مارقًا منه!، ولعلك لو اقترحت على جماعة العلماء - الذين يحضرون قراءة قصة المولد - تركه في بعض الأوقات ليعلم العامة أنه غير واجب لما تجرءوا على ذلك.


الهوامش:

(3) ص34 من الجزء الأول.

(4) ص 60 الفتاوى الحديثية له.