صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 51 إلى 100 من 266
  1. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    لازلنا في موضوع الموت ، والموت أشد الأحداث واقعيةً في المستقبل ، ما من حدث في المستقبل أشد لصوقاً بالإنسان وأشد واقعيةً من الموت ، والتفكير في هذا الحدث الخطير تفكير جاد ، واقعي ، مهم جداً ، لنرى لماذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام ؟ للإكثار من ذكر الموت ؟

    " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "

    أكثروا ليس الأمر منصباً على هاذم اللذات ، بل على الإكثار من ذكر هاذم اللذات ، وهذا الحديث صحيح والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وصيغة هذا الحديث مصدرةٌ بفعل أمر أكثروا .

    وفي حديث آخر :

    " أكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "

    إن كنت غافلاً مع السعة ذكرك الموت بمغادرة الدنيا ، وإن كنت في ضيق مع القلة ذكرك الموت في الآخرة ، فتنسى ما أنت فيه ، الذي أتمناه على أخوتنا الكرام أن يفهموا أن الدين ليس كما يفهم كثير من الناس صومٌ وصلاة وحجٌ وزكاة ، بل والفهم السليم : أن الدين نهج تفصيلي ، لا أبالغ أنّ فيه عشرين أو ثلاثين ألف بند فهذه بنود الدين ، الذي يكثر من ذكر الموت إنسان يطبق سنة النبي ، يطبق منهج الله عز وجل ، والموت يأتي فجأةً ، بغتةً .


    السعة مع الغفلة علاجها التفكر بالموت ، والضيق مع اليأس علاجه التفكر بالموت ، فبالسعة يذكرك وفي الضيق يذكرك ، في السعة ينقذك من غفلتك وفي الضيق ينقذك من غفلتك .

    إذا طالب لم يذكر الامتحان في أثناء العام الدراسي فقد أخطأ أما إذا ذكر الامتحان وقد وزعت الأوراق وقرع الجرس ووزعت الأسئلة فالمراقب والامتحان صار أمراً مصيرياً ، نجاح أو رسوب ، النجاح يعني نال رضى من حوله ونال بعض الميزات ، هذا الطالب الذي نال الدرجة الأولى على القطر سئل مرة بمَ نلت هذه الدرجة ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر ذهني ولا ساعة طوال العام الدراسي ،

    والمؤمن الصادق المتفوق مغادرة الدنيا لا تغادر ذهنه إطلاقاً فهو يعمل بدأب وليس فقط يعمل بل حتى إذا قامت الساعة يعمل ويستمر في عمله :
    " عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ "
    يعمل ويؤسس عملاً ويدرس وينال شاهدات ، و يتوظف ويشتري بيتاً ، ويتزوج ويسكن كل هذا لا علاقة له بالموت ، الموت يحميك أن تخطئ ، يمنعك من أن تعصي الله عز وجل ، يمنعك من أن تأخذ ما ليس لك ، الموت يمنعك أن تقف في طريق الإيمان ، الموت سور ودافع ، يدفعك إلى الله وسور يقيك الزلل والانحراف .

    " عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قَالَ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ " .

    قد يكون مشتركاً في رحلة فيكتب كل حاجاته لكيلا ينسى شيئاً ثم يضع هذه الحاجات في المحفظة

    عندئذٍ يمضي رحلة موفقةً ناعمةً ، والاستعداد من علامات العقلاء ، وأخطر حدث عند الناس الموت أما أن يسكن في بيت فهذا مهم وكذلك أن ، يعمر بيتاً ، وأن يزوج أولاده ، ولكن أخطر حدث على الإطلاق المغادرة ، " الموت" و ما أدخله في حساباته ، فلذلك النبي الكريم عندما سئل " ... فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "

    أولئك الأكياس أن تكثر ذكر الموت وأن تكثر من الاستعداد له ، بالتوبة وبالوصية و بالعمل الصالح ، بإنفاق المال ، بالدعوة إلى الله ، بالنهي عن المنكر الأمر بالمعروف ، بخدمة الخلق ، بالإكثار من العبادة ، نوافل العبادات طلب العلم ، قراءة القرآن ، أعقل الإنسان في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام ، من أكثر ذكر الموت وأكثر الاستعداد له .

    " عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ " .

    نفعنا الله و إياكم في الدنيا و الآخرة , و أماتنا على فطرة الإسلام و شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا ً صلى الله عليه و سلم رسول الله .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  2. #52
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    87

    افتراضي

    مرسي باربي على الموضوع المهم
    أصعب شيء في الدنيا "فراق الأحبة"

  3. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    شكرا ً لك أخت Gardinia على مرورك الكريم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  4. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    حاسب نفسك ، ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لاخدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله عنه أكثر .
    فالكيس من دان أي حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، هذا حال المسلمين اليوم يتبعون أنفسهم هواها .

    عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
    أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم .
    الغني بعد ثوانٍ صار خبراً على الجدران كل ممتلكاته انتقلت لغيره ،بيته يُسكن من بعده ، امرأته قد تتزوج من بعده ، أولاده بعد حين ينسونه فلا بد من التفكر بالموت ،

    الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل ويصطلح معه فالموت لا يرعبه كثيراً ، الإنسان يخاف الموت بقدر ذنوبه، والدليل قال تعالى :

    قل يأيُّها الَّذين هادوا إن زعمتم أنَّكم أولياءُ الله من دون ِ النَّاس ِ
    فَتمنَّوا الموت َ إِن كنتم صادقين
    (6)

    ( سورة الجمعة )

    علامة أن تكون مع الله في أحسن حال ألّا تخاف الموت ، علامة أنك مؤمن ولك عمل طيب أنك لا تخشى الموت ، أما الظالم يكره الموت .

    ومر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك ، فقد ترى جلسة بنزهة فيها ضحك غير معقول ، ضحكة درج ، صوت مرتفع وحركة وتمطٍ ، وتعليقات .
    قال : هؤلاء لو عرفوا ما أمامهم لما ضحكوا هذا الضحك ، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً .
    أن يعلم الإنسان أن أمامه سؤالاً فهذا ضروري ، والحساب دقيق ، وأمامه جنة أو نار إلى الأبد ، شيء مخيف ، شيء مصيري .

    سيدنا عمر يقول : عجبت لمؤمل والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط عنه الله أم راضٍ .
    مر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك فقال عليه الصلاة والسلام : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات .

    الغني يموت ، الفقير يموت ، القوي يموت ، الضعيف يموت ، الذكي يموت ، الأحمق يموت ، الكافر يموت ، كلهم يموت .
    كل إنسان له منية ، العاقل هو الذي يستعد لهذا الحدث الذي لابد منه ، حينما رأى النبي هذا المجلس قد أخذه الضحك وقال : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات ، قالوا يا رسول الله وما مكدر اللذات ، قال الموت .

    " وحدثنا شيخ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى رجلاً فقال : أكثر ذكر الموت يسليك عما سواه "

    العوام لهم كلمات لها معنى عميق ، " إذا ضاقت عليكم الصدور عليكم بزيارة القبور" .

    النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أنس من أصحابه غفلةً ، نادى فيهم بصوت رفيع ، أتتكم المنية راتبةً لازمةً إما شقاوة وإما سعادة .

    هذا من باب الحقيقة الثابتة ،
    بالنهاية نموت كلنا ، بعد مائة سنة من الآن هل ترون أحداً منا جالس هنا ، ولا واحد كلنا تحت أطباق الثرى مرهونون بأعمالنا ، الإنسان
    لابد ميت ، قال تعالى :
    إنَّك َ ميِّت ٌ و إنَّهم مَّيِّتون َ ( 30 )
    (سورة الزمر)

    أنت حينما تستيقظ يعني أن الله سمح لك أن تعيش يوماً آخر ، ما‏‎ من يوم ينشق فجر إلا وينادي منادٍ يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .


    الإنسان إذا عاش من دون هدف أحمق ، فالذي يجمعه في حياته كلها يأخذه الموت في ثانية واحدة ...
    سبحان من قهر عباده بالموت ، الإنسان لا يعرف متى يموت ، كيف يموت .
    قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة .


    وكان أبو الدرداء رضي الله عنه قال : كفى بالموت واعظاً ، وكفى بالدهر مفرقاً ، اليوم في الدور وغداً في القبور .

    وقال بعض العلماء : انظر : فالذي تحب أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم ، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم واخرج عنه ، وكل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه ، ثم لا يضرك متى مت .
    _ _ _ _

    أن نتذكر الموت لا يعني أن تتوقف حياتنا و ننتظر الموت مجردين من الأعمال الصالحة فهي زادنا .

    الحياة هي الحياة نعيشها بقلوبنا المؤمنة و الذاكرة دائما ً ,
    كي لا تأخذنا فنغفل عن ما سيؤول إليه كل الخلق " الموت " .

    نتذكر الموت لأننا نخاف أن تقبض أرواحنا و نحن نعصي الله , فنبعث يوم القيامة على المعصية .
    نتذكر الموت لأنه يأتي فجأة ً , دون سابق إنذار ...

    نتذكر الموت كي نهذب أنفسنا و تصرفاتنا , كي نترك ما يغضب الله تعالى , و لكي نستيقظ من غفلتنا و هوان ديننا علينا .
    آسفة إن أطلت عليكم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  5. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    بارك الله بكم أختنا على هذا الموضوع... متابع له وإن كنت لا أعقب عليه... فما فيه حقه التأمل لا كثرة الكلام...

  6. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله .

    نرجو من الله تعالى أن يقدرنا على خدمة ديننا ... و نسأله عز و جل الفائدة لنا جميعا ً .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  7. #57
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    24

    افتراضي

    بوركت أناملك أخت باربي لما تخطّه من مواضيع مفيدة

    السلام عليكم

    أختكم في الله
    عصفورة القلمون
    " كن كالنخيل عن الأحقاد مُرتفعاً يُرمى بحجرٍ فيُعطي أطيب التمر "
    عصفورة القلمون

  8. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    الدرس الثامن

    حق الآباء على الأبناء 1 / 2 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ،

    اليوم ننتقل إلى حقوق الآباء على الأبناء ومن ثَمَّ إن شاء الله تعالى نتحدث عن حقوق الأبناء على الآباء ،
    الله سبحانه وتعالى يقول :

    إن َّ الله َ يأمُر ُ بالعدل ِ و الإحسان ِ
    (سورة النحل : آية " 90 " )

    العدلُّ قسري ، والإحسان طوعي ، أي أداء الحقوق لا بدَّ من أن تفعله أيها المؤمن ، أما أن تحسن فهذا بحسب رغبتك وإمكاناتك وطموحك في القرب من الله عزَّ وجل ، فالحديث في الحقوق والواجبات لا يتعلّق بما هو طوعي ، بل يتعلق بما هو قسري ، إلا أن المؤمن مأمور بالإحسان كما هو مأمورٌ بالعدل .

    وقواعد الإحسان تتسع لما ضاقت عنه قواعد العدل .

    لا بدَّ من أداء الحقوق ، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عن عمرو بن جارحة قال :
    " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " *
    (من سنن النسائي )

    ولن يكون الطريق إلى الله سالكاً إلا إذا
    أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، لن تشعر أن الله راضٍ عنك إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه ، فالزوجة لها حق ، والأم لها حق ، والأخ له حق ، والأخت لها حق ، والابن له حق ، والبنت لها حق ، والجار له حق ، وكلُّ من يتصل بك له حق ،
    وإن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة .

    أيها الإخوة الأكارم ... الدرس حديثٌ شريف ، ولكن الموضوع متعلّقٌ بحقوق الآباء على الأبناء ، ومادام في القرآن آيةٌ كريمةٌ تتعلَّق بحقوق الآباء على الأبناء ، فلا بدَّ من أن تقدم هذه الآية ، الآية الكريمة وهي قوله تعالى :

    و قضى ربُّك َ ألَّا تعبُدوا إلَّا إيَّاه ُ و بِالوالدين ِ إحسانا ً
    ( سورة الإسراء : آية " 23 " )



    أي أمَرَ ، كلمة قضى في هذه الآية تعني أنه أمرَ ، أي أن الله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمن أمر الإنسان ألا يعبد إلا الله وبالوالدين إحسانا .

    في الآية دقةٌ بالغة ، أنا ماذا أقول حينما أعطف شيئاً على شيء ؟ أقول : اشتريت أرضاً وبيتاً ، اشتريت مركبةً فخمةً ومركباً في البحر ، اشتريت كتاباً ثميناً ومجلداً ،

    لكن ليس من طبيعة العرب أن يعطفوا شيئين متفاوتين ، هل يعقل أن تقول : اشتريت أرضاً وملعقةً ؟ غير مألوف ، اشتريت بيتاً فخماً ودفعت ثمنه مبلغاً طائلاً واشتريت معه سكيناً، لا يوجد تناسب ،
    لمجرد أن الله سبحانه وتعالى عطف الإحسان للوالدين على عبادة الله عزَّ وجل ، فالإحسان للوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم ، قَرَنَه الله عزَّ وجل بعبادته .

    شيءٌ آخر ، في حقوق الآباء على الأبناء ، في آيةٍ ثانية الله سبحانه وتعالى يقول :
    أَن ِ اشكُر ْ لِى و لوالدَيْك َ إلي َّ المصير ُ ( 14 )

    حينما تأتي آيةٌ ثانية تَقْرِن ضرورة شكر الله عزَّ وجل بضرورة شكر الوالدين في آيةٍ ثانية ، إذاً يستنبط من تكرار الآيتين أن هناك قاعدةً ثابتة ألا وهي أن برَّ الوالدين شيءٌ يرقى إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل .



    لن أطيل عليكم في المقدمة ... و بإذن الله تعالى سنكمل لاحقا ً , و نتوسع أكثر بالمزيد من الأحاديث و التنبيه مما سيؤول إليه الإنسان العاق ... إلخ , و كيف يكون العقوق .

    و المهم أن نتفكر بما جاء في المقدمة و بمعنى الآيتين ... كي نعقد النية الصادقة لنغير أو نحسن تعاملنا مع من برضاهما يرضا الله سبحانه و تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  9. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله أختي " عصفورة القلمون " , نفعنا الله و إياكم , و يسر لنا الخير .
    شكرا ً لمرورك الكريم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  10. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع مع الأحاديث المتعلقة بعقوق الوالدين ... ( نعوذ بالله من غضب الوالدين و عقوقهما ) .

    في صحيح البخاري

    عن عبد الله قال : " سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ..." هناك أعمالٌ صالحة لا تعد ولا تحصى ، هذا السائل يريد أحب الأعمال إلى الله ، فقال عليه الصلاة والسلام :
    " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " *
    ( في صحيح البخاري )
    يقول عليه الصلاة والسلام أحب الأعمال إلى الله الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا ، وبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، والْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

    من معاني بر الوالدين نأخذ بالأشد ، ألا يتعرض الإنسان لسبِّهما إطلاقاً ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    " مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟!! قَالَ : نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " *
    ( من صحيح مسلم )

    والنبي عليه الصلاة والسلام عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ الْكَبَائِرُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
    " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لا يَسْكُتُ " *

    ( رواه البخاري ومسلم والترمذي )

    وعبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:

    "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ " *
    ( صحيح البخاري )

    " وإن من أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حقٍ ، والفرار يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلُّم السحر ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم "
    ( رواه ابن حبان في صحيحه )

    يعني هذه الأحاديث كلها مفادها أن عقوق الوالدين من الكبائر ، كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك بالإحسان إليهما ، وقرن الإحسان إلى عبادته ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك أن تشكرهما وقرن شكرهما إلى شكره ، كذلك عقوق الوالدين رفعه الله إلى مستوى الشرك ، الإشراك بالله وعقوق الوالدين .

    والآية التي تعرفونها جميعاً وهي قوله تعالى :

    إِن تجتنِبوا كبائر َ ما تُنْهَون َ عنه ُ نُكفِّر عنكم سيِّئاتكم و نُدخِلْكُم مُّدخلا ً كريما ً ( 31 )
    ( سورة النساء )


    و عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ " *
    ( رواه البخاري )

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال :
    " ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ..."
    أي أكبر عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان يوم القيامة أن يحرم من النظر إلى وجه الله الكريم ، والدليل قوله تعالى :
    كَلَّا إِنَّهُم عَن رَّبِّهِم يومئذ ٍ لَّمحْجوبون َ ( 15 )
    ( سورة المطففين )


    " ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنَّان في عطائه ، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة ، العاقُّ لوالديه ، والديّوث، والرجلة ".
    الرجلة المرأة المسترجلة التي تقلِّد الرجال ، الفاجرة .

    الأحاديث المتعلقة بعقوق الوالدين لا تعدُّ ولا تحصى .

    " أربع حق على الله تعالى ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها مدمن خمرٍ وآكل ربا وآكل مال اليتيم بغير الحق والعاق لوالديه ".
    اعمل ما شئت ، يقال للعاق : اعمل ما شئت فلن يغفر لك .
    "ثلاثةٌ لا ينفع معهن عمل ، الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ".
    " وثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً عاقٌ ومنانٌ ومكذبٌ بالقتل ".
    هذا كله متعلقٌ بعقوق الوالدين لعظم حقهما على الإنسان .


    يتبع إن شاء الله تعالى مع التفصيلات المتعلقة ببر الوالدين ( كيف يكون ؟؟ )

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  11. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نكمل بفضل الله تعالى ,

    الآن بعض التفصيلات المتعلقة ببر الوالدين ،
    من عقوق الوالدين
    أن تخالف الأبوين في أغراضهما الجائزة لهما ، كما أن من برهما أن توافقهما في أغراضهما ؛ فإذا أمرك الأب أمراً لا يتعلق بمعصية الله عزَّ وجل وجب عليك أن تنفذه ، إلا إذا كان معصية ، للقاعدة الشهيرة :
    " لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ".

    عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    "ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين يعني من الجنة، وإن كان واحد فواحد ، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه ، قيل: وإن ظلماه ؟ قال : وإن ظلماه".

    أي حتى لو أوقع الأب ظلماً بالابن ، لكن العلماء استدركوا وقالوا: " إن ظلماه في الدنيا لا في الآخرة " ، أي إذا كان الأمر متعلق بالدين ، عندئذٍ : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .

    أما إن ظلماه في الدنيا ويحتمل هذا الظلم ، الأولى ألا يغضبهما ، هكذا قال العلماء ، الظلم في الدنيا إذا كان محتملاً الأولى أن ترضيهما.

    وعندنا قضية أخرى متعلقة ببر الوالدين ، الشيء الأساسي أن العلماء قالوا : " لا يختص بر الوالدين ، بأن يكونا مسلمين " ،

    يعني أحياناً شابٌ يتعلم الدين من مسجد ، ويرى أن أباه دينه قليل ، فيتهمه بألفاظ كبيرة ويسيء العلاقة مع أبيه ،
    استمعوا أيها الإخوة : لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين ، لو كانا مشركين فأنت ملزمٌ ببرهما ، فكيف إذا كانا مسلمين ؟ وكانا مقصرين ؟ أيحق لك أن تتهمهما في دينهما ؟ أيحق لك أن تغلظ عليهما القول؟ أيحق لك أن تكون عنيفاً معهما ؟ يقول الله عزَّ وجل :
    لَّا ينْهاكُم ُ الله ُ عَن ِ الَّذين َ لَم ْ يُقاتِلوكُم ْ في الدِّين ِ و لَم ْ يُخْرِجوكُم ْ مِّن دِيارِكُم ْ أَن تَبَرُّّوهُم ْ و تُقسِطوا إليهم إن َّ الله يُحِب ُ المُقْسطين َ ( 8 )
    ( سورة الممتحنة )

    إذا كان الله سبحانه وتعالى لا ينهانا عن الذين لم يقاتلونا في الدين أن نبرهم ، فلأن نبر والدينا من باب أولى .

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مر النبي عليه الصلاة والسلام على ابن أبي بن سلول وهو في ظل ، فقال أبي بن سلول الأب : قد غبر علينا ابن أبي كبشة ، يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ، فقال ابنه عبد الله : والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لإن شئت لأتيتك برأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام :
    "لا ولكن بُرّ أباك ، وأحسن صحبته ".
    ألدُّ أعداء النبي ، رأس المنافقين ، أمر النبي عليه الصلاة والسلام إبنه أن يبرَّه ، هذا هو الشرع ، هذا هو الدين ، هذا هو الإسلام .

    في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال :
    "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ "*
    ( من صحيح المسلم )

    وفي غير الصحيح أي في رواية لا ترقى إلى مستوى الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال :
    " إَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ. قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا "*
    ( من سنن النسائي )
    وفي خبرٍ آخر :
    " نومك مع أبويك يضاحكانك ويلاعبانك أفضل من الجهاد معي ".
    فهذا كله يؤكد بر الوالدين .

    وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُهُ قَالَ :
    "جِئْتُ لأُبَايِعَكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ. قَالَ : فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا "*
    (مسند أحمد)

    ترون من هذه الفقرة عظم بر الوالدين .

    الآن من أبكى والديه كان عاقاً ، حدثته حديث فبكى وليس عن الله فبكى هذه ليس لها علاقة ، حدثته بقضية رفضت له طلّب ، أو ترجاك بشيء فأنت لم تستجب ، رجاك أن تكون مع أخيك فانفصلّت عنه ، أي أنه طلّب منك طلباً معقولاً ، فأنت امتنعت فبكى الأب ، فالعلماء قالوا : "بكاء الوالدين من عقوقهما ". طبعاً هذا القول مأخوذ عن النبي عليه الصلاة والسلام :
    " بكاء الوالدين من العقوق"
    ( أخرجه البخاري في الأدب المفرد )

    وفي حديثٍ آخر :
    " من أحزن والديه فقد عقهما ".

    والحديث الشهير الشهير الذي تسمعونه مني ، وهو أن أبا أسيد كان بدوياً قال :
    "بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعَةٌ الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إِلا مِنْ قِبَلِهِمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا "*
    (من مسند أحمد)

    النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي لصديقات خديجة اللحم بعد موتها براً بها ، ووفاءً لها وهي زوجته فما ظنك بالوالدين ؟ فهو حينما فتح مكة قال لأصحابه : " أنصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة "، وفاءً لها، فإذا كان هذا هو وفاء النبي لزوجته فماذا ينبغي أن يكون وفاؤنا لوالدينا؟.

    عن أبي بردة رضي الله عنه قال : أتيت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فقال: أتدري لم جئتك ؟ قلت : لا ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    "من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده ".
    _ _ _ _

    هذه الأحاديث تدلنا على وجوب بر الوالدين و السبيل إلى ذلك .
    فنرجو من الله تعالى أن يعيننا على ارضائهما و اسعادهما .

    اللهم يا أرحم الراحمين احرم أهلنا , اللهم جازهم بالحسنات إحسانا ً و بالسيئات عفوا ً و غفرانا ً .
    اللهم آمين .

    يتبع بإذن الله عز و جل .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  12. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل الله تعالى ,

    عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "*
    (من صحيح البخاري)

    فالولد الصالح الذي يدعُو له هذا صدقةٌ جارية ، إذاً حق الأب عظيم أي أن الإنسان إذا ربى ابناً صالحاً ودعا له من بعده فإن كلَّ أعماله الصالحة من بعده تسجَّل في صحيفة الأب ،

    لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
    " أفضل كسب الرجل ولده ".

    سؤل أحد العلماء : " كم يدعو الإنسان لوالديه ، أفي اليوم مرة ، أم في الشهرة مرة، أم في السنة ؟
    فقال : تدعو له مع كلِّ صلاة، خمسة صلوات ، أي خمس مراتٍ في اليوم .

    قال بعض التابعين : " من دعا لوالديه خمس مراتٍ فقد أدى حقهما في الدعاء
    لأن الله تعالى يقول :
    أَن ِ اشكُر ْ لِى و لوالدَيْك َ إِلي َّ المصير ُ ( 14 )
    (سورة لقمان)

    فالصلاة شكر ، والوالدين مع الصلاة إذاً خمسة مرات ، هذا الاستنباط .

    "و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
    َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : أَنَّى هَذَا !! فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ *
    (من سنن ابن ماجة)

    آخر قصةٍ في الدرس :

    "عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه أتٍ ، فقال شابٌ يجود بنفسه ، (أي يموت ، وهو يحتضر وفي النزاع)
    فقيل له: قل: لا إله إلا الله. فلم يستطع ، فقال صلى الله عليه وسلم : كان يصلي ؟ فقالوا : نعم ، فنهض النبي عليه الصلاة والسلام ونهضنا معه حتى دخل على الشاب ، فقال له : قل لا إله إلا الله فقال : لا أستطيع قال : لم ؟
    قالوا : كان يعقُّ والدته ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أحيةٌ أمه ؟
    قالوا : نعم ، قال : ادعوها . فدعوها فجاءت ، فقال عليه الصلاة والسلام : هذا ابنك ؟ قالت : نعم ، فقال لها : أرأيت لو أججت نارٌ ضخمةٌ فقيل لك : إن شَفِعْتِ له خلينا عنه ، وإلا أحرقناه بهذه النار ، أتشفعين له ؟
    ( هذا أسلوب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ) قالت يا رسول الله : إذاً أشفع له ، قال : فأشهدِي الله وأشهديني أنك قد رضيت عنه ، قالت : اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا غلام قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله فقالها ، فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ".

    هذا عمل صالح أن توفق بين أمٍ وابنها ، بين أخٍ وأخيه ، بين أبٍ وأبنه ، بين جارٍ وجاره ، النبي عليه الصلاة والسلام على عظم شأنه وعلى عظم قدره حمد الله عزَّ وجل على أن مكنه من أن ينقذ هذا الشاب من النار حيث جاء بالأم وأقنعها أن تعفو عنه ، فماذا كان يفعل معها ؟ وكان هذا الشاب كما ورد في كتب الحديث يؤذي أمه ، ويؤثر عليها زوجته ،

    وللحديث بقيةٌ إن شاء الله تعالى .

    اللهم اغفر لأهلنا , و أعنا على برهما و طاعتهما و نصحهما .
    اللهم اجعل مثواهم الجنة يا أرحم الراحمين .
    اللهم أدم عليهم الصحة و العافية و القوة و العفاف و الغنى .
    اللهم آمين ... اللهم آمين .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  13. #63
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    France
    المشاركات
    1,301

    افتراضي

    تسجيل متابعة

    الله يبارك بكم
    "سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"


  14. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله .

    نسأل الله تعالى أن يُذكرنا جميعا ً بهذه الدروس ما قد نسيناه أو غفلنا عنه .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  15. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع أيها الإخوة و الأخوات بفضل ٍ من الله تعالى , و لازلنا في الحديث عن حقوق الآباء على الأبناء .

    ... القسم الثاني ...
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    هناك ملاحظةٌ أريد أن أضعها بين أيديكم ، هو أن الآيات الكريمة المتعددة ، والأحاديث الشريفة الكثيرة ، التي تحض الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن تحْمل الآباء على أن يكونوا في مستوى الأبوة المطلوب ،

    مادام ربنا سبحانه وتعالى ونبينا عليه الصلاة والسلام يحضُّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم ، فالآباء يجب أن يكونوا في المستوى المطلوب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    "رحم الله والداً أعان ولده على بره".
    "من أكل من مال ابنه فاليأكل بالمعروف".

    يعني ربنا سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، يحض الآبناء على بر آبائهم ، فينتظر من الآباء أن يكونوا مثالييِّن في معاملة أبنائهم ،

    الآن ربنا سبحانه وتعالى في الآية التي بدأنا شرحها في الدرس الماضي يقول :

    و قضى ربُّك َ ألَّا تعبُدوا إلَّا إيَّاه ُ و بِالوالدين ِ إحسانا ً إِمَّا يَبْلُغَن َّ عِندَك َ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو ْ كِلاهُما فَلا تَقُل لَّهُمَا أُف ٍّ و َ لا تَنهَرْهُما و َ قُل ْ لَّهُما قَولا ً كَريما ً
    (سورة الإسراء: آية " 23 " )

    الحقيقة الأب الشاب اليقظ الواعي هو في غنى عن ابنه ، ليس في هذا شك ، ولكن متى تشتد حاجة الأب إلى ابنه ؟

    إذا بلغ من الكبر عتياً، إذا تقدمت به السن ، إذا ضعف بصره، إذا انحنى ظهره ، إذا خارت قواه ، إذا ضعفت ذاكرته ، إذا كلَّت يده ، إذا أصبح عبئاً على ابنه ، يعني يكون الآب في أشد حالات الحاجة إلى ابنه إذا تقدمت به السن ،

    وإذا وقف كسبه ، وإذا أصبحت حاجاته كثيرة ، وأدويته كثيرة ، ومطالبه كثيرة ، وله أبناء في أوج شبابهم ، وفي عنفوان رجولتهم ، لذلك ربنا عزَّ وجل أشار في هذه الآية إلى الكبر .

    روى البخاري في كتاب بر الوالدين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :

    " رغم أنف امرئ أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ."
    " رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ " *
    (سنن الترمذي)

    يهمنا من هذا الحديث رغم أنف أمريءٍ أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة أي أن تكون باراً بأبيك وقد تقدمت به السن ، وقد ضعُف بصره ، وقد خارت قِواه ، وقد ضعفت ذاكرته ، وقد فقد ضبط نفسه أن يبقى عندك معززاً مكرماً مخدوماً فهذا العمل من الأعمال التي يستحق عليها الإنسان كلَّ إكرامٍ في الدنيا قبل الآخرة ،

    وما رأيت إنساناً موفقاً في حياته إلا بسببٍ وجيهٍ من برهِ بوالديه ، فمن كان له أبٌ حي فاليغتنم هذه الفرصة إنها فرصة العمر ، فرصةٌ لا تعوض طبعاً أبٌ أو أم ،

    قال تعالى :
    فَلا تَقُل لَّهُمَا أُف ٍّ


    الأُف هذه اسم فعل مضارع ، أي أتضجر ، الكلام القذع الرديء الخفي ، يعني حتى لو رأى الابن من أبيه شيئاً لا يحتمل لا ينبغي أن يقول له : أُف ،
    كل ما يضجر ويستثقل ويقال له أُف لا ينبغي أن يقول له هذه الكلمة ، أن يقول الابن هذه الكلمة لأبيه ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " لو علم الله من العقوق شيئاً أقل من أُف لذكره ".

    يعني أقل شيءٍ في العقوق أن تقول : أُف ، يعني زفير بصوت مسموع ، تضجر .

    " لو علم الله من العقوق شيئاً أردأ من أف لذكره فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ".

    هذا الحديث روي عن سيدنا علي بن أبي طالب ، لكن إياكم أن تتوهموا أن البار بوالديه لو عصى الله عزّ وجل فإنه يدخل الجنة هذا ليس مقصوداً من هذا الحديث .

    لكي لا أطيل عليكم , نتابع بإذن الله تعالى لاحقا ً مع المزيد .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  16. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نتابع بإذن الله عز و جل :

    كلمة أُف بالتعريف الدقيق رفض الأب ، رفض نعمته وجحود تربيته ، ردُ الوصية التي أوصانا الله بها للآباء ، وهذا معنى كلمة أُف ، طبعاً كلمة أُف من معانيها الرفض والدليل هو قول الله عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم حيث قال لقومه :
    أُفٍّ لَّكُم و َ لِما تعبدون َ مِن ْ دُون الله ِ أَفَلا تَعقِلون َ ( 67 )
    (سورة الأنبياء)


    يعني أنا أرفضكم على كفركم، وأرفض عبادتكم ، وأرفض موضوع عبادتكم .

    العلماء قالوا : " مجرد النظر إليهما بغضبٍ يعتبر عقوقاً ".

    إذا زور أبوه ونظر إليه هكذا ، وعن عائشة رضي الله قالت :
    " ما بر أباه من حد النظر إليه ".
    (رواه البيهقي)
    " وما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب "

    هذا أيضاً من العقوق ، بل إن إغلاق الباب بعنفٍ هذا من العقوق وهذا يساوي أُف ، ووضع الإناء بعنف من العقوق ، أحياناً يغضب الابن فيقود سيارته برعونة ليعبر عن غضبه من أبيه هذا أيضاً من العقوق ،

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه :
    " لم يتلُ القرآن من لم يعمل به ولم يبر والديه من أحد النظر إليهما في حال العقوق أُولئك براءٌ مني وأنا منهم بريء ".
    (رواه الدارقطن)

    و َ قُل لَّهُما قَولا ً كَريما ً ( 23 )

    و َاخْفِض ْ لَهُما جَنَاح َ الذُّل ِّ مِن َ الرَّحمَة ِ و َ قُل رَّب ِّ ارْحمهُما كَما رَبَّيانِى صَغيرا ً ( 24 )
    (سورة الإسراء)


    و قضى ربُّك َ ألَّا تعبُدوا إلَّا إيَّاه ُ و بِالوالدين ِ إحسانا ً إِمَّا يَبْلُغَن َّ عِندَك َ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو ْ كِلاهُما فَلا تَقُل لَّهُمَا أُف ٍّ و َ لا تَنهَرْهُما و َ قُل ْ لَّهُما قَولا ً كَريما ً
    (سورة الإسراء: آية " 23 " )


    النهر يعني الزجر والغلظة .

    وقل لهما قولاً كريما ، يعني قولاً ليناً لطيفاً ، يا أبتاه ، يا أُماه من غير أن يسميهما ، أو يُكنيهما ، يعني لو أبوه اسمه سعيد وكنيته أبو أحمد، الأولى أن تخاطبه بأن تقول له : يا أبت ، يا أبي ، يا أبتاه وهذا الأولى من أن تقول : يا أبا أحمد .

    عن عائشة رضي الله عنها قالت : أتى رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :
    " من معك ؟ قال أبي . فقال عليه الصلاة والسلام : لا تمشِ أمامه ولا تقعد قبله ولا تدعوه باسمه ولا تسبب له ".

    لا تسبب له أي لا تكن سبباً في سبه ،
    هذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام ، ويقول عليه الصلاة والسلام :
    "من أمسى راضياً لوالديه وأصبح ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى الجنة ، ومن أمسى وأصبح مسخطاً لوالديه أصبح وأمسى وله بابان مفتوحان إلى النار ".

    إذا عق والديه فأبواب النار مفتحةٌ عليه ، وإذا بر والديه فأبواب الجنة مفتحةٌ عليه .

    ****
    اللهم يا ذا الجلال و الإكرام احفظ أهلنا و أعنهم على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك .
    اللهم اغفر لهم و اعف عنهم .
    اللهم اجعل حسابهم حسابا ً يسيرا
    و أنر قبورهم , و أسكنهم فسيح جناتك يا أرحم الراحمين .
    اللهم اجعلنا من البارين المطيعين لهم , إنك على كل شيء ٍ قدير .

    و للحديث تتمه بإذن الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  17. #67
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    12

    افتراضي

    شكرا" لك اختي الكريمة باربي على الموضوع المفي ان شاء الله يستفاااد الكلّ مثلي هههههههه

  18. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    مشكورة أختي على مرورك الكريم .

    و إن شاء الله لا نحرم من الإفادة و الإستفادة في كل وقت و كل حين .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  19. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نتابع إن شاء الله ,

    الآن سيدنا سعد رضي الله عنه قال : " كنت باراً بأمي فأسلمت فقالت لتَدَعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي ويقال لك : يا قاتل أُمه . وبقيت يوماً ويوماً لا تأكل ولا تشرب ، فقلت : يا أماه لو كانت لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً ما تركت ديني هذا ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي " .

    يعني في موضوع الإيمان بالله ، موضوع طاعة الله ، يتوقف هنا رضا الأُم والأب ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي ، لكنها أكلت ، فلما رأت ذلك أكلت ،

    ونزل قوله تعالى :
    و إن جاهداك َ عَلى أَن تُشْرِك َ بِى ما ليس َ لَك َ بِه ِ عِلْم ٌ فلا تُطِعْهُما و صاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعروفا ً
    (سورة لقمان: آية " 15 " )

    بعض الأحكام الشرعية المتعلقة في هذا الباب :
    طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب الكبيرة أو ترك الفريضة ، طاعة الوالدين هذا الحكم الشرعي المستنبط من هذه الآية ، هذا شيءٌ مقطوعٌ به ، وتلزم طاعتهما في المباحات ، الأشياء المباحة يلزمك أن تطيعهما .

    لا تنسوا أن الله عزّ وجل نوَّه بالأنبياء الكرام وبرِهم بآباءهم ، فقال متحدثاً عن سيدنا يحيى :
    و َ بَرَّا بِوالدَيه ِ و َ لَم ْ يَكُن ْ جَبَّارا ً عَصِيّا ً ( 14 )

    (سورة مريم)

    وعن سيدنا عيسى :
    و َ بَرَّا بِوالِدَتي و َ لَم ْ يَجْعَلْنِى جَبَّارا ً شَقِيّا ً ( 32 )

    ( سورة مريم )

    وعن سيدنا يوسف :
    و َرَفَع َ أَبَويْه ِ على العَرْش ِ
    (سورة يوسف: آية " 100 " )

    وعن سيدنا إسماعيل :
    يا أَبَت ِ افعَل ْ مَا تُؤْمَر ُ سَتَجِدُنِى إِن شاء َ الله ُ مِن َ الصَّابرين َ

    ( 102 )
    (سورة الصافات)

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
    " أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ : لا . قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَبِرَّهَا "*
    (سنن الترمذي)

    وهذا حديث لطيف ، يعني إذ كان إنسان توفيت أمه وله خالة فالإحسان إلى الخالة بمثابة الإحسان إلى الأُم .

    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ * (مسند أحمد)

    وقال عليه الصلاة والسلام :
    " من برّ والديه طوبى له وزاد الله في عمره ".
    _ _ _

    سبحان الله فضل بر الوالدين علينا , بات واضحا ً من خلال ما ذكرناه من آيات كريمة و أحاديث , فنسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من هذه النعمة .

    اللهم بارك لأهلنا في أوقاتهم و أعمالهم و حياتهم .
    اللهم اكفيهم شر الشيطان الرجيم .
    اللهم أعنهم على طاعتك و على فعل الخيرات و ترك المنكرات .
    و أعنا يا ربنا على طاعتهم و اسعادهم , و البعد عن عقوقهم كما باعدت بين المشرق و المغرب إنك على كل شيء ٍ قدير .
    اللهم آمين

    و للحديث تتمة بإذن الله عز و جل .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  20. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نختم هذا الدرس بفضل ٍ من الله تعالى :

    عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    لا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ وَلا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ
    ( سنن ابن ماجة )

    ثلاثة أحاديث عن أن بر الوالدين يزيد في العمر وفي الرزق قال:

    " إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً ".

    هذه بشارة حتى لو أن أباً مات غاضباً على ابنه ، انظر إلى باب الرحمة ، فلو أن هذا الابن العاق دعى لوالديه واستغفر لهما وفعل الأعمال الصالحة من أجلهما ربما كتبه الله باراً ولو مات أبوه عليه غاضباً ،

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    "استغفار الولد لأبيه من بعد الموت من البر ، وإن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا ربي أنى لي هذا ؟!!فيقال : باستغفار ولدك لك " .
    " من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر الله له وكُتب باراً ".

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " بروا آبائكم تبركم أبنائكم وعفوا تعف نسائكم والبر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تُدين تدان ".

    قال إن رجلاً شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام سوء خلق أمه ، فقال عليه الصلاة والسلام :
    " لم تكن أُمك سيئة حين أرضعتك حولين كاملين ؟ هذا عمل سيء ؟ ولم تكن سيئة الخلق حين أسهرتها الليل ، ولم تكن سيئة الخلق حين رعتك ، لقد جازيتها بهذا ؟ ".

    ولد اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخٌ يتوكأ على عصا فسأله فقال :
    إنه كان ضعيفاً وأنا قوي ،
    قال له : يا رسول الله إن ابني وهو صغير كان ضعيفاً وأنا قوي، وكان فقيراً وأنا غني ، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي ، واليوم أنا ضعيفٌ وهو قوي ، وأنا فقيرٌ وهو غني يبخل علي بماله ، ( هذه المفارقة الحادة) فبكى النبي عليه الصلاة والسلام وقال :

    "ما من حجرٍ ولا مدرٍ يسمع هذا إلا بكى ، ثم قال للولد : أنت ومالك لأبيك أنت ومالك لأبيك. (وهذه رواية أخرى)

    * قيل لعمر بن ذر : كيف كان بر ابنك ؟
    " قال ما مشيت نهاراً إلا ومشى خلفي ولا ليلاً إلا مشى أمامي ، ولا رقى سطحاً وأنا تحته ".

    * قيل لعلي بن الحسين : " أنت من أبر الناس بأمك ، ولكن لماذا لا تأكل معها ؟ قال: والله أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها " .

    يعني يوجد قطعة من اللحم في الصحن وهي عينها على القطعة ، فأنا أكلتها فأكون قد عققتها . كانوا إلى هذا المُستوى .

    * أبو يزيد البسطامي رحمه الله قال : " كنت ابن عشرين سنة فدعتني أُمي لتمريضها ذات ليلة فأجبتها ، فجعلت يدي تحت رأسها والأخرى أمسِّد يدها بيدي ، وأقرأ قل هو الله أحد فخدرت يدي ، فكدت أفقد قوة اليد ، فقلت : اليد لي وحق الوالدة لله ".

    " كان رجلٌ يجلس إلي فبلغني أنه نزل به الموت وإذا أُمٌ عجوز كبيرة جعلت تنظر إليه حتى غُمِّض وعُصِّبَ وسُجي فقالت: رحمك الله يا بني لقد كنت بنا باراً ، وعلينا شفوقاً ، رزقنا الله عليك الصبر ، فقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام ، فلا أحرَمَكَ الله ما أملت من رحمته وأحسن عنك العزاء ، ثم نظرت إليّ وقالت: لو بقي أحدٌ لأحد لبقي النبي عليه الصلاة والسلام لأمته ".

    كل حالٍ يزول ، لذلك " رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ".

    من خلال هذه الآيات والأحاديث والتعليقات والأحكام الفقهية والقصص يتبين لنا بر الوالدين بابٌ كبير من أبواب الجنة ، ورغم أنف امرئ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، فمن كان له أب على قيد الحياة أو أم أو من كان له أب أو أم فليغتنم هذه الفرصة ، لأن الله عزّ وجل أمرنا أن نحسن إلى الوالدين وقرن هذا الأمر بعبادته .

    * * *

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا و تقصيرنا ...
    اللهم أعنا على تطبيق كل ما تعلمناه , اللهم ذكرنا بهذه الآيات و الأحاديث ما حيينا .
    اللهم ارحم أهلنا و ارزقهم الصحة و العافية و اهديهم و لا تحرمهم من رؤية وجهك الكريم .
    اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة و سامحهم .
    اللهم جازهم بالحسنات إحسانا ً و بالسيئات عفوا ً و غفرانا ً .
    اللهم لا تحرمنا من برهما كي يرضوا عنا , فترضا يا ربنا , يا أرحم الراحمين .
    اللهم آمين .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  21. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ,

    إخوتي و أخواتي , الدرس القادم سيتناول الحديث عن حق الأبناء على الآباء إن شاء الله عز و جل .

    لا تنسونا من صالح دعائكم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  22. #72
    الصورة الرمزية lina k
    lina k غير متواجد حالياً عَـاشِـقَـةُ الـقَـلَـمُـوْنِ - مشرفة عالم التغذية والصحة
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    قلمون-عروس لبنان
    المشاركات
    1,492

    افتراضي

    يعطيك العافية باربي على هالمجهود الرائع

    متابعين, ما توقّفي

  23. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    شكرا ً لك ِ لينا , و الله يعافيكي .

    بإذن الله يُكتب لنا الخير من هذه الدروس , و نوفق لتطبيقها بعد قراءتها إن شاء الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  24. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    الدرس التاسع

    حق الأبناء على الآباء - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ،

    أيها الإخوة المؤمنون ... في الدرس الماضي أنهينا بفضل الله عزَّ وجل حقوق الآباء على الأبناء ، وها نحن أولاء في هذا الدرس ننتقل إلى موضوعٍ آخر متمَّمٍ للأول ألا وهو حقوق الأبناء على الآباء ، لأن كل حقٍ يقابله واجب ، وكل واجبٍ يقابله حق ، فما دام للآباء حقوقٌ على الأبناء ، لابدَّ من أن يكون للأبناء حقوقٌ على الآباء ، والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً :

    " رحم الله والداً أعان ولده على برِّه "

    إذا أدَّيت ما عليك من حقوق صار الطريق إلى الله سالكاً ، وإذا كان هناك تقصيرٌ ، أو مجاوزةٌ ، أو جنوحٌ ، أو مخالفةٌ ، أو إساءةٌ كانت هذه الأعمال حجاباً بين العبد وبين ربه ،

    والحديث الذي تعرفونه أيضاً جميعاً هو أن الإنسان قد يستحق النار يوم القيامة فيقف بين يدي الله عزَّ وجل ويقول :
    " يا رب لا أدخل النار حتى أًُدخِل أبي قبلي " .


    إذاً الحديث النبوي الشريف :
    " رحم الله والداً أعان ولده على برِّه "
    هو عنوان هذا الموضوع : حقوق الأبناء على الآباء .

    يا أيها الإخوة الأكارم ... جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه ، فأحضر سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ابنه وأنَّبه على عقوقه لأبيه .
    فقال الابن : " يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوقٌ على أبيه ؟ " . قال : " بلى " . فقال " فما هي يا أمير المؤمنين ؟ " . قال : " أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه الكتاب ـ القرآن ـ " .

    فقال الابن : " يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، أما أمي فإنها زنجيةٌ كانت لمجوسي ، وقد سماني جُعْلاً ـ أي خنفساء ـ ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً " . فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل وقال له : " أجئت تشكو عقوق ابنك ، لقد عققته قبل أن يعقَّك، وأسئت إليه قبل أن يسئ إليك؟ " .

    هذا النص أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه القرآن ، فإذا أهمل الأب هذه الأشياء يكون قد عَقَّ ابنه قبل أن يعقَّه ابنه ، ويكون الأب قد أساء إليه قبل أن يسئ الابن إلى أبيه .

    فأول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء أن يحسن الأب اختيار الزوجة، إن هذا الواجب يسبق وجود الولد ، الواجب الأول بل هو أخطر واجب إنه يسبق وجود الولد ، وهو أن يحسن اختيار أمه .

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة صالحة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها "

    وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل يا رسول الله :
    " أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ "*
    (من سنن الترمذي: عن أبي هريرة)

    اختيار الزوجة الصالحة أول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء الذين سوف يأتون إلى الدنيا .

    وفي حديثٍ آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام ، رواه البخاري ومسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام :
    " تنكح المرأة لأربع ؛ لمالها ، ولخلقها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك "

    أي إن لم تفعل ما نلت إلا التُراب ، والتراب شيءٌ لا قيمة له إطلاقاً، إذا جهدت ، وتحمَّست ، وانقضضت ، وأمسكت بشيء فإذا هو تراب ، يقال تربت يمينك ، أي لن تأخذ شيئاً ، لم تنل شيئاً ، لم تفلح في هذا الزواج .

    هذا كلُّه من حقوق الأبناء على الآباء ، أي ليحسن الأب اختيار الزوجة الصالحة ..
    " الدنيا متاع ، و خير متاعها المرأة الصالحة "
    ( من المأثور : عن " ابن عمرو " )

    يتبع إن شاء الله تعالى ... كي لا أطيل عليكم .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  25. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    نكمل بفضل الله عز و جل :

    _ 2 _ الواجب الذي يلي هذا الواجب هو :
    أن يتخيَّر له اسماً حسناً ذكراً كان أو أنثى

    ففي الحديث الشريف :
    " إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ".
    (رواه أبو داود بإسنادٍ جديد)

    النبي عليه الصلاة والسلام ، عن ابن عمر رضي الله عنه ، وفيما رواه الإمام مسلم يقول
    " إن أحب أسمائكم إلى الله عزَّ وجل عبد الله وعبد الرحمن " .

    * نختار أيضاً من حقوق الأبناء على الآباء ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين عن رياضة الصِبيان :

    فاعلم أن الطريق في رياضة الصبيان ـ والمقصود هنا بالرياضة هي التربية ـ من أهم الأمور وأوكدها ،
    والصبي أمانةٌ عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة ، خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة ، وهو قابل لكل ما نُقِش ، ومائلٍ إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب ، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له ،

    وقد قال الله عزَّ وجل :
    يأيُّها الَّذين َ ءامنوا قُوا ْ أَنفُسَكُم ْ و َ أَهْليكُم ْ نارا ً وَقودُها النَّاس ُ و الحِجارة ُ
    (سورة التحريم: من آية 6 )

    إذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا ، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدِّبه ويهذبه ـ الكلام للإمام أبو حامد الغزالي ـ ويعلّمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من قُرَناء السوء .......... فينبغي أن يحسن مراقبته ..

    " لاعب ولدك سبعاً ، وأدِّبه سبعاً ، وراقبه سبعاً ، ثم اترك حبله على غاربه "
    وإن الصبي إذا أهمل من ابتداء نشأته خرج في الأغلب رديء الأخلاق ، كذَّاباً ، حسوداً، سروقاً ، نمَّاماً ، لحوحاً ، ذا فضول ، وضحك، وكِياد ، ومجانة ـ أي من المجون ـ وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب .

    _ 3 _ الحق الثالث هو :

    أن يُعَلِّمُ الأب ابنه القرآن الكريم ،
    هذا حق الابن على أبيه ، فقد ورد في حديثٍ شريف رواه البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
    "حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية ، وألا يرزقه إلا طيبا "
    (من الجامع الصغير : عن " أبي رافع " )
    هذا الحديث الذي رواه البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في الجامع الصغير في الجزء الأول .


    والمقولة التي تعرفونها جميعاً هو أنه ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسببِ جهلٍ به ، إذاً كل مصيبةٍ ، كل مشكلةٍ أساسها الجهل وعلاجها العِلم ، والقرآن الكريم كتاب الله عزَّ وجل ، فيه هذا كتاب مقرر ، فيه تعليمات الصانع ، فمن أخذ به فقد أمسك مفتاح النجاح ، ومن أهمله فقد جانب النجاح .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...

    ملاحظة : أريد أن أنوه إلى أن ما أنقله لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي , مختصر بمعنى أنني لا أستطيع نقل الدرس كاملا ً , بل أضع بين أيديكم ما أراه يصب في صلب الموضوع ( و الله أعلم ) , كي لا أطيل عليكم .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  26. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل الله ,

    إذاً في تعليم الابن القرآن الكريم هناك أهدافٌ لا تعدُّ ولا تحصى .
    فحينما يعلِّم الأب ابنه كتاب الله عزَّ وجل ، يكون قد أدى ما عليه من حقوقٍ تجاه الدين ،

    لكن هنا ملاحظة مهمة جداً :
    يربي الأب ابنه فهذا عمل يختلف اختلافاً كلياً عن أي عمل آخر ، فمثلاً أن تمسك بقطعة خشب وتنجِّرها وفق ما تريد ، فهذا أمر سهل لأن قطعة الخشب مطواعةٌ لك ، فأنت تفعل بها ما تشاء ؛ تقطعها ، تنجِّرها ، تصلها بأختها ،
    ولكن الابن له اختيارٌ مستقلٌ عن أبيه ، فكأن الأب مطالب أن يبذل العناية الكافية ، ولكن ليس على الأب أن يحقق النتائج المرجوة في ابنه، فهذا فوق مقدور الإنسان .

    أنا ذكرت هذا الكلام حتى يبذل كل أب أقصى جهده في تربية ابنه ، ولكن أحياناً مع بذل غاية الجُهد وأقصى العناية والتوجيه ، فالابن قد يأخذ موقفاً آخر لأن الابن مخَيَّر ،
    من هنا قال الله عزَّ وجل للنبي عليه الصلاة والسلام :
    لَّيس َ عَلَيْك َ هُداهُم ْ و َ لَكِن َّ الله َ يَهدي مَن يَشاء ُ
    (سورة البقرة: من آية 272)

    فعلى الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح ،
    هذا الكلام أريد أن أذكره لئلا يتألَّم أبٌ بذل قصارى جهده في تربية ابنه ، وفي تعليمه ، وفي إرشاده ، وفي توجيهه ، فرأى هذا الأب ابنه في طريقٍ آخر ، وفي وادٍ آخر ، ولم يستجب له .
    الأب يعرف ، إذا كان انحراف ابنه أو تقصيره بسبب تقصير الأب أو إهماله ، أو بسبب إصرار الابن على اختيارٍ معين ، هذا الشيء يعلمه الأب وحده دون غيره ، فلذلك المسؤولية تنتهي حينما تبذل قصارى جهدك مع ابنك .

    ** "حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية ، وألا يرزقه إلا طيبا "
    (من الجامع الصغير عن أبي رافع)


    الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : " ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم ، فهو نورٌ يهتدي به الحائر " .

    أي كما تعلمون مني سابقاً أن هذه القيَم التي يتفاضل الناس بها في الدنيا ؛ القوة ، الغنى ، الوسامة ، الجمال ، الذكاء ، الصحة ، هذه القيَم قد رفض القرآن الكريم أن يعتمدها قيماً مُرَجِّحَة ، إلا قيمةً واحدة هي قيمة العلم والعمل به ،
    فلذلك قال الله عزَّ وجل :
    قُل هَل ْ يَستو ِى الَّذين َ يَعْلَمون َ و الَّذين َ لا يَعْلمونَ
    (سورة الزمر: من آية " 9 )

    وقال الله عزَّ وجل :
    وَ قُل رَّب ِّ زِدْنِى عِلما ً ( 114 )

    (سورة طه)

    والفرق الدقيق الدقيق بين الإنسان الذي أكرمه الله بالعلم ، وبين الإنسان الذي بقي جاهلاً هو فرقٌ كبيرٌ جداً فهما لا يستويان ، فلذلك على الأب أن يحرص على تعليم ابنه .

    بالعلم تحيا نفوسٌ قط ما عرفت ....

    من قبل ما الفرق بين الصدق والمَيْنِ
    العلم للنفس نورٌ يستدل به ...
    ...... على الحقائق مثل النور للعين
    المَيْنِ : هو الكذب .

    ولولا العلم ما سعدت نفوسٌ ولا عرف الحلال من الحرام
    فبالعلم النجاة من المخازي .... وبالجهل المذلة والرغام

    * * *

    وسيدنا علي كرم الله وجهه يقول : " العلم خيرٌ من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق " .

    وهكذا ، إذاً إذا علّمْتَ ابنك القرآن فقد علمته منهج الحياة حقيقة ،
    وأنت إذا تعلمت القرآن تعلمت أهم شيء في حياتك ، تعلمتَ المنهج .

    _ 4 _ الحق الرابع : أن يعلمه السباحة .
    فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال في حديثٍ رواه البيهقي :

    " أن يعلمه الكتاب والسباحة .... "

    أنا أعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد بالسباحة مدلولها بالذات ، بل مدلول السباحة عموماً لأنها تحرِّك كل عضلات الجسم ،
    فكأنه لما ذكر هذا النوع من الرياضة وأراد به كل أنواع الرياضة ، فقد يكون الإنسان بمكان لا يوجد فيه أنهار أو مسابح إطلاقاً ، كما هو الحال في بعض القرى ،

    إذاً صار المقصود من السباحة هنا أي يجب أن ينشأ ابنك في بنيته الجسمية نشأةً قوية ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

    " الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ "*
    من سنن ابن ماجة: عن أبي هريرة

    لكن روعة الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قيَّد القوة بالإيمان ، لأن القوة وحدها شيءٌ خطير ، شيءٌ مخيف ، شيءٌ مدمِّر ، أما المؤمن القوي ، لم يقل : القوي .
    بل المؤمن القوي ، لأن الإيمان فيه ضوابط ، الإيمان قَيْدُ الفتك ولا يفتك مؤمن ، المؤمن القوي ، والإنسان كما قال سيدنا علي ، هذا كلام واقعي وخطير ، أعظم نعمةٍ تمتلكها ما هي ؟
    نعمة الإيمان .

    ... يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  27. #77
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم
    نكمل مع الحق رقم _4_ تعليم السباحة :

    ما هي أكبر نعمةٍ بعد الإيمان ؟
    أكبر نعمة أقول ، وأعني ما أقول : هي الصحة .

    فما قيمة المال من دون صحة ؟ لكن ما هي أكبر نعمةٍ بعد الصحة ؟ أن تكون مكتفياً .

    لذلك الإيمان والصحة والكفاية إذا توافرت لك فالدنيا كلّها لا تعدل شيئاً أمامها ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
    "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ـ الآمن أي مطمئن إلى ربه ـ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها "*
    (من سنن الترمذي: عن عبيد الله بن محصن الخطمي)

    صحة الجسد شيءٌ مهم ، والحقيقة أن الجسد مطيَّتك إلى الله عزَّ وجل ...

    الإنسان بالصحة يعمل ، ويدرِّس ، ويدعو إلى الله عزَّ وجل ، ويكسب المال ، ويفعل كل شيء ، أما إذا تعطلت صحتك فإنك تتعطل عن العمل بسبب المرض ،
    فالقضية خطيرة جداً ، أي أن العناية بالصحة أريد أن أقول شيءٌ يلي الإيمان في الأهمية ،
    من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
    " علموا أولادكم الكتاب والسباحة "

    إذاً السباحة بمعنىً مُطلق القوة ، القوة الجسمية ، الرياضة البدينة .


    *** فإذا تحدثنا عن الرياضة والسباحة فالحديث جميل بشرط ألا نضيع من أجلها أخلاق أبنائنا ، هذه قاعدة مهمة جداً ، كشف العورات ، الاختلاط ، هذا كله يتناقض مع قواعد الدين .

    في أحاديث أخرى :
    "علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية".
    (من الجامع الصغير: قول لسيدنا عمر رضي الله عنه)

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي"
    رواه مسلم
    وهذا من إعجاز النبي عليه الصلاة والسلام ، فأحدث سلاح الآن أساسه دقة الرمي .

    الآن الحق _ 5 _ : ألا يرزقه إلا طيباً .

    والمراد بالرزق الطيب الكسب الحلال ، ومعنى ذلك أن يتحرى الحلال في تجارته ، وأن يؤدي الأعمال بإتقان .
    قال عليه الصلاة والسلام :
    "من أصاب مالاً في مهاوش ـ أي بالهيلمة ـ أذهبه الله في نهابر"
    يذهب المال نهيباً ، كيف يأتي المال يذهب ، حديثٌ ورد في الجامع الصغير :
    "من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر"

    "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة "
    (من المأثور: عن سعد بن أبي وقَّاص)

    يقول عليه الصلاة والسلام :
    " من سعى على عياله من حِلِّه فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء "
    وفي الأثر :
    " أنه من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله عزَّ وجل من أي أبواب النيران دخل " .

    أبناء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يوصون أباهم قبل أن يذهب إلى العمل ، يقولون له :
    " اتقِ الله فينا ولا تعد علينا إلا بالحلال ، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على عذاب الله " .

    إن شاء الله نتابع حقوق الأبناء على آبائهم ، واعتقد أن هذه الموضوعات تمس كل إنسان منا ، وهي ومهمة جداً لأنه ما من إنسان إلا وله أب أو ابن فليعرف إذا كل واحد منهما ماله وما عليه .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  28. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    نتابع الدرس بفضل الله تعالى :

    _ 6 _ من حقوق الأبناء على آبائهم أن يُؤدَّب بالأدب الإسلامي ، كل دينٍ ، أو كل مذهبٍ ، أو كل مبدأٍ ، أو أية حضارةٍ هي مجموعة أفكار ، ومجموعة قيَم ، ومجموعة أخلاقيات ، وقد يعبَّر عنها بالأدبيات ، الإسلام له أفكاره ، وله قيمه ، وله آدابه .
    هناك آداب الاستماع ، آداب الحديث ، آداب الطريق ، آداب طلب العلم ، آداب تلقين العلم ، هناك آداب الزوج مع زوجته ، آداب الزوجة مع زوجها ، آداب الجار مع جاره ، في الإسلام بعامة وفي السُنَّة المطَّهرة بخاصة موضوعٌ كبيرٌ ويحتل مساحةً كبيرةً إنه موضوع الآداب .

    فالابن فضلاً عن أن الأب مُلزم عن أن يعلِّمه مبادئ الإسلام ، وأن يعلِّمه قيم الإسلام عليه أن يؤدِّبه بأدب الإسلام .

    فعلى الأب أن يؤدَّب ابنه بالآداب الإسلاميَّة ، ولكن وهذه كلمةٌ صريحة :
    ما دور الكلام في نقل الآداب ؟ ما دور الكلام في نقل القيَم ؟

    إن دور الكلام دورٌ ضئيلٌ جداً ، محدودٌ جداً ، ولكن يكفي أن يتأدَّب الأب بالأدب الإسلامي ، وأن يكون في بيته مسلماً صادقاً ، يكفي أن يَصْدُق ليعلِّم أبناءه الصدق من حيث لا يشعر ولا يشعرون ، لمجرَّد أن يكشف الابن أن الأب يكذب على أمِّه ،

    وأن الأم تكذب على الأب ، وأن الأخ يكذب على أخيه هذا اسمه كذبٌ ممارس ، الواقع فيه كذب ، فالابن يتعلَّم من الواقع أضعاف ما يتعلَّم بالتلقين ،
    من هنا قالوا : " لغة العمل أبلغ من لغة القول ".

    إذاً هذه كلمة أقولها من القلب : الإسلام الآن لا يحتاج إلى كلام ، الكلام ولاسيما في هذا العصر هناك منه طَوَفان ، أو هناك طُوفان ، أي من الكلام، الكلام ، الكتابات ، المقالات ، الكتب ، التسجيلات ، الخُطَب ، المحاضرات، الندوات بلغت من الكثرة ، والعمق ، والتفنُّن ، والتنوُّع ، والقدرة على التأثير الحَدَّ الأقصى ، وما لهؤلاء الناس لا يرتدعون ، ولا يؤثِّر فيهم هذا الكلام ؟ لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول .

    أنا أقول لكم هذه الكلمة : " بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء " . الآن لا يؤثِّر في أخيك ، ولا في جارك ، ولا في زميلك، ولا في صديقك ، ولا في أي إنسان تلتقي به لا يؤثِّر فيه دقة الفكرة ولا دليلها ، بل يؤثِّر فيه الموقف الإسلامي ؛ أن تكون صادقاً ، أن تكون منضبطاً ، أن تكون عفيفاً ، أن تكون سَخياً ، أن تضع المادة تحت قدمك من أجل مبدئك ، أن تكون عند وعدك ، عند ما تقول ، فإذا كان هذا هو الطريق الوحيد لنشر الدين في الأوساط ، فأن يكون الطريق الوحيد لتلقين أولادك فبادئ الإسلام وقيمه وآدابه من باب أولى .

    لذلك قبل أن تقول لأولادك عُدَّ للألف وللمليون هل أنت في مستوى هذا القول ؟ إن دعوتهم إلى الصدق فهل أنت صادق ؟

    إن دعوتهم إلى أن يفعلوا كذا وكذا فهل تسبقهم أنت إلى فعل كذا وكذا ؟
    هذه الازدواجيَّة في شخصية الإنسان هي الطامَّة الكبرى في هذا العصر ، هناك شرخٌ كبير بين ما تعتقده ، وبين ما تؤمن به ، وبين ما تدعو إليه ، وبين ما تمارسه في حياتك اليوميَّة ، هذا الشرخ الكبير ، هذه الهوة الكبيرة فصلت الإسلام عن الحياة .

    ما تسمعه في المسجد ، ما تسمعه من خطيب المسجد كلامٌ طيب مائة في المائة ، ولكن ما تراه في الحياة اليوميَّة شيءٌ آخر مختلفٌ كل الاختلاف،

    لذلك الكلمة الفصل ، والكلمة الصادقة ، إذا أردت أن تربي أبناءك على أي شيء لا تنتظر أن يكونوا كما تريد إن لم تكن أنت كما يريد الإسلام ، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تكون صادقاً فأولادك أعجز عن الصدق منك ،

    إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تضبط شهواتك ، يكفي أن يراك ابنك تستقبل امرأةً لا تحلُّ لك ؛ قريبة ، أو صديقة ، أو ، أو ، ويكفي أن ينظر إليك وأنت تدير معها حديثاً لطيفاً وأنت تملأ عينيك منها ، أي كلامٍ تقوله لابنك عن غض البصر ، وعن العفَّة ، وعن وعن كلامٌ لا قيمة له إطلاقاً ، يجب أن يرى الابن من أبيه الصدق ، العفَّة ،
    من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
    " الإسلام عفيفٌ عن المحارم ، الإسلام عفيفٌ عن المطامع"

    إذا أردنا أن نوسِّع الدائرة فهذا ممكن .

    دعونا من تربية الأبناء ووسِّعوا الدائرة إلى الدعوة إلى الله ، لن تستطيع أن تؤثِّر في إنسان كائناً من كان إن رأى هذا الإنسان مسافةً بين أقوالك وأفعالك ، الكلام سهل ، لذلك قال بعض الأدباء : " إن أكثر الناس يستطيعون الحديث عن المُثُل العُليا ، ولكنهم لا يستطيعون أن يعيشوها " .

    أي لك أن تقول : هذه حقوق الأم . ولكن البطولة أن تعرف هذه الحقوق وأنت متزوِّج ، حينما تصطدم أمك مع زوجتك ، تقف مع من؟ تقف مع مبدئك أم مع شهوتك ؟ تقف مع مصلحتك العاجلة أم مع مصلحتك الآجلة ؟

    لذلك هذه الكلمة لابدَّ منها تقديماً لهذا الموضوع الدقيق ، أي يا رب كيف أؤدِّب ابني بالأدب الإسلامي ؟

    يجب أن تكون أنت مسلماً ، يجب أن يكون هذا البيت إسلامياً ، يجب ألا تعد وعداً إن لم تكن متأكِّداً من أن توفيه .

    الطفل يصدِّق كل ما تقوله له ، لقد وعدته بمكافأةٍ إذا نجح ، وها هو ذا قد نجح أين المكافأة ؟ هو لا يعرف أنك لا تملك مالاً ولكن يعرف أنك وعدته ، أنت أبوه وهو يظن كما يقولون : " المرأة والطفل الصغير يحسبان الرجل على كل شيءٍ قدير " . هكذا تظن المرأة وابنها في وقتٍ واحد ، فإذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بوعدك فلا تعد ، أي علِّم ابنك قدسيَّة الكلمة .

    نكمل لاحقا ً إن شاء الله عز و جل ... و أعتذر إن أطلت عليكم , لكن من أجل اكمال الفكرة .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  29. #79
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل ٍ من الله تعالى ,

    قال عليه الصلاة والسلام :
    " أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبه "
    (رواه ابن ماجة: عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما)

    سبحان الله ! هناك جبلَّةٌ جبلها الله عزَّ وجل في قلب كل أب ، هذه الجبلَّة هي الحرص على أولاده ،

    ولكن المشكلة أنك تحرص على أولادك من زاوية نظرك ،
    من وجهة نظرك ، فالأب الذي لا يعرف الله عزَّ وجل يحرص على مستقبل أولاده وفق تخطيطه هو ،
    هذا الذي يسميه الناس ضالٌ مُضل ، يحب أن يكون أولاده أحراراً في أعمالهم ، وفي حركاتهم ، وفي سكناتهم ، ولا يتأثَّر كثيراً إذا رأى انحرافاً لابدَّ من أن يكون ابنه كذا وكذا ،
    لذلك تعلُّم الأب فرض عينٍ قبل أن يُعَلِّم ، الأبوَّة مسؤوليَّة .

    فكل إنسان يتزوَّج ينجب أولاداً ، هذا في مقدور أي إنسان ؛ جاهل ، عالم ، عظيم ، تافه، أخلاقي ، لا أخلاقي ، أمر واضح كائن مع كائن ينجبان مولوداً ، ولكن الأبوَّة في الإسلام مسؤوليةً قبل أن تكون مُتعة ، مسؤوليَّة كبيرة ، هذا الذي أنجبته له حقٌ عليك .

    هؤلاء الأولاد إن تخليت أنت عنهم من لهم ؟ ليس لهم أحد ،
    من هنا كان الدرهم الذي تنفقه على عيالك ، أو على أولادك خيراً من أي درهمٍ آخر .

    عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدبٍ حسن "
    (رواه الترمذي)
    معنى نحل أي أعطى ـ


    الله سبحانه وتعالى جعل في الأرض معايش ،
    معنى معايش أي جعل في الأرض أبواباً لكسب الرزق ، كل واحد له حرفة ؛

    كذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل في الحياة الدنيا أبواباً للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى
    الأسرة أحد أكبر هذه الأبواب ،
    أي يكفي أن تكون زوجاً مثالياً ، أن ترعى زوجتك ، أن تحملها على طاعة الله ، أن تعرِّفها بأمر آخرتها ، أن تعطيها سؤلها بالمعقول من دون شطط ، من دون إسراف ، من دون تبذير ، من دون مباهاة ، أن تكفيها مؤنتها ،
    أن تطمئنها لا أن تهددها بالطلاق صباح مساء ، يكفي أن تبثَّ في قلبها الأمن والطمأنينة ، وأن تطعمها مما تأكل ، وأن تلبسها مما تلبس ،
    وأن توقِّرها توقيراً يليق بها كزوجة شريكة حياة ، هذا بابٌ كبير من أبواب العمل الصالح .

    *** أولادك يكفي أن تحرص على مستقبلهم ،
    يكفي أن تحرص على هدايتهم ، يكفي أن تسعى لتنشئتهم نشأةً صالحة .

    بناتك يكفي أن ينشأن على طاعة الله ورسوله ، يكفي أن تكون هذه البنت وفق ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام ،
    وأن تبحث لها عن زوجٍ مؤمن فإن في هذا المسعى عملاً عظيماً هو مدخلٌ لك على الله عزَّ وجل .

    عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال : جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيتنا ـ يبدو أن بينهم قرابة ـ وأنا صبيٌ صغير ،
    فذهبت لألعب فقالت لي أمي : " يا عبد الله تعالَ أعطيك ". فقال عليه الصلاة والسلام : " ما أردتِ أن تعطيه ؟ " قالت : "تمراً " ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أما إنكِ لو لم تفعلي ذلك لكُتبت عليكِ كذبة ".
    فعليك أن تمارس مع ابنك الصدق قبل أن تأمره بالصدق .

    يتبع بإذن الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  30. #80
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    97

    افتراضي السلام عليكم

    بارك الله بكم يا اخت باربي وجزاكي كل خير وجعله في ميزان حسناتك

  31. #81
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  32. #82
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " أخذ الحسن بن علي رضي الله عنه تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه ـ أحياناً الأب لا يبالي ماذا يأكل ابنه ؟ من طعام حلال ، من طعام حرام ، هذا الشيء يجوز أكله ، أو لا يجوز أكله ، شاهد معه حاجة ليست له فلم يسأله : من أين هي ؟ هذا الذي لا يبالي ربَّما شجَّع ابنه على أكل مالٍ حرام وهو لا يدري ـ فقال عليه الصلاة والسلام لحفيده الحسن ، وقد أخذ تمرةً من تمر الصدقة ، قال عليه الصلاة والسلام : كخ كخ ـ هذه كلمةٌ فصيحة وهي اسم فعل ـ ارم بها أما علمت أَنَّا لا نأكل الصدقة ؟ ".
    (رواه الشيخان)

    إذا تعفَّف الأب انتبه الابن ، وصار لديه انضباط
    عندنا قاعدة شهيرة جداً : " لا يستقيم الظلُ والعود أعوجُ " .
    أحضر عواًد أعوج وضعه في الشمس ، هل يمكن أن يأتي ظلُّه مستقيماً ؟ مستحيل ، متى يستقيم العود والظل أعوج ؟!

    والبيت الشهير الذي تعرفونه جميعاً :
    إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيتِ كلُّهم الرقص
    * * *
    فالأب كما قلت لكم سابقاً : يكون ابنه في سن لا يُجدي معه إلا الملاعبة ، والمداعبة ..
    " لاعب ولدك سبعاً ..."

    طفل صغير ، هذا الذي يستيقظ ليضرب ابنه ضرباً مبرِّحاً إذا بكى في الليل وأيقظه ، وعمره سنتان ، هذا ليس أباً ، هذا الإنسان ليس في مستوى أن يكون أباً لولد ، من عام لسبعة أعوام هذا الطفل الصغير يحتاج إلى إيناس ، يحتاج إلى ابتسام ، يحتاج إلى ملاعبة ، يحتاج إلى أن تهبِط إلى مستواه ، يحتاج إلى أن تمضي معه فترةً في تأليف قلبه ،
    فالنبي على عظمة شأنه ، وعلى عِظَمِ قدره كان يمشي على أربع ، ويركب الحسن والحسين على ظهره ويقول :
    " نعم الحملان أنتما ، ونعم الجمل جملكما ".
    " نعم الجمل جملكما! ونعم العدلان أنتما ".
    (من كنز العمال: عن جابر)

    " من كان له صبي فليتصابى له "
    (من الجامع الصغير: عن "معاوية)

    وكانت الجارية تأخذ بيد رسول الله ـ البنت الصغيرة جداً ـ وتمضي به حيث تشاء ، الآن :
    " لاعب ولدك سبعاً ، وأدبِّه سبعاً ".

    من السابعة إلى الرابعة عشرة تأديب ، تكلَّم الابن قليلاً خلاف الحق أو أخذ ما ليس له ، أو نظر نظرةً غير مؤدَّبة ، فيجب أن تؤدِّبه باستمرار .

    لكن ما هي المشكلة ؟
    أنه أحياناً ألف إنسان ينظِّف لا يستطيع أن يزيل أثر إنسان يوسِّخ ، فكيف إذا كان منظِّف واحد وألف موسِّخ ؟ اعكسوها . الإنسان أحياناً بحكم الفساد الاجتماعي العام ، يجد مصدراً واحداً للتوجيه وألف مصدرٍ للإفساد ، على كلٍ وأدِّبه سبعاً .

    هناك وصية لسيدنا لقمان مأثورة عن هذا النبي الكريم وهي من وصايا كثيرة أثرت عنه، وبعضهم يقول : هو ليس نبياً ، على كلٍ ورد ذكره في القرآن الكريم ..

    و َ إذ ْ قَال َ لُقمان ُ لِابْنِه ِ وَ هُو َ يَعِظُه ُ يا بُنَى َّ لَا تُشْرِك ْ بِالله ِ
    (سورة لقمان: من آية " 13)

    قد تواجهك مرحلة لا تملك عندها إلا التوجيه الصحيح وأن تكون قدوةً ، وعلى الله الباقي .

    " يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارتك يأتك الربح من غير بضاعة ".
    أول ملاحظة : استقيموا ولن تحصوا ، استقم على أمر الله واجعل تجارتك أن تكون مستقيماً على أمر الله ، ولا تسأل عن كثرة الخير الذي سيأتيك من كل جانب .

    النصيحة الثانية : " يا بني احضر الجنائز فإن الجنائز تذكِّرك بالآخرة " .
    الجنائز تذكر بالآخرة ، فأحياناً الشباب في مرحلة من حياتهم أسقطوا من حساباتهم كلياً موضوع الموت ، أو موضوع مغادرة الدنيا ، هناك مفاجآت، فكم من شابٍ مات في مقتبل العمر ؟! هذه الفكرة الخاطئة أنا شاب الآن ، هذا كلام غير صحيح ، نسمع كل يوم بنعوات الشاب أو الشابَّة ، أو فلانة الوالدة مع ابنها ، إذاً الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، فالنصيحة الثانية أن يتجه الشاب إلى أمر الآخرة .

    " يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوِّت بالأسحار وأنت نائمٌ على فراشك ".
    أي في الصباح ساعة فيها من التجلِّي ، وفي من البركات والخيرات لا يعلمها إلا الله .
    " لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا "*
    ( من صحيح البخاري : عن أبي هريرة)

    ربنا عزَّ وجل في هذا الوقت يتجلَّى على عباده ، فلذلك هناك من يستيقظ ليأخذ من هذا التجلِّي شيئاً ، وهناك من يمضي هذا الوقت نائماً ، على كلٍ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي :
    " إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر
    ( من تفسير ابن كثير : عن " سعيد لن جبير " )

    " يا بني لا تؤخِّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة ".
    لذلك مرَّ معي أن من أدعية المصطفى صلى الله عليه وسلَّم : " اللهمَّ اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " .
    هذا دعاء قرآني كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يتمثَّله .

    وهناك شيء آخر هام جداً : " اللهمَّ تب علينا من نسيان التوبة ، وتب علينا من تأخير التوبة " .
    نسيان التوبة ذنب يضاف إلى ذنب الذنب ، وتأخير التوبة ذنب ، أيضاً وبعض الشباب دائماً يردد : أنا شاب ، وغداً أتوب . وقد قال عليه الصلاة والسلام :
    " ويحك! أو ليس الدهر كله غدا ؟ " .
    من الجامع الصغير : عن جعال بن سراقة

    يتبع بإذن الله تعالى ...

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  33. #83
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    أعتذر عن توقف الموضوع في الفترة السابقة .

    و الآن نكمل بفضل الله تعالى مع حقوق الأبناء على الآباء .
    ( _ 6 _ من حقوق الأبناء على آبائهم أن يُؤدَّب بالأدب الإسلامي )

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    " يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عن
    عمله ".
    إذا أثنيت على جاهل فكأنك تثني على جهله ،
    من هنا الحديث الشريف :
    " إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق ".
    (من أحاديث الإحياء : عن ابن أبي الدنيا)

    إذا مدحت فاسقاً أمام ابنك ، هو لا يصلي ، يشرب الخمر ، يا أخي لطيف ،
    تقول عنه لابنك : مهذَّب ، لبق ، ذكي ، شاطر ، فإلى أين أنت مندفع في ثنائك الزائف ؟
    ابنك يصدِّقك ، إذا خلعت على هذا الإنسان العاصي لربه ، المقترف للكبائر ووصفته بكل صفات الأدب ، والذكاء ، واللطف ، فهذه مشكلة ، يجب أن تسكت وإلا فإنك تكون قد وضعت ولدك في خصم المتناقضات..

    " إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق".
    من أحاديث الإحياء : عن ابن أبي الدنيا
    يغضب ، حينما تمدح الفاسق ماذا تفعل ؟ تجعل القيم تضطرب في ذهن ابنك .
    لذلك أحياناً في القصص ، والأعمال التي تجسِّد هذه القصص في بعض أجهزة اللهو ، ما الذي يحصل ؟

    أن شخصيةً من الشخصيات يسبغ عليها كاتب القصَّة البطولة ، الشهامة ، المروءة ، حب الآخرين ، حب خدمة الناس ، الصدق ، الأمانة ، كل الصفات البطوليَّة تُسْقَطُ على هذه الشخصيَّة ، ومع ذلك يشرب الخمر ،
    ولا يأبه لأوامر الله عزَّ وجل ، إذا قرأ الإنسان هذه القصَّة ، أو شاهدها ممثَّلةً ، ماذا يحصل ؟ هذه القيم تتسرَّب إلى أعماقه ، إلى عقله الباطن ،

    فأخطر ما في القصَّة إذا أراد الكاتب منها تدمير القيَم هذا الخطر الماحق ، إذ أن كل صفات البطولة يخلعها كاتب القصَّة على شخصيَّةٍ ما ، وفي الوقت نفسه يظهر أن هذه الشخصيَّة ليست منضبطة بأوامر الدين ، في أعماق أعماق المشاهد أو القارئ يتسرَّب إلى عقله الباطن أن البطولة ليس من مقوماتها معرفة الله ولا طاعته ، بل إن المعصية من لوازم البطولة .

    يجب أن تعرف ماذا يقرأ ابنك ؟
    إذا جئت بمطبوعات من المستوى الهابط إلى البيت فتعلم أن هذا يُقرأ من قِبَل الزوجة والأولاد ، إذاً من أنت ؟

    أنت وعاء، تفكيرك ، تصوراتك محصلة ما يملأ في هذا الوعاء . فهذا الذي يعاشر رفاق السوء ، هذا الذي يعاشر أناساً متفلِّتين من أوامر الدين ، هؤلاء يبثون فيه قيماً أخرى غير قيم الدين ، يبثون فيه عادات ليست إسلاميةً ، يبثون فيه مبادئ ليست إسلاميَّة ، لذلك أنت أو ابنك في النهاية وعاء ، ماذا يصبُّ في هذا الوعاء ؟

    فإذا كنت ممن يقرأ القرآن ، ممن يقرأ سُنَّة النبي العدنان ، إذا كنت ممن يحضر مجالس العلم ، إذا كنت ممكن يقرأ كتاباً إسلامياً يغذي قلبه وعقله فأنت في النهاية إنسانٌ مبدؤك صحيح ، قيمك صحيحة ، وكذلك عاداتك ، وتقاليدك ، وأخلاقك ،

    أما إذا سمحت لمُغَذِّياتٍ أخرى ، لثقافاتٍ أخرى ، للباطل المزيَّن المزخرف أن يملأ بيتك ، عن طريق كتاب ، أو مجلَّة ، أو قصَّة ، هناك أثر للقصَّة لا يعرفه إلا المختصّون ،

    فهذا الذي تقرؤه ، هذا الذي تسمعه ، هذا الذي تشاهده

    شئت أم أبيت ، أحببت أم لم تُحب في النهاية هو الذي يصنع عقيدتك ، وهو الذي يصنع قيَمك ، وهو الذي يصنع عاداتك وتقاليدك ، فالخطر يأتي من هنا .
    اقرأ القرآن فهذا كلام الله عزَّ وجل ..
    لابدَّ من مقصٍ بيد الأب يقصُّ به كل شيءٍ لا يعجبه حتى لا يقرأه ابنه ، إذا أردت أن تؤدِّبه أدباً إسلامياً .


    الحق الذي قبل الأخير من حقوق الأبناء هو :

    _ 7 _ أن يعوله حتى يبلغ سن الرشد

    أنا لست مجبوراً بك ، لا إنك مجبور به ، هذا الكلام الصحيح ، أنت حينما أردت أن تكون زوجاً وأباً فلهؤلاء الأولاد حقوق عليك ،

    لذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قالا : قال عليه الصلاة والسلام ـ استمعوا جيداً ـ
    " كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت ".
    الشيء الآخر : عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " أفضل دينارٍ ينفقه الرجل على عياله ، ودينارٌ ينفقه على دابَّته في سبيل الله " .
    إذاً أن تعوله حتى يبلغ سن الرشد ويستطيع الكسب .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  34. #84
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    لا زلنا في حقوق الأبناء على الآباء ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى حقٍ جديد ، إنه :

    _8 _ العدل بين الأولاد في العطاء وفي الوصية
    المشكلة التي يعيشها بعض المسلمين هو الفصل بين العبادات وبين المعاملات ، فإذا أدَّى صلواته الخمس ، وصام شهره ، وحج بيت الله الحرام ، وأدى زكاة ماله ، يظن أنه قد أدَّى كل شيء ،
    أما أن يأتي فيحابي ولداً على حساب ولد ، أو يعطي ولداً على حساب ولد ، فيظن أن هذا من شأنه الشخصي ،

    مع أن الإسلام نظامٌ كاملٌ أمثلٌ لكل مواقف الإنسان ، سواءٌ أكانت هذا المواقف أُسَرِيَّة ، أو في عمله ، أو في علاقته بربه ، الحق الأخير من حقوق الأبناء على الآباء ، العدل بينهم في العطاء والوصية .

    فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه أعطى أحد أولاده عطيةً ، وأراد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فسأله النبي الكريم :
    " أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ ". فقال هذا الصحابي : " لا " فقال عليه الصلاة والسلام : " فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ـ هذا العمل لا يصلح ـ وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقٍّ "* . .
    (من صحيح مسلم : عن جابر)
    وفي رواية : " لا أشهد على جور "

    من خلال هذا الحديث يتضح أن الذي يفرق بين أولاده في العطية خرج عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ،
    إلا في حالات خاصة فأحياناً هناك أبٌ يزوج بناته الأربع ، ثلاث بناتٍ منهن في وضعٍ ماديٍ جيِّد ، بينما بنتٌ رابعة زوجها فقير ، فإذا أعطاها في حياته شيئاً فأعانها على صعوبات الحياة ، وقد رضي بقية الإخوة ، فهذا وضعٌ استثنائي له عند الله حُجَّة ومبررات، ولكن الأصل أن يعدل المُسلم بين أولاده في العطية .

    روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم "

    أمر اعدلوا بين أولادكم ، أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام ،

    المشكلة أن الإنسان أحياناً يظن أن هذا حديث شريف وقد مر به ، قد قرأه أو سمعه من مدرس ، أو اطلع عليه ، وهذا مجرد أمر .
    و َ مَآ ءَاتاكُم ُ الرَّسُول ُ فَخُذُوه ُ و َ مَا نَهَاكُم ْ عَنْه ُ فَانتَهُوا ْ
    (سورة الحشر: من آية " 7)

    أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض هو الصانع ، هو الخالق ، بيده كل شيء ، أعطاك أمراً واضحاً بيناً ، قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، يقول لك : اعدل بين أولادك .

    وتقول : هذا حديثٌ شريف والله قرأته واطلعت عليه ، وقد مر بي . القضية أخطر من ذلك ، إنه أمرٌ من عند النبي عليه الصلاة والسلام الذي فوَّضه الله عزَّ وجل أن يشرع لنا..

    والحديث الآخر :
    " سووا بين أولادكم في العطية ـ سووا فعل أمر من التسوية ـ فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء ".
    وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني ،
    إذاً حديثٌ أول ، وثانٍ ، وثالث ، يحضُّ المسلمين على أن يعدلوا بين أولادهم ،

    * النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يشهد على جور حينما بلغه أن أحد أصحابه فضَّل ولداً من أولاده على آخر ،

    * والنبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نتقي الله وأن نعدل في أولادنا ،

    * والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ ثالث ، يقول :
    " سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء "

    هذه النصوص الثلاثة الصحيحة التي هي الأصل في العدل بين الأولاد .

    يتبع بإذن الله عز و جل ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  35. #85
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل الله تعالى ,

    العلماء قالوا : " يحرم على المرء أن يوصي لأحدهم بأكثر مما يستحق شرعاً ، أو أن يحرمه مما يستحق ، أو أن يحرمه بعض ما يستحق " .
    يحرم ، أي دخلنا في الحرمة ، هناك حرمة ، وهناك كراهةٌ تنزيهية، وهناك كراهةٌ تحريمية ، وهناك أمرٌ مباح ، وهناك سُنَّةٌ غير مؤكدة ، وسنةٌ مؤكدة ، وواجب ، وفرض .

    أن تحرم أحد أولادك من حقه ، أو من بعض حقه ، أو أن تعطي أحد أولادك فوق حقه ، فهذا مما يحرُم شرعاً ،

    فهذا الذي سيغادر الدنيا كيف سيلقى الله عزَّ وجل ؟ يلقاه وقد ظلم أولاده ، وقد فضَّل بعضهم على بعض ، وقد حابى بعضهم على حساب بعض ؟!!
    إن هذا يزيد البعيد بعداً ، قد يقول قائل : إن هذا الابن لا يَبَرُّني .

    إن هذا التصرُّف من قبل الأب يزيد الابن البعيد بعداً ، وتنشأ عداواتٌ بين الأخوة بعد الوفاة لا يعلمها إلا الله .
    لذلك الأولى أن تبقى على السُنَّة ، السنة منهج ، طريق مستقيم ، فالإنسان مهما اجتهد ، وفكر ، وتأمل ، ليس أعظم فهماً من خالقه ومربية الذي شرع له هذا الدين .

    الآن عندنا نقطة دقيقة : " ويجب أن يعطي أبناؤه في الوصية مثل ما أخذه أحدهم زيادةٌ عنهم " .

    فأحياناً ولد يأخذ نصيباً كبيراً من والده بحكم كونه أكبر أولاده ، فيزوجه ، يشتري له بيتاً، ويغادر الدنيا وعنده أربعة أولادٍ آخرون ، هؤلاء سوف يقتسمون الإرث بالتساوي مع أخيهم الأكبر الذي أخذ هذه الدفعة الكبيرة ،

    الأولى أن يسوِّي بينهم في العَطية ، بمعنى أنه إذا أعطى الأخ الأكبر ، فيجب أن يعطي كلاً من الصغار بقدر ما أعطى الأكبر ، هذا أيضاً حكم الله عز وجل ، أي يجب أن يتم التوازن بين الأولاد في تقسيم الميراث .

    شيءٌ آخر : لا يحق للأب أن يعطي في وجوه الخير أكثر من الثلث، والثلث كثير .

    أي أنه إذا كان مندفعاً لفعل الصالحات فيدع ورثته عندئذٍ من بعده عالةً يتكففون الناس وهذا لا يرضي الله عزَّ وجل أبداً ، لا يرضيه أبداً .

    فأحياناً يقول لك : يجب أن أوصي بثلث المال للمساجد . وقد ترك بيتاً واحداً ، ويسكنه أولاده ، فمن أجل أن توصي للمسجد فسوف ترغم أولادك على بيع هذا البيت ، فإذا كان هناك بيت وحيد يؤيهم ، ففي مثل هذه الحالة لا ينبغي أن توصي لا للمسجد ولا لغيره .

    " لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون
    "
    ( من سنن النسائي: عن السيدة عائشة )

    هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام . فسواء في حياته ، أو بعد مماته فلا ينبغي أن يعطي أحداً فوق ما يستحق ، ولا أن يحرم أحداً حقه ولا جزءاً من حقه ، وإذا أعطى أحداً دفعةً كبيرة ، فينبغي أن تدخل هذه في حساب الإرث ، أما أن تكون خارج الحساب وهو أعطاه بيت ، وزوجه ، وفتح له محلاً ثم توفى ، وترك أربعة أولاد آخرين ، فما تبقى لهؤلاء الخمسة ، صار في تفاوت كبير جداً ، الأولى أن يكون لكل ولدٍ حقٌ معلوم .

    الآن من توابع هذا الحق أن تدخل السرور على أولادك ، فقد ورد أن مر قومٌ من الأعراب على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : تقبلون صبيانكم ؟ قالوا : نعم ، فقالوا : لكنا والله لا نقبل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
    " وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة "
    (رواه ابن ماجة)

    أي أن هناك عطاءً معنوياً ، كان الحديث قبل قليل عن العطاء المادي ولكن عندنا عطاء معنوي ، فالابن أحياناً بحاجة إلى عطف ، بحاجة إلى قلب كبير ، بحاجة إلى اهتمام ،

    أحياناً لمسة حنانٍ من الأب أو الأم تغني عن آلاف الليرات ، الإنسان مفتقر إلى العطف ، لذلك هذا الذي ينشأ في حجر أمه وأبيه يكون في المستقبل متوازناً نفسياً ، أما الذي ينشأ في بيت فيه خصومات ، وفيه شقاق ، وفيه طلاق ،

    هذا الطفل ينشأ عنده خلل في عواطفه ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن من واجبات الأب تجاه أبنائه ليس أن يطعمهم ، أو أن يسقيهم ، أو يكسوهم فقط بل هناك واجبٌ آخر وهو أن يغمرهم بالعطف والحنان ، الاهتمام بطعامه وبشرابه ، وبغرفته وبحاجاته ، وبملابسه ، هذا الاهتمام هو الذي يزرع العطف والحب في قلب الأبناء ،

    فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما أنكر هذا الأعرابي تقبيل الولد ، قال عليه الصلاة والسلام :
    " وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة "
    (رواه ابن ماجة) .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  36. #86
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بإذن ٍ من الله تبارك و تعالى ...

    النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يَخُصَّ البنات بشيءٍ من العطف الزائد ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ في بيئةٍ كانت البنت فيها مظلومة ،

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

    " أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات "

    " اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا "*
    (من صحيح مسلم: عن أبي هريرة)

    واستوصوا بالنساء خيراً قالها كثيراً في حياته ، فلذلك هناك أحاديث خاصة بالنساء .
    فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    " من عال جاريتين - اي ابنتين صغيرتين - حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا ، وضم أصبعيه كناية عن قرب الجوار في الجنة "
    رواه مسلمٌ في صحيحه

    طبعاً كل من عنده بنتان صغيرتان يرعاهما ، لكن بشرط أن ينشئهما تنشئةً طاهرة ، بشرط أن ينشِّئهما على حب الله ورسوله ، وعلى تلاوة كتابه ، بشرط أن ينشِّئهما وفق الشرع ، أما إذا سيب أمرهما وجعلهما تعيشان كما يعيش بقية الفتيات غير الملتزمات ، فهذا ما زاد عن أن أطعم هاتين البنتين فقط .

    والحديث الذي تعرفونه سابقاً أن البنت إذا نشأت نشأةً منحرفة بتشجيعٍ من أبيها ، أو بغفلةٌ منه ، أو بإهمالٍ لها ، ورأت مصيرها في النار ، تقول : " يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي " . لقد كان هو السبب ، فلذلك الأبوة مسؤولية .

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
    "جاءت امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسألني ـ أي شيءً ـ فلم أجد عندي شيئاً ـ انظر بيت سيدنا رسول الله سيد الخلق حبيب الحق ، نبي هذه الأمة ليس في بيته إلا تمرةٌ واحد ـ فلم أجد عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدة أعطيتها إيَّاها هذه الأم أخذتها فشقتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً ، فدخل عليه الصلاة والسلام على أثر ذلك فحدثته حديثهما فقال عليه الصلاة والسلام:
    "من ابتنى - أي من كان له بنت - من هذه البنات بشيءٍ فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" .

    في رواية : " من ابتلي " أنه بلاء وليس مصيبة ، البلاء من معانيه الامتحان ، " مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ " .

    " أو من ابتنى ـ من البنوة أي من كانت له بنت من هذه البنات ـ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ "*
    (من صحيح البخاري: عن السيدة عائشة)

    هذا الحديث وحده يكفي كي يدفع الآباء إلى الإحسان إلى بناتهم ، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بالإحسان إلى أولادنا وبناتنا .

    وعن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    "من كانت له ثلاث بناتٍ ينفق عليهن حتى يَبِنَّ - أي بمعنى يبتعدن عنه بمعنى يتزوجن - أو يمُتن كن له حجاباً من النار"
    (رواه البيهقي)

    في الحديث الأول : بنتان يحسن إليهن وهنا ثلاث بنات ينفق عليهن .

    وعن عوف بن مالكٍ أيضاً قال عليه الصلاة والسلام :
    "ما من عبدٍ يكون له ثلاث بناتٍ فينفق عليهن حتى يَبِنَّ أو يمُتن إلا كن له حجاباً من النار فقالت امرأة: يا رسول الله وابنتان قال: وابنتان "

    أي أن ملخص الملخص إذا جاء ملك الموت ينبغي أن يكون معك عملٌ تلقى الله به ، عمل طيِّب ، يا رب ربيت هاتين الابنتين تربيةً صالحة، تربيةً إسلامية ، علَّمتهما كتاب الله ، زوَّجتهما من مؤمنين ، أنفقت عليهما ، حتى أدخلت على قلبيهما السرور ، هذا عمل ، أو ربيت ولدين فصارا صالحين من بعدك ، هذا عمل ، أو دعوت إلى الله هذا عمل ، أو تركت علماً نافعاً هذا عمل ، وكل ذلك عمل صالح .

    فدائماً لديك سؤال كبير كبير كبير : ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل ؟ قال له : " جئتك لتعلمني من غرائب العلم قال : فماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم ، قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله . قال : فماذا صنعت بحقه ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال : ما شاء الله قال : فماذا أعددت له ؟ "

    هل أعددت لهذا اللقاء استقامةً تامة ؟ هل أعددت حباً لله ورسوله ؟ هل أعددت حفظاً وفهما لهذا الكتاب وتعليماً له ؟ هل أعددت أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر ؟ هل أعددت تربية أولادٍ تربيةً صالحة ؟ ماذا أعددت لهذا اللقاء ؟

    و للحديث تتمة بإذن الله تعالى ...


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  37. #87
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    kalamoun
    المشاركات
    244

    افتراضي

    بارك الله بكم و جعل عملكم في ميزان حسناتكم يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
    و الله حسيبكم

  38. #88
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله .

    اللهم انفعنا بكل شيء ٍ نتعلمه , و أعنا على العمل به .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  39. #89
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم
    وصلنا إلى القسم الأخير من هذا الدرس .... و نرجوا من الله تعالى أن ينفعنا دائما ً و أبدا ً بكل ما قرأنا و سنقرأ , و الحمد لله رب العالمين .

    نتابع ,,,,, أن تكون أباً وعندك زوجة وأولاد هذه أبواب مفتَّحة للعمل الصالح ، فسوف تتعرض لتعب ، وعليك مسؤولية ، تعاني سَهَراً ، وهموماً ، وحُزناً ، لابد من توجيه ، وتتعرض لإحباط ، أحياناً يواجهك إخفاق ، لكن الله عزَّ وجل وضعك بموضع لكسب ثواب العمل الصالح ،

    فالزواج كله من أوَّله إلى آخره بدءاً بمسرَّاته وانتهاءً بمآسيه ، الزواج كله بابٌ من أبواب العمل الصالح ، فالجهد المبذول للتوجيه ، ولإدخال السرور على قلب الأولاد، و إكرام الزوجة .

    هذا كله من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها ، وكنت قد حدَّثتكم من قبل من أن الأعمال الصالحة الأخرى إذا قمت بها أنت فأنعم وأكرم ، وإن لم تقم ، قد يقوم بها غيرك ، ولكن أسرتك من لها غيرك ؟ ليس لها أحدٌ غيرك ، فلذلك إذا قصَّرت في حقها فأنت محاسبٌ عند الله .
    .
    .
    .
    " يا بني اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما ". فأحياناً الإنسان لا يخشى الله ابتغاء مرضاة الله ، بل إنه يخشى الله ابتغاء ألا يتعرض لغضب الناس، هذا نوعٌ من الشرك .

    " يا بني ما ندمت على الصمت قط ، فإن الكلام إذا كان من فضَّةٍ كان السكوت من ذهب ".
    لأن الصامت في أمان أو في سلام ، والمتكلِّم إما له أو عليه .

    " يا بني اعتزل الشر يعتزلك فإن الشرَّ للشر خُلِق".

    "يا بني عليك بمجالسة العلماء ، واستمع إلى كلام الحكماء فإن الله يحيى القلب الميِّت بنور الحكمة كما يحي الأرض بوابل المطر ، وإياك والكذب وسوء الخُلُق ، فإن من كذب ذهب ماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثر غمُّه ، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم ".

    عندنا باللغة مصطلحان : الفهم والتَفَهُّم ، الفهم معروف ، أما التفهُّم هو محاولة الفَهْمِ ، وتجد إنساناً لا يحب التفهُّم ، أي ليس مستعداً أن يبذل أي جهدٍ ليفهم ، وتجد إنساناً لا يفهم ولكنَّه يتفهَّم .

    " يا بني لا ترسل رسولاً جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك ".
    أحياناً الإنسان يكلِّف إنساناً بمهمَّة ، فهذا الإنسان يشوِّه سمعته ، يسئ إليه ، الرسول يجب أن يكون من جِنس المرسل ، وشرف الرسول من شرف المُرسل .

    " يا بني يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حليم ". النبي عليه الصلاة والسلام تعجَّب من آخر الزمان ، كيف أنه يدع الحليم حيران .

    " يا بني اختر المجالس على عينك ، فإن رأيت المجلس يُذكر فيه الله عزَّ وجل فاجلس معهم ، فإنك إن تكن عالِماً يزدد علمك ، وإن تكن جاهلاً يعلِّموك ، وإن يطلع الله عزَّ وجل عليهم برحمةٍ تصبك معهم " .

    " يا بني لا تجلس المجلس الذي لا يُذكر فيه الله عزَّ وجل ، فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك ، وإن تكن غبياً يزدك غباءً ، وإن يطلع الله عليهم بعد ذلك بسخطٍ تصبك معهم " .

    أي أن أجدى شيءٍ لك أن تحضر مجالس العلم التي تثق بها .

    " يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ، وشاور في أمرك العلماء ، يا بني إن الدنيا بحرٌ عميق وقد غرق فيه ناسٌ كثير ، فاجعل سفينتك تقوى الله عزَّ وجل " .

    " يا بني إني حملت الجندل والحديد ـ الجندل هو الصخر ـ فلم أحمل شيئاً أثقل من جارٍ السوء ، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشدَّ من الفقر " .

    " يا بني لا تتعلَّم ما لا تعلم ، حتى تعمل بما تعلم" .

    " من عمل بما علم ورَّثه الله علم من لم يعمل ".

    " يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك ، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره ".
    فالبطولة أن تنصف الناس وأنت غضبان لا وأنت فرحان .

    " يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب من دارٍ أنت عنها راحل ".

    " يا بني عوِّد لسانك أن يقول: اللهمَّ اغفر لي ، فإن لله ساعاتٍ لا يُرَد فيها الدعاء " .

    " يا بني إياك والدَين فإنه ذلٌ في النهار وهمٌ في الليل " .
    هذه بعض الكلمات التي أُشرت في الكتب القديمة عن سيدنا لقمان الحكيم ، على كلٍ إذا بلغ ابن الرجل السن التي يميِّز بها فليس عليك إلا أن تنصحه ، هذا كل ما تملكه نحو ابنك .

    إنتهى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  40. #90
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخوتي و أخواتي تحدثنا في ما سبق عن حقوق الآباء على الأبناء , و من ثم تناولنا حقوق الأبناء على الآباء .
    و من المهم أن يعرف كل منا ما له و ما عليه من حقوق و واجبات تجاه أهله و أولاده حاضرا ً أو مستقبلا ً بإذن الله تعالى .

    و سنكمل إن شاء الله عز و جل , في الحقوق ... لنتحدث في الدرس القادم عن حق المسلم على أخوه المسلم .
    و نرجوا من الله تبارك و تعالى أن ييسر لنا متابعة هذه الدروس و العمل بها .

    فالعلم وحده لا يثمر من دون العمل ... بل و يصبح دون معنى .... لأنه مجرد كلام لا يطبق .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  41. #91
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    الدرس العاشر (( حق المسلم على أخوه المسلم ))
    من موسوعة الدكتور محمد راتب النابلسي .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    اليوم ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب الحقوق ، ألا وهو حق المسلم على المسلم ، حقوق المسلم على المسلم كثيرة ، منها النصح له ، وقبل الحديث عن هذا الحق الجليل ، أود أن أقدم لهذا الحق بمقدمةٍ موجزة ،

    إن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان دينه قال :
    " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك ".

    النبي عليه الصلاة والسلام في تعريفٍ جامعٍ مانعٍ قال :
    " َ فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ . قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ
    ( صحيح مسلم )

    قد يفهم المسلمون الدين أنه صلاةٌ وصيام وحجٌ وزكاة ، سيدنا عمر قال : " من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة " .

    "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً " .

    الدين شيءٌ يدخل في كل حياتك ، في كل حركاتك وسكناتك ، في كل نشاطاتك ، في كل علاقاتك ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ، قال :
    " الدِّينُ النَّصِيحَةُ "*

    أي إذا جاءك أخ مسلم أو غير مسلم ، إلى محلك التجاري وأراد أن يشتري منك حاجة ، وأنت من أجل أن تبيع هذه الحاجة الكاسدة أوهمته أنها جيدة ، وأثنيت عليها بما لا تستحق ، حتى أقنعته بشرائها ، إنك لم تنصحه ، إذاً ما قيمة دينك ؟ ما قيمة صلاتك ؟

    هذا الذي وقع في مخالفةٍ شرعية ،
    قالت له السيدة عائشة : " أبلغوا فلاناً أنه أحبط عمله ، أو أنه خسر جهاده مع رسول الله فالذي أتمناه عليكم أن تضعوا أيديكم على جوهر الدين ، " الدِّينُ النَّصِيحَةُ " *

    الدين يبدو في دكانك ، في متجرك ، وراء طاولتك إذا كنت موظفاً ، في العيادة إذا كنت طبيباً ، وراء مكتبك في المحاماة إذا كنت محامياً ، وراء مكتبك الهندسي إذا كنت مهندساً ، وراء مهنتك إذا كنت من أصحاب المهن ، في مهنتك اليومية ،

    إذا غششت المسلمين فلست مسلماً ، النبي عليه الصلاة والسلام نفى عنك صفة الإسلام :
    "فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا *
    (صحيح مسلم)

    النبي أخرجك من دائرة المسلمين إذا لم تنصح أخاك ،
    أي إذا قال لك : ماذا أفعل بهذا المبلغ ، لو أن هذا المبلغ لك تشتري به دكاناً ، تقول له : لا أعطني إياه ، ماذا كنت تفعل لو أن هذا المبلغ معك ؟ بماذا نُصحُك لهذا الإنسان صاحب المبلغ ينم عن دينك ، يجب أن تنصح له بما أنت فاعلٌ لنفسك ، بما أنت تفعل لو أن هذا المبلغ لك ،

    هذا هو الدين، الدين يبدو أكثر ما يبدو في التعامل ،
    لذلك ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن : " الدين هو النصيحة ، وأن الدين المعاملة ".

    والعوام يقولون هذا الكلام : الدين المعاملة ، الدين في تعاملك مع زوجتك ، الدين في تعاملك مع عُمَّالك ، الدين في تعاملك مع أولادك ، الدين في تعاملك مع جيرانك ، يجب أن تعرف حدك فتقف عنده ،

    فلذلك الشيء المؤلم أن مفهوم الدين مضطرب ، مفهوم الدين مفهوم أصبح زئبقياً فكل إنسان يفهمه على طريقة

    الدين داخل بحياتك اليومية ، داخل في كل دقيقة من حياتك ، في كل ثانية ، في كل حركة ، في كل سكنة ، في نومك ، في استيقاظك ، في علاقاتك بزوجتك ، بأولادك ، بمعملك ، بعمالك ، بمكتبك ، بمن يقف أمامك ، بمن يقف وراءك ، بمن هو فوقك ، بمن هو تحتك ، هذا هو الدين ، الدين هو النصيحة .

    فلذلك حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية صاروا خلف الأمم ، ولم تكن كلمتهم هي العليا ، وحينما فهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، أن الدين نصحٌ لكلّ مسلم ، الدين معاملة ، الدين انضباط ، فتحوا العالم ،

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " *
    (صحيح مسلم)

    يجب أن نرجع إلى ينابيعه الأولى ، إلى ينابيعه الصافية ،
    الآن لاحظ أن المسلمين يصلون ، الجوامع ممتلئة والمظاهر الدينية صارخة ، ولكن إذا دخلت إلى الأسواق رأيت الكذب ، ورأيت الغش ، ورأيت الخداع ، ليس هذا من الدين في شيء ، إذا أردت أن تكسب وقتك ، إذا أردت أن تكسب حياتك ، إذا أردت أن تضع يدك على جوهر الدين ، إذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين فالدين النصيحة ،

    أنا أضرب المثل الدقيق الدين النصيحة ،

    قال لك إنسان : أفتح محل بهذه المصلحة ؟ أنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة ، تقول : لا هذه مصلحة فاقورة ، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم ؟!

    هناك أمثلة لا تُعد ولا تُحصى ، أكثرها في العمل ،


    فلذلك الله عزَّ وجل ، يضع الإنسان في مواقف صعبة ، أهونها الصلاة والصوم والحج والزكاة ، ولكن أصعبها أن تقف على مفترق الطرق ، إذا نصحت تخسر وإذا غششت تربح ،

    وهذه حكمةٌ إلهية ، هذه المقدمة أردت منها أن أصل إلى أن من حقوق المسلم على المسلم النصح له .

    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النبي عليه الصلاة والسلام من خلال حديثٍ طويل يقول :

    "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ قِيلَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ
    (مسند الإمام أحمد)

    اسْتَنْصَحَكَ فعل استفعل فيه معنى الطلب كقولك : استغفر ، كقولك: استرحم ، كقولك استودع .

    يتبع بإذن الله تعالى ...



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  42. #92
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع بفضل ٍ من الله تبارك و تعالى ....

    بسم الله الرحمان الرحيم

    أول حق : هذا الذي يدخل إلى محلك أليس مسلماً ؟
    مسلم ، يقول لك : انصحني ، هل هذا القماش جيد ؟ هل هذه الآلة جيدة ؟ هل هي أصلية أم تقليد ؟ تقول : لا .. أنا أرتدي منه ، من أجل أن تبيع هذه البضاعة .

    وهذا شيءٌ خطير ، هذا الذي يدخل إلى محلك التجاري ، الله سبحانه وتعالى وكيله وهو مطلعٌ عليك ويعلم السر وأخفى ، فمن حق المسلم على المسلم النصح له : وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ .

    سؤال ، الإنسان متى يستنصح إنساناً ؟
    حينما يأتيك إنسان و يقول لك : انصحني ماذا أفعل ؟
    هل تعلم ماذا يعني ذلك ؟

    يعني ذلك أنه واثقٌ من رجاحة عقلك ، ومن إخلاصك له ، إنسان وضع ثقته فيك ، وضع ثقته برجاحة عقلك ، وضع ثقته بإخلاصك له ، أعطاك صفتين ، صفة عقلية وهي الرُجحان ، وصفة نفسية وهي الإخلاص ، لا يمكن أن تأتي إنساناً وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه ، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه ، إذاً حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة ، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه ؟!
    لذلك :
    " كبرت خيانةً عند الله أن تحدث الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم به كاذب "
    هو يصدقك لأنه منحك الثقة وأنت تكذب عليه ،
    فهذا الذي يغش الناس كذَّاب يكذب عليهم ، ينصحهم بشيءٍ لا يفعله هو لنفسه .. شيء آخر .. إذا طرق بابك واستُنصحت ، فأنت مظنة رجحان العقل ، وصدق الإخلاص ، فإن شئت أن تخيِّب الناس فيك فخيبهم إذا شئت ، أما لو لم تكن راجح العقل ، لو لم تكن مظنة صلاح لما سألك أحد : وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ .

    شيء آخر .. هذا الذي يستنصح هو رجل راجح العقل أيضاً ، كلاهما عاقل المستنصِح والمستنصَح ، الإمام عليٌِ كرم الله وجه يقول :
    " الرجال ثلاثة رجلٌ رجل ... يقول لك رِجَّال ( بالمعنى العامي) رجلٌ رجل ، ورجلٌ نصف رجل (نصف رجل) ، ورجلٌ لا رجل ".
    هذا قول سيدنا علي .
    " الرجال ثلاثة رجلٌ رجل ، ورجلٌ نصف رجل ، ورجلٌ لا رجل ، فالرجل الرجل هو الذي له رأيٌ ويستشير ، والرجل نصف الرجل هو الذي له رأيٌ ولا يستشير ، والرجل الذي لا رجل هو الذي لا رأي له ولا يستشير" .

    في حديثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا فَقَالَ :
    " يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ثُمَّ قَالَ : مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا " *
    ( سنن الترمذي )

    يوجد عندنا قاعدة ، الإنسان عليه أن يشاور وعليه أن يستخير ، الإنسان الناجح الموفق ،
    "من استشار الرجال فقد استعار عقولهم" ، عليه أن يستشير ، وعليه أن يستخير ، الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين ، لأن غير المؤمن يغشُّك ، والمؤمن الذي لا خبرة له ، كيف ينصحك؟ لا بدَّ من توافر الخبرة ،

    القوة في العلم ، والأمانة الإخلاص ، فلذلك الإنسان الناجح في عمله الموفق ، الذي يُطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، يستشير ويستخير ، يستشير أولي الخبرة من المؤمنين ، ويستخير الله عزَّ وجل في كل المباحات ،
    إياكم أن تظنوا أن المؤمن يستشير أو يستخير في الأمور التي نص على حرمتها الشرع ، هذا كلام مرفوض لأن الله عزَّ وجل يقول :
    و َ مَا كَان َ لِمُؤْمِن ٍ و لا مُؤْمنة ٍ إذا قضى الله ُ و رسولُه ُ أَمرا ً أَن يَكون َ لَهُمُ الْخِيَرَة ُ مِن ْ أَمْرِهِم ْ و َ مَن يَعْص ِ الله َ و َ رَسولَه َ فَقَد ْ ضَل َّ ضَلالا ً مُّبينا ً ( 36 )
    ( سورة الأحزاب )
    * ما الذي يقابل النصيحة ؟ الغش أو الخيانة ،
    النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا "
    (صحيح مسلم)

    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    " يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ
    (مسند أحمد)
    ما الذي يقابل الغُشَّ والخيانة ؟ النصح ، أن تكون نصوحاً ، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف المؤمنين فقال :
    " المؤمنون نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم ".

    إذاً أكبر حقٍ عليك ، وأول حقٍ عليك ، وأوجب حقٍ عليك تجاه أخيك المسلم أن تنصح له ، ما معنى النصيحة ؟

    نتابع إن شاء الله لاحقا ً ... لنتحدث عن معنى النصيحة .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  43. #93
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بإذن الله تبارك و تعالى مع تعريف النصيحة ...
    بسم الله الرحمان الرحيم

    ما معنى النصيحة ؟
    جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي ، إذا قلت: نصحت ، ما معنى نصح في اللغة ؟
    علماء اللغة قالوا : " نصح الرجل ثوبه إذا خاطه " .

    كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك عليك أن تنصح هذا الخلل ، أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل ، أي أن تسدَّ هذه الثغرة ، أي أن تخيط هذا الثوب ،
    فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة ، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها ، وهذا معنى ،
    المعنى الثاني : نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ، فهذا عسلٌ نصوح أي مصفَّى .

    الآن ما علاقة النصح بهذا المعنى ؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً ، لا يوجد فيه شائبة .

    وهذا حق يا أيها الإخوة الأكارم ، الذي أراه أن الكلام انتهى دوره لكثرة الكلام المُنمق ، لكثرة الفصاحة ، لكثرة البيان ، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل ، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده ، ومهما كان لقاؤك له حاراً ؛
    إذا غششته أو إذا أخفيت عنه العيب أو إذا أضللته أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم ... ! مثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل ، لذلك : " الدِّينَ النَّصِيحَةُ " .

    يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث ، كلٌ في عمله ؛ الطبيب في عيادته ، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته ، والبائع في دكانه ، والموظف وراء طاولته ،

    هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له ،
    وإن كان مسلماً له عليك حقَّان ، الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية ، والحق الثاني هو الأخوة في الدين ،
    يجب أن تنصح له ،
    والنصح الكلام المصفى كالعسل ، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه ، والنصح إحكام الخلل ، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح ، لذلك هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي ، والمؤمن ناصحٌ ونصوح ، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون ، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون ،
    الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح :

    أُبَلِّغُكُم ْ رِسالات ِ رَبِّى و َ أَنصَح ُ لَكُم ْ و َ أَعْلَم ُ مِن َ الله ِ مَا لا تَعْلَمون َ ( 62 )
    (سورة الأعراف)

    من الذي يجب عليه أن ينصح ؟
    هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون ، كل من آتاه الله علماً ، من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين ،

    والآية الثانية على لسان سيدنا هود :
    أُبَلِّغُكُم ْ رِسالات ِ رَبِّى و َ أنَا ْ لَكُم ْ نَاصِح ٌ أَمين ٌ ( 68 )
    (سورة الأعراف)


    لكن هناك سؤالٌ دقيق وهذا السؤال هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان ، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان ، ليس هناك استثناء ؟
    قال العلماء : " النصيحة فرض كفاية ، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل " .

    يعني إذا كنتم جماعة في نزهة ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً ، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً سقط الوجوب عن بقية الحاضرين ، إذاً النصح فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، هذا الحكم الأول .

    الحكم الثاني هو إذا غلب على ظنك إذا تيقنت أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له : يا أخي قال الله تعالى ،
    يقول لك : أو مصدقٌ أن هذا كلام الله ؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه ،
    انطلاقاً من قوله تعالى :
    فَذَكَِرْ إِن نَّفَعَت ِ الذِّكْرَى ( 9 )
    (سورة الأعلى)

    انطلاقاً من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تضع الحكمة في غير أهلها :
    "من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم ، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما ".

    وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم : أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها ومن منعها أهلها فقد ظلمهم .

    أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة ، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم قال له : يا أخي بأسلوب لطيف ولبق ، وبقية الإخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك ، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة ، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر .

    الحكم الثاني : أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء ، وأنه لا يستجيب ، وأنه سيستهزئ ، وأنه سيكيل للدين الشتائم ، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب ،

    في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له ، يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية ، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً ، ربما زدته تفلتاً ، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر ، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه .

    نتابع إن شاء الله لاحقا ً .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  44. #94
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    تنابع بفضل الله تعالى ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , كنا قد تحدثنا عن الحكم الثاني للنصيحة , و الآن مع الحكم الثالث :

    يوجد عندنا حكم ثالث ،
    هناك حالاتٌ إذا نصحت فيها تخشى أن يلحق بك ضررٌ كبير ، كأن يُتلف مالك كله ، أن تضيع حريتك ، أن تفقد أحد أعضائك ، أيضاً في مثل هذه الحالة الشرع الحنيف أعفاك من النصيحة ، إذا خفت على نفسك الضرر الكبير ، وإذا كان هذا المنصوح بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء ، وإذا قام بهذه النصيحة أحدٌ آخر ، سقطت في هذه الحالات الثلاثة .
    _ _ _

    و قبل أن نكمل ما جاء في صلب درسنا " حقوق المسلم على المسلم " من شرح لمعنى النصح بين المسلمين و كيف يكون , و .... إلخ .
    سنتحدث الآن عن ماهية العبادات و كيف يجب علينا فهم الدين , لكي تكون الصورة تامة و واضحة عندنا فيما بعد إن شاء الله و تعالى .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الآن الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا ،
    عن ابن رقية تميم الداري ، من هو تميم الداري ؟ هذا الذي اشترى القناديل والحبال والزيت من الشام وأخذها إلى المدينة المنورة ، وكان وصوله للمدينة يوم الجمعة أو عصر الجمعة ، أمر غلاماً له فعلق الحبال وعلق عليها القناديل وملأها بالزيت ، وحينما غابت الشمس أمر غلامه أن يُسرج هذه القناديل ، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام فإذا مسجده النبوي مُزهر متألق بالأضواء ،

    فقال عليه الصلاة والسلام :
    "من فعل هذا ؟ قالوا : يا رسول الله تميم الداري ، فقال عليه الصلاة والسلام ( والبسمة على شفتيه وقد شعر أصحابه أنه رضي تمام الرضى ) فقال عليه الصلاة والسلام : نورت الإسلام ، نور الله قلبك يا تميم ، لو أن لي بنتاً لزوجتكها ".

    لذلك هذا الحديث وحده يكفي لدفع الإخوة الأكارم إلى أن يعتنوا بمسجدهم ، هذا بيت الله، هذا الذي يُسهم في إنارته ، وهذا الذي يُسهم في نقل الصوت ، وهذا الذي يُسهم في تنظيفه ، وهذا الذي يُسهم في حراسته ، وهذا الذي يُسهم في خدمة الإخوة الكرام رواد هذا المسجد ، هذا عمل عظيم .

    وقد تكلمت كلمة اليوم قلت : إن العبادات نوعان ،
    عباداتٌ شعائرية ؛ مثل الصلاة وهي عبادة شعائرية تقف وتقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتسجد ، الصيام تدع الطعام والشراب ، الحج تذهب إلى الديار المقدسة ، تخلع الثياب وترتدي ثوبين أبيضين غير مخيطين ، تطوف حول الكعبة ، تُقَبِّل الحجر ، تسعى بين الصفا والمروة ، تصعد إلى عرفات ، هذه عبادة شعائرية ،

    ويوجد عبادات تعاملية ، وهي الصدق الأمانة الإخلاص عدم الكذب ، عدم الغيبة وعدم النميمة ، غض البصر وعدم سماع الغناء ، ضبط اللسان وضبط اليد ، ضبط الأعضاء ،

    هذه العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان ، وهذه العبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله ، فساعات الامتحان لو أن طالباً لم يقرأ كلمةً أثناء العام الدراسي ، إلا أنه أخذ أول قلم وثاني قلم وثالث قلم احتياطاً ، وارتدى أجمل الثياب ، وتعطر ، وحمل شطيرةً ليأكلها إذا جاع ، ووضع في جيبه بعض المال ، وركب سيارةً فخمة إلى الامتحان ،

    لكنه نسي شيئاً واحداً ، نسي أن يدرس فقط !!
    أما كل شيء هيأه سوى الدراسة ؛ الأقلام مهيأة ولباسه جيد والعطر متعطر ، كل هذه العناية بهذه الساعات الثلاث لا قيمة لها ،
    إذا لم يسبق هذه الساعات الثلاث عملٌ دؤوب طوال العام الدراسي ،
    فالعبادات الشعائرية إن لم يمهَّد لها بالعبادات التعاملية لا قيمة لها إطلاقاً ،

    من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
    " بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ "*
    ( صحيح البخاري: عن ابن عمر رضي الله عنهما )

    هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام ، الإسلام صدق ، الإسلام أمانة ، الإسلام إخلاص ، الإسلام نصيحة ، الإسلام ورع ، الإسلام محبة لله عزّ وجل ، الإسلام بذل المال والوقت والخبرة والجاه في سبيل الله عزّ وجل ،

    هذا هو الإسلام ، إذا فعلت هذا جاء الامتحان وقفت في الصلاة فانهمرت دموعك ، وقفت في الصلاة فاتصل قلبك بالله ، وقفت في الصلاة فشعرت بالشوق إلى الله ،......

    إذا فهمنا الإسلام عبادةً شعائرية ، قيامٌ وركوعٌ وسجود وصيامٌ وحج ، وزينات وألقاب فخمة وبروتوكولات وطقوس ، وألبسة خاصة بالمسلمين ، وعطر خاص لهم ، وحفلات خاصة ، وطرب ، والحلوى وما شاكل ذلك ، إذا فهمنا الدين بشكلٍ شعائري بشكل طقوس انتهى الدين ،

    الدين أكبر ثورة اجتماعية في الأرض ، حينما يظهر الدين في مجتمع يصبح مجتمعاً آخر ، يوجد فيه كل علاقاته ، لذلك حينما فهمنا الإسلام صلاةً وصياماً ، قال سيدنا عمر : " من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الإستقامة ".

    *
    *
    *
    "الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ .
    ( صحيح مسلم )

    تتمة الحديث ستكون بإذن الله تعالى , عن الحديث أعلاه ( معنى النصح و كيف نفهمه ) .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  45. #95
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    " الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ
    ( صحيح مسلم )

    اجعل هذا الكلام في بالك ، :
    أولاً النصح ، أي أن تنصح نفسك أو أن تنصح غيرك ؟

    الجواب الحديث يحتمل كِلا المعنيين ، أن تنصح نفسك أولاً ، وأن تنصح غيرك ثانياً ، كيف النصح لله ؟

    أي أن تؤمن به ، أن تؤمن به أنت ، وأن تدعو الناس للإيمان به ، من خلال شرح آياته ، وشرح نعمائه ، وشرح بلائه، ونفي الشرك عنه ، أن تقنع نفسك بالتوحيد ، وأن تبعدها عن الشرك الجلي والخفي ، وأن تنبِّه الناس إلى ما قد ينزلقون فيه من شركٍ خفيٍ أو جلي ، عدم الإلحاد بأسمائه وصفاته ،

    إذا نفيت علمه فقد ألحدت بأسمائه، إذا نفيت حكمته ، إذا نفيت رحمته ، إذا نفيت تقديره ، إذا نفيت عزَّته ، إذا نفيت أن دينه لا يصلح ، أنت تلحد باسمه ، تلحد بهذا الدين القويم ،

    النصح لله أن تنصح نفسك ، أن تعرفها بالله عزَّ وجل ، وأن تعرف غيرك .

    شيءٌ آخر ، أن تنفي عنه جميع النقائص ، هذا الشيء الذي تترفع أنت عنه ، إياك أن تصف الله به ، بشكل أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان منذ الأزل وقدَّر عليه أن يكون شقياً ، فيأتي إلى الدنيا ماذا يفعل الإنسان ؟

    فيقول : " كاسات معدودة بأماكن محدودة " ، فيشرب الخمر ، لأن الله قدر عليه هذا الشرب ، ولم يهتد ، لأن الله قدر عليه الضلال ، فإذا جاء الموت كان في جهنم إلى الأبد ، أتفعل أنت هذا مع تلميذٍ لك ، مع صانعٍ عندك ، مع مأمورٍ عندك ؟

    تقدِّر عليه الشر وتجبره عليه وتعاقبه عليه ، يجب أن تنفي عنه ما لا يليق به ، وهذا معنى قولنا : سبحانه وتعالى ، سبحان الله ، هذا التسبيح هو التنزيه والتمجيد ،

    أن تطيعه وأن تدعو الناس لطاعته ، هذا هو النصح له ، وأن تجتنب معصيته وتحذِّر الناس من معصيته ، و أن تحبَّ فيه وأن تبغض فيه ، أن تبني كل علاقاتك على أساس محبة الله عزّ وجل ، فالذي يحبه الله أنت تحبه ، والذي لا يحبه فلا تحبه ،

    قد يكون هنا علاقات عمل لا يوجد مانع ، علاقات العمل لا علاقة لها بالمحبة والكراهية ، أما أن تقيم مع إنسان علاقةً حميمة ، أن تسهر معه إلى أنصاف الليالي ، أن تستمتع بحديثه وهو مُلحد ، وهو عاصٍ وهو شارب خمر ، من أنت ؟

    أنت مثله ، إذاً أن تبتعد عن معصيته وأن تقبل على طاعته ، وأن تحب فيه وأن تبغض فيه ، وأن توالي من يواليه وأن تعادي من يعاديه ، وأن تجاهد في سبيله ، تجاهد نفسك وهواك ، وأن تعترف بنعمه وأن تشكره عليها ، وأن تخلص له في جميع الأمور ، هذا معنى النصح لله ،

    أولاً أنت عليك أن تعرفه ، عليك أن تعبده ، عليك أن تطيعه ، وعليك أن تحبه ، عليك ألا تشرك به ، عليك أن توحِّده ، عليك أن تنزِّهه ، وأن تسبِّحه ، عليك أن تدعو الناس إليه ، هذا هو النصح لله .

    تحدثنا الآن عن : (( كيف يكون النصح لله )) ... و في المشاركة القادمة إن شاء الله تعالى سنتابع شرح الحديث أعلاه و نتكلم عن النصح لكتابه .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  46. #96
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع تفسير الحديث , و الآن سنتكلم عن معنى النصح لكتاب الله و لنبيه ( عليه أفضل الصلوات و التسليم )

    بسم الله الرحمان الرحيم

    النصح لكتاب الله ؛ أن تؤمن بأن هذا كلام الله ، وأن تدعو الناس للإيمان به ، وأن تؤكِّد لنفسك ولغيرك أن هذا الكلام ليس ككلام البشر ، كلامٌ آخر كلامٌ معجز ، وأن تعظِّم القرآن ، وأن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار ، أن تتلوه حق تلاوته بدءً من التجويد وانتهاءً من التفسير ،

    وأن تخشع عند قراءته ، وأن تصدِّق ما جاء فيه ، وأن تعتني بمواعظه ، وأن تتفكر في عجائبه ، وأن تعمل بمحكمه ، وأن تسلم بمتشابهه ، وأن تبحث عن عمومه وخصوصه ، وأن تنشر علومه في الناس ، هذا النصح لكتابه ،

    كتاب الله ، هذا منهجك ، هذا دستورك ، هذا الذي نعيش من أجله، هذه تعليمات الصانع ، وأنت آلةٌ معقدة ، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية ، فأنا أعدُّ هذا شيئاً عاماً ، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية ، غالية الثمن ، عظيمة الخطر ، معقَّدة التركيب ، إلا وهو حريصٌ عليها حرصاً لا حدود له ، من حرصه على هذه الآلة يسعى لتنفيذ تعليمات الصانع تنفيذاً حرفياً وقد يكون أحياناً شكلياً ، وقد يكون أحياناً مُضنياً ،

    آلة ثمنها ثلاثمائة وخمسين ألف والله لا يوجد منها هكذا يقول لك ، وقف لا تشغلها حتى تبرد ، إن أخذ مكيفاً يقول إياك أن تطفئه اتركه يعمل حسب التعليمات ، لماذا أنت حريصٌ كل هذا الحرص على هذا المكيف ، ولست حريصاً على هذه النفس ، التي ملكك الله إياها ؟

    لماذا لم تحرص على هذه النفس التي قال الله عنها : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها .

    لو أن أحداً عينه مريضة لا ينام الليل ، أولاً يطلب موعداً يقول له الطبيب : بعد شهرين، فيقبل ، قبل أن يلتقي بالطبيب يقول لك ثلاثمائة ليرة ، مائة وخمسين قبل أي لقاء وبكل بساطة يدفع ، لأن العين كما يقول عامة الناس : " غاليةٌ على صاحبها " ،

    فإذا كانت نفسك بهذا الغلاء فعليك أن تعتني بها ، من هنا قال الله عزّ وجل :
    يا أيُّها الَّذين َ ءَامنوا عَلَيْكُم ْ أ َنفُسِكُم ْ
    (سورة المائدة: آية 105)

    أي اعتنوا بأنفسكم ، عليك به ، أي اعتنِ به ،

    الآن ... معنى النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،

    أيضاً أن تصدقه على أنه رسول الله وعلى أنه نبي الله ، وأن تبين للناس حرص هذا النبي ، ورحمة هذا النبي ، تبين للناس صواب أقوال هذا النبي ، حكمة سنته ، وأن تنصره حياً وميتاً ، حياً معروفة ، أما ميتاً ؟ بالدفاع عنه ،

    إذا وقف إنسان في مجتمع في احتفال ، وانتقص من النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنت تستطيع أن ترد عليه ، تبقى ساكتاً ؟! هذا من النصح لرسول الله ، أن تنتصر له، أن ترد الشبهات التي يتقولها الناس عنه .

    وأن تعادي من يعاديه ، وأن توالي من يواليه ، وأن تعظِّم حقه ، وأن توقره ، وأن تحييّ طريقته وسنته ، وأن تبُث دعوته ، وأن تنشر سنته ، وأن تستفيد من علومه ، وأن تفقه معانيها ، وأن تدعو إليها ، وأن تتلطف في تعليمها للناس ،

    يعني إذا علمت الناس السنة قمت بعملٍ عظيم، لأن السنة تبيينٌ للقرآن الكريم ، والقرآن منهج الإنسان ، لا يوجد عمل أجل في الحياة بعد تعليم القرآن من تعليم السنة ، والسنة والقرآن مصدران أولان كبيران من مصادر التشريع الإسلامي .

    والتأدُّب عند قراءة السنة ، هناك من يفتح كتاب السنة وهو متوضئ من باب التأدب ، هناك مجموعة آداب أُثرت عن السلف الصالح عند قراءة كتب السنة ، والتخلق بأخلاق النبي ، والتأدب بآدابه ، و محبة آله وأصحابه ، وبغض أهل البدع في السنة ، وبغض من يتعرَّض لأصحاب رسول الله ،
    قال له :
    "يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك. فقال سلمان : كيف أبغضك وبك هدانا الله ؟!! قال : يا سلمان تبغض العرب فتبغضني " .

    فهذا الذي يغمز من قناة الأمة العربية ، يحاول في كل مجلس أن يطعن في هذه الأمة ، متخلفة ، كذا وكذا ، هذه أمتك ، وهذه أمة نبيك ، وإذا تعثَّرت في آخر الزمان أنت أن تحطمها ؟!!.

    نكمل لاحقا ً بإذن الله تعالى , لنتحدث عن معنى النصيحة لأئمة المسلمين .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  47. #97
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع مع النصيحة لأئمة المسلمين .

    بسم الله الرحمان الرحيم

    معنى النصيحة لأئمة المسلمين ، قال : بمعاونتهم على الحق ، فأنت إذا كنت موظفاً في دائرة ، يوجد شخص أعلى منك مشى في اتجاه أن يصدر قرار ، فيه إبعادٌ للناس عن الحق ، ولك مكانةٌ عنده ، ويستمع إليك ويأخذ بآرائك ، أنت إذا نصحته ووجهته ، وبينت له الحق وقلت له : هذا الشيء لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع المسلم ، فإذا أخذ برأيك فقد أعنته ، وهذا نصح ولاة الأمور ، هذا الوالي إنسان ، أولي الأمر من بني البشر ، فإذا أنت نصحتهم وبينت لهم فلك أجرٌ كبير، إذاً أن تعينهم على الحق ، وأن تنبِّههم وأن تذكرهم برفقٍ ولطف ،

    فالله عزَّ وجل علمنا حين قال لسيدنا موسى وأخيه هارون :
    فقولَا لَه ُ قَوْلا ً لَّيِنا ً
    (سورة طه: آية 44)

    فرعون قال :

    فَقال َ أَنَا ْ رَبُّكُم ُ الأَعلى ( 24 )
    (سورة النازعات)

    ومع ذلك ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى وهو نبيٌ عظيم :
    فقولَا لَه ُ قَوْلا ً لَّيِنا ً


    وإعلامهم بما غفلوا عنه ، وتأليف قلوب المسلمين لطاعتهم ، وألا تثني عليهم ثناءً كاذباً ، هذا كلُّه من النصح لولاة الأمور .

    لكن بعض العلماء يرون أن ولاة الأمور ، تعني شيئاً آخر ، وهم أئمة الدين ، وعلماء الدين ، يعني هذا العالم ليس معصوماً ، فإذا زلت قدمه ، أو إذا أخطأ كن له نصوحاً ولا تكن له فضوحاً ، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم لا شك في ذلك ، وليس أحدٌ بعده معصوماً ، الولي محفوظ ، ما الفرق بين المعصوم والمحفوظ ؟

    المعصوم الذي عصمه الله عزَّ وجل عن أن يغلط لأن النبي إذا غلط وقد أمرنا الله عزَّ وجل أن نتبع سنته فكأن الله أمرنا بالمعصية ، مستحيل ، لا يمكن إلا أن يكون النبي معصوماً في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي حركاته ، وفي سكناته ، وفي رضاه ، في غضبه ، في كل أحواله معصوم لأنه مشرِّع ، معصوم لأن الله قد أمرنا أن نأخذ منه ، وأن نتبع أمره وأن ننتهي عما عنه نهى ، فمن باب أولى أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام معصوماً ، والعصمة صفةٌ لازمةٌ للأنبياء ، انتهى الأمر ،

    يوجد عندنا قاعدة ، " ما من أحدٍ أكبر من أن يُنْقَد وما من أحدٍ أصغر من أن يَنْقُد " ، أحياناً طفل ينتقدك ، هو على حق وأنت على غير الحق ، عوِّد نفسك أن تستمع إلى النصيحة تتلقاها بصدر رحب ، عود نفسك أن تكون متواضعاً ، عود نفسك أن لا تدعي أنك أفهم الناس ، أنت واحد من الناس ،

    هكذا قال سيدنا الصديق ، مع شهادة النبي الكريم له حين قال :

    " لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح ".

    ماذا قال أبو بكر في خطبته الأولى ؟ قال : " أيها الناس لقد وليت عليكم ولست بخيركم

    أحب هدية ، والله الذي لا إله إلا هو ، لو أن إنساناً قدم لك ساعة ذهبية ، أو ساعة من أغلى أنواع الساعات ثمنها عشرات الألوف ، بل مئات الألوف ، وإنسان آخر نصحك نصيحة في دينك ، قال لك : يا أخي هذا العمل لا يليق بك ، هذا مخالفٌ للسنة ، لو عرفت قدر هذه النصيحة لسارعت إلى تقبيل يديه ، تقول له : شكراً لك على هذه النصيحة ،

    هكذا مجتمع المؤمنين ، فيه تناصح ، نصحةٌ متوادون ، لذلك إذا نُصحت فأصغ لهذه النصيحة ، وتواضع للذي ينصحك ، وتأدب معه ، واشكره على نصيحته ،

    وإذا رأيت أخاً كريماً لك قد زلت قدمه أو سبقه لسانه فأسدِ له النصح ، ومن صفات المؤمنين التناصح ، وكلُّ واحدٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه
    إذاً النصح أيضاً على علماء الدين ، ومن نصحهم قبول ما روه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم .


    يتبع إن شاء الله تبارك و تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  48. #98
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحة الله و بركاته ,

    نكمل بإذن الله تعالى ,
    بسم الله الرحمان الرحيم

    * الأولى أن يحسن الظن بأخيه المؤمن ، أحياناً الإنسان يرى أن إنساناً وضع يده بجيب إنسان ، لعل هذا الرداء رداؤه ، أو لعله رداء ابنه ، أنت دائماً كمؤمن حاول أن تحسن الظن ،

    هذا الموقف سليم ، أما إساءة الظن تحتاج إلى دليل قطعي ، مادام لا يوجد دليل قطعي الأولى أن تحسن الظن. فالمؤمن يجب أن يغلِّب حسن الظن .

    أما النصيحة لعامة المسلمين ؛ نصيحتهم بإرشادهم إلى معرفة ربهم ، بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم ، إعانتهم على أمر دنياهم بالقول والفعل ، ستر عوراتهم ، سدُّ خُللهم ، دفع المضار عنهم ، جلب المنافع إليهم ، أمرهم بالمعروف ، نهيهم عن المنكر برفق .

    النصح لكل مسلم ، في أمر دينه وفي أمر دنياه ،
    إذاً : هؤلاء كلهم عباد الله عزّ وجل لا تفرق فكلهم عباد الله ، إذا كنت مسلماً صحيحاً يجب أن يكون وقتك كله في خدمة الخلق ، من أجل أن يحبك الحق :

    "عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ "*
    ( صحيح البخاري ، متفقٌ عليه )

    الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع // حق النصح " من استبد برأيه هلك ، ومن استشار الرجال استعار عقولهم ".

    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
    " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ، وما استغنى مستبدٌ برأيه ، وما هلك أحدٌ عن مشورة ".

    إياك أن تستبد برأيك ، اسأل إخوانك المؤمنين ، اسأل أولي الخبرة من المؤمنين الصادقين ، حديث خطير :

    رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ، وما استغنى مستبدٌ برأيه ، وما هلك أحدٌ عن مشورة ، فإذا أراد الله بعبدٍ هلكةً كان أول ما يهلكه رأيه " .

    لهذا نحن ندعو على أعدائنا ونقول : " اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم" .
    إذا الإنسان استبد برأيه وتكبر وركب رأسه ، ورفض النصيحة قد يكون دماره في تدبيره .
    والحمد لله رب العالمين .

    إن شاء الله سنتابع لاحقا ً , لنتحدث عن حق جديد ( حق إجابة الدعوة ) .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  49. #99
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع الآن مع حق جديد , و هو حق إجابة الدعوة .
    بسم الله الرحمان الرحيم

    أي مسلم ٍ تلتقي به له حقٌ عليك ، و هذا الحق الذي له عليك يصبح عليك واجباً ، ومن تعريفات الواجب أن فاعله يُثاب وتاركه يُعاقب ، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ، هذا هو الواجب ، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري وموضوعٌ خطير تتعلق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ،

    تحدثنا عن هذه الحقوق عن حقٍ واحد هو حق النصيحة ، إن أخاك المسلم له عليك حق النصيحة ، وواجبٌ عليك أن تشير عليه ما أنت صانعٌ لنفسك في كل مجالات الحياة .

    الآن ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم إن هذا الحق هو إجابة الدعوة ، أخوك دعاك ، له حقٌ عليك أن تجيب دعوته ، وواجبٌ عليك أن تلبي هذه الدعوة ، فإجابة الدعوة حقٌ واجبٌ على المسلم لأخيه المسلم ، لماذا ؟
    لأنها تحقق معنى الأُخوة ، والأُخوة من معانيها المساواة ،

    والله سبحانه وتعالى يقول :
    إِنَّما المُؤْمِنون َ إِخْوَة ٌ

    من لوازم الأخوة في الله ، من لوازم الأخوة في الدين ، من لوازم الأخوة في الإسلام أن تجيب دعوة أخيك في شتى المناسبات ، وتلبية الدعوة أيها الإخوة إجابة الدعوة تحقق الأخوة وتزيد في الود وتصفِّي النفوس فيما بينها ،

    الإسلام حث عليها واعتبر الممتنع عنها عاصياً ، عد الإسلام الممتنع عن تلبية الدعوة عاصياً ، والدليل ،

    عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :
    " ست خصالٌ واجبةٌ للمسلم على المسلم من ترك شيئاً منهن فقد ترك حقاً واجباً ، يجيبه إذا دعاه ، وإذا لقيه أن يسلِّم عليه ، وإذا عطس أن يشمِّته ، وإذا مرض أن يعوده ، وإذا استنصحه أن ينصح له
    (رواه ابن حبَّان)

    " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ " *
    ( من سنن الترمذي )

    ويعنينا من هذا الحديث الفقرة الأولى ، يجيبه إذا دعاه ، طبعاً يوجد أحاديث أُخرى بروايات أُخرى تشير إلى حقٍ سادس ألا وهو إذا مات أن يتبعه ، أي أن يشيعه .

    "وعَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك
    (من صحيح مسلم)

    في هذا الحديث إشارةٌ لطيفةٌ جداً إلى أن المراد من هذه الدعوة اللقاء ، هذا الذي لا يجيب الدعوة لأنه يعاني من حميةٍ قاسية كأن هذا الكلام يضمِّن أن الدعوة من أجل أن يأكل ويشرب ، الحديثٌ دقيقٌ جداً أن تأكل عند أخيك وأن تشرب شيئاً ثانوياً ، ولكن الشيء الأساسي هو أن تلتقي به ،

    هذا اللقاء يضمن المودة ، والمحبة ، والأُلفة ، والتفاهم ،
    هناك بعض الأشخاص يبنون قصوراً من الأوهام إذا تم اللقاء والتواصل ذابت هذه القصور من المشكلات ومن التصورات ومن الآلام ومن الغضب ، فيبدو أن اللقاء شيءٌ مهمٌ جداً في علاقات الأُخوة الإسلامية .

    إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك
    (رواه مسلم)

    العبرة أن تلتقي بأخيك ، وأخوك حينما يدعوك معنى هذا أنه يحبُّك ، ومعنى هذا أنه يتمنى أن تكون عنده في البيت ، معنى هذا أنه يتمنى أن يلتقي بك ، فاللقاء هو الأصل .

    حديثٌ آخر :

    "عن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ " *
    ( من صحيح مسلم )

    فالآن أكثر الدعوات في عقود القِران ، أي أن الإنسان حينما يزوج ابنه ويرسل هذه البطاقات إلى إخوانه المؤمنين يتمنى أن يكونوا في هذا الاحتفال ، وقد يكون في هذا الاحتفال خيرٌ كبير ؛ ككلمةٌ تلقى أو نشيدٌ ينشد ، أو مدحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا الحديث الآخر رواه مسلم .

    "وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " *
    ( من صحيح البخاري )

    أي أنك إذا اخترت من المدعوين أُولي الغنى والوجاهة والشأن في المجتمع ، وأهملت المؤمنين الصادقين الذين تقع مرتبتهم أحياناً في الدرجة الثانية في المجتمع ، إن فعلت هذا فهذه الدعوة شرُّ أنواع الدعوات ، كيف ؟

    عليك أن تذيب الفوارق بين المجتمع ، لك أقارب ، لك إخوة، لك أصدقاء ، لك إخوان في الله عزَّ وجل اُدعوهم جميعاً ، ولا تجعل أساس الدعوة الغنى ، ولا أساس الدعوة الوجاهة ، ولا أساس الدعوة علوً المرتبة الاجتماعية ،

    ليس هذا من شأن المؤمن أبداً ، المؤمن أخو المؤمن ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ، فيكفي ألا تدعوه إلى هذا الغذاء لأنه من الدرجة الثانية لأن لباسه وسط ، أنا داعي علية القوم وهذا يفسد الحفلة ،

    "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "*

    ( متفقٌ عليه)

    "وعن عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا " *
    ( من سنن أبي داود )

    فالمؤمن ما لم يدعَ فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه ، ولا ينبغي للمؤمن أن يذهب بلا دعوة ، أحياناً دعاك وحدك فجئت مع خمسة أولاد ، هو لم يهيئ نفسه لخمسة أولاد ، المكان محدود والكراسي محدودة والطعام محدود ، واختارك من بين مجموعة فدعاك فجئت مع أولادك كلهم ، هذا ليس من أخلاق المسلم ، أما إذا سمى أولادك واحداً واحداً بأسمائهم ، أو أعطاك بطاقاتٍ خاصةً لهم عندئذٍ الأمر طبيعي .


    الآن نريد الحكم الشرعي في إجابة الدعوة .... نكمل لاحقا ً إن شاء الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  50. #100
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع مع حق الدعوة , و لقد وصلنا إلى الحكم الشرعي ...

    بسم الله الرحمان الرحيم

    الحكم الشرعي في إجابة الدعوة ، لاشك أن هذه الأحاديث التي بين أيديكم ، هذه الأحاديث الستُ كلُّها تؤكد أن تلبي دعوة أخيك ، لكنكم تعلمون أن الأمر في القرآن والسنة إما أن يكون أمر وجوب و إما أن يكون أمر ندبٍ ، وإما أن يكون أمر إباحةٍ وإما أن يكون أمر تهديد ،

    أمر الوجوب :
    و َ أَقيموا ْ الصَّلاة َ

    (سورة الروم: آية 31)

    أمر الإباحة :
    و َ كُلُوا ْ و َ اشْرَبُوا ْ حَتَّى يَتَبَيَّن َ لَكُم ُ الخَيط ُ الأبيَض ُ مِن َ الْخَيْط ِ الأَسْوَد ِ مِن َ الفَجْر ِ
    (سورة البقرة: آية 187)



    أي مباحٌ لكم الطعام لأن هذا أمر إباحة ،

    أما أمر الندب :
    و َ أَنْكِحوا ْ الأَيَامَى مِنْكُم ْ و َ الصَّالِحين َ مِن ْ عِبَادِكُم ْ و َ إِمَآئِكُم ْ
    ( سورة النور : آية " 32)

    أمر التهديد :
    فَمَن شآء َ فَلْيُؤْمِن و َ مَن شَآء َ فَلْيَكْفُر ْ

    (سورة الكهف: آية 29)

    سَأُوْريكُم ْ ءَايَاتِى فَلا تَسْتَعجِلُون ِ ( 37 )
    ( سورة الأنبياء )


    فيا ترى هذه الأوامر التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام في إجابة الدعوة هل هي أمر وجوب أم أمر ندب أم أمر إباحة أم أمر تهديد ؟

    الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم يقول : " لا خلاف أن المؤمن مأمورٌ بإجابة الدعوة " .


    ولكن هل هو أمر إجابٍ أو ندبٍ ؟ هنا الخلاف ، هناك خلافٌ بين العلماء هل الأمر أمر إيجاب أم ندب ؟

    عند السادة الشافعية هو فرض عين إذا قام به البعض يسقط عن الكل ، أي على كل مدعوٍ أن يلبي الدعوة ، ولكن يسقط هذا الواجب إذا كان له عُذرٌ شرعي ، عذر أي مسافر أو مريض ، بعضهم قال : و فرض كفاية ،

    بعضهم قال : أنه مندوب في وليمة العرس ،
    إلا أن العلماء اتفقوا على وجوب الإجابة في وليمة العرس ، واختلفوا في سواها ، وفي سواها أيضاً بين من يرى أنها واجبةٌ ومندوبة .

    على كلٍ الملخص : إن إجابة الدعوة بين أن تكون فرض كفايةٍ وبين أن تكون فرض عين ، وبين أن تكون واجبةً وجوب إجاب ، وبين أن تكون واجبة وجوب ندب ، تتراوح أحكام إجابة الدعوة بين هذه النقاط الأربعة .

    الآن يوجد عندنا سؤال دقيق ، إذا دعي الإنسان من زميلٍ له كتابي أي من أهل الكتاب ما رأي الشرع الشريف في إجابة مثل هذه الدعوة ؟

    قال العلماء : " تجب هذه الإجابة لعموم الحكم الشرعي ، يجب عليك أن تجيب دعوة هذا الكتابي الذي دعاك إلى وليمة ".

    وقال بعضهم : " إذا كان في هذه الوليمة منكرٌ وبإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبِّ الدعوة ، وإن لم يكن بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلا عليك ألا تلبي الدعوة " .

    إذا كان هناك اختلاط ، أو يوجد تماثيل ، إذا يوجد فيه غناء أو أي شيء لا يرضي الله عزّ وجل فإذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبي الدعوة ، وإن لم يكن بالإمكان ذلك لا عليك ألا تلبي هذه الدعوة ،

    بعضهم قال :
    " إذا قال لك الداعي : أمرني فلان أن أدعوك أنت بالذات ، فعليك أن تجيب " ، أما إذا قال: "أمرني فلان أن أدعو من أشاء وها أنا ذا قد دعوتك ، في مثل هذه الحالة لا عليك ألا تجيب".

    يعني ترون من هذا الحكم أنك إذا ذهبت إلى هذه الدعوة ولم يكن فيها منكرات ، ولم يكن فيها معاصي ، ولم يكن فيها اختلاط ، ولم يكن فيها شرب خمر ، ولم تكن فيها مخالفاتٌ شرعية ، وبإمكانك أن تلبي هذه الدعوة من دون أن يُمَس دينك إطلاقاً فيجب أن تلبيها ،

    أما إذا كان هناك منكرات وليس بالإمكان أن تزيلها ، وليس بالإمكان أن تأمر بالمعروف ولا أن تنهى عن المنكر ، فيجب عليك ألا تلبي هذه الدعوة ، هذا هو الحكم الشرعي .

    قلنا : إن إجابة الدعوة فرض عين لا تسقط إلا بعذر ، ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة ؟

    قالوا : " هي أعذار من يمتنع عن الصلاة في المسجد ، فإذا كان مريضاً ، أو يقوم بشأن مريض ، أو كان يجهِّز ميتاً ، أو يقوم بإطفاء حريق ، أو يخاف ضياع ماله ، أو في طريقه من يؤذيه ، هذه الأعذار تكون أعذاراً مقبولةً إذا دُعي الإنسان ولم يلبِّ الدعوة ".

    يوجد نقطة ثالثة وهي أن هناك بعض الأعراس تستمر أياماً ثلاثة، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعيت في اليوم الأول وجب عليك الإجابة ، فإذا دعيت في اليوم الثاني لم تجب عليك الإجابة ، ولكن يُستحب أن تجيب هذه الدعوة ، فإذا دعيت في اليوم الثالث ليس لك أن تجيب هذه الدعوة هكذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال :
    " الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ " *
    (من سنن أبي داود )

    يتبع لاحقا ً إن شاء الله تعالى ... مع المزيد من المعلومات .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •