النتائج 1 إلى 50 من 266

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    الدرس السابع
    نبد أ مع درس جديد بعنوان " النهي عن تمني الموت " , لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .







    كل واحد له حياة شخصية ، إذا قلنا لأحد الأخوة الكرام يجب أن تعيش المستقبل ، ما هو أخطر حدث في المستقبل ؟ مغادرة الدنيا ، إلى أين ؟

    الإنسان يسافر ويرجع ، يذهب في نزهة ويعود إلى البيت.
    يقوم بمهمة ثم ينام في البيت ، يأتي بعد شهر بعد سنة ، يذهب إلى بلد بعيد يقيم شهراً أو شهرين ، سنة أو سنتين ، ثم يعود ، أما هذه الرحلة التي لا عودة منها إلى أين ؟ وماذا فيها؟ وما العملة الرائجة في هذه الرحلة ؟

    أنا أعتقد أن هذا ليس من باب التشاؤم ، ليس من باب السوداوية ، وليس من باب أن تعيش في جو مأساوي ، لا أبداً ، فالموت مصير كل حي، الموت نهاية كل إنسان ، الموت لا بد من أن نتجرع كأسه شئنا أم أبينا ، ولم يُعفَ من هذا التجرع نبي مرسل ولا سيد الخلق ولا ملك عظيم ، ولا غني كبير ، ولا طبيب ماهر ، الموت مصير كل حي .




    كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر .
    كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلةٍ حدباء محمول
    فـإذا حملت إلى القبور جنازةً فـاعلم بأنك بعدها محمول .



    القبر صندوق العمل .

    فالتفكر بالموت لا علاقة له بالتشاؤم أبداً ولا بالسوداوية هذا كلام الجهلة ، هذا الحدث الذي لا بد منه شئنا أم أبينا وليس له قاعدة فقد يخطف الإنسان فجأةً وبأي عمر ففي الثلاثينات موت ، وفي العشرينات ، بالأربعينات ، بالخمسينات ، الموت ليس له قاعدة إطلاقاً ، قاعدته الوحيدة أنه ليس له قاعدة ، الشيء الذي تستعد له وتفكر فيه دائماً لا تفاجأ به ، بل أنت قد أخذت احتياطات بالغة
    .



    صدقوني أيها الأخوة ولا أبالغ ، المؤمن حينما يدنو أجله يكون في أسعد لحظات حياته لأنه في هذه الساعة يقطف ثمن عبادته كلها ، كل حياته صلواته ، ذكره ، استقامته ، ضبطُ جوارحه ، ضبطُ أعضائه ، ضبطُ دخله ، تربية أولاده ، دعوته إلى الله ، تجشمه التعب في سبيل الله ، انتهى التعب وجاء الإكرام ، انتهى التكليف وجاء التشريف ، انتهى العمل وجاء الجزاء ، انتهى الكدح وجاء التكريم .



    النظرة السوداوية للموت ينبغي ألا تكون في حياة المؤمن ، مرحباً بالموت كما قال بعض أصحاب رسول الله ، والكلمة المشهورة جداً والتي تعرفونها ، كان القادة المسلمون يقولون لأعدائهم جئناك بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة ، لكن والله الذي لا إله إلا هو لو كان الإنسان شارداً ، أو عاصياً ، أو بعيداً ، فذكر الموت ينخلع له قلبه فهو شيء مخيف .


    موضوع الموت طويل ، لكن الذي أراه إن شاء الله من حين إلى آخر أن نعالج بعض موضوعاته المتسلسلة وله موضوعات كثيرة ، لكن طبعاً الموضوع يبدأ في الدنيا ، فمثلاً لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت .


    ليس للموت قاعدة أبداً والوقائع كثيرة ، على كلٍ نحن أمام حدث مستقبلي و لا نعلم متى يحل علينا والصحة لا علاقة لها ، قد يفجأ الموت إنساناً في أعلى درجات الصحة ، وقد يبقى الإنسان طريح الفراش ثلاثين سنة مشلولاً ، ويتمنى أقرب الناس إليه أن يموت ...





    والموت مشكلته لا يذكر في كثير إلا قله ، هذا هو الموت ، الموت خطير جداً مغادرة بلا عودة .
    أكثر الموضوعات تمس أناساً دون أناس إلا الموت فهذا لا يستطيع قائل أن يقول أنا ليس لي علاقة ، هذا مصير كل إنسان ، وهو مصير محتوم .


    أخرج الشيخان البخاري ومسلم

    " عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي "

    أحياناً الموت يزيد الإنسان شراً لكنه يقول : يا رب توفني ، أحياناً الحياة تزيدك خيراً رواه الشيخان متفق عليه يا رب أحيني

    ، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام :

    وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا يَتَمَنَّين أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ ولا يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ إِنْ مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ من عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا " .

    المؤمن كلما عاش يوماً ازداد عملاً صالحاً ، فممنوع على المؤمن أن يتمنى الموت ، بعضهم يدعو الله يقصف عمره هذه الدعوات كلها غير شرعية .

    أخرج البخاري والنسائي رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :
    " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ " .



    طالما بقي وقت فالوقت فرصة للتوبة .



    يتبع بإذن الله تعالى .













    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نتابع بإذن الله تعالى :

    طالما بقي وقت فالوقت فرصة للتوبة ،
    وهذه آية دقيقة جداً قال تعالى :
    و لكل ٍ وِجهة ٌ هو َ موَلِّيها فاستبقوا الخيرات ِ أين ما تكونوا يأت ِ بكُم ُ الله جميعا ً إن َّ الله على كل ِ شيء ٍ قدير ٌ ( 148 )
    ( سورة البقرة )

    أنت مخير ، فهذه الوجهة من اختيارك ، من صنعك ، من تصميمك ، ولكل وجهة هو موليها ، والأمر فاستبقوا الخيرات ، أنت في وقت محدود وتتمتع في هذا الاختيار الذي هو سبب سعادتك ،
    إن دخلت إلى محل مجوهرات وقال لك صاحب المحل تفضل واختر ، فهذه فرصة وقد تجتر ألماسة ثمنها مائة وخمسون مليون دولار ، كونه سمح لك أن تختار فقد أعطاك فرصة كبيرة جداً لأخذ أثمن ما في هذا المحل أليس كذلك ؟

    أنت في زمن محدود ، أنت بضعةُ أيام ٍ مُنحتَ حرية الاختيار ,


    في أي مكان وفي أية مكانة تكون .

    لا تأمن الموت في طرف وفي نَفس وإن تمنَّعت بالحجــاب والـحرس
    فمـا تـزال سـهام المـوت نافذة في جنــب مـدرع منها ومتـرس
    أراك لسـت بوقّـاف ولا حــذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلـس
    ترجو النجاة ولم تسـلك مسـالكها إن الســفينة لا تجري على اليبس .


    هناك رواية طريفة أنه كان في عهد سيدنا سليمان رجل يحضر مجلسه ، وملك الموت قَد وَفَدَ ،
    فملك الموت حدق فيه النظر ملياً ، فهذا الرجل قال له : من هذا الرجل الذي يحدق فيَّ ، قال له هذا ملك الموت ، فانخلع قلبه وقال له : أرجوك خذني إلى طرف الدنيا الآخر ،
    طبعاً هذه القصة رمزية ، سيدنا سليمان أوتي بساط الريح ، وسخرت له الريح فنقله إلى الهند إلى أقصى مكان ، بعد يومين مات هناك ، فالتقى هذا النبي الكريم بمِلكِ الموت فقال له : لماذا كنت تحدق النظر فيه ، فقال له : أُمرتُ بقبض روحه في الهند لكني رأيته عندك فاستغربت .

