السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
نكمل بإذن الله تبارك و تعالى مع تعريف النصيحة ...
بسم الله الرحمان الرحيم
ما معنى النصيحة ؟
جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي ، إذا قلت: نصحت ، ما معنى نصح في اللغة ؟
علماء اللغة قالوا : " نصح الرجل ثوبه إذا خاطه " .
كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك عليك أن تنصح هذا الخلل ، أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل ، أي أن تسدَّ هذه الثغرة ، أي أن تخيط هذا الثوب ،
فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة ، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها ، وهذا معنى ،
المعنى الثاني : نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ، فهذا عسلٌ نصوح أي مصفَّى .
الآن ما علاقة النصح بهذا المعنى ؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً ، لا يوجد فيه شائبة .
وهذا حق يا أيها الإخوة الأكارم ، الذي أراه أن الكلام انتهى دوره لكثرة الكلام المُنمق ، لكثرة الفصاحة ، لكثرة البيان ، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل ، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده ، ومهما كان لقاؤك له حاراً ؛
إذا غششته أو إذا أخفيت عنه العيب أو إذا أضللته أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم ... ! مثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل ، لذلك : " الدِّينَ النَّصِيحَةُ " .
يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث ، كلٌ في عمله ؛ الطبيب في عيادته ، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته ، والبائع في دكانه ، والموظف وراء طاولته ،
هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له ،
وإن كان مسلماً له عليك حقَّان ، الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية ، والحق الثاني هو الأخوة في الدين ،
يجب أن تنصح له ،
والنصح الكلام المصفى كالعسل ، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه ، والنصح إحكام الخلل ، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح ، لذلك هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي ، والمؤمن ناصحٌ ونصوح ، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون ، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون ،
الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح :
أُبَلِّغُكُم ْ رِسالات ِ رَبِّى و َ أَنصَح ُ لَكُم ْ و َ أَعْلَم ُ مِن َ الله ِ مَا لا تَعْلَمون َ ( 62 )
(سورة الأعراف)
من الذي يجب عليه أن ينصح ؟
هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون ، كل من آتاه الله علماً ، من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين ،
والآية الثانية على لسان سيدنا هود :
أُبَلِّغُكُم ْ رِسالات ِ رَبِّى و َ أنَا ْ لَكُم ْ نَاصِح ٌ أَمين ٌ ( 68 )
(سورة الأعراف)
لكن هناك سؤالٌ دقيق وهذا السؤال هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان ، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان ، ليس هناك استثناء ؟
قال العلماء : " النصيحة فرض كفاية ، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل " .
يعني إذا كنتم جماعة في نزهة ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً ، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً سقط الوجوب عن بقية الحاضرين ، إذاً النصح فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، هذا الحكم الأول .
الحكم الثاني هو إذا غلب على ظنك إذا تيقنت أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له : يا أخي قال الله تعالى ،
يقول لك : أو مصدقٌ أن هذا كلام الله ؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه ،
انطلاقاً من قوله تعالى :
فَذَكَِرْ إِن نَّفَعَت ِ الذِّكْرَى ( 9 )
(سورة الأعلى)
انطلاقاً من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تضع الحكمة في غير أهلها :
"من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم ، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما ".
وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم : أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها ومن منعها أهلها فقد ظلمهم .
أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة ، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم قال له : يا أخي بأسلوب لطيف ولبق ، وبقية الإخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك ، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة ، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر .
الحكم الثاني : أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء ، وأنه لا يستجيب ، وأنه سيستهزئ ، وأنه سيكيل للدين الشتائم ، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب ،
في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له ، يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية ، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً ، ربما زدته تفلتاً ، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر ، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه .
نتابع إن شاء الله لاحقا ً .


رد مع اقتباس
