أخي عبدالله،
لا أعرف مدى اطلاعك على رحلة الشيخ الموسومة بـ"الرحلة الأوروبية"، وأنا شخصيا غير مطلع على تفاصيلها، وإنما على خطوطها العريضة، لكن ينبغي التنبيه هنا إلى أمر مهم، وهو أن هذه الأحداث (الرحلة الأوروبية، مؤتمر جنيف وحزب الإتحاد السوري) كلها حدثت بعد زوال الخلافة العثمانية ووقوع الأراضي السورية تحت الإحتلال البريطاني والفرنسي.
فالإستقلال الذي كان يطالب به الشيخ حينها هو الإستقلال عن الإحتلال الأجنبي للبلاد السورية.
وقد بين الشيخ رحمه الله في المنار الهدف من تأسيس الحزب حيث قال:
أول حزب ألف بمصر (حزب الاتحاد السوري) وكان أعضاؤه المؤسسون من المسلمين والنصارى والدروز، وأساس برنامجه الاستقلال التام الناجز، والمراد بالناجز: الحال، ويقابله الاستقلال المستقبل الذي يتوقف على مساعدة أجنبية، ترشح الشعب له وتقوده إليه، إن كانت تريد ذلك، وإنما فسرناه لأن بعض الناس لم يفهم المراد منه، حتى قالت إحدى الجرائد السورية: إن المراد بالناجز: التام، فحسبته تأكيدًا للتام، والمراد بالتام: ما يشمل السياسي والاقتصادي والقضائي، وإن كان مؤجلاً.
أُلف الحزب أولاً من فريقي الاستقلاليين والاحتلاليين، وكانت المواد الأولى التي وضعت له مشتملةً على الجمع بين النقيضين: الاستقلال والاحتلال، فكان كل فريق يقوي المادة الموافقة لمشربه، ويدعى الاحتلالي أنه استقلالي، وأنه إنما طلب مساعدةً مؤقتةً للضرورة.
وكل يدعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا
فاشتغلا بالجدال والنضال عدة أشهر، كان الفلج فيها للاستقلاليين، وكان الاحتلاليون يتسللون منه لواذًا، وينفصلون مثنى وأفذاذًا، وتقرر البرنامج المؤلف من أربع عشرة مادة بالإجماع في بعضها، وأكثر الآراء في بعض، ورضي كاتب هذه السطور بأن يكون من مؤسسي هذا الحزب المخالف لمذهبه السياسي في الجامعة العربية من وجوب اتحاد جزيرة العرب بالولايات العربية العثمانية؛ للحرص على تعاون المسلمين مع النصارى على طلب الاستقلال التام الناجز لسورية بعد أن أطال الدعوة إلى مذهبه، فلم يستجب له من فضلاء النصارى بمصر إلا أفراد قليلون؛ ولأن التعاون على استقلال بعض الأقطار العربية لا ينافي السعي لاستقلال سائرها من طريق آخر، كما صرح به في بعض أيمان الجامعة العربية، وأنا أصرح هنا بأنني لم أكن موافقًا على كل مواد البرنامج، بل منها ما أسفر النضال فيه بيني وبين بعض الأعضاء عن فوزي بموافقة الأكثرين من الأعضاء لي، ثم برجوع بعضهم إلى رأي المخالفين لي إرضاءً لهم؛ لئلا يخرجوا من الحزب، ولكنهم خرجوا بعد ذلك، على أن كل قانون وكل نظام يشترك في وضعه كثيرون يتقرر بعض مواده بالاتفاق، وبعضها برأي الأكثرين.
كما نشر الشيخ رحمه الله في المنار نص الدعوة التي وجهها حزب الإتحاد السوري لعقد مؤتمر جنيف والتي تبين الغاية من عقده، ونصها:
دعوة الحزب إلى عقد مؤتمر سوري:
إن لجنة حزب الاتحاد السوري المركزية بمصر واثقة أنكم كنتم وما زلتم مواظبين على مبادئكم القويمة الوطنية، ومساعيكم الشريفة إلى أن تكلل بالنجاح، ويتحرر الوطن المحبوب، ويصبح كما يريد أبناؤه الأحرار العاملون وطنًا حرًّا مستقلاً، زاهرًا برجاله، ناهضًا بهممهم، سائرًا كل يوم إلى الأمام، بفضل ما يبذله الأحرار العاملون في سبيله مِن التضحيات العديدة، والمساعي الجليلة.
وبعد: فقد رأت لجنة حزب الاتحاد السوري التي كانت - وما زالت - تجاهد بجميع الطرق المشروعة للحصول على استقلال البلاد التام الذي هو أمنية كل سوري أَبِيّ النفس - أن تتآزر جميع الأحزاب والجمعيات السورية التي تعمل لغاية الاستقلال التام، ووحدة البلاد سواء في سورية نفسها، أو في المهاجر البعيدة المتفرقة، وتتفاهم فيما بينها على أسس المبادئ والمساعي معًا، وترفع صوتها في وقت واحدٍ للعالم المتمدن بأسره بجميع الطرق المشروعة، طالبة الحصول على حقها الوطني الطبيعي المؤيد بكثير من العهود والوعود من أقطاب السياسة في العالم المتمدن كله.
ولما كان مجلس عصبة الأمم سيجتمع قريبًا، وينظر في شروط الوصاية المفروضة على سورية، وغيرها من البلاد المنفصلة عن تركيا - فقد قررت لجنة حزب الاتحاد السوري أن تدعو الجمعيات، والأحزاب السورية إلى عقد مؤتمر سوري عام في (جنيف) - مركز عصبة الأمم - في 10 حزيران (يونيو) المقبل؛ لتبرهن بكل ما لديها من الوثائق، والحجج، والأدلة على ما لسورية من الحق بالحرية، والاستقلال، وتتوصل بالوسائل المشروعة لدى مجلس عصبة الأمم - لسماع رأي البلاد قبل إبرام الحكم عليها، فلجنة حزب الاتحاد السوري تدعوكم، وتدعو سائر الجمعيات السورية للاشتراك في هذا المؤتمر، وترجو منكم إشعارها بأسماء مندوبيكم، وبميعاد سفرهم، وبما ترغبون الاشتراك فيه مِن نفقات المؤتمر العامة، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام، والسلام.
وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة، لعلها مقصودة من سؤالكم، وإن لم تكن مقصودة، فالتنبيه عليها لا يخلو من فائدة؛ وهي أن انخراط الشيخ في أحزاب وطنية استقلالية حينها لا يعني أن الشيخ كان يقدم تنازلات على حساب دينه كما يفعل بعض السياسيين الإسلاميين في زمننا، وفي ما سأنقله عن الشيخ برهان جلي لهذا، حيث يقول الشيخ في إحدى مقالاته:
فأول ما أنكره ويوافقني على إنكاره كل مسلم يعرف دينه ويغار عليه؛ أن هذا البرلمان المصري لا يجوز أن يعطى من حق التشريع ما ينسخ شيئًا من شرع الله الثابت بنص الكتاب أو السنة الصحيحة؛ التي جرى عليها عمل سلف الأمة أو بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وأعني ليس للقانون الأساسي أن يعطى هذا الحق؛ وهو يعترف بأن دين الحكومة الرسمي هو الإسلام.
ثم يستطرد الشيخ في نفس المقال ويقول:
... كنا ألفنا لجنة في حزب الاتحاد السوري؛ لتضع مشروع قانون أساسي لسورية، واخترنا لرياستها إسكندر بك عمون المحامي الشهير؛ لأنه أعلم الأعضاء بالحقوق والقوانين، فقال: أنا لا أقبل رياسة لجنة كهذه وفيها السيد رشيد؛ وهو أعلمنا بالشريعة الإسلامية التي يجب علينا الاستمداد منها في هذا القانون؛ لأن أكثر أهالي البلاد من المسلمين.



رد مع اقتباس
