صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 101 إلى 150 من 266
  1. #101
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    أيها الإخوة و الأخوات , نتابع بإذن ٍ من الله تعالى ,
    بسم الله الرحمان الرحيم

    الآن يوجد عندنا مشكلة ، أحياناً الإنسان يُدعى من جهتين أغلب الظن أن الإنسان يختار الأوجه يقول لك : هذه أدسم ، هذا أوجه ، فهنا يوجد عندنا حكم شرعي دقيق جداً ،

    هذا الحكم يُزيل كل مشكلة ، يُزيل كل التباس ، مثلاً ، إذا دعاك اثنان إلى وليمتين ، فإن سبق أحدهما قُدِم الأول لسبقه ، دعاك إنسان على طعام متواضع جداً في مكان بعيد ،

    بعد نصف ساعة جاءك إنسان من وجهاء المجتمع يدعوك إلى طعام نفيس ، ويوجد حضور من المستوى الرفيع ،

    أنت كمسلم يجب أن تلبي الداعي الأول لسبقه ، وهذا هو الحكم الشرعي ، وتعتذر للثاني ،

    أما إذا دعواك في وقتٍ واحد عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    " إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ "*
    ( مسند أحمد )

    هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، ويوجد عندنا : إذا تساويا في الوقت وفي القرب أجب أقربهما رحماً ، أي دعواك في وقت واحد والبيتان في مسافة واحدة فأجب أقربهما رحماً .

    الآن من دُعي إلى موضعٍ فيه منكر من زَمْرٍ أو خمرٍ فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة لإزالة المنكر ، ومن لم يقدر لم يحضر ،

    فقد نهى أن يجلس الرجل على مائدة تدار فيها الخمر لما روي عَنْ جَابِرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ"
    ( من سنن الترمذي )

    يقول لك : أخي أنا والله لم أشرب . لا يكفي ، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يجلس على مائدةٍ تدار عليها الخمر .

    الآن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ*
    ( من سنن أبي داود )

    دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض ، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر ، مادمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي ،

    أما إذا كنت صائماً صيام نفلٍ النبي عليه الصلاة والسلام استحب لك أن تفطر إكراماً لأخيك ، أخوك دعاك وتكلف لك وتقول إني صائم ، فإكراماً له أن تفطر فعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

    " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ " *
    (من صحيح مسلم)

    ليس القصد أن تأكل إنما القصد أن تكون عند أخيك ، ربما كان وجودك في بيت أخيك يُدخل على قلبه السرور ، يوجد أشخاص محميين، يوجد أشخاص عندهم نظام قاسٍ في الغذاء ، يوجد أشخاص عندهم أمراض في جهاز الهضم ، يوجد أشخاص لهم طعام خاص ، يوجد أشخاص يؤثرون عدم تناول الطعام إلا بشكل معين ، فهذا إذا دعي يجب أن يلبي من دون أن يُحْرَج .

    * المستحب لمن دعي إلى طعام وانتهى من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام ، عن عبد الله بن الزبير أنه قال :
    "أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ *

    (من سنن ابن ماجة )

    قل له كما قال النبي :
    " أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ الإخيار وذكركم الله فيمن عنده " .

    .... نكمل لاحقا ً إن شاء الله تعالى , مع بعض آداب إجابة الدعوة .

    و لكن لدَيَّ استفسار لمن يعرف ,,,, ورد أعلاه في الحديث :

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ*
    ( من سنن أبي داود )

    دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض ، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر ، مادمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي ،
    ما المقصود بهذه الجملة ؟؟ كيف تلبي و تصلي ؟

    و بارك الله بكم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  2. #102
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    الآن من آداب إجابة الدعوة كما جاء في الإحياء :

    أول أدب : ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير ، من آداب إجابة الدعوة أن تجيب دعوة أي إنسان ، أي أخ مؤمن ، أي أخ مسلم ، ألا تميز بين الغني والفقير ، التميز بين الغني والفقير نوعٌ من التكبر .

    سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما مر بقومٍ من المساكين الذين يَسألون الناس على قارعة الطريق ، وقد نشروا كِسراً ، أي خبزاً يابساً فقط ،
    على الأرض في الرمل وهم يأكلون ، وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له :

    " هَلُمَّ إلى الغذاء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : نعم إن الله لا يحب المستكبرين ، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب ،

    بعد أن ركب قال : قد أجبت دعوتكم فأجيبوني ، قالوا : نعم ، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدَّم لهم فاخر الطعام ، وجلس يأكل معهم ".

    من آداب إجابة الدعوة أن تمتنع عن إجابة دعوةٍ الطعام فيها مشبوه ، تعرف إنساناً ماله كلّه حرام ، هنا يوجد مشكلة ، أو يوجد منكرات ، أو يوجد مخالفات ، أو يوجد معاصي ، أو يوجد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، يوجد مزامير يوجد ملاهي ، اختلاط ، هزل ، لعب ، كذب ، نميمة غيبة ، هذه الدعوات لا تبال بها إطلاقاً ،

    أنت مؤمن طاهر ، يجب أن تلبي دعوةً نظيفة ، فيها طهر ، فيها تقوى ، فيها ورع ، فيها خوف من الله عزَّ جل ،

    لذلك النبي هكذا نصحنا فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
    " لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِي
    ٌّ)من سنن الترمذي)


    وإلا تندم على ذلك ،


    أدب آخر : ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن ، أخي فلان نريد أن نذهب عنده لأن أكلاته طيبين ، فلان عنده أكل مرتب ، فلان دعوة دسمة غميقة ، هذا كلام كلّه كلام العوام ، كأنك بهذه الدعوة تريد _أن تقضي شهوة بطنك ، فليس هذا من أخلاق المؤمن .

    ما النية إذاً ؟ النية أن تجيب هذه الدعوة إكراماً لأخيك المؤمن لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
    " من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه ".

    في حديث آخر :
    " من سرَّ مؤمناً فقد سرَّ الله عزَّ وجل ".

    من آداب الحضور أنه من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس .
    من آداب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس ، هذا الأدب الأول في إجابة الدعوة فإن من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس .


    من آداب إجابة الدعوة أيضاً ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء ،

    أيضاً غسل اليدين قبل الطعام وبعده من سنة النبي عليه الصلاة والسلام :
    " بركة الطعام الوضوء قبله وبعد ".
    فصاحب الطعام يجب أن يغسل يديه قبل كل واحد ، في بداية الطعام وآخرهم بعد نهاية الطعام ، هكذا الأدب .

    بعضهم قال : " من دعانا فأبينا فله الفضل علينا ، وإذا نحن أجبنا رجع الفضل إلينا ".

    و بعضهم قال :

    قم إذا ما الضيف جاءك وامنح الضيف غذاءك
    وأجل من وجهك مرآةً.. .... يرى فيها صفاءك
    إن يهُن عندك ضيفٌ .. ....يكن الهون جزاءك

    أي أن من صفات المؤمن إكرام الضيف .

    والحمد لله رب العالمين ... يتبع إن شاء الله تعالى مع حق عيادة المريض .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  3. #103
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    اليوم ننتقل إلى حق ٍ ثالث من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو عيادته إذا مرض .

    هناك إخوةٌ كرام كثيرون لا يُقيمون قيمةً لهذا الحق ، ولا يعرفون قيمة عيادة المريض إلا إذا مرضوا ومضى يومان وثلاثة وأربعة أيام ولم يأتهم أحد ، يقول : أهذا شأني عند إخواني ؟ أهذا شأني عند المؤمنين ؟

    المريض من أشد الناس حاجةً إلى المواساة ، المريض من أشد الناس حاجةً إلى من يؤنسه ، إلى من يدعوه إلى الصبر ، إلى من ؟ إلى من يعطيه شحنةً روحيةً يُعينه على تحمل المرض ،

    فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جداً وصحيحة حضنا على عيادة المريض .

    بادئ ذي بدء عيادة المريض كما ذكرت قبل قليل ، حقٌ من حقوق المسلم على أخيه المسلم ، ولكن بالمعنى الفقهي الدقيق ، عيادة المريض سنةٌ مؤكدة ، كلكم يعلّم أن في الدين فرضاً، وفي الدين ندباً ، وفي الدين مباحاً ، وفي الدين كراهةً ، وفي الدين حراماً ، فالشيء المندوب ، أو السنة المؤكدة أو غير المؤكدة ، هذا بين المباح وبين الفرض ،

    فعيادة المريض بالتعريف الدقيق الفقهي ، حكمها الفقهي سنةٌ مؤكدة ، ما معنى سنةٌ مؤكدة ؟ أي فعلها النبي كثيراً وتركها قليلاً ، ما معنى سنة غير مؤكدة ؟ أي فعلّها قليلاً وتركها كثيراً ،

    فعيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء ، كلمة جمهور تعني أي عند أكثر العلماء، وقال عليه الصلاة والسلام:
    " لا تجتمع أمتي على خطأ ".

    عيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء بقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما :
    " عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع ".

    إذاً يفهم من هذا الحديث أنه ينبغي أن تعود المريض في أول يوم ، لأن الصبر عند الصدمة الأولى ، والصابر يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل في اليوم الثالث ،
    في اليوم الثالث يقول الجاهل : ماذا نريد أن نفعل ، هذا أمر الله ، بعد ما سب ، وطبش وكسر ،

    هذا الصبر عند الصدمة الأولى ، يبدو أن تعود المريض في أول يوم هذا أفضل عند الله عزَّ وجل من أن تعوده بعد أن يبُلَّ من مرضه ، وبعد أن يغادر الفراش ، وبعد أن يذهب إلى عمله ، ليس هناك معنى لهذه العيادة في ذلك الوقت المتأخر .

    الإمام البخاري يقول : " العيادة واجبة " .
    وقال : " إنها فرض كفاية " أي إذا قام به البعض سقط عن الكل ،
    لحديث أبي موسى الأشعري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِي
    َ ( صحيح البخاري )

    فكيف عرف الإمام البخاري أن عيادة المريض فرض كفاية ؟
    من قول النبي الكريم : " وَعُودُوا الْمَرِيضَ " .

    لأن هذا الأمر موجهٌ إلى مجموع الأمة ، إلى مجموع المؤمنين ، إلى مجموع المسلمين ، فإذا قام به بعضهم سقط عن بعضهم الآخر ، من هنا استنبط الإمام البخاري أن عيادة المريض فرضٌ ولكنها فرض كفايةٍ و ليست فرض عين .


    يتبع بإذن الله تبارك و تعالى .... تجنبا ً للإطالة .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  4. #104
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل بفضل الله سبحانه و تعالى .
    بسم الله الرحمان الرحيم

    و لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال :
    " خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ رَدُّ السَّلامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِز
    ِ ( أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم )

    النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ قال : تجب ، وفي حديثٍ أمرنا أن نعود المريض ، استنبط العلماء أن النبي عليه الصلاة والسلام يحضُّ أصحابه على أن يعود بعضهم بعضاً لعظم هذا العمل ولشدة مثوبته عند الله عزَّ وجل ، و إلا فهو في النهاية مندوب ، والمندوب بين المباح وبين الفرض .

    لكن الآن يوجد عندنا تفصيل ، عيادة بعض المرضى فرضٌ كفرض الصلاة ، الوالدان الذين يلوذون بك ، الذين ليس لهم أحدٌ سواك ،
    في حق البعض فرضٌ وفي حق البعض حقٌ ، من تستفيد من عيادته ، وفي حق البعض عملٌ صالح إذا راعيت حاله ،

    وفي حق البعض مباح ، أي شخص بعيد عنك ، ليس في حاجةٍ إليك ، ولست في حاجةٍ إليه ، ولا ترجو منه شيئاً ولا يرجو منك شيئاً ، لا ترجوه ولا يرجوك ، ولست بحاجته ، وليس في حاجتك ، ولا ينتمي إلى مبدئك ولا إلى كذا فهذا عيادته مباحة ،

    أما والداك ، إخوانك في الله هؤلاء يرتقي أمر عيادتهم إلى مرتبة الواجب ، وهناك بعضهم إلى مرتبة الحق ، و بعضهم إلى مرتبة العمل الصالح ، هذا تفصيل العيادة ،

    يقول عليه الصلاة والسلام :
    "وَعُودُوا الْمَرِيضَ".

    هذه الألف واللام ، ألف ولام الجنس ، يعني أي مريض ، فلا تظن المريض هو الذي أقعده المرض في الفراش ، لو أنه شكا من عينيه هذا يُعاد ، لو أنه شكا من جلده هذا يُعاد ،
    والدليل النبي عليه الصلاة والسلام عاد كما يقول أحد أصحابه وقد أصابه رمد أي ألم في عينيه فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ :
    "عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي "*
    (سنن أبي داود)

    الحقيقة ليس القصد عيادة المريض أن تزوره وأن تسأل خاطره ، وأن تسأله عن صحته، وعند من تطبب ، وما الدواء الذي أخذه ، وخاطرك مع السلامة ، ليس هذا هو المقصود من عيادة المريض ، قال المقصود من عيادة المريض :
    " تعهٌّده ، وتفقد أحواله وإيناسه والتلطف به "،
    يجب أن تؤنسه ...
    قد يكون مضطراً إلى أن يفعل شيئاً أساسياً في حياته أقعده المرض عن ذلك ، إذاً عيادة المريض تعني ، تفقد أحواله ، التلطف به ، إيناسه ، تعهد حاجاته ، هذا معنى عيادة المريض .

    يتبع إن شاء الله تعالى مع المزيد .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  5. #105
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع مع المزيد بإذن الله تعالى .

    بسم الله الرحمان الرحيم

    النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث القدسية
    يروي هذا الحديث عن رب العالمين ،

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :
    " يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ..."

    كيف نفهم هذا الحديث ؟ الله سبحانه وتعالى نسب المرض إليه مجازاً تكريماً للمريض :

    " يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي . قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟!! قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ " .
    لوجدت الثواب عنده ، لوجدت الراحة عنده ، لوجدت الأنوار عنده ، لوجدت تجلي رب العالمين عنده .

    " يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي .
    قَالَ : يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟!!

    قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي "
    في العيادة لوجدتني عنده، في الإطعام لوجدت ذلك عندي .

    " يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي . قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟!!

    قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي * " .
    ( رواه مسلم )

    هل بعد هذا الحديث حديث يدفعنا إلى عيادة إخواننا في الله ، يدفعنا إلى عيادة أقاربنا ،
    حتى القريب الذي لا ترجو منه هِدايةً ، لو عدته في مرضه لرأيته في حالٍ آخر ، لرأيته قد صفت نفسه ، ورقَّت روحه ، وصار قريباً من أي حديثٍ ديني ،

    وهو في قوته وشدته ، قد يكون أبعد الناس عن هذا الحديث وعن هذا الموضوع ،
    قد يقول لك : دعنا من هذا الحديث ، ولكنك إذا زرته وهو مريض لرأيت منه استجابةً لا تصدق ، لذلك النفس عند المرض ترق ، تصبح شفافة ، تصبح قريبةً من الله عزَّ وجل ، لأنه في أثناء العلاج ، الإنسان في المرض يشعر بضعفه ، وخلق الإنسان ضعيفاً ،

    المرض من نعم الله على الإنسان ، لو أن الإنسان لم يمرض إطلاقاً لظن أنه قوي ، ولكن هذا المرض يحجمه يعطيه حجمه الحقيقي ، يجعله عبداً لا يقوى على شيء ذهبت قوته ،
    انهارت قِواه ما هذا المرض ؟

    والله الذي لا إله إلا هو لو كشف الغطاء يوم القيامة لرأيت أن المرض من نعم الله الكبرى على الإنسان ،لعل المرض هو الذي حثه على التوبة ، لعل المرض هو الذي عرفه بعبوديته ،

    لذلك الكافر يعلو ويعلو ويعلوا ، إلى أن تدق رقبته في أيام ، أما المؤمن كلما غفل رده الله ، أما الكافر خطه البياني يصعد صعوداً حاداً وهو يعتدُّ بنفسه ويظن أنه لا أحد يستطيع أن يزحزحه عن مكانه ، أياماً معدودة ، فإذا هو في أسفل سافلين ،

    أما المؤمن له ترتيبٌ آخر ، كلما زلت قدمه جاءه العلاج ، كلما جاءه خاطر جاءه العلاج ، كلما غفل جاءه العلاج ، هذا من رحمة الله بالمؤمنين ،
    المؤمن سنبلة تأتي الرياح فتميلها ثم تعود ، ولكن الكافر كالشجرة العملاقة تأتي الرياح فتستأصلها من جذورها ، وينتهي الأمر .

    إذاً حينما أضاف الله المرض إلى ذاته ، هذا تكريمٌ للمريض ، وتشريفٌ له وحينما قال : " وجدتني عنده " أي وجدت ثوابي وكرامتي في عيادة المريض ،

    لذلك بعد هذا الدرس لا ينبغي لواحدٍ منا أن ينسى أو أن يغفل عن عيادة أخٍ أو قريبٍ أو جارٍ ،

    وتروي الأخبار أن النبي عاد جاره اليهودي ، وكان يؤذيه كل يوم ، انقطع الأذى أيام فتوقع أنه مريض ، فعاده وكانت هذه العيادة سبباً في إسلامه .

    سيدنا أبو حنيفة كان له جار مغنٍ وكان يزعجه طوال الليل ، كل يوم يغني ، ويضرب على العود ويقول :

    أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي

    فلما ألقي القبض عليه وسيق إلى السجن ، ذهب أبو حنيفة بنفسه إلى صاحب السجن وتوسل له ، وأخرج صاحب السجن كل من السجن إكراماً لمقدم أبي حنيفة ،

    وفي طريق العودة قال : يا فتى هل أضعناك ؟ تقول :
    أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي

    فكانت هذه الزيارة سبب توبته ، ويبدو أنه يلحق بهذه أن تزور إنساناً فقد حريته ، أيضاً هذه الزيارة لها وقعٌ كبير ، في أعلى درجة من درجات الصفاء ، والإنابة إلى الله ،

    أي أن كلماتك عن الله عزَّ وجل تأتيه كالبلسم ، تأتيه كالدواء ، تأتيه كالماء على عطش شديد ، فإذا أكرم الله عزَّ وجل أحداً بالإيمان لا يضن بوقته وبزياراته وبأحواله وبعلمه على هؤلاء المرضى ، أو هؤلاء الذين فقدوا حريتهم .

    نكمل لاحقا ً إن شاء الله تبارك و تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  6. #106
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ "*
    قيل : " يا رسول الله وما الخرفة ؟ الخرفة على وزن غرفة . فقال عليه الصلاة والسلام ، جناها، يعني ثمارها "
    ( صحيح مسلم )

    أي ليس في الجنة فقط بل يأكل من ثمار الجنة ، ليس في الجنة فحسب بل يأكل من ثمار الجنة هذا إذا عاد الإنسان مريضاً .


    وعن عليٍ كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

    "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً ( أي صباحاً ) إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ " *
    ( حَدِيثٌ حَسَنٌ رواه الترمذي )

    إن عدته صباحاً صلَّت عليك الملائكة أي شعرت بالسعادة ، وإن عدته مساءً صلَّت عليك الملائكة أي شعرت بهذه السعادة التي تلقيتها من صلاة الملائكة عليك ، والخريف هو الثمر المخروف في الجنة المجتنى .

    الآن ما هي آداب عيادة المريض ؟

    قال : أولاً : يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء ، وأن يأمره بالصبر لحديث عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ، أن أباها قال :
    " اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ "*
    ( سنن أبي داود )

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ "*
    (أخرجه أبي داود والترمذي)


    أي إذا ابتهلت إلى الله ابتهالاً شديداً ، وكنت محباً لهذا الأخ ودعوت الله أن يشفيه لعل الله عزَّ وجل يظهر له كرامتك عنده وكرامته عنده وأن يشفيه بهذا الدعاء ، لذلك دعوة الأخ لأخيه لا ترد .

    وعن عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام :
    " كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا "*
    (رواه الشيخان البخاري ومسلم ، متفقٌ عليه)

    هذا الدعاء النبوي إذا زرت مريضاً فقل :
    " اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ". أي مرضاً .

    وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجعاً في جسده فقال له :

    "اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَقُلْتُ ذَلِكَ فَشَفَانِيَ اللَّهُ "*
    ( سنن ابن ماجة )

    هذا من أدب الذي يعود المريض أن يدعو له بالشفاء ، ودعاء الأخ لأخيه لا يرد ، ولعل الله يُظهر كرامتك عنده ، ولعل الله يظهر كرامة المريض عندك ، ولعل الله يظهر هذا الحب بينكما ، إذاً إذا عدت مريضاً فادعُ له بالشفاء ، بأية لغةٍ تشاء ، أو بهذا الدعاء الذي دعا به النبي :
    "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ".

    وكان عليه الصلاة والسلام يقول :
    " لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ."*
    ( صحيح البخاري )



    الشيء الثاني : يستحب للزائر أن يضع يديه على مكان المرض ويسمي الله تعالى ويدعو للمريض لما تقدم ، ويستحب للزائر أن يطيب نفس المريض بإطماعه في الحياة ، أن ينفس له في الأجل ، ...

    يتبع إن شاء الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  7. #107
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم

    الآن يوجد شيء جديد في آداب العيادة ،

    يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء ، قال : " فإن دعاء المريض مستجاب "، لحديث أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    "عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم فإن دعوة المريض مستجابةٌ وذنبه مغفور".
    لأنه رقيق قريب من الله عزَ وجل ، دائماً المريض تجده صافياً ، ويستحب تخفيف العيادة ،

    النبي الكريم عيرها قال :
    " فُوَاقَ نَاقَةٍ "*

    " العيادة فُوَاقَ نَاقَةٍ "* أي مقدار حلب ناقة عشر دقائق ، تخفيف العيادة وعدم تكريرها ، إلا إن رغب المريض ذلك في حالات خاصة ،

    يوجد عندنا موضوع شكاية المريض ، فالمريض له الحق في أن يقول مثلاً : لم أنم البارحة طوال الليل ، آلام لا تطاق مثلاً . ما حكم هذا في الشرع ؟

    قال : " لا بأس أن يخبر المريض بما يجده من ألمٍ لا على سبيل الضجر والسخط مبتدأ بحمد الله تعالى " يقول : الحمد لله أشعر كذا كذا ، يؤلمني كذا وكذا ...

    إذا شكر قبل أن يشتكي فلا يشتكي ، فهذا ليس شكوى .
    " إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ”
    (أخرجه الشيخان)

    قال : إن الألم لا يقدر أحدٌ على رفعه والنفوس مجبولةٌ على وجدان ذلك فلا يستطاع تغيرها عما جبلت عليه ، وإنما كلّف العبد ألا يقع منه في حال المصيبة ماله سبيلٌ إلى تركه ، كالمبالغة في التأوّه والجذع الزائد ".


    النبي عليه الصلاة و السلام بكى حينما مات ابنه إبراهيم ، فقالوا : أتبكي !! فقال :
    "نعم ، إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون " .

    هذا موقف النبي عليه الصلاة والسلام ، أي أن الصبر ليس معناه أن تصبح إنساناً آخر كالحجر ، لا أنت بشر من لحمٍ ودم ، والألم ليس مخالفاً للسنة ،

    ولكن الذي يخالف السنة أن تضجر ، أن تكفر ، أن تتذمر ، كأن تقول : ماذا فعلت ؟ أن تقول كلام يتناقض مع الإيمان ، أما الألم مع الرضا هذا مقبول .

    أيضاً هناك شيء آخر ، هناك من يشكو إلى الله وهناك من يشكو على الله ، إذا شكوت إلى مؤمن فإنما تشكو إلى الله ، وإذا شكوت إلى كافر فكأنما تشكو على الله ،
    قال الشاعر :
    وإذا عراك بليةٌ .. فاصبر لها
    صبر الكريم ... فإنه بك أعلم
    وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
    تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

    أي أن من أكمل المواقف أن تكون شكواك إلى الله وحده ، أما إذا شكوت إلى مؤمن فهذا من قبيل التنفيس ، والشكوى إلى مؤمن شكوى إلى الله ، بينما الشكوى إلى كافر هي شكوى على الله .

    الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان والنسائي
    فعن أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْه
    ُ ( صحيح البخاري )

    معناها أنت مطموع فيك ، معناها أنت قابل للتربية ، معناها أنت غالٍ على الله ، معناها أنت فيك خير كبير جداً ، معناها أنت قريب كثيراً من الحق ،
    فهذا المرض جاء ليدفعك إلى بابه الكبير ،

    أما الميؤوس منه ، خارج الاهتمام ، خارج المعالجة هذا :

    فَلَمَّا نَسُوا ْ مَا ذُكِّرُوا ْ بِه ِ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ْ أَبْوَاب َ كُل ِّ شَىْ ءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا ْ بِمَآ أُوتُوا ْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَة ً فَإذا هُم مُّبْلِسُون َ ( 44 )

    ( سورة الأنعام : آية " 44 " )


    وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ "*
    إذا صبرت فهذا دليل نجاحك في الإيمان .

    وعن عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا * ( صحيح البخاري )

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    " مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ "*
    ( رواه أحمد والشيخان )


    أعتقد أحاديث كافية جداً أن الإنسان يقبل المرض ، وأن يصبر عليه وأن يعود المريض .

    يتبع بإذن الله مع حق جديد .
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  8. #108
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع إخوتي و أخواتي مع حقوق المسلم على المسلم ... و اليوم سوف نبدأ بحق جديد (( رد السلام ))

    بسم الله الرحمان الرحيم

    الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ...
    حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو رد السلام .


    قد يبدو لكم بادئ ذي بدء أن موضوع السلام ، إلقاء السلام ، رد السلام شيءٌ جزئيٌ في الإسلام ، ولكن الأحاديث الصحيحة تنبئ بأهمية البدء بالسلام ورد السلام ،

    وسوف ترون بعد قليل كيف أن موضوع السلام في الإسلام شيءٌ يشغل حيزاً كبيراً ، وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بدّ من مقـدمة .

    الإنسان أيها الإخوة ... له حياةٌ فردية ، له حياةٌ عضوية ، له حياةٌ نفسية ، له حياةٌ عقلية ؛

    * يعيش مع عقله ، يفكر يدرس ، يبحث ، يطلب الأسباب ، يطلب البراهين يقتنع ، لا يقتنع، يقبل ، يرفض ، هذه حياة عقلية متعلِّقة بالفكر والحقائق ، والدراسة ، والتأمل ،

    والقبول ، والرد ، والرفض ، والبرهان ، وعدم البرهان ، والصحة ، والفساد ، والبُطلان ، هذه حياة عقلية ، لكل واحد منا حياته العقلية ، ولعقله مستوى .

    * والإنسان له حياة نفسية ؛ يغضب ، يحزن ، يتفاءل ، يتشاءم ، ينشأ في نفسه صراع ، له طموحات ، يُحِس بالانقباض ، يُحس بالانشراح ، يشعر بالسعادة ، يشعر بالضيق ، هذه حياة نفسية .

    * وله حياة عضوية ؛ يأكل ، ويشرب ، ويهضم الطعام ، وله جهاز دوران ، وجهاز هضم ، وجهاز إفراز ، وجهاز عضلي ، وجهاز عظمي ، له غدد صماء ، وله أجهزة ، وله عضلات ، ويعتريه عطب ، وكما يعتريه مرض ، ويتمتع بصحة .

    * وله حياةٌ اجتماعية ؛ الإنسان اجتماعي ، الله سبحانه وتعالى فطره فطرةً اجتماعية ، يُعبر عنها الناس بكلمات ، من هذه الكلمات: " الجنة بلا ناس لا تنداس " .

    الإنسان يأنس بأخيه الإنسان ، فلو نام إنسان في بيتٍ وحده يشعر بالوحشة، لو سافر وحده يشعر بالوحشة ، الإنسان مفطور على الاجتماع ، رُكبت الطبيعة الاجتماعية في فطرته .

    ويبدو أن الله سبحانه وتعالى ، خلق الإنسان ذا طبعٍ اجتماعي لأهدافٍ كثيرة ،
    منها أن إعداده للآخرة لا يكون إلا عن طريق الحياة الاجتماعية ، كيف يرقى الإنسان لو كان يعيش وحده ؟

    إذا عاش مع الناس يظهر كرمه ، يظهر بخله ، يظهر صدقه ، يظهر كذبه ، يظهر حرصه، يظهر إهماله ، تظهر شجاعته ، يظهر وفاؤه ، يظهر إخلاصه وكل الفضائل التي يمكن أن تسعدك في الجنة وإلى الأبد ، لا تكون إلا وسط المجتمع ، كل الفضائل التي يمكن أن تسْعَد بها إلى أبد الآبدين لن تنمو ولن تظهر إلا في جوٍ من الحياة الاجتماعية ،

    لذلك نظام الأسرة اجتماع هكذا رتب الله الحياة ؛إذاً حينما خلّق الله الإنسان خلقه بجبلة اجتماعية ، هذا التعايش مع الناس ، هذا النظام الاجتماعي يحتاج إلى ضوابط ،

    فخالق الكون الذي أبدع وأتقن حينما خلق الإنسان شرع له هذه الضوابط ، فأنت في حياتك الاجتماعية إما أن تكون أسعد الناس بها ، وإما أن تكون أشقى الناس بها ،

    أي أن المجتمع إما أن يكون مصدر سعادةٍ لك كأن يكون تفاهم زوجي مثلاً ، تفاهم بين الأب وأولاده ، ومع التفاهم محبة ، مع المحبة تضحية ، مع التضحية مؤاثرة ، فتغدو هذه الأسرة قطعةً من الجنة ؛

    وقد تغدو هذه الأسرة قطعةً من النار ، بالتباغض ، والشحناء ، والبغضاء ، والكيد ، زوجة مشاحنة ، والزوج يريد أن يغيظ زوجته فيبحث عن الطريقة التي يؤلمها به ، وتبحث هي عن الطريقة التي تؤلمه بها ، والأولاد في واد ، والأب في واد ،

    فبينما يجب أن تكون الأسرة مصدر سعادةٍ لأفرادها ، إذاً الأمر ينعكس فتغدو هذه الأسرة مصدر شقاءٍ لأفرادها ، فالحياة الاجتماعية ليس فيها حل وسط ، إما أن تكون سعيداً بها ، وإما أن تكون شقياً .

    فلأن الإنسان كائنٌ اجتماعي لا بدَّ من أن يشرع الله له تشريعاً يضمن سعادته في ظل المجتمع ، لذلك حقوق المسلم على المسلم تشريعات شرعها الخالق ،

    سيدنا سعد حينما قال : " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى ".

    أي أن هذا الكلام للنبي الكريم يشير إلى العلاقات الاجتماعية ، و حقوق المسلم على المسلم تعني بحال أو بآخر أن هذا من عند الله عزَّ وجل ، هذا بإلهام الله عزَّ وجل ، بوحيٍ من عند الله ، فأنت حينما تقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلِّق بالحياة الاجتماعية فأنت تقرأ تعليمات الخالق فيما يتعلق بعلاقتك بمجتمعك هكذا .

    نكمل لاحقا ً إن شاء الله تعالى لنتحدث عن أصول العلاقات الإجتماعية ... أو أصول حقوق المسلم على المسلم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  9. #109
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , نتابع اليوم مع الحق الجديد (( رد السلام )) .

    من تعليمات الخالق الصانع التي جاءتنا عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام هذان الحديثان الشريفان اللذان هما أصلان من أصول العلاقات الاجتماعية ، أو من أصول حقوق المسلم على المسلم ،

    فعن أبي هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال :

    " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ " *
    ( صحيح البخاري )

    وروى مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

    " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ . قِيلَ : مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه " *.
    ( صحيح مسلم )


    وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه : أي شيِّعه .

    الآن ربما استغرق موضوع السلام وقتاً طويلاً ، وسوف ترون معي بعد قليل كيف أن هذا الموضوع خطير جداً ،

    فربما كان إلقاء السلام سبباً من أسباب التفاهم الاجتماعي ، ربما كان إلقاء السلام والردّ بالسلام سبباً في شيوع السلام بين الناس ، ربما كان تبادل السلام سبباً لهذه المودة والمحبة التي يجب أن تكون بين الناس ،

    الله سبحانه وتعالى يقول :
    و َ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة ٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو ْ رُدُّوهَا إِن َّ الله َ كَانَ عَلَى كُل ِّ شَىْءٍ حَسِيبا ً ( 86 )
    ( سورة النساء )


    الحكم الفقهي أن إلقاء السلام سنة ورد السلام واجب بل هو فرض لقوله تعالى :
    و َ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة ٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو ْ رُدُّوهَا

    فحيوا هذا أمر ، والأمر في القرآن يقتضي الوجوب بأحسن منها قال لك : السلام عليكم، تقول له : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال لك : أسعد الله صباحك ، تقول له : أسعد الله جميع أوقاتك ،
    أي :

    و َ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة ٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو ْ رُدُّوهَا إِن َّ الله َ كَانَ عَلَى كُل ِّ شَىْءٍ حَسِيبا ً ( 86 )
    ( سورة النساء )


    بل إن رد السلام على أهل الذمة أو على أهل الكتاب واجب ، كالرد على المسلمين تمسكاً بعموم الآية ،
    وهذا قول ابن عباس : والشعبي و قتاده .

    إن الله عزّ وجل حينما حدثنا عن سيدنا إبراهيم قال :
    و َ لَقَد ْ جَآءَت ْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيم َ بِالبُشْرَى قَالُوا ْ سَلَامَا ً قَال َ سَلَام ٌ فَمَا لَبِث َ أَن جَآء َ بِعِجْل ٍ حَنِيذ ٍ ( 69 )

    ( سورة هود )

    قالوا : سلاماً ، أي سلَّموا سلاما ، قال : سلامٌ ،

    قال العلماء : إن كلمة سلام أبلغ من سلاما ، لأن سلاما مفعول مطلق لفعلٍ محذوف ، أُسلمُ سلاماً ،
    والمفعول المطلق مع الفعل المحذوف يؤلف جملة فعلية ، والجملة الفعلية ليست مستمرة أي أنها وقعت وانتهت ،

    أما سلام جملة اسمية فيها معنى الاستمرار ، فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم كانت تحيته أحسن من التي طرحت عليه .

    عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : إنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ :
    " تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ".
    ( صحيح البخاري )

    أي أن إطعام الطعام سنةٌ نبويةٌ طاهرة ، وتقرأ السلام ، قراءة السلام شيء ورده شيءٌ آخر ، أي أن تطرح السلام ، أن تبدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف ،

    وعن أبي أُمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلامِ " *
    ( سنن أبي داود )

    أي أن هذا الذي يسلم على الناس ، ويبدؤهم بالسلام ، أولى الناس وأقربهم إلى الله عزّ وجل ،

    وعن عمار بن ياسر قال النبي عليه الصلاة والسلام :

    " ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ"*
    ( صحيح البخاري ) .

    يتبع إن شاء الله .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  10. #110
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع بفضل ٍ من الله تعالى .

    بسم الله الرحمان الرحيم

    عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
    " أفشوا السلام تعلوا " .

    أي يرفع الله من شأنكم ، ويرفع لكم مقامكم في الدنيا ، أفشوا السلام تعلوا .

    وفي حديثٍ آخر عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا وَالأَشَرَةُ أَشَرُّ " *
    ( مسند أحمد )

    يعني إذا كنت ليس لك أصحاب ضمن حيك فإنك لا تسلم على أحد ، يزورك الناس لا ، لأنك لا تزور أحداً ، فهم إذاً يبحثون لك عن عيب ، عن غلطة ، ينقضون عليك ، ليشفوا غليلهم منك ،

    أما إذا كنت متواضعاً وسلَّمت عليهم ، وزرت جيرانك ، وعاونتهم في حياتهم ، أصبح هذا البناء التي تساكن جيرانك به أسرة واحدة ، إذا سافرت سافرت وأنت مطمئن ، كلهم كأنهم أنت ، إذا فقدت هذه المودة ، وفقدت التحية وهذا السلام ، تعيش في جفاء ،

    فالإسلام جماله في هذه الحياة الاجتماعية السليمة ، لأن التباعد والتدابر والتجافي والمشاحنة والبغضاء تفتت المجتمع ،

    قال الله عزَّ وجل :

    و َ لَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ و َ تَذْهَبَ رِيحُكُم ْ
    ( سورة الأنفال: آية " 46 " )

    بالمنازعة والمشاحنة ضعف ، يضعف هذا المجتمع الذي تنتمي إليه ، لذلك تجد مجتمعات مفتتة ؛

    بفعل الخصومات والغيبة والنميمة والحسد والبغضاء والتدابر والتطاحن والتنافس تجد المجتمع المنهار ، أما بتطبيق تعاليم الإسلام تجد الجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ،

    إذاً : أفشوا السلام تعلوا ، أفشوا السلام تسلموا ،
    وعن ابن الزبير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
    " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ "*
    ( مسند أحمد )

    ولمَ يقسم النبي فلماذا يقسم ؟ معنى ذلك أن هناك أمراً خطيراً..
    أنت إذا كنت تحب إخوانك فإخوانك يحبونك ،
    يجب أن تعاملوا بعضكم معاملة يكون من ثمارها المحبة .


    المحبة ليست عملاً إرادياً ، بل عملاً عفوياً :
    " يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " .

    لا تعرف أنت طوالع المستقبل فإنه غيب فكن أديباً مع الناس ، رأيت عاصياً ، انصحه، فهّمه بين له اخدمه ، أنا أحب أن يكون كلّ أخ شعاره : " كن عوناً لأخيك على الشيطان ، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك " .

    عاونه على الشيطان فتواضع له واخدمه ، ولا تنفره من الدين ، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك ،
    الحديث الشريف القدسي :
    " أنا مع المنكسرة قلوبهم الحزانى في كنف الله إن الله يحب كل قلبٍ حزين " .

    الحزانى معرضون للرحمة ، الإنسان قيمته بأخلاقه ، النبي بماذا مدحه الله عزَّ وجل ؟ بيته فخم ؟ مترامي الأطراف مثلاً لا ؟
    بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ أحياناً أنت تقيم الإنسان بسيارته، ببيته ، بمكتبه ، بمرتبته ، برصيده ، بأسرته ، بحسبه ، بنسبه ، بيده الطايلة ، أخي فلان يده طايلة ،

    بماذا مدح الله نبيه الكريم قال :
    و َ إِنَّك َ لَعَلَى خُلُق ٍ عَظِيم ٍ ( 4 )

    ( سورة القلم )

    يتبع إن شاء الله تعالى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  11. #111
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم

    بقي علينا اليوم أن نتحدث عن الأحكام الفقهية المُتعلقة بالسلام .

    بادئ ذي بدء ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عمران بن حصين :
    " قال عمران بن حصين جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم.
    فرد صلى الله عليه وسلم السلام ثم جلس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشرٌ .

    ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله . فرد عليه الصلاة والسلام السلام وجلس وقال النبي الكريم : عشرون . وجاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد وجلس وقال عليه الصلاة والسلام : ثلاثون " .

    فهم من ذلك أن السلام التام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، هذا السلام ينال ثلاثة أمثال السلام الأول ، هذه صيغةٌ من صيغ السلام .

    وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليها وسلم لها :
    "هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام قالت عائشة: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته "
    (رواه الشيخان)

    إذاً كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ورد السلام : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . هذه هي الصيغة التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لإلقاء السلام ورد السلام .

    الصيغ الأخرى التي تعرفونها ، أنعِم صباحاً ، أنعِم مساءً ، عِم صباحاً ، عِم مساءً ، أسعد الله أوقاتكم ، أسعد الله صباحك ، أسعد الله مساءك ، هذه الصيغ التي يستعملها الناس الأولى منها أن نستعمل تحية الإسلام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    لأن السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل .

    بعضهم يقول : طرح السلام سُنَّة ، لكن رد السلام واجب ،
    أي إذا قال لك أحدهم : السلام عليكم . فهذا قد طبق السنة ،

    أما أنت إذا ألقي عليك السلام فردّك على هذا السلام واجبٌ والواجب كما تعلمون قريبٌ من الفرض ، بل هو عند بعض الأئمة هو الفرض نفسه .

    والله سبحانه وتعالى حينما قال :
    و َ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة ٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَن َ مِنْهَا
    (سورة النساء: من آية 86)


    الآن ندخل في موضوع آخر من السلام ، السلام على أهل بيتك ،
    فالنبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أنس بن مالك ، قال عليه الصلاة والسلام :

    " يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك ، وإذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك ، يكثر خير بيتك ، وصلاة الضحى فإنها صلاة الأوَّابين ، يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة ".

    يعنينا من هذا الحديث إلقاء السلام على أهل البيت ، وسلم على أهل بيتك ، يكثر خير بيتك .

    وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

    " إذا ولج أحدكم بيته فليقل : اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج وبسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا ثم يسلم على أهله ".

    وعن زيد بن أسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " إذا دخلتم بيتاً فسلموا على أهله ، واذكروا اسم الله فإن أحدكم إذا سلَّم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم هنا ولا عشاء ".

    * إذا دخل إلى البيت فسلم على أهل بيته ، يقول الشيطان لأصحابه : لا مبيت لكم هنا ، فإذا وضع الطعام وسمى الله قبل أن يأكل ، يقول الشيطان لأصحابه : ولا عشاء لكم اليوم .

    فإذا دخل بيته وسلم على أهله وسمى على طعامه يقول الشيطان : لا مبيت لكم ولا طعام في هذا البيت .

    * أما إذا لم يسلم على أهل بيته ، ولم يذكر الله على طعامه يقول الشيطان لإخوانه : أدركتم المبيت والعشاء .

    وعن أنسٍ رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    " يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركةً عليك "

    فالبيت جنة المؤمن ، جنته داره ، فإذا كانت علاقته طيبةً ، بأهله وأولاده يسعد في داره ، وإذا سعد الإنسان في داره خرج إلى الناس وهو سليم الصدر وكان إنتاجه طيِّباً ،

    فالإنسان يقاس إنتاجه بمدى نجاحه في بيته ، فهذا البيت ، هذه اللبنة الأولى هي أصل صلاح المجتمع ، إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع ، فلذلك على كل زوجٍ أو على كل أبٍ ، أن يحرص حرصاً بالغاً على سلامة العلاقة بينه وبين أهله ، وبينه وبين أولاده ، فكلما كانت العلاقة طيِّبةً ، والعلاقة علاقة محبةٍ واحترام وودٍ انعكس هذا في عمله ، وانعكس هذا في علاقاته الخارجية ، فلذلك :

    " إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تكن بركةً عليك وعلى أهل بيتك ".
    (رواه الترمذي وقال حديثٌ صحيح)

    وفي حديثٍ آخر :

    " إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحيةً من عند الله مباركةً طيبة ".

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .





    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  12. #112
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    نتابع بفضل الله تعالى ,

    كلما ألقيت السلام نمت المودة بين المؤمنين ، وهذه طريقةٌ في تمتين العلاقة بين الإخوة المؤمنين .

    الآن : ما حكم السلام على الصبيان ،

    ورد عن أنسٍ رضي الله عنه
    " أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على صبيان فسلم عليهم "
    وكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا دائماً .

    فهذا الصبي الصغير يجب أن تهتم به ،
    * كلكم يعلم أن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما كان يمشي في المدينة ، رأى مجموعةً من الغِلمان ، لما رأوه تفرقوا ،
    إلا واحداً منهم قال : " يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب ؟! . قال : " أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ولست مذنباً فأخشى عقابك والطريق يسعني ويسعك " .

    * ومثل هذا الغلام فقد دخل مرة على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد من الحجاز و يتقدم الوفد غلام ،
    فامتعض سيدنا عمر منه لما أراد أن يتحدث باسم الوفد وقال : " اجلس أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً " .

    فقال : " اصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس " .

    أي أن هذا الصغير إذا عرف أن المسلمين يقدِّرونه ، ويقدرون وجوده في المسجد ، ويحبون وجوده في المسجد ، ويكرمون وجوده في المسجد ، فإنه ينشأ على حب بيوت الله ،

    وهذا الشاب الذي تعلَّق قلبه في المساجد من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إذاً من السنة أن تسلم على الصبيان ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " من كان له صبيٌ فليتصابى له " .

    وكلكم يعلم كيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره الشريف ويقول :
    " نعم الجمل جملكما ! ونعم العدلان أنتما " .
    (من كنز العمال : عن " جابر رضي الله عنه " )

    على كلٍ طرح السلام من الإسلام ، صغيراً كان أو كبيراً ، قريباً أو بعيداً ، ...

    حِكَم السلام أنه به تستكسب الود وتستدفع المكروه ، قد يلقاك شخص شرير ، فإذا سلمت عليه انطفأت شرته ، فالسلام أحياناً تستجلب به المودة أو تستدفع به المكروه ، فإذا كان شخص يخشى شره وسلَّمت عليه وكنت معه لطيفاً ، ربما صرف النظر عن إيذائك هذا من حكمة السلام .

    و الآن عندنا أحكام أخرى لحالات أخرى ،
    أنه إذا جاء في الخطاب لفظ السلام ، تقرأ رسالة ، تقرأ في مقدمة الرسالة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فقال العلماء يجب أن تقول : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .
    أن ترد على السلام المكتوب ، هذا حكمٌ فقهي .

    وعن عائشة أنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    " يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قالت : قلت : وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته " .

    أي إذا ألقي عليك السلام مباشرةً ، وجهاً لوجه لا بد من أن ترد السلام ، وإذا جاءك السلام مكتوباً ، أو جاءك على لسان إنسانٍ آخر ، يجب أن تقول : عليك وعليه السلام .
    كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.

    * فعن غالب القطان عن رجلٍ قال حدثني أبي عن جدي قال : بعثني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائته فأقرأه السلام فأتيته فقلت : يا رسول الله إن أبي يقرئك السلام فقال عليه الصلاة والسلام :
    " عليك السلام وعلى أبيك السلام "
    ( رواه أبو داوود )


    الآن إذا كان المؤمنون جماعةً فطرح السلام سنة كفاية ، إذا قام به أحدهم سقط عن الباقي

    و إذا كان المطروح عليهم السلام جماعة فردُّ السلام واجب كفاية ،
    إذا كان الذي طرحت عليه السلام واحداً رد السلام واجب عين ،

    طرح السلام من جماعة سنة كفاية ، طرحه من واحد سنة عَيْن ، هذا حكم السلام .

    نكمل إن شاء الله لاحقا ً , لندخل في باب المصافحة و المعانقة .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  13. #113
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع مع موضوع السلام .
    و كنا قد وصلنا إلى نقطة ( المصافحة والمعانقة ) ..

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
    " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه ، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر " .

    إذاً فهم من هذا الحديث أن السلام بين المؤمنين إذا ألقى أحدهما الآخر فكيفيه أن تسلم عليه بلسانك وتصافحه بيمينك .

    * وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه سلمان بن الفارسي أنه قال :
    " إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريحٍ عاصف "

    إذاً هذا السلام وهذه المصافحة ، مما أكدهما النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث.

    * وعن أنسٍ رضي الله عنه قال رجلٌ :
    " يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال : لا . قال أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا .
    قال : فليأخذ بيده ويصافحه ؟ . قال : نعم " .
    ( رواه الترمذي )

    إذاً النبي نهى عن أن ننحني لبعضنا بعضاً ، ونهى أيضاً عن أن يلتزم بعضناً بعضاً ويقبل بعضناً بعضاً إلا لحديثٍ آخر نراه بعد قليل .

    * حدثني عبد الله بن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عباس :
    " أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم جعفر من أرض الحبشة اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ما بين عينيه وكان جعفر أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم " .

    إذاً فهم أنه إذا قدم الإنسان من سفر ، وكان لقاءٌ بعد غيابٍ طويل ، السنة أيضاً أن تلتزمه وأن تعتنقه وأن تقبله ، هذه السنة ، أما التقبيل بين الآونة والأخرى فهذا ليس من السنة ، المصافحة من السنة ، طرح السلام من السنة .

    الآن من آداب السلام :

    " أن يسلِّم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير " .
    ( متفقٌ عليه )

    و من آداب السلام أيضاً :

    " إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ "*
    ( من سنن أبي داود : عن " أبي هريرة " )

    هناك بعض أحكامٍ أخرى متعلقةٍ بالسلام :
    روى الإمام البخاري في صحيحه في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    " أبخل الناس الذي يبخل بالسلام " .

    يجب أن تسلم على كل من تلقاه على من حولك ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    " إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء "
    ( من كشف الخفاء : عن " أبي هريرة " )

    يتبع بإذن الله تعالى ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  14. #114

    افتراضي

    جزاك الله خيرا على ما تقدمين و نفع به كاتبه و قارئه و ناقله و المنقولة إليه و كل من ساهم

  15. #115
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    آمين .

    و جزاكم الله خيرا ً .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  16. #116
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخوتي و أخواتي , انتهى درس حق المسلم على المسلم ... و نرجوا من الله تبارك و تعالى أن نكون قد تعلمنا ما ينفعنا في الدنيا للآخرة .

    و بإذن الله نتذكر دائما ً واجباتنا تجاه إخوتنا في الله , من نصح و تلبية الدعوة ,,,, و زيارة المريض , و إلقاء السلام و رده .... فالعلم لا يثمر إلا بالعمل و التطبيق .

    حتى تتحقق الفائدة لنا و لمن حولنا إن شاء الله تعالى .

    أما اليوم سننتقل للحديث عن حق آخر ... و هو حق الطريق .
    و ندعوا الله تعالى أن يوفقنا و جميع المسلمين لما فيه خير لنا و لأمتنا .

    الدرس الحادي عشر (( حق الطريق )) .

    .
    .
    .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  17. #117
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ننتقل في هذا الدرس إلى حقٍ جديد وقد يبدو لكم غريباً ، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي سمَّاه هذا الاسم ، إنه حق الطريق .

    الطريق التي نسير فيها لها حقٌ علينا ، والنبي عليه الصلاة والسلام سمَّاها حق الطريق ،
    فعن أبي سعيد الخِدْرِيّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :

    * " إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ..."

    ( من صحيح مسلم : عن أبي سعيد الخدري)

    كلمة إياكم من ألفاظ التحذير ، إياك والكذب ، إياك والخيانة ، إياك والتقصير ، إياك وما يعتذر منه ..
    إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ... ".


    أي إذا كان هناك ضرورة ، إذا كان لابدَّ من أن نجلس لشأنٍ مهم ، لشأنٍ مشروع ، لشيءٍ مباح ، لعملٍ ، لتجارةٍ ، لكسب رزقٍ ، لحل مشكلةٍ، لحل قضيَّةٍ ..

    " إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّهُ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ... ".
    )1( إن غض البصر ينفرد به الدين ، وليس في القوانين الوضعيَّة كلِّها مادَّةٌ تلزم الإنسان بغض البصر ،

    فإذا غض الإنسان بصره عن محارم الله بماذا يشعر ؟ هل يستطيع الشيطان أن يوسوس إليك أنك بهذا الغض تنافق ؟
    لا والله ، ما أحد يراقبك ، ولا أحد يلزمك ، ولا أحد يحاسبك ، إذا كنت خالياً وحدك ...
    حينما تغض بصرك ...


    من الذي رأى هذا العمل ؟ لا أحد ، لذلك :
    إذاً غض البصر مدرسةٌ لتهذيب النفس .

    النقطة الدقيقة الثانية : إن غض البصر ،

    أنت قد سمح الله عزَّ وجل لك أن تقف بين يديه في النهار والليلة خمس مرات ، في صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقد جعل لك آلاف المناسبات في النهار ،

    بل عشرات الألوف ، بل مئات للإقبال عليه ، كلَّما صرفت بصرك عن امرأةٍ لا تحلُّ لك شعرت أنك بهذا تطيع الله عزَّ وجل ، كأن غض البصر هذا كان لك مُدخلاً إلى الله عزَّ وجل ، فأنت حينما تقف في اليوم والليلة خمس مرات تصلي ، أنت إذا غضضت بصرك عن محارم الله

    ، في كل مرةٍ تغض فيها البصر ترقى إلى الله ، كأن الله سبحانه وتعالى أعطاك مناسباتٍ عديدةً كي تقبل بها عليه .

    و النتيجة أن هناك علاقةً علميَّةً بين الطاعة وبين نتائجها ، كما أن هناك علاقةً علميةً بين المعصية وبين نتائجها ،

    بمعنى أنك إذا وضعت يدك على المدفأة أحرقتك المدفأة ، هذه علاقة علميَّة ، أي علاقة سبب بنتيجة ،

    هذا الذي يغض بصره عن محارم الله قبل الزواج يعيش حياة هادئةً ، حياةً نظيفةً ، حياةً وادعةً ،
    قد يبني بهذا الوقت مستقبلاً ، فإذا تزوَّج وغضَّ بصره عن محارم الله عاش حياةً زوجيَّةً سعيدة ،

    تعيش الحياة مرَّتين مرَّةً قبل الزواج ومرَّة بعد الزواج ، وحينما تغض البصر عن محارم الله لا تفعل هذا إلا ابتغاء مرضاة الله ، وهذا غض البصر من عبادات الإخلاص ،

    إذا أنفقت المال من دون أن يعلم أحد بهذا الإنفاق فهذا إنفاق الإخلاص ، وإذا غضضت البصر عن محارم الله من دون أن يعلم بهذا أحد ، فهذا الغض عبادة الإخلاص ،

    * النبي عليه الصلاة والسلام قال :
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ ، فَقَالُوا : مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ، قَالَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا ، قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ السَّلامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ *
    (صحيح البخاري)


    فغض البصر يتناقض مع الشهوة ، النقطة الدقيقة أن أوامر الشرع تعتمد على العقل ، بينما الشهوات تتناقض مع العقل ، من تناقض العقل مع الشهوة يكون رقي الإنسان ،

    فأحياناً يتوافق العقل مع الشهوة الإنسان لا يرقى ، هو جائع والطعام موجود ، والطعام طعامه وهو في بيته ، فإذا أكل حتى شبع لا يشعر أنه فعل شيئاً عظيماً يرضي الله عزَّ وجل ،

    العقل توافق مع الشهوة ، أنت جائع والطعام موجود ، والطعام حلال ، وأنت تأكل هذا الطعام لتقتات به ، فتوافق العقل مع الشهوة ربما أدَّى إلى الشُكر ، أما أن ترقى بهذا العمل ! إنك لا ترقى به .

    أما إذا عاكست شهواتك ، إذا جاء الأمر العقلي يتناقض مع الشهوة التي أودعها الله في الإنسان هنا يكون الرقي ،

    فمثلاً الإنسان بكظم الغيظ يرقى ، الإنسان بالصبر يرقى ، الإنسان بغض البصر يرقى ، الإنسان بحفظ السر يرقى ،

    لأن الإنسان يتمنى أن يحكي قصص الناس ، شيء ممتع جداً ، إذا وجد الإنسان في مجلس وسمع قصَّة ممتعة ، ومثيرة جداً ،

    وإذا تكلَّم فيها فضح أخوه الإنسان ، الشهوة تدعوه إلى أن يحكي هذه القصَّة ، ولكن العقل يأمره أن يسكت عنها، إذا كان وجد في مجلس فيه اختلاط ، شهوته تدعوه إلى هذا المجلس ، شيء ممتع ، لكن عقله يمنعه من ذلك .

    فغض البصر من حق الطريق
    .... و الأجر متى يعلو جداً ؟ حينما يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر .

    بالسيارة ، بالطريق ، بأي مكان نساءٌ كاسياتٌ عاريات ، مائلاتٌ مميلات ، لذلك غض البصر في آخر الزمان أجره كبير جداً ، والقاعدة الشهيرة : " الثواب على قدر المشقَّة " .

    أي قد أراد الله عزَّ وجل أن يجعل لك مناسباتٍ عديدةٍ كل يوم كي ترقى بها إليه ، من هذه المناسبات غض البصر .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    المصدر : موسوعة فضيلة الشيخ النابلسي . // و للأمانة ما انقله يكون مختصرا ً.
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  18. #118
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل مع القسم الثاني من درس " حق الطريق " ...

    و كنا قد بدأنا بأول حق و هو غض البصر .
    و الآن سنتابع إن شاء الله تعالى
    في هذه النقطة أيضا ً .

    بسم الله الرحمان الرحيم

    يقول الله تبارك و تعالى :
    و َ لَا تَقْف ُ مَا لَيْس َ لَكَ بِه ِ عِلْم ٌ إِنَّ السَّمْع َ و َ البصَرَ و الفُؤاد َ كُلُّ أُولَئِك َ كَان َ عَنْه ُ مَسْؤلا ً ( 36 )

    ( سورة الإسراء )

    الفؤاد هنا بمعنى الفكر ، من فَأَدَ أي قيَّد ، أي السمع والبصر والفكر كل أولئلك كان عنه مسؤولاً ،
    الدعاء الشهير : " ومتعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا " .

    " عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"*
    ( من سنن الترمذي : عن " ابن عبَّاس " )

    يوجد عفَّة ، المؤمن عفيف ، لو أن امرأةً تمشي أمامه لَقَصَّرَ عنها ، أو لتجاوزها ، ...

    في مناسبات يبدو لك الإيمان صريحاً واضحاً، وهذا يرضي الله عزَّ وجل ، أودع فيك هذه الشهوة و هو ينظر إليك.

    والله الذي لا إله إلا هو لن يضيع عند الله شيء ، والله زوال الكون أهون عند الله عزَّ وجل من أن يضيع مؤمناً عفَّ قبل الزواج ، هذا له مكافأة عند الله ،

    غضَّ بصره عن محارم الله ، وتوجَّه إلى المسجد ليتعرَّف إلى الله ، وضبط مشاعره هذا ممن يحبهم الله ..

    فسماع المنكر فيه معصية ، سماع المعصية معصية ، القاعدة الشهيرة : " ما حَرُمَ فعله حرم استماعه وحرم النظر إليه " .

    وفي الحديث الشريف :
    " النظرة سهم مسموم " .
    ( من أحاديث الإحياء : عن " حذيفة " )

    هذا من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام ، سهم مسموم ، لو أنه سهمٌ عادي لفعل فعله في موضعٍ واحد ، و لكنه لأنه مسموم هذا السُم يسري في كل أنحاء الجسد ، لذلك الذي يُطلق بصره في الحرام تصبح حياته متسمِّمة ،

    الحديث هنا :

    " النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه " .
    ( من أحاديث الإحياء : عن " حذيفة " )

    الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، أي أن أدق النظرات المختلسة لامرأةٍ لا تحل لك هذه يعلمها الله عزَّ وجل ، و يحاسب عليها ، وكلَّما تشدَّدت في غض البصر شعرت أنك ترضي الله عزَّ وجل ، وأن الطريق إلى الله سالك .


    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    مع بعض الأحكام المتعلقة بغض البصر (( ماذا يقابل غض البصر ؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر ، فماذا على المؤمنات أن يفعلن ؟ ))

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  19. #119
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    من أول حقوق الطريق غض البصر ،
    ولكن يعنينا من غض البصر أنه مدرسةٌ يمكن أن تصل بصاحبها إلى الاتصال بالله عزَّ وجل ،

    كأن الله سبحانه وتعالى جعل غض البصر مناسبةً ليشعر المؤمن في اليوم الواحد عشرات المرات أنه مخلصٌ لله عزَّ وجل ، ولعله بهذا الشعور وذاك الإخلاص يقبل على الله عزَّ وجل .

    و من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ،

    الآن

    ماذا يقابل غض البصر ؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر، فماذا على المؤمنات أن يفعلن ؟

    هناك أحكامٌ عدَّة تتعلق بالمرأة ،

    *الله سبحانه وتعالى نهى النساء عامةً عن أن يتبرَّجن تبرج الجاهلية ، عرَّف العلماء تبرج الجاهلية بأنه إظهار محاسن المرأة للأجانب ، مهما بالغت المرأة بإظهار محاسنها لزوجها فهي في أعلى درجات الطاعة لربها ، إذا بالغت المرأة المسلمة بإظهار محاسنها لزوجها ، وكانت معواناً له على غض بصره فهي في أعلى درجات الطاعة ،

    أما إذا جهدت لتبرز محاسنها بطريقةٍ أو بأخرى لغير زوجها ، للأجانب ، لمن لا يجوز لها أن تبرُز أمامهم ، لمن لا يجوز لهم أن ينظروا إليها ، فهي في أدنى درجات المعصية ، في أدناها دَرْكَاً ، لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل :

    و َ لَا تَبَرَّجْن ِ
    ( سورة الأحزاب : من آية 33)

    لو قال : ولا تبرجن . نهيٌ عن مطلق الزينة ، قال :
    و َ لَا تَبَرَّجْن َ تَبَرُّج َ الجاهِليَّة ِ
    ( سورة الأحزاب : من آية 33)


    * فتنةٌ أخرى يمكن أن تقع بها المرأة ألا وهي فتنة اللسان ، صوت المرأة عورة ، إذا ليَّنته ، وكسَّرته ، ورقَّقته ، ونغَّمته ، إنه عورة ،

    ربما شفَّ عن محاسنها وهي محجبةٌ عن الذي يستمع إليها ، حتى لو أن صوتها وصل إلينا من وراء حجاب إذا كسَّرته ، وليَّنته ، ولوَّنته ، ونغَّمته ، فإنه عورةٌ وأية عورة ،

    من هنا قال الله عزَّ وجل :
    إِن ِ اتَّقَيْتُن َّ فَلا تَخْضَعْن َ بِالقَوْل ِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِه ِ مَرَض ٌ و َ قُلْن َ قَولا ً مَّعْروفا ً ( 32 )


    علِّموا نساءكم ، علموا بناتكم ، علموا أخواتكم ، علموا من يلوذ بكم من النساء أن يقلن قولاً معروفاً مع الأجانب ،.

    * هناك فتنةٌ أخرى ، قد تسير سيراً بصوتٍ صارخٍ يلفت النظر إليها ، قال تعالى :
    و َ لَا يَضْرِبْن َ بِأَرِجُلِهِن َّ لِيُعْلَم َ مَا يُخْفين َ مِن زِينَتِهِن َّ

    ( سورة النور : من آية 21)

    فهذه الأحذية النسائية التي لها صوت حينما تمشي المرأة ، كأن المرأة تقول : ها أنا ذا انظروا إلي .

    لو أنها مشت خلف الرجل تلفت نظره إليها عن طريق هذه المِشية ...

    * هناك فتنةٌ رابعة ، فتنة الطَيْب ، قال عليه الصلاة والسلام :


    " َالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَةً "*
    ( من سنن الترمذي : عن أبي موسى)

    امرأة تسير في الطريق بين الأجانب وقد استعطرت ، لماذا استعطرت ؟ من أجل أن تلفت النظر إليها ،

    وفي حديثٍ آخر :
    " إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا "*
    ( من صحيح مسلم : عن زينب)

    الزينة مطلوبة من دون أن يكون لهذه الزينة رائحةٌ تلفت نظر الرجال .

    * و فتنة التعرِّي هذه فتنةٌ كبيرةٌ جداً ، جاء في الحديث الشريف :

    " إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ " *
    ( من سنن الترمذي : عن ابن عمر)

    والنساء الكاسيات العاريات اللائي وصفهن النبي عليه الصلاة والسلام :
    " المائلات المميلات رؤسهن كأسنمة البَخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها "
    ( رواه مسلم )


    اللهم ثبتنا و اهدينا أجمعين .
    يتبع بإذن الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  20. #120
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    أيها الإخوة و الأخوات , كنا قد بدأنا بالحديث عن حق الطريق , و ذكرنا الحق الأول و هو غض البصر .

    و الآن ننتقل بفضل الله و رحمته لعرض حقوق أخرى (( مقتبسه من موقع كلمات )) .

    بسم الله الرحمان الرحيم

    حقوق الطريق بيّنها النبي صلى الله عليه و سلم وهي :
    ( غض البصر ، و كف الأذى ، و رد السلام ، و أمر بالمعروف ، و نهي عن المنكر )

    وهذه الحقوق ليست من باب الحصر، وإنما هي بعضها، وقد بيّنت أحاديث أُخر حقوقاً للطريق غير هذه، فعلم أن المذكورات التي في الحديث ليست من باب الحصر.

    )2( كف الأذى : ومن حقوق الطريق ، كف الأذى وعدم إيذاء الناس في أبدانهم أو أعراضهم .

    وفي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: { المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده... الحديث } [رواه البخاري ومسلم]

    و الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه و سلم ، فيشمل اللسان من تكلم بلسانه وآذى الناس في أعراضهم أو سبهم ، و يشمل من أخرج لسانه استهزاء وسخرية.

    وكذا اليد فإن أذيتها لا تنحصر في الضرب، بل تتعداها إلى أمور أُخر كالوشاة بالناس، والسعي في الإضرار بهم عن طريق الكتابة، أو القتل ونحو ذلك.

    )3( رد السلام : ومن حقوق الطريق : رد السلام ، وهو واجب لقوله صلى الله عليه و سلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
    { خمس تجب للمسلم على أخيه : رد السلام ، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز } [رواه البخاري ومسلم].

    وقد قصّر في هذا الباب خلق كثير، واقتصر سلامهم على المعرفة، فمن عرفوه سلموا عليه أو ردوا عليه سلامه، و من لم يعرفوه لم يعيروه اهتماماً.

    و هذا خلل ومخالفة للسنة.

    )4( وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هذا باب عظيم الشأن والقدر، به كانت هذه الأمة خير الأمم : كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110].

    قال ابن كثير : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها ، رواه ابن جرير ، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى : كَانُواْ لا يَتَنَاهَونَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة: 79].

    وبتركه يحل بهم العقاب.

    فقد روى الإمام أحمد في مسنده قال: ( قام أبوبكر رضي الله عنه فحمد الله عز وجل وأثنى عليه فقال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيكُم أَنفُسَكُم لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهتَدَيتُم [المائدة:105] إلى آخر الآية ،

    وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله يقول : { إن الناس إذا رأوا المنكر ، لا يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب } ).

    و في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوائد عظيمة للأمة ، منها :

    نجاة سفينة المجتمع من الهلاك والغرق ، ومنها قمع الباطل وأهله، ومنها كثرة الخيرات والحد من الشرور ، ومنها استتباب الأمن، ومنها نشر الفضيلة وقمع الرذيلة... إلخ.

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقصوراً على جهة معينة أو أناس معينين ، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد، كلٌ بحسب استطاعته.

    والحديث الوارد في ذلك عام لم يخصص أحداً من أحد.
    قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان } [رواه مسلم].

    يتبع بإذن الله تعالى , للإشارة إلى بعض الأمور المتعلقة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  21. #121
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    أعتذر منكم إخوتي و أخواتي , لأنني أتأخر في متابعة الموضوع .

    في المشاركة الأخيرة تحدثنا عن حقوق الطريق التالية : كف الأذى , رد السلام , و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

    و اليوم إن شاء الله تعالى , سنذكر بعض الأمور المتعلقة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , و نتحدث عن حق آخر من حقوق الطريق ,,,, و فضل كف الأذى .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الأمور المتعلقة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

    أولاً : التدرج في الإنكار :
    فلا يتحول المرء إلى مرتبة حتى يعجز عن التي قبلها، فلا ينكر بقلبه من يستطع الإنكار بلسانه، وهكذا.

    الثاني : أن من كانت له ولاية فإنكاره يكون بأعلى مراتب الإنكار :
    فرب الأسرة هو السيد المطاع في البيت وتغييره يكون بيده فهو قادر على إزالة المنكر بيده ولا يعذر بترك ذلك.

    الثالث: العلم بالمنكر أنه منكر قبل الإنكار:
    وهل هو من الأمور التي يسوغ فيها الخلاف، وهذا باب غلط ... فليتنبه له.

    الرابع : يجب أن يستشعر المُنكِرُ قاعدة المفاسد والمصالح:
    وأن لا يبادر إلى الإنكار إلا إذا علم أن مصلحته راجحة على مفسدته، ومتى علم رجحان المفسدة وجب عليه الكف حتى لا يفتح باب شر وإفساد.

    الخامس: إذا عجز المُنكرُ عن المرتبة الأولى والثانية:
    فلا يغفل عن قلبه ويمر عليه المنكر دون إنكار بالقلب وظهور آثار ذلك على صفحات وجهه.


    هـ - هداية السائل عن الطريق : ومن حقوق الطريق - أيضاً - إرشاد السائل عن الطريق، وهدايته إليه، سواءً كان ضالاً أو أعمى.

    وجاء هذا الحق مصرحاً به في حديث أبي هريرة في قصة الذين سألوا النبي عن حق الطريق قال: { وإرشاد السبيل } [رواه أبو داود].

    وفي حديث آخر لأبي هريرة ما يبين أن هداية السبيل من الصدقات، قال: قال رسول الله : { ودلُّ الطريق صدقة } [رواه البخاري]. -

    ومن حق الطريق : إزالة الأذى من الطريق :

    من الآداب المستحبة في الطريق ! إزالة الأذى عن الطريق، بل هي من الإيمان : قال صلى الله عليه و سلم : { الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان } [رواه البخاري].

    وهي من الصدقات، وبسببها أدخل رجل الجنة،
    ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

    { كل سلامى من الناس عليه صدقة... ثم قال: وتميط الأذى عن الطريق صدقة } [رواه البخاري ومسلم].

    وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: { بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفرله... الحديث } [رواه البخاري ومسلم]

    وعند أبي داود: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : { نزع رجلاً لم يعمل خيراً قط غصن شوك عن الطريق، إما كان في شجرة فقطعه وألقاه، وإما كان موضوعاً فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة }.


    إن شاء الله تعالى , يتبع مع المزيد ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  22. #122
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    وصلنا للقسم الأخير من هذا الدرس , و الفضل لله تعالى .
    بسم الله الرحمان الرحيم

    ومن حق الطريق : أن الرجال أحق بوسط الطريق من النساء :

    من حرص صاحب الشرع على تميز النساء على الرجال، وقطع كل طريق يؤدي إلى الفتنة بهن، أن جعل حافة الطريق للنساء وأوسطه للرجال، حتى لا يختلط الرجال بالنساء وتعظم الفتنة - كما هو الحال الآن إلا من رحم الله -

    فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول وهو خارج من المسجد، فأختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للنساء: { استأخرن فإنه ليس لكنّ أن تحققن الطريق، عليكُنّ بحافات الطريق } فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به [رواه أبو داود].

    وسير النساء بمحاذاة جوانب الطريق أستر لهن، وأقرب للحياء، لا أن ينافسن الرجال في طريقهم ويقتحمونه معرضين أنفسهن وغيرهن للفتنة.
    وأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهلاكها كان بسبب ذلك.

    ومن حق الطريق : إعانة الرجل في حمله على دابته أو رفع متاعه عليها :

    ومن آداب الطريق المستحب فعلها أنك إذا رأيت رجلاً يريد أن يركب دابته وكان ذلك يشق عليه، فإنك تعينه على ذلك، أو تعينه في حمل متاعه، ويمكن فعل ذلك الآن، فإن بعض كبار السن قد لا يتمكن من الركوب في ( العربات المتحركة ) بسهولة، وخصوصاً إذا كانت كبيرة.

    و فعل ذلك كله من الصدقة التي يؤجر المسلم عليها.

    فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: { كل سُلامى عليه صدقة، كل يوم، يعين الرجل في دابته يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة... الحديث } [رواه البخاري]، ولفظ مسلم: { فتحمله عليها }.

    وبالله التوفيق .
    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    يتبع بإذن الله تعالى مع درس جديد .
    لا تنسونا من صالح دعائكم ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  23. #123
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخوتي و أخواتي نبدأ اليوم بإذن الله تعالى الدرس الثاني عشر تحت عنوان (( التوكـــل على الله )) , مقتبس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .


    اخترت لكم حديثاً صحيحاً شريفاً ، لماذا اخترت هذا الحديث ؟

    لأنني أرى كثيراً من حالات مرَضية أساسها ضغوط نفسية ، أمراض كثيرة هذه الأمراض تعزى بالدرجة الأولى إلى الناحية النفسية الضاغطة ،

    النفس تتلقى ضغطاً ، وطبيعة الحياة معقدة جداً ، المطالب كثيرة ، الموارد قليلة ، الضغوط كثيرة ، التعقيدات بالغة ، المنافسة شديدة ، فما من بيت إلا وفيه هموم لا يعلمها إلا الله ،

    ما الخلاص من هذه الهموم ، و هذه الضغوط ، و هذه الصدمات ، ثم في النهاية تلك الأمراض ، لأن العضوية لا تحتمل هذا الضغط النفسي ؟


    * حديث عظيم يقنّن سبيلَ المعيشة والرزق :
    عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

    (( لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا )) .

    [ أحمد ، النسائي ، ابن ماجه ، الحاكم ، وقال الترمذي حسن صحيح ]

    1 – الحياة والرزق مصدرٌ لقَلقِ الناسَ :

    حديث على إيجازه بليغ في مدلولاته ، أولاً ما الذي يقلق الناس ؟ الرزق وقبل الرزق الحياة ، حياة الإنسان ورزقه ، فإذا أيقن العبد أن له عند الله عمراً لا ينقص ولا يزيد ، و أن له عند الله رزقاً لا بد من أن يستوفيه ، إذا أيقن أن أجله محدود ، و رزقه مقسوم رفع عنه ضغط كبير .

    2 – هذا الحديث أصلٌ في التوكّل على الله :

    هذا الحديث يتعلق بالتوكل ، ولو أنك توكلت على الله ،
    انظر إلى الطفل الصغير لا يهتم لا بالإنفاق ولا بالمصروف ولا بارتفاع الأسعار ، ولا بشح الموارد ، ولا بتعقيد الحياة ، كل همه على أبيه ، ما يهتم إطلاقاً ، طفل عمره سنة أو سنتان ، تراه يفرح ، ويمرح ، ويضحك ،

    المؤمن الصادق حينما يضع همومه عند الله عز وجل يستريح ، هذا الحديث الشريف قال عنه العلماء : هو " أصل في التوكل " ، وهناك أحاديث تبين التوكل من زوايا فرعية ،

    أما هذا الحديث فيعد أصلاً في التوكل ، و هذا الحديث يعد من أعظم الأسباب التي يجلب بها الرزق ، فهو أصل في التوكل وأصل في طلب الرزق ،

    قال تعالى :
    .... و َ مَن يَتَّق ِ الله َ يَجْعَل لَّه ُ مَخْرَجا ً (2) و َ يَرْزُقْه ُ مِن ْ حَيْث ُ لَا يَحْتَسِب ُ وَ مَن يَتَوَكَّل ْ عَلى الله ِ فَهُو َ حَسْبُهُ
    ( سورة الطلاق )


    النبي عليه الصلاة والسلام قرأ هذه الآية ، وقال : لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم .

    3 – نحن بحاجة إلى التوكّل على الله :

    والآن نحن في أمسّ الحاجة إلى هذه الآية ، نحن في أشد الحاجة إلى التوكل ، إلى أن تلقي الهموم كلها عند الله ،

    يا رب ، أنا عبدك ، وابن عبدك ناصيتي بيدك ، (( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ )) .
    [أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود] .

    أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض من أن تنزل بي سخطك ، أو تحلّ بي غضبك ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي .

    هذا الدعاء من القلب ، الدعاء مع الخشوع ، الشعور أن الله بيده كل شيء ،

    يا رب ، ليس لي إلا أنت ، أنا لا أملك إلا رحمتك ، إذا قطعت الأسباب ، إذا قطعت العلائق ، وتوكلت على الله عز وجل فلا شك أنك تشعر براحة كبيرة ،

    أنا علي أن أعبده ، أنا علي أن أبحث عن أمره ، أنا علي أن أطلب العلم ، أن أتعلم ، وأن أتقصى أمره ، وأن أنفذ أمره ، والباقي كله عليه ، هو يعلم حاجتي ، ....

    سبحان الله و نعم الوكيل .

    يتبع إن شاء الله مع المزيد من الإفادة , لنفهم حقيقة التوكل على الله بشكل صحيح ...
    فهو الوسيلة التي تعيننا على قضاء حوائجنا و مواجهة المشاكل , بقلوب مؤمنة ٍ متوكلة .

    اللهم اجعل لنا من كل هم مخرجا ً , و فرّج الكرب عن المسلمين و المسلمات .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  24. #124
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    454

    افتراضي

    بارك الله بك اختنا باربي انا اول مره ادخل على الموضوع وقراة اخر درس

    وهو رائع باذن الله ساكون من المتابعين

  25. #125
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  26. #126
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نكمل و الحمد لله ...

    بسم الله الرحمان الرحيم , اللهم انفعنا بما نتعلمه , و أعنا على العمل به .

    4 – التوكل والتقوى :

    يقول بعض السلف : " لو حقق الناس التقوى والتوكل لأفلحوا " ،
    فإن التوكل بلا تقوى لا يصح ، وكل إنسان متلبس ، وهذه أخطر فكرة في الدرس ،

    كل إنسان متلبس بالمعصية لا يستطيع أن يتوكل على الله ، لأنه خجول ، لأن وجهه أسود ، ... أما إذا حقق العبد التقوى ، أي طاعة الله عز وجل فبإمكانه أن يتوكل عليه ، قدمت شيئًا يا رب ، أنا أطيعك ، هذا قسمي فيما أملك ، أنا أملك أن أطيعك ، لكن لا أملك الأقدار ، الأقدار بيدك يا رب ، أنا لا أملك الصحة ، لكن أملك أن أطيعك ، أنا لا أملك المال ، لكنك تملك المال ، أنا أملك أن أطيعك ، أنا لا أملك الأقوياء ، هم بيدك ،

    الأمر واضح جداً ، أنت ماذا تملك ؟
    تملك أن تطيعه ، أنت مكلف بطاعته ، ما أنت مكلفٌ به محاسب عليه ، وما لست مكلفاً به لا تحاسب عليه ، الأقوياء ليسوا بيدك ، السماء ليست بيدك ، تمطر أو لا تمطر ، ...


    5 – التوكل استسلام لله تعالى :

    هناك استسلام لله عز وجل ، أقامك في هذا الشكل ، وفي هذا الدخل ، وبهذه الإمكانيات ، وبهذا البيت ، وبهذه الحرفة ، ليس في الإمكان أبدع مما كان ، يا رب هذا حكمك ، وأنا راض بحكمك ، مشاعر الرضى لا توصف ، المؤمن إذا ارتقى في الإيمان يشعر بالسعادة التي لا توصف حينما يرضى بقضاء الله ، ترضى بقضاء الله ، وقد يكون هذا القضاء مكروهاً .

    يقول تعالى : و عَسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئا ً و َ هُوَ خَيْر ٌ لَّكُم ْ و َ عَسَى أَن تُحِبُّوا ْ شَيْئا ً و َهُو َ شَرٌّ لَّكُم ْ و َ الله ُ يَعْلَم ُ و َ أَنتُم ْ لَا تَعْلَمُون َ
    ( سورة البقرة)

    لذلك كان التوكل من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق ، و لو حقق العباد التوكل والتقوى لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودينايهم .

    إذا تحقق العدل من التقوى والتوكل فقد اكتفى بهما في مصالح الدين والدنيا .

    * الآن نذهب إلى معنى و حقيقة التوكل :

    )1( الحقيقة الأولى

    عرف بعضهم التوكل بأنه صدق اعتماد القلب على الله ، أنت قد تعتمد على جهة ، ولا تثق بها ، تقول : هذا اعتماد كاذب ، لكن التوكل الحقيقي الذي منه تنجو من عذاب الدنيا والآخرة هو صدق اعتماد القلب على الله اعتمادا حقيقيا ،

    والإنسان أحياناً يوكل قضيته لمحامٍ لامع جداً ،... فتراه يرتاح ، فلان وكلته مثلاً ، فكيف إذا كان الله جل جلاله هو الوكيل ، قال تعالى :
    إِن َّ الله َ يُدافِع ُ عَن ِ الَّذينَ ءَامَنُواْ
    ( سورة الحج)


    )2( الحقيقة الثانية

    قال بعضهم ، وهذه عبارة دقيقة : حسبك من التوسل إليه أن يعلم الله من قلبك حسن التوكل عليه .

    لك وسيلة واحدة إلى الله ، الوسيلة الوحيدة أن يعلم الله أنك صادق في التوكل عليه ، فكم من عبد من عباد الله فوض أمره إلى الله فكفاه الله كل ما أهمّه .

    أيها الإخوة الكرام ، نقطتان : عليك أن تطيع الله ، فإذا أطعته فلك عليه حق ، تستطيع أن تتوكل عليه ، التوكل على الله ممتع ومسعد ، لكن العاصي يستحي أن يتوكل على الله ، يخجل ، لأن الذنوب حجاب ،

    حقيقة التوكل صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ، ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة ، وهذا تعريف جامع مانع ، صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ، ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة .

    باب التوكل واسع جداً ، عود نفسك الدعاء ، كلما أقدمت على عمل فقل : اللهم إني تبرأت من حول وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين .

    نتابع لاحقا ً إن شاء الله عز و جل .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  27. #127
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,


    بسم الله الرحمان الرحيم ,


    أيها الإخوة و الأخوات نكمل اليوم ما بدأنا به سابقا ً , و سنتابع مع حقيقة التوكل :



    )3( الحقيقة الثالثة



    تحقيق الإيمان أي حقيقة الإيمان : أنه لا يعطي ولا يمنع ، و لا يضر ولا ينفع إلا الله ، إذاً توكل عليه .



    قال بعض العلماء : " التوكل على الله جماع الإيمان ، فالإيمانُ بأكمله يلخص بالتوكل ، والغاية القصوى هي التوكل ، ...


    فالتوكل غاية ، فإذا عرفت الله ، وكنت مستقيماً على أمره تتوكل عليه في جلب المصالح ودفع المضار في الدنيا والآخرة ، فالطاعة والتوكل لجلب المصالح ودفع المضار في الدنيا والآخرة .







    )4( الحقيقة الرابعة



    قال بعض العلماء عن توكل العبد على ربه : " أن يعلم أن الله هو ثقته " .



    أحيانا يقول الإنسان : يا رب ، توكلت عليك ، وكل ثقته بفلان ، هذا يعلمه الله ، يعلم الله حقيقة هذا التوكل ، لذلك مَن سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك ، دققوا ، صدق التوكل ، لأن هناك توكلا كاذبا ،

    قال تعالى :




    يا أَيُّهَا الَّذين َ ءَامَنُواْ اتَّقُوا ْ الله َ حَق َّ تُقَاتِه ِ


    ( سورة آل عمران)



    و َجَاهِدُوا ْ في الله ِ حَق َّ جِهَادِه ِ


    ( سورة الحج)





    أسألك صدق التوكل على الله التوكل الحقيقي ، اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته ، حسبي الله ونعم الوكيل .




    * الآن الأخذُ بالأسباب ثم التوكّلُ على الله :






    لكن أيها الإخوة ، الذي لا أريده أن تفهموه مني أنك إذا توكلت على الله تركت السعي بالأسباب ، الله عز وجل قال :



    يا أيُّهَا الَّذين َ ءَامَنُواْ خُذُوا ْ حِذْرَكُمْ
    ( سورة النساء )



    و َ أَعِدُّوا ْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة ٍ وَ مِن رِّبَاط ِ الْخَيْل ِ


    ( سورة الأنفال )


    فَإِذَا قُضِيَت ِ الصَّلاةُ فانتشِرُوا ْ في الأرض ِ و َ ابْتَغُوا ْ مِن فَضْل ِ الله ِ


    ( سورة الجمعة )




    كل إنسان ساكن يقبع في بيته لا يتوكل على الله حقيقةً ، أنت إنسان كسولٌ ، ليس هذا هو التوكل ،



    التوكل أن تأخذ بكل الأسباب ، التوكل مكانه القلب ، والجوارح مكانها السعي ، لا تخلط هذا بذاك ، لا تلبس على الناس دينهم ، التوكل في القلب ، والسعي بالجوارح ،




    قال أحد العلماء : " من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان " .





    إذا ما توكل الإنسان معنى ذلك أنه ضعيف الإيمان ، وإذا ما سعى فهو ضعيف التطبيق للسنة ، النبي كان يسعى ، وأكملُ شيءٍ أن تسعى بجوارحك ، وأن تتوكل بقلبك ، أنا علي أن أسعى ،

    وأوضحُ مثل أن المطارِدين من قريشٍ حينما وصلوا إلى غار ثور النبي بقي رابط الجأش ، هو أخذ بالأسباب ، والآن هو متوكل ،





    لك مظهران مظهر السعي والنشاط والحركة ، والعلم والأسباب والخطط ، ومظهر من الداخل سلام في سلام ، يا رب ، هذا الذي علي فعلته بقي الذي عليك ، في الدراسة ، والزواج والتجارة والصناعة والقضاء والطبابة والتدريس والهندسة ،...




    هذه حقيقة التوكل الصادق .


    إن شاء الله سنتابع لاحقا ً مع المزيد .


    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  28. #128
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع بفضل الله ...

    بسم الله الرحمان الرحيم

    التوكلُ حالُ النبيِّ والكسبُ سنّتُه :


    أيها الإخوة الكرام ، التوكل حال النبي والكسب سنته ، فمن عمل على حاله لا ينبغي أن يترك سنته ، سنته السعي وحاله التوكل ،

    أنت مكلف أن تقلده في حاله وفي سنته ، في حاله بالاستسلام ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه أمر على ما يريد قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإن جاءت الأمور على غير ما يريد قال : الحمد لله على كل حال ، هكذا الله يريد ، أنت كل حياتك من أجله ،

    قال تعالى :
    قُل ْ إِن َّ صَلَاتِى و َ نُسُكِى و َ مَحْيَاىَ و َ مَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين َ
    ( سورة الأنعام )
    كل حياتي من أجلك يا ب ، وهذا قرارك ، وهذه حكمتك .

    والله مرة قرأت لوحة فيه :

    ] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [
    ( سورة الطور : من الآية 48 )


    لو كان حكم الله واضحا جداً فا يحتاج إلى صبر ، لما تكون مريضا عند طبيب أسنان ، ويعطيك إبرة البنج المخدر ، وتعرف أن الإبرة مؤلمة ، لا أقول : جداً ، لكن مؤلمة ، لكن ألمها أخف بكثير من آلام قلع الضرس ، فالأمر واضح عندك ، لأنه واضح فأنت صابر ،

    لكن الأمر إذا ما كان واضحا فالله عز وجل يقول لك :
    ] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [

    أجمل شيء في حياة المؤمن إذا جاءت الأمور على خلاف مراده يقول : يا رب ، لك الحمد ، أنا مستسلم ، أنا راض يا رب ، التوكل حال النبي ، والكسب سنته .

    * علاقة التوكل بأفعال الإنسان التعبدية والعادية :

    1 – علاقة التوكّل بالطاعة والعبادة :

    قال بعض العلماء : " أفعال الإنسان ثلاثة أنواع ، أولها الطاعات التي أمر الله عباده بها ، وجعلها سبباً للنجاة من النار ودخول الجنة ، هذه الطاعات لا بد من فعلها مع التوكل على الله ، والاستعانة به عليها ،

    فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، قال النبي عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه الكلمة :
    (( لا حول عن معصية الله إلا بالله ، ولا قوة على طاعته إلا به )) .
    [ ورد في الأثر ]


    يجب أن تتوكل على الله في أداء الطاعات ، وأحيانا الله عز وجل يضعف لك همتك ، يضعف لك مقاومتك أحياناً ، وإذا رزق الله الإنسان الاستقامة فلا ينبغي أن يتيه بها على الخلق ،

    أنا مستقيم ، وأنا غير فلان ، ومن أنت ؟ إذا كنت مستقيماً فهذا فضل من الله عليك ، فإذا استقام الإنسان على أمر الله ، واعتد باستقامتك ، وتاه بها على عباد الله فهذه ليست استقامة ،

    لقد شابها الكبر ، شابها العلو ، لذلك هذه الاستقامة ليست مقبولة إلا إذا خالطها التواضع ، خالطها العبودية لله ، المؤمن الصادق إذا وفقه الله لطاعة يشكر الله على أن وفقه إليها ، يا رب ، سمحت لي أن أقوم بهذا العمل ، سمحت لي أن أحضر هذا المجلس ، وهناك إنسان مريض ، وإنسان يسبب الله عز وجل له متاعب كثيرة في حياته ، مشاكل في البيت والعمل ، والأولاد ، فإذا فرغه الله عز وجل ، وسمح له أن يحضر مجلس علم فهذه من نعم الله ،

    قال تعالى :
    يَمُنُّونَ عَلَيْك َ أَن ْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ْ بَل ِ الله ُ يَمُنُّ عَلَيْكُم ْ أَنْ هَدَاكُم ْ لِلْإِيِمَان ِ

    (سورة الحجرات )

    حتى العبادة تحتاج إلى توكل ، والدليل ، الفاتحة :

    ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ [
    ( سورة الفاتحة : الآية 5 )

    تستعين بالله على صلاتك ، وعلى صيامك ، وعلى حجك ، وعلى زكاة مالك ، وعلى غض بصرك ، وعلى ضبط لسانك ، وعلى تحرير دخلك ، وعلى قيامك بالأعمال الصالحة .

    نتابع لاحقا ً إن شاء الله , مع النقطة الثانية بعنوان :
    2 – علاقة التوكّل بالعادة والمباح , و من ثم مع أثر التوكل على الله بالقلب .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  29. #129
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    إخوتي و أخواتي وصلنا إلى النقطة الثانية :

    2 – علاقة التوكّل بالعادة والمباح

    الشيء الثاني : ما أجرى الله به العادة في الدنيا ، وأمر به عباده ، كالأكل عند الجوع ، والشرب عند العطش ، والاستظلال من الحر والتدفؤ من البرد ، هذه أيضاً أسباب ،

    إن لم تأخذ بها تحاسب عليها ، فإذا أهمل الإنسان طعام الفطور ، وحدث معه ضعف ، أو أهمل نوع الطعام ، أهمل الحاجات الأساسية التي أمره الله بها ، وحدثت له مشكلة فهذه المشكلة يحاسب عليها ، يحاسب على تقصيره ،

    جسمك ليس ملكك ، فهذا الجسم أمانة بين يديك ، سلمك الله إياك فعليك أن تعتني به لأنه قوام حياتك ، ورأس مالك في حياتك ، فالعناية بالصحة جزء من الدين ، أن تعلم ماذا تأكل ، ماذا تشرب ، ...

    * لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب :


    الآن يقول بعض العلماء : لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح .

    أحيانا الله عز وجل يرزقك ، لكن بعد أن يعصرك ، مشاكل ، ومعالجة مع الناس حتى تلحق رزقك ، وأحيانا يكرمك الله فيبعث لك رزقا يكفيك مع جهد بسيط ، هذا من إكرام الله لك .

    اسمعوا هذه الحقيقة ، إذا طلبت العلم ، وحضرت مجالس العلم ، وأعطيت من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله ، بفهم كتابه ، بفهم سنة نبيه ، بفهم السيرة ، أرجو الله عز وجل ألا أكون مبالغاً في هذا ، ساق الله لك رزقاً وفيراً مع جهد يسير ،

    أقول لكم : الآن أي عمل من أعمالكم إذا استغرق كل وقتكم مهما علا دخله فهو خسارة كبيرة ، وقد ألغى وجودك ، أنت تعمل من أجل رسالة ، من أجل إيمانك بالله ، من أجل عمل صالح ينفعك بعد الموت .


    أنا أخالف أناساً ، الدنيا كلها ما عنده شيء غير تجارته من الفجر إلى نصف الليالي ، لا زوجة ، لا أولاد ، لا مجلس علم ، لا درس فقه ، لا قرآن ، كل وقته في تجارته ، تجارته قبر له ،

    وفي معمله ، معمله قبر له ، وفي وظيفته ، وظيفته قبر له ، انتهى الإنسان ، العمل الذي يستغرق كل وقتك هو خسارة فادحة ، ولو در عليك مئات الألوف ، لأنك انتهيت ، انتهى وجودك ، انتهت رسالتك .

    أحيانا هناك إنسان يتباهى ، والله أنا آتي بعد ما ينام أولادي ، وأذهب قبل أن يستيقظوا ، مَن لهم أولادك ؟ أنت لست أبًا ، أنت منفق عليهم فقط ، لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب ، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح .


    لذلك الإمام أبو حنيفة قرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً ، كان هذا الحديث انعطافاً في حياته ، ما هذا الحديث ؟ (( من طلب العلم تكفل الله له برزقه )) .
    [ ورد في الأثر ]

    هذا الكلام قطعي ، إذا طلبت العلم تكفل الله لك برزقك ، وربما حرم الإنسان الرزق بذنب يصيبه ، لأن الذنوب تقطع الأرزاق .

    * الآن من أسباب الرزق :


    1 – الاستقامة

    وعندنا للرزق سبب آخر ، ففي آية قرآنية استنبط منها العلماء أن هذا العمل يسبب بحبوحة الرزق ، قال تعالى :

    و َ أَلَّو ِاسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَة ِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّآء ً غَدَقا ً

    2 – الصلاة

    قال تعالى :
    و َ أْمُر ْ أَهْلَك َ بِالصَّلاة ِ و َ اصْطَبِر ْ عَلَيْهَا ( سورة طه )

    الدليل :
    لَا نَسْأَلُك َ رِزْقَا ً نَّحْن ُ نَرْزُقُك َ و َ الْعَاقِبَة ُ لِلتَّقْوَى
    ( سورة طه )

    3 – التقوى والتوكل

    التقوى والتوكل هذه الثالثة .

    4 – الاستغفار وإتقان العمل والأمانة والصدقة وصلة الرحم :

    الاستغفار ، إتقان العمل ، الأمانة ، صلة الرحم ، الاستقامة والصدقة ، استمطروا الرزق بالصدقة والتوكل مع التقوى .

    انتهى

    و يتبع بإذن الله مع (( بمَ نفسِّر عدم توافر الرزق مع توافر أسبابه ؟ )) , و نقاط أخرى بإذنه تعالى .


    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  30. #130
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    الســــلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , نتابع اليوم بفضل الله تعالى مع :

    * بمَ نفسِّر عدم توافر الرزق مع توافر أسبابه ؟

    هذه كلها أسباب لوفرة الرزق // التي سبق و ذكرناها سابقا ً ،
    وإذا توافرت كلها والرزق قليل فبمَ نفسر ذلك ؟ نفسر ذلك بالحكمة ، كما في الأثر : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، والأجل محدود والرزق مقسوم ، لا تقلق ،

    قال بعض السلف : توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف .

    * ثانيا ً : علامة صدق التوكل اليأس مما في أدي الخلق

    سئِل أحد العلماء : " ما علامة صدق التوكل ؟ فقال : أن يتوكل العبد على الله ، وألا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء .

    يجب أن تيئس مما في أيدي الخلق ، ما دام فلان لا يقصر لو طرقت بابه ، فلان يودني ، تقول : باب السماء مغلق ، إذا يئست بما في أيدي الخلق أمدك الله عز وجل بما تحتاج ، فعلامة صدق التوكل اليأس مما في أدي الخلق .

    لا تسألن بني آدم حــاجة و سل الذي أبوابه لا تُحجَب
    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأَل يَغضب
    ***
    كان أهل اليمن يحجون ، ولا يتزودون ، ويقولون : نحن متوكلون ، فيحجون ، فيأتون مكة ، فيسألون الناس ، فأنزل الله هذه الآية :
    و َ تَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّاد ِ التَّقْوَى

    ( سورة البقرة )

    هذه الآية تدل على الأخذ بالأسباب ، الحقيقة أن صدق التوكل عرفه بعضهم بأنه قطع الاستشراف من الخلق ، الاستشراف هو الطمع .

    سئل أحد العلماء : ما الدليل ؟ قال : قول إبراهيم عليه السلام لما عرض عليه جبريل أن يساعده ، وهو يرمى في النار ، فقال له : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، وظاهر الكلام أن إبراهيم ترفع عن سؤال جبريل حينما ألقي في النار .

    الله عز وجل حينما رأى منك يأسك من الخلق أمدك بما تريد .

    سئل أحد العلماء ، وهو بشر الحافي عن التوكل فقال : اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب ، فقال له السائل : فسره لنا حتى نفقهه ،

    فقال بشر : اضطراب بلا سكون ، رجل تطرب جوارحه بالسعي ، وقلبه ساكن إلى الله لا إلى عمله ، سعى وأخذ بالأسباب ، وخطط ، وسأل ، وقدم واستدعى ، أخذ بكل الأسباب ، هذا اضطراب ، لكن بلا سكون إلى هذا العمل ، بل السكون إلى الله عز وجل ،
    رجل ساكن إلى الله عز وجل بلا حركة ، ولا اضطراب ، فاضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب .

    * ثالثا ً : كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ

    إذا توكل الإنسان على الله عز وجل ، وقصر في تحصيل رزق أولاده فهو محاسب عند الله ، والدليل : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
    (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ )) .
    [ أبو داود ]


    بإذن الله نكمل لاحقا ً , مع المزيد .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  31. #131
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    الســـلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,
    أيها الإخوة و الأخوات لا نزال في درس التوكل على الله , و مما تعلمناه أن التوكل لا يعني الخمول و الكسل ... و لا يدفعنا للتوقف عن السعي في أمور الدنيا ...

    و انطلاقا ً من هذا المبدأ سنتحدث اليوم عن النقاط التالية ( التي تبرهن لنا أهمية العمل و عدم الخنوع بحجة التوكل ) , لنختم بها درسنا , و لله الحمد .

    * أولا ً : الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
    (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) .
    [ صحيح مسلم]

    كل مؤمن يسعى ويكسب المال ، ويتخذ الأسباب ، هذا قوي ، هذا أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، لأن قوته للمسلمين .

    أخ درس دراسة عالية جداً ، احتل منصبا رفيعا ، تمكن أن يخدم خمسين أخا ، فكلما قوي مركزُ الإنسان كثر ماله ، وعلا شأنه ، احتل مركزاً رفيعاً ، كثر عمله الصالح ، (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ )) .

    ولكن القوي أحسن ، كإنسان يحمل شهادة عالية جداً ، ويصلي أمام الناس ، يشجج الضعفاء ، صاحب مشروع ضخم ، ومستقيم استقامة تامة ، العمال كلهم يرونه قدوة ، فكلما ارتفعت مكانةُ الإنسان الاجتماعية صار قدوة ، أما إذا كان مقصرا فيقال له : اذهب وخذ الشهادة أولا ، ثم حل مشاكلك قبل أن تنصحنا .

    * ثانيا ً : المؤمن العملي المثالي قدوة لغيره

    أنا قلت مرة لأخ : الناس الآن لا يحترمون المؤمن ، ولا يقتدون به إلا إذا تفوق في عمله ، إذا كان دكانه نظيفة جداً ، حسابات دقيقة مثلاً ، إذا كان في التعامل رقي ، وإذا كان فيه فوضى و تقصير تجاوزات وإهمال لا يُقتدى به .

    (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .
    [ أبو داود]

    إنسان مقصر ما نجح ، وما درس يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل ، هذا جهل ، ادرس ،

    اشترى بضاعة من دون دراسة فما بيعت معه ، ثم قال : هكذا ترتيب الله ، حسبي الله ونعم الوكيل ، لا هذا تقصير منك .

    (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .

    أحيانا يحدث أمر قاهر ، وأدق قول قال النبي عليه الصلاة والسلام :
    (( إن التوكل بعد الكيس )) .
    [ ورد في الأثر ]

    معنى الكيس التعقل ، بعد أن تأخذ بالأسباب تتوكل على الله .
    فمن لوازم التوكل الأخذ الأسباب .


    قال العلماء : إن التوكل لا ينافي الأسباب ، بل قد يكون الجمع بينهما أفضل ، أن تجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله عز وجل ، والتوكل بالقلب ، والأسباب بالجوارح .

    * ثالثا ً : أقوال حكيمة في التوكل على الله

    1 – من توكل على الله لطلب الرزق فقد جعل التوكل سبباً :

    أخر نقطة في التوكل هي من أدق نقاطه : من توكل على الله لطلب الرزق فقد جعل التوكل سبباً ، أنا سوف أتوكل حتى الله يرزقني ، جعلت التوكل سبباً ،

    يجب أن تتوكل على الله لأنك راض بما قسمه لك ، وإن توكلت على الله لأنك راض بما قسمه لك فهذا هو التوكل الحقيقي ،
    أما إذا توكلت على الله كي تجلب بهذا التوكل الرزق فهذا التوكل أصبح مشوبًا .

    2 – من توكل على الله لطلب الرزق فقد جعل التوكل سبباً :
    لا تكونوا بالمضمون مهتمين فتكونوا للضامن مُتَهِمين .

    3 – التوكل على الله على ثلاث درجات :
    الحكماء قالوا : التوكل على الله على ثلاث درجات :

    أولها ترك الشكاية ، فهناك إنسان كثير الشكوى ، أينما جلس يحيطك بهالة سوداء ، الشغل صعب ، أولاد ، بيت ، جيران ، مشاكل ، فترك الشكاية أول درجة من درجات التوكل .

    وثاني هذه الدرجات : الرضا .
    وثالث هذه الدرجات : المحبة ، فترك الشكاية درجة ، والرضا درجة ، والمحبة درجة ثالثة ، الأولى للزاهدين والثانية للصادقين والثالثة للمرسلين .

    4 – أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر :

    كان سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول : " أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر الذي يقضيه الله عز وجل " ، أنا راض به ، قال سيدنا علي : << الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين >> .

    و أخيرا ً : لهذا كان التوكل موضوع هذا الدرس

    سقت هذا الدرس للأسباب التالية :
    الحياة ... معقدة ، والهموم كثيرة ، والضغوط شديدة ، والصراعات على أشدها ، وكسب المال صعب ، وتوفير الأعمال صعب ، والشبهات كثيرة ، فهذه الضغوط من شأنها أن تضغط على الإنسان فتصيبه بالعطب ، الحل لمثل هذه الحالات الصعبة طاعة الله ، والتوكل عليه ،

    الآية التي أتمنى أن تكون شعاراً لكم جميعاً أولها بل ، بل حرف إضراب ، بل تنفي ما قبلها ، وتثبت ما بعدها ، قال تعالى :
    بَل ِ الله َ فَاعْبُدْ و َ كُن ْ مِن َ الشَّاكِرِِينَ

    ( سورة الزمر )

    هذه مهمتك ، وبها تنتهي مهمتك ، لن تستطيع التوكل عليه إلا إذا أطعته ، إنك إن لم تطعه تشعر بالخجل ، تشعر بالحجاب .
    علاجنا أيها الإخوة إذا اشتدت الأمور ، وضاقت المكاسب ، وتعقدت الظروف في التوكل .

    ... ، فالمفروض على الإنسان أن يستسلم ، ويستقيم ، ويتوكل ، وعلى الله الباقي ، فالتوكل يحتاج إلى استقامة ، استقم تر أن الله معك ، وكن مع الله تر الله معك .

    انتهى الدرس الثاني عشر بفضل الله تعالى .
    و نرجوا من الله أن نكون قد استفدنا به , و نسأله أن يعيننا على تطبيقه .

    و الله و لي التوفيق .
    يتبع مع درس جديد بإذن الله تبارك و تعالى .




    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  32. #132
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    الســـلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,



    أيها إلإخوة و الأخوات , عدنا مع درس جديد , بعنوان أمة التبليغ و أمة الإستجابة // مقتبس من موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية .



    الدرس الثالث عشر



    بسم الله الرحمان الرحيم ,



    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .




    أيها الإخوة الأكارم ... يحتاج المؤمن أحياناً إلى أن يملك التفسير الصحيح ، أن تملك التفسير الصحيح للأحـداث هذه نعمة كبرى ينعم الله بها على المؤمن ، و النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وردت في باب الفتن ( و التي سنبدأ بذكرها لاحقاً و تباعا ً في درسنا هذا بإذن الله تعالى ) له توجيهات نظرية وله توجيهات عملية ، ففي كتاب الفتن من قسم الأفعال من كتاب كنز العمال أحاديث كثيرة تلقي ضوءاً ساطعاً على بعض القضايا .




    * يعني آحاد الأمة لها أحكام ومجموع الأمة لها أحكام ، فأنت كمؤمن إن آمنت بالله عز وجل واستقمت على أمره وأخلصت له وعملت الصالحات فلك بنص القرآن الكريم حياة طيبة ، وبنص القرآن الكريم لك مودة مع الله ، وبنص القرآن الكريم إن الله يدافع عنك ، وبنص القرآن الكريم أن الله يحفظك وينجيك ،





    هناك وعود كثيرة تزيد عن عشرين وعداً إلهياً وعد الله بها المؤمن ، هذا الموضوع ليس بمشكلة فهو معروف عندكم جميعاً ، و لكن أحياناً حينما تكون الأمة المنتمية إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مجموعها مقصرة عندئذ قد ينشأ ظرف تحار في تفسيره .





    * كلنا يظن نفسه أنه من أمة نبينا محمد ، توضيح دقيق : فهناك من ينتمي إلى النبي انتماء التبليغ وهناك من ينتمي إلى النبي انتماء الاستجابة ، فأنت إما أن تكون من أمة التبليغ وإما أن تكون من أمة الاستجابة ،



    فلأنك مسلم ومن أب مسلم ومن أم مسلمة ولأنك نشأت في بيئة مسلمة ، ولأنك تحضر خطب الجمعة ، وفي منهاجك المدرسي مادة التربية الإسلامية فأنت مسلم وقد بلغت الإسلام من والديك ومن أساتذتك ومن علماء المسلمين بحكم انتمائك إلى أب مسلم وأم مسلمة وبحكم تلقيك الدروس الدينية إن في المدرسة وإن في المسجد ، فأنت أيها الأخ الكريم مصنف مع أمة التبليغ ،




    لكنك إذا سمعت الحق وفهمته وتدبرته ووعيته واستجبت لله عز وجل :




    يا أَيُّهَا الَّذِين َ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ و َ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

    (سورة الأنفال 24)



    فالآن أنت تنتقل من أمة إلى أمة ، تنتقل من أمة التبليغ إلى أمة الاستجابة ، عندئذ جميع الوعود التي وعد الله بها المؤمنين كجماعة لا كأفراد تنطبق عليك :




    وَعَدَ اللهُ الَّذِين َ ءَامَنُواْ مِنكُمْ و َ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْض ِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ و َ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ

    (سورة النور 55)



    إِن يَنصُرْكُمُ الله ُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ

    (سورة آل عمران 160)



    إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُم ْ و َ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)

    (سورة محمد)



    و َ لَا تَهِنُواْ وَ لَا تَحْزَنُواْ و َ أَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)
    (سورة آل عمران)





    * إذاً هناك وعود في القرآن موجهة إلى الأفراد ، ووعود متوجهة إلى مجموع الأمة ، فأنت إذا كنت من أمة الاستجابة ينالك وعود الأفراد ووعود الجماعة ،



    فإن كان مجموع الأمة في تقصير ، في ضياع ، في تهاون ، في مخالفات ، في إعراض ، في تشتت ، في حب للدنيا فعندئذ جميع الوعود التي وعد الله بها الأمة كمجموعة ، هذه الوعود معطلة .





    فالإنسان حتى يبقى متوازناً ، حتى يملك تفسيراً صحيحاً لما يجري حتى يملك التفسير الصحيح لما يفعله الله عز وجل ، القرآن حق ، وكلام الله حق ، وزوال الكون أهون من أن يُعطَلَ وعدُ الله لمجموع الأمة .




    * الآن وقفة مع بعض الأحاديث ( التي وردت في باب الفتن ) :





    )1( عن سهل بن سعد الساعدي ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : كيف أنتم إذا بقيتم في حثالة من الناس ، مرجت أماناتهم وعهودهم وكانوا هكذا ، ثم أدخل أصابعه بعضها في بعض .



    يعني الأمانة معدومة ، لا دين لمن لا أمانة له ، ولا إيمان لمن لا عهد له ، ليس هناك أمانة وليس هناك عهد .



    كيف أنتم إذا بقيتم في حثالة من الناس ، مرجت أماناتهم وعهودهم وكانوا هكذا ، ثم أدخل أصابعه بعضهــا في بعض ، قالوا : إذا كان كذلك كيف نفعل يا رسول الله ؟ قال : خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكـرون ،




    ثم قال عبد الله بن عمرو بن العاص : ما تأمرني به يا رسول الله ؟ قال : آمرك بتقوى الله وعليك من نفسك وإياك عامة الأمور .





    )2( وهذا حديث آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :



    إن في آخر الزمان دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم أدخلوه فيها ، قال : قلت يا رسول الله : كيف النجاة منها ؟ قال عليه الصلاة والسلام : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .



    أنت لك جماعة ، لك إمام ، أنتم على الحق على منهج الله ، على العقيدة الصحيحة ، على الأسلوب الصحيح ، على الطريق المستقيم .



    قال : قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على غصن شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك .




    نتابع لاحقا ً إن شاء الله تعالى , مع المزيد .


    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  33. #133
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,



    نتابع من جديد , أيها الإخوة و الأخوات , مع الأحاديث التي ذكرها رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم في باب الفتن :



    )3( عن حذيفــة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.





    ليس بخيركـم من عرف الخير ولا من عرف الشر ، لكن من عرف الشرين وفرق بينهما واختار أهونهما .



    فقلت يا رسول الله : إن كنا أهل جاهلية وشر فقد جاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟



    يعني بعد النبي وأصحابه ، بعد هذه الشعلة التي أضاءت العالم ، هل بعد هذا الخير من شر.



    قال : نعـم ، قال : فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يستنون بغير سنتي ، ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر .



    بأعمالهم أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة ، في عقائدهم عقائد صحيحة وغير صحيحة.



    قال : نعم ، قال : فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يستنون بغير سنتي ، ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعـد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، خير ثم شر ثم خير ثم شر ، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه إليها .



    حق صراح بعده فتن ، بعده خير فيه دخن ، بعده شر دعاة إلى أبواب جهنم ، هذا حديث آخر من أحاديث الفتن .





    )4( النبـي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عنه حذيفة بن اليمان ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام : كيف أنتم إذا كنتم بين عاجز وفاجر .



    مسلم عاجز ، وإنسان آخر فاجر ، القوي فاجر والمسلم ضعيف ، هذه علامة من علامات آخر الزمان .





    النبي عليه الصلاة والسلام يقول :



    الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ .


    (صحيح مسلم 4816)





    لم يقل : القوي خير ، لأن القوة من غير إيمان قوة غاشمة ، قوة خطيرة ، قيد القوة بالإيمان، فقال : المؤمن القوي خير .




    )5( وعن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :


    اللهم لا ترني زماناً لا يتُبعُ فيه العليم .





    يعني أحياناً عامة المسلمين ينحون باللائمة على العلماء ، العلماء ماذا يستطيعون أن يفعلوا غير أن يبينوا ، لو أن الناس اتبعوهم لكانوا في حال غير هذه الحال ،



    لو اتبعهم واحد أو اثنان أو عشرة أو مائة هؤلاء الذين اتبعوا الحق لهم عند ربهم وعدهم وتوفيقهم وحفظهم ،




    ولكن لو أن مجموع الأمة اتبعت علماءها لكانت الأمة في حال أحسن، فلا رأي لمن لا يطاع .




    فيقول النبي عليه الصلاة والسلام :


    اللهم لا ترني زماناً لا يُتبع فيه العليم ، ولا يستحيا فيه من الحليم.




    العليم لا يتبع ، يعني لا اتباع ولا حياء ، الإنسان أحياناً يكون كثير العلم قليل الحياء ، لا علم ولا حياء ، هذه أيضاً علامة من علامات آخر الزمان .



    )6( وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : ذكر رسول الله صلى عليه وسلم فتنة بين يدي الساعة ، قال : قلت وفينا كتاب الله ، قال : وفيكم كتاب الله .



    فينا كتاب الله بين أيدينا نقرؤه صباح مساء ، آياته واضحة جلية ، أحكامه دقيقة ، سبل النجاة فيه ميسرة ، ومع ذلك فالناس لا يتبعونه ، جعلوه وراء ظهورهم ، أعرضوا عن تطبيقه، ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ، ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه ، فلذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فتنة بين يدي الساعة .



    قلت : وفينـــا كتاب الله ، قال : وفيكم كتاب الله ، قلت : ومعنا عقولنا ، قال : ومعكم عقولكم .




    فيكم أذكياء كثر ، وفيكم عقلاء كثر ، لكن هذا العقل مسخر للدنيا ، هذا العقل مسخر لمصالح دنيوية لا لمعرفة الله عز وجل ،



    فقد تكون فتنة كبيرة والذين وقعوا فيها بين أيديهم كتاب الله وعقولهم في رؤوسهم ، ولكن كتاب الله مهجور وعقولهم معطلة ، أيضاً هذه علامة من علامات آخر الزمان .




    بإذن الله نتابع لاحقا ً مع المزيد من الأحاديث و التفسير .


    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  34. #134
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    tripoli
    المشاركات
    1,045

    افتراضي

    بارك الله بك أخت باربي وأثابكي كل خير
    لا اله الا الله محمد رسول الله



  35. #135
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    و بكم بارك الله أختي مايا .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  36. #136
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,
    نتابع بفضل الله تعالى ... و سنكمل ذكر الأحاديث التي تدخل في باب الفتن :


    )7( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : تكون فتنة لا يُنَجّي منها إلا دعاء كدعاء الغريق .

    تصور إنسان وقع في البحر والأمواج طاغية ولا يجيد السباحة وليس له إلا الدعاء كيف يدعو! أظنه أنه يدعو بكل خلية في جسده ، بكل عضو من أعضائه .

    )8( وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه سيصيــب أمتي داء الأمم ، قالوا : يا نبي الله وما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم يكون الهرج .

    )9( وعن ابـن مسعود رضي الله عنه قال : أخاف عليكم فتناً كأنها الليل ، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه .

    يعني له قلب ميت لا يعي على خير ، لا يفعل شيئاً ابتغاء وجه الله، لا يتحرك إلا بالمال ، قلبه لا يرحم ، يريد أن يحيا ويموت الناس ، يبني مجده على أنقاض الناس ، يبني غناه على فقر الناس ، مثل هذا الإنسان مات قلبه وهو عند الله من الميتين ،


    قال تعالى :
    أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءِ و َ مَا يَشْعُرُنَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 )
    (سورة النحل 21)

    الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .


    )10( وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يأتي على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيضطجع عليه ويقول يا ليتني مكان صاحبه ، ما به حب للقاء الله ولكن لما يرى من شدة البلاء .


    )11( عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع والمضطجع فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من المجري، قيل: ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه .

    (كنز العمال 30991)



    )12( وعن مرداس قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
    (يقبض الصالحون، الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم شيئا ).

    (صحيح البخاري 3925)


    كنت أقول لكم دائماً الإنسان إذا هان الله عليه هان على الله ، إذا أردت أن تعرف مقامك فاعرف فيما أقامك ، إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فاعرف ما لله عندك ،

    هل أنت عند الأمر والنهي ؟ هل يراك حيث أمرك ؟ هل يفتقدك حيث نهاك ؟ هل شرعه معظم عندك ؟ هل تحرص أن تكسب مالك بالحلال ؟ هل ترعى حرمات الله ؟ هل تعظم شعائر الله ؟

    يعني الدخل حرام ، واختلاط ، ومنكر ، وشرب خمر ، وزنى ، وبغي وعدوان ، وكبر ، مجتمع غارق في الوحول والشهوات ، هؤلاء حثالة كحثالة التمر أو الشعير لا يبالي الله بهم .

    وكما قلت في مطلع الدرس هناك وعود وعد الله بها المتقين كأفراد ، وهناك وعود وعد الله بها المؤمنين كجماعة ،


    فالفرد ما دام يؤمن بالله الإيمان الصحيح ويطبق أمره التطبيق الصحيح وله إخلاصه فله عند الله مكانته وحفظه وله نجاته وله معاملة إلى حدٍ ما خاصة ما دام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، أما مجموع الأمة ، حين يقول الله عز وجل :

    وَعَدَ اللهُ الَّذِين َ ءَامَنُواْ مِنكُمْ و َ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْض ِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ و َ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ
    (سورة النور 55)

    إِن يَنصُرْكُمُ الله ُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ

    (سورة آل عمران 160)

    إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُم ْ و َ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
    (سورة محمد)

    و َ لَا تَهِنُواْ وَ لَا تَحْزَنُواْ و َ أَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)
    (سورة آل عمران)

    الوعود المتعلقة بمجموع الأمة لا تتحقق إلا إذا كان مجموع الأمة كما يريد الله عز وجل .

    * وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    تكون فتن لا يستطيع أن يغير فيها بيد ولا بلسان
    يعني هناك فتن ضمن إمكانات المسلمين أن يغيروها ، ولكن هناك فتن أخرى يقف المسلم إزاءها عاجزاً لا يستطيع أن يغيرها لا بيده ولا بلسانه .

    فقال علي: يا رسول الله! وفيهم مؤمنون يومئذ؟ قال: نعم، قال: فهل ينقص ذلك من إيمانهم؟ قال: لا إلا كما ينقص المطر على الصفا.

    (كنز العمال 31520)

    * وعن علي رضي الله عنه قال : سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه .

    يعني الكتاب : القرآن فإذا كان مطبوعاً طباعة أنيقة ، ويوضع في أجمل مكان في البيت ، وللبيت مظاهر إسلامية ، والمساجد فخمة مزخرفة ، والناس يعتزون بأنهم مسلمون ، ولكن حلقاتهم اليومية ، دخلهم ، حركاتهم ، علاقاتهم بغيرهم ، ليس أساسها الإسلام ،

    أساسها ما تعارف عليه الناس من عادات وتقاليد فهم غثاء ، ...

    يعني النبي الكريم يقول حديثاً لو فهمناه فهماً عميقاً لكان لنا شأن آخر .

    لو أن في الأمة المحمدية أمة الاستجابة لا أمة التبليغ ، لو أن فيها هذا العدد لن تغلب من قلة ، المسلمون يعدون ألف مليون ، ألف مليون، لذلك يبدو أنه لم يبق من الإسلام إلا اسمه على مستوى المجموع ولا من القرآن إلا رسمه ،

    مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى وهم بعيدون عن الدين بعداً شديداً ، فأنت تراهم كأنهم ليسوا من بني البشر لقسوة قلوبهم ، ولغلظة طباعهم ، ولأنانيتهم ، ولأثرتهم ، ولاتجاههم نحو الأذى والشر .


    سنكمل بإذن الله تعالى لاحقا ً .
    اللهم انفعنا بما علمتنا .







    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  37. #137
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع ما بدأنا به , بفضل الله تعالى :
    بسم الله الرحمان الرحيم

    الأحاديث الواردة كثيرة ، يعني قراءتها تكفي لا تحتاج إلى شرح ، ولكن الإنسان حينما يرى المؤمن مستضعفاً ، أو المسلم لا يرى وعود الله التي وعده إياها كمجموعة متحققة لأمته أما كأفراد هذا موضوع آخر ،

    المؤمن كآحاد كفرد موعود بحياة طيبة ، موعود بطمأنينة ، موعود بأن يدافع الله عنه ، موعود بأن ينجيه الله من كل كرب ، موعود بوعود كثيرة هذه كلها محققة على مستوى الأفراد ،

    أما على مستوى الأمة فلا تتحقق وعود الله إلا إذا كانت الأمة بمجموعها كما أراد الله عز وجل ، فإن كانت كما يريد الله جاء قول الله تعالى :

    و َ لَا تَهِنُواْ وَ لَا تَحْزَنُواْ و َ أَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)
    (سورة آل عمران)


    إن كانت الأمة بمجموعها كما يريد الله عز وجل يأتِ قول الله تعالى :

    إِن يَنصُرْكُمُ الله ُ فَلَا غَالِبَ لُكُمْ
    (سورة آل عمران 160)

    إن كانت الأمة بمجموعها كما يريد الله عز وجل يأتِ قول الله تعالى :

    وَعَدَ اللهُ الَّذِين َ ءَامَنُواْ مِنكُمْ و َ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْض ِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ و َ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ

    (سورة النور 55)


    لذلك ، نحن في زمن صعب ، وفي زمن فتن ، والقابض على دينه كالقابض على الجمر أجره كأجر سبعين ، قالوا منا أو منهم ؟ قال : بل منكم ، قالوا ولمَ ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ،

    والحديث الذي تعرفونه جميعاً : قال صلى الله عليه سلم : يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أوَمِن قلة نحن يومئذ ؟ قال : لا ، أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، قالوا : ولمَ ؟ قال : يصيبكم الوهن ، قيل وما الوهن ، قال حب الدنيا وكره الموت .

    إذاً لن نفلح ، ولن نقوى ، ولن نعتز ، ولن ننتصر إلا إذا اصطلحنا مع الله ، لا كأفراد بل كمجموعة ، طيب كيف يكون هذا الصلح على مستوى المجموع ، هذا يبدأ من كل واحد على حدة ، اصطلح أنت مع الله ، أقم الإسلام في بيتك ،

    لو أن كل واحد منا فعل هذا لا يمضي زمن إلا وهذه البيوت المسلمة تتقارب ، فإذا المجموع على حق عندئذ نستحق النصر من الله عز وجل .

    يعني اسمع قول الله عز وجل :

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَاب ٍ أَلِيم ٍ ( 10 ) تُؤْمِنُون َ بِالله ِ و َ رَسُولِهِ و َ تُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ و َ أَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم ْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم ْ و َ يُدْخِلْكُمْ جَنَّات ٍ تَجرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ و َ مَسَاكِنَ طَيِّبَة ً فِى جَنَّات ِ عَدْن ِ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيم ُ ( 12) وَ أُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن َ الله ِ و َ فَتْح ٌ قَرِيب ٌ و َ بَشِّرِ المُؤْمِنِين َ ( 13 )
    ( سورة الصف )

    وأخرى تحبونها ، فالنصر محبب ، وربنا عز وجل لما خاطب النبي قال:

    و َ يَنصُرَكَ الله ُ نَصْرا ً عَزِيزا ً
    (سورة الفتح 3)

    يعني ما من شعور يصيب المؤمن مثل أن يشعر أن الله عز وجل كان معه ، والشيء الذي تعرفونه جميعاً أن الله عز وجل له معيتان ، معية عامة ، وهو معكم أينما كنتم ، ومعية خاصة هذه خاصة بالمؤمنين ، بالصابرين ، بالمتقين ، فمعية الله الخاصة هي معية الحفظ والتأييد ومعية النصر والتوفيق .


    إذاً إذا أردتُ أن أضـع لهذا الدرس عنواناً فهو الصلح مع الله ، طريق عزتنا وكرامتنا ، العودة إلى أوامر الله عز وجل ، إذا عدت وحدك تأخذ وعود الله عز وجل لك ،

    أما إذا عاد مجموع الأمة تستحق الأمة في مجموعها وعد الله عز وجل ، نبدأ من الأفراد ، فلا بد أن يبدأ كل مؤمن بمحاسبة نفسه حساباً دقيقاً ، هذا البيت بيته ، هل يأمر أهله بالصلاة ؟ هل يربي أولاده تربية صحيحة ؟ هل زوجته عندما تخرج من بيتها وتمشي بالطريق في زيّ يرضي الله عز وجل ؟



    أما هذا الانفصام في الشخصية هو في وادٍ وحياته الخاصة في وادٍ ومشاعره في وادٍ ، معاملته في وادٍ ، شروده في وادٍ ، وانتماؤه في وادٍ ، هذا الانفصام في الشخصية هو السبب في الهلاك يعني كما قلت ... زوال الكون أهون على الله من أن يضيع على مؤمن عمله، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق وعوده ، كما جاء في العقيدة الصحيحة ،

    وعد الله حق لا يتخلف ، وعد الله للمؤمن حق لا يتخلف ، ووعد الله للأمة المؤمنة حق لا يتخلف ، فالطريق واضح، يعني على الإنسان أن يبلغ ، الطريق واضح ، و الكلام كله لا يجدي ، المشاعر كلها لا تجدي ، يعني ما من إنسان إلا وله مشاعر ، فإذا شعر أن الله أعز الإسلام يفرح ، وإذا الإسلام تخلف يتألم ،

    هذه المشاعر لا تقدم ولا تؤخر أما الذي يقدم ويؤخر أن تكون في المستوى الذي يريده الله عز وجل ، لذلك إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماء أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ،

    إذا كانت معرفة الإنسان بالله متينة وإيمانه قوياً فلو أن الأمور جاءت على خلاف ما يريد لا يتزلزل بل يقول كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة ، وحكمته متعلقة بالخير المطلق .

    نكمل لاحقا ً بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .






    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  38. #138
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخواني و أخواتي , انتهى درسنا (( أمة التبليغ و أمة الإستجابة )) , و نرجوا من الله تعالى أن ينفعنا به و بكل ما نتعلمه .

    و الآن سننتقل إلى درس جديد بعنوان < أســـباب قوة أعدائنا > .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  39. #139
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    الدرس الرابع عشر : أسباب قوة أعدائنا !

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

    )1( ثقافة كل أمة ملك البشرية جمعاء :

    أيها الأخوة الكرام ،

    أول حقيقة : أن ثقافة كل أمة ملك البشرية جمعاء ، لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال ، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟.

    الأشياء التي تقوينا ينبغي أن نقتبسها منهم ، ماذا نأخذ ، وماذا ندع عن الغربيين ؟ قال بعض المفكرين : نأخذ ما في رؤوسهم ، وندع ما في نفوسهم ،

    )2( على المسلم أن يأخذ من الغرب ما كان صواباً :

    ينبغي أن نقتبس من أعدائنا الخصائص التي أصبحوا بها أقوياء ، لكن من المؤسف أن هذه الخصائص هي أصول في ديننا ، لكننا تصورنا الدين عبادات شعائرية ، ونسينا أنه منهج كامل

    كدليل قرآني على أنه يجوز أن تتخذ من الآخرين ما كان صواباً .

    الملكة بلقيس قالت :
    إِن َّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَة ً أَفْسَدُوهَا و َ جَعَلُواْ أَعِزَّة َ أَهْلِهَا أَذِلَّة ً

    ( سورة النمل الآية : 34 ) .

    بماذا عقب الله على كلامها ؟ قال :
    و َ كَذَلِكَ يَفْعَلُون َ ( 34 )
    ( سورة النمل ) .


    ليست مؤمنة ، وليست مسلمة ، لكنها قالت كلمة صحيحة ، فإذا كان عند الأجانب أسباب قوة ينبغي أن نقتبسها ،

    ينبغي أن ندع .... الصرعات ، هذه إذا أقبلنا عليها تقويهم ، أما البرامج ، والكومبيوترات ، والذي يقوينا على أنهم أعداؤنا ، ويتفننون في إفقارنا ، وفي إبادتنا ، وفي إذلالنا ، وفي إضلالنا ، وفي إفسادنا ينبغي أن نأخذ منهم ما يقوينا .


    )3( التعاون من الصفات التي ينبغي أن نقتبسها من الغرب :

    وهذه الأدلة أول شيء يتميز عندهم التعاون ، وفي قرآننا يقول الله عز وجل :

    و َ تَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ و َ التَّقْوَى
    ( سورة المائدة الآية : 2 ) .


    أمر إلهي :

    و َ لَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإثْم ِ وَ الْعُدْوَان ِ ( سورة المائدة الآية : 2 ) .


    من مسلمات علم الأصول أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، الوهم الكبير أن الدين خمس فرائض تعبدية ، لا ، الدين خمسمئة أمر في القرآن والسنة ، منهج كامل ، لما توهمنا أن الدين فرائض شعائرية خمس صلينا ، وصمنا ، وحججنا ، وزكينا ، وