السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
لا زلنا في حقوق الأبناء على الآباء ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى حقٍ جديد ، إنه :
_8 _ العدل بين الأولاد في العطاء وفي الوصية
المشكلة التي يعيشها بعض المسلمين هو الفصل بين العبادات وبين المعاملات ، فإذا أدَّى صلواته الخمس ، وصام شهره ، وحج بيت الله الحرام ، وأدى زكاة ماله ، يظن أنه قد أدَّى كل شيء ،
أما أن يأتي فيحابي ولداً على حساب ولد ، أو يعطي ولداً على حساب ولد ، فيظن أن هذا من شأنه الشخصي ،
مع أن الإسلام نظامٌ كاملٌ أمثلٌ لكل مواقف الإنسان ، سواءٌ أكانت هذا المواقف أُسَرِيَّة ، أو في عمله ، أو في علاقته بربه ، الحق الأخير من حقوق الأبناء على الآباء ، العدل بينهم في العطاء والوصية .
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه أعطى أحد أولاده عطيةً ، وأراد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فسأله النبي الكريم :
" أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ ". فقال هذا الصحابي : " لا " فقال عليه الصلاة والسلام : " فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ـ هذا العمل لا يصلح ـ وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقٍّ "* . .
(من صحيح مسلم : عن جابر)
وفي رواية : " لا أشهد على جور "
من خلال هذا الحديث يتضح أن الذي يفرق بين أولاده في العطية خرج عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ،
إلا في حالات خاصة فأحياناً هناك أبٌ يزوج بناته الأربع ، ثلاث بناتٍ منهن في وضعٍ ماديٍ جيِّد ، بينما بنتٌ رابعة زوجها فقير ، فإذا أعطاها في حياته شيئاً فأعانها على صعوبات الحياة ، وقد رضي بقية الإخوة ، فهذا وضعٌ استثنائي له عند الله حُجَّة ومبررات، ولكن الأصل أن يعدل المُسلم بين أولاده في العطية .
روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
" اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم "
أمر اعدلوا بين أولادكم ، أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام ،
المشكلة أن الإنسان أحياناً يظن أن هذا حديث شريف وقد مر به ، قد قرأه أو سمعه من مدرس ، أو اطلع عليه ، وهذا مجرد أمر .
و َ مَآ ءَاتاكُم ُ الرَّسُول ُ فَخُذُوه ُ و َ مَا نَهَاكُم ْ عَنْه ُ فَانتَهُوا ْ
(سورة الحشر: من آية " 7)
أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض هو الصانع ، هو الخالق ، بيده كل شيء ، أعطاك أمراً واضحاً بيناً ، قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، يقول لك : اعدل بين أولادك .
وتقول : هذا حديثٌ شريف والله قرأته واطلعت عليه ، وقد مر بي . القضية أخطر من ذلك ، إنه أمرٌ من عند النبي عليه الصلاة والسلام الذي فوَّضه الله عزَّ وجل أن يشرع لنا..
والحديث الآخر :
" سووا بين أولادكم في العطية ـ سووا فعل أمر من التسوية ـ فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء ".
وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني ،
إذاً حديثٌ أول ، وثانٍ ، وثالث ، يحضُّ المسلمين على أن يعدلوا بين أولادهم ،
* النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يشهد على جور حينما بلغه أن أحد أصحابه فضَّل ولداً من أولاده على آخر ،
* والنبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نتقي الله وأن نعدل في أولادنا ،
* والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ ثالث ، يقول :
" سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء "
هذه النصوص الثلاثة الصحيحة التي هي الأصل في العدل بين الأولاد .
يتبع بإذن الله عز و جل ...