    وفي حديث :
    " عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الإنَابَةَ "

    الوقت فرصة للتوبة ،

    والشيخان أيضا أخرجا :
    " قَالَ أَنَسٌ لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نهانا : لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ "

    الإنسان أحياناً يكون مدمن خمر ويتوب ، يكون منحرفاً انحرافاً شديداً فيتوب ، التوبة وقعت في زمن فمعنى هذا أن الزمن خير ، لو مات قبل التوبة على هذه الحالة لكان في جهنم ،

    ذكرت لكم قبل أسابيع أن سيدنا عمرو بن العاص كان على فراش الموت فبكى بكاءً شديداً ، قال له ابنه : يا أبتِ : لقد بشرك النبي ، فلماذا هذا البكاء ،
    فقال له : كنت في وقت على ثلاثة أطباق ، الطبق الأول لم يكن في الأرض رجل أبغض إليَّ من رسول الله وما كنت أتمنى إلا أن أتمكن منه حتى أقتله ، فلو مت على هذه الحالة لكنت من أهل النار ، ثم جاء وقت دخل الإسلام إلى قلبي وآمنت برسول الله وأحببته حباً ما كان على وجه الأرض إنسان أحب إليه من رسول الله قال : فلو مت على هذه الحال لكنت من أهل الجنة ، ثم في مرحلة ثالثة كان فيها في حيرة من أمره .

    قال تعالى :

    قُل يا عبادِى َ الذَّين َ أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ر َّحمة الله إن َّ الله يغفر الذُّنوب جميعا ً إنّه هو الغفور الرَّحيم
    ( 53 )
    ( سورة الزمر )



    عن سيدنا سعد بن أبي وقاص ، أخرج المروزي عن القاسم مولى معاوية أن سعد بن أبي وقاص تمنى الموت ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ، فقال عليه الصلاة والسلام :

    " لا تتمنَّ الموت فإن كنت من أهل الجنة فالبقاء خير لك ، وإن كنت من أهل النار فما يعجلك إليها "

    أحد حالين مؤمن أو غير مؤمن ، إذا كان مؤمناً كلما عشت يوماً ازداد عملك الصالح ، وإن كانت الثانية فلا بد إنها آتية .

    عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : لا يتمنَّ أحدكم الموت فإنه لا يدري ماذا قدم لنفسه .

    والنبي دخل على بعض أصحابه وعمه العباس يشتكي :

    " عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَهُوَ يَشْتَكِي فَتَمَنَّى الْمَوْت، فَقَالَ : يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدَادُ إِحْسَانًا إِلَى إِحْسَانِكَ خَيْرٌ لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ خَيْرٌ لَكَ فَلا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ قَالَ يُونُسُ وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ مِنْ إِسَاءَتِكَ خَيْرٌ لَكَ "

    هذه بعض الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى الإنسان عن تمني الموت ، هذا أول موضوع من موضوعات الموت ... ,
    و نكمل إن شاء الله لاحقا ً .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    لا زلنا في حقوق الأبناء على الآباء ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى حقٍ جديد ، إنه :

    _8 _ العدل بين الأولاد في العطاء وفي الوصية
    المشكلة التي يعيشها بعض المسلمين هو الفصل بين العبادات وبين المعاملات ، فإذا أدَّى صلواته الخمس ، وصام شهره ، وحج بيت الله الحرام ، وأدى زكاة ماله ، يظن أنه قد أدَّى كل شيء ،
    أما أن يأتي فيحابي ولداً على حساب ولد ، أو يعطي ولداً على حساب ولد ، فيظن أن هذا من شأنه الشخصي ،

    مع أن الإسلام نظامٌ كاملٌ أمثلٌ لكل مواقف الإنسان ، سواءٌ أكانت هذا المواقف أُسَرِيَّة ، أو في عمله ، أو في علاقته بربه ، الحق الأخير من حقوق الأبناء على الآباء ، العدل بينهم في العطاء والوصية .

    فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه أعطى أحد أولاده عطيةً ، وأراد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فسأله النبي الكريم :
    " أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ ". فقال هذا الصحابي : " لا " فقال عليه الصلاة والسلام : " فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ـ هذا العمل لا يصلح ـ وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقٍّ "* . .
    (من صحيح مسلم : عن جابر)
    وفي رواية : " لا أشهد على جور "

    من خلال هذا الحديث يتضح أن الذي يفرق بين أولاده في العطية خرج عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ،
    إلا في حالات خاصة فأحياناً هناك أبٌ يزوج بناته الأربع ، ثلاث بناتٍ منهن في وضعٍ ماديٍ جيِّد ، بينما بنتٌ رابعة زوجها فقير ، فإذا أعطاها في حياته شيئاً فأعانها على صعوبات الحياة ، وقد رضي بقية الإخوة ، فهذا وضعٌ استثنائي له عند الله حُجَّة ومبررات، ولكن الأصل أن يعدل المُسلم بين أولاده في العطية .

    روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم "

    أمر اعدلوا بين أولادكم ، أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام ،

    المشكلة أن الإنسان أحياناً يظن أن هذا حديث شريف وقد مر به ، قد قرأه أو سمعه من مدرس ، أو اطلع عليه ، وهذا مجرد أمر .
    و َ مَآ ءَاتاكُم ُ الرَّسُول ُ فَخُذُوه ُ و َ مَا نَهَاكُم ْ عَنْه ُ فَانتَهُوا ْ
    (سورة الحشر: من آية " 7)

    أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض هو الصانع ، هو الخالق ، بيده كل شيء ، أعطاك أمراً واضحاً بيناً ، قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، يقول لك : اعدل بين أولادك .

    وتقول : هذا حديثٌ شريف والله قرأته واطلعت عليه ، وقد مر بي . القضية أخطر من ذلك ، إنه أمرٌ من عند النبي عليه الصلاة والسلام الذي فوَّضه الله عزَّ وجل أن يشرع لنا..

    والحديث الآخر :
    " سووا بين أولادكم في العطية ـ سووا فعل أمر من التسوية ـ فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء ".
    وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني ،
    إذاً حديثٌ أول ، وثانٍ ، وثالث ، يحضُّ المسلمين على أن يعدلوا بين أولادهم ،

    * النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يشهد على جور حينما بلغه أن أحد أصحابه فضَّل ولداً من أولاده على آخر ،

    * والنبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نتقي الله وأن نعدل في أولادنا ،

    * والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ ثالث ، يقول :
    " سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء "

    هذه النصوص الثلاثة الصحيحة التي هي الأصل في العدل بين الأولاد .

    يتبع بإذن الله عز و جل ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل الله تعالى ,

    العلماء قالوا : " يحرم على المرء أن يوصي لأحدهم بأكثر مما يستحق شرعاً ، أو أن يحرمه مما يستحق ، أو أن يحرمه بعض ما يستحق " .
    يحرم ، أي دخلنا في الحرمة ، هناك حرمة ، وهناك كراهةٌ تنزيهية، وهناك كراهةٌ تحريمية ، وهناك أمرٌ مباح ، وهناك سُنَّةٌ غير مؤكدة ، وسنةٌ مؤكدة ، وواجب ، وفرض .

    أن تحرم أحد أولادك من حقه ، أو من بعض حقه ، أو أن تعطي أحد أولادك فوق حقه ، فهذا مما يحرُم شرعاً ،

    فهذا الذي سيغادر الدنيا كيف سيلقى الله عزَّ وجل ؟ يلقاه وقد ظلم أولاده ، وقد فضَّل بعضهم على بعض ، وقد حابى بعضهم على حساب بعض ؟!!
    إن هذا يزيد البعيد بعداً ، قد يقول قائل : إن هذا الابن لا يَبَرُّني .

    إن هذا التصرُّف من قبل الأب يزيد الابن البعيد بعداً ، وتنشأ عداواتٌ بين الأخوة بعد الوفاة لا يعلمها إلا الله .
    لذلك الأولى أن تبقى على السُنَّة ، السنة منهج ، طريق مستقيم ، فالإنسان مهما اجتهد ، وفكر ، وتأمل ، ليس أعظم فهماً من خالقه ومربية الذي شرع له هذا الدين .

    الآن عندنا نقطة دقيقة : " ويجب أن يعطي أبناؤه في الوصية مثل ما أخذه أحدهم زيادةٌ عنهم " .

    فأحياناً ولد يأخذ نصيباً كبيراً من والده بحكم كونه أكبر أولاده ، فيزوجه ، يشتري له بيتاً، ويغادر الدنيا وعنده أربعة أولادٍ آخرون ، هؤلاء سوف يقتسمون الإرث بالتساوي مع أخيهم الأكبر الذي أخذ هذه الدفعة الكبيرة ،

    الأولى أن يسوِّي بينهم في العَطية ، بمعنى أنه إذا أعطى الأخ الأكبر ، فيجب أن يعطي كلاً من الصغار بقدر ما أعطى الأكبر ، هذا أيضاً حكم الله عز وجل ، أي يجب أن يتم التوازن بين الأولاد في تقسيم الميراث .

    شيءٌ آخر : لا يحق للأب أن يعطي في وجوه الخير أكثر من الثلث، والثلث كثير .

    أي أنه إذا كان مندفعاً لفعل الصالحات فيدع ورثته عندئذٍ من بعده عالةً يتكففون الناس وهذا لا يرضي الله عزَّ وجل أبداً ، لا يرضيه أبداً .

    فأحياناً يقول لك : يجب أن أوصي بثلث المال للمساجد . وقد ترك بيتاً واحداً ، ويسكنه أولاده ، فمن أجل أن توصي للمسجد فسوف ترغم أولادك على بيع هذا البيت ، فإذا كان هناك بيت وحيد يؤيهم ، ففي مثل هذه الحالة لا ينبغي أن توصي لا للمسجد ولا لغيره .

    " لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون
    "
    ( من سنن النسائي: عن السيدة عائشة )

    هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام . فسواء في حياته ، أو بعد مماته فلا ينبغي أن يعطي أحداً فوق ما يستحق ، ولا أن يحرم أحداً حقه ولا جزءاً من حقه ، وإذا أعطى أحداً دفعةً كبيرة ، فينبغي أن تدخل هذه في حساب الإرث ، أما أن تكون خارج الحساب وهو أعطاه بيت ، وزوجه ، وفتح له محلاً ثم توفى ، وترك أربعة أولاد آخرين ، فما تبقى لهؤلاء الخمسة ، صار في تفاوت كبير جداً ، الأولى أن يكون لكل ولدٍ حقٌ معلوم .

    الآن من توابع هذا الحق أن تدخل السرور على أولادك ، فقد ورد أن مر قومٌ من الأعراب على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : تقبلون صبيانكم ؟ قالوا : نعم ، فقالوا : لكنا والله لا نقبل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
    " وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة "
    (رواه ابن ماجة)

    أي أن هناك عطاءً معنوياً ، كان الحديث قبل قليل عن العطاء المادي ولكن عندنا عطاء معنوي ، فالابن أحياناً بحاجة إلى عطف ، بحاجة إلى قلب كبير ، بحاجة إلى اهتمام ،

    أحياناً لمسة حنانٍ من الأب أو الأم تغني عن آلاف الليرات ، الإنسان مفتقر إلى العطف ، لذلك هذا الذي ينشأ في حجر أمه وأبيه يكون في المستقبل متوازناً نفسياً ، أما الذي ينشأ في بيت فيه خصومات ، وفيه شقاق ، وفيه طلاق ،

    هذا الطفل ينشأ عنده خلل في عواطفه ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن من واجبات الأب تجاه أبنائه ليس أن يطعمهم ، أو أن يسقيهم ، أو يكسوهم فقط بل هناك واجبٌ آخر وهو أن يغمرهم بالعطف والحنان ، الاهتمام بطعامه وبشرابه ، وبغرفته وبحاجاته ، وبملابسه ، هذا الاهتمام هو الذي يزرع العطف والحب في قلب الأبناء ،

    فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما أنكر هذا الأعرابي تقبيل الولد ، قال عليه الصلاة والسلام :
    " وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة "
    (رواه ابن ماجة) .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بإذن ٍ من الله تبارك و تعالى ...

    النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يَخُصَّ البنات بشيءٍ من العطف الزائد ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ في بيئةٍ كانت البنت فيها مظلومة ،

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

    " أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات "

    " اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا "*
    (من صحيح مسلم: عن أبي هريرة)

    واستوصوا بالنساء خيراً قالها كثيراً في حياته ، فلذلك هناك أحاديث خاصة بالنساء .
    فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    " من عال جاريتين - اي ابنتين صغيرتين - حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا ، وضم أصبعيه كناية عن قرب الجوار في الجنة "
    رواه مسلمٌ في صحيحه

    طبعاً كل من عنده بنتان صغيرتان يرعاهما ، لكن بشرط أن ينشئهما تنشئةً طاهرة ، بشرط أن ينشِّئهما على حب الله ورسوله ، وعلى تلاوة كتابه ، بشرط أن ينشِّئهما وفق الشرع ، أما إذا سيب أمرهما وجعلهما تعيشان كما يعيش بقية الفتيات غير الملتزمات ، فهذا ما زاد عن أن أطعم هاتين البنتين فقط .

    والحديث الذي تعرفونه سابقاً أن البنت إذا نشأت نشأةً منحرفة بتشجيعٍ من أبيها ، أو بغفلةٌ منه ، أو بإهمالٍ لها ، ورأت مصيرها في النار ، تقول : " يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي " . لقد كان هو السبب ، فلذلك الأبوة مسؤولية .

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
    "جاءت امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسألني ـ أي شيءً ـ فلم أجد عندي شيئاً ـ انظر بيت سيدنا رسول الله سيد الخلق حبيب الحق ، نبي هذه الأمة ليس في بيته إلا تمرةٌ واحد ـ فلم أجد عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدة أعطيتها إيَّاها هذه الأم أخذتها فشقتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً ، فدخل عليه الصلاة والسلام على أثر ذلك فحدثته حديثهما فقال عليه الصلاة والسلام:
    "من ابتنى - أي من كان له بنت - من هذه البنات بشيءٍ فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" .

    في رواية : " من ابتلي " أنه بلاء وليس مصيبة ، البلاء من معانيه الامتحان ، " مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ " .

    " أو من ابتنى ـ من البنوة أي من كانت له بنت من هذه البنات ـ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ "*
    (من صحيح البخاري: عن السيدة عائشة)

    هذا الحديث وحده يكفي كي يدفع الآباء إلى الإحسان إلى بناتهم ، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بالإحسان إلى أولادنا وبناتنا .

    وعن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    "من كانت له ثلاث بناتٍ ينفق عليهن حتى يَبِنَّ - أي بمعنى يبتعدن عنه بمعنى يتزوجن - أو يمُتن كن له حجاباً من النار"
    (رواه البيهقي)

    في الحديث الأول : بنتان يحسن إليهن وهنا ثلاث بنات ينفق عليهن .

    وعن عوف بن مالكٍ أيضاً قال عليه الصلاة والسلام :
    "ما من عبدٍ يكون له ثلاث بناتٍ فينفق عليهن حتى يَبِنَّ أو يمُتن إلا كن له حجاباً من النار فقالت امرأة: يا رسول الله وابنتان قال: وابنتان "

    أي أن ملخص الملخص إذا جاء ملك الموت ينبغي أن يكون معك عملٌ تلقى الله به ، عمل طيِّب ، يا رب ربيت هاتين الابنتين تربيةً صالحة، تربيةً إسلامية ، علَّمتهما كتاب الله ، زوَّجتهما من مؤمنين ، أنفقت عليهما ، حتى أدخلت على قلبيهما السرور ، هذا عمل ، أو ربيت ولدين فصارا صالحين من بعدك ، هذا عمل ، أو دعوت إلى الله هذا عمل ، أو تركت علماً نافعاً هذا عمل ، وكل ذلك عمل صالح .

    فدائماً لديك سؤال كبير كبير كبير : ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل ؟ قال له : " جئتك لتعلمني من غرائب العلم قال : فماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم ، قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله . قال : فماذا صنعت بحقه ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال : ما شاء الله قال : فماذا أعددت له ؟ "

    هل أعددت لهذا اللقاء استقامةً تامة ؟ هل أعددت حباً لله ورسوله ؟ هل أعددت حفظاً وفهما لهذا الكتاب وتعليماً له ؟ هل أعددت أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر ؟ هل أعددت تربية أولادٍ تربيةً صالحة ؟ ماذا أعددت لهذا اللقاء ؟

    و للحديث تتمة بإذن الله تعالى ...


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    kalamoun
    المشاركات
    244

    افتراضي

    بارك الله بكم و جعل عملكم في ميزان حسناتكم يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
    و الله حسيبكم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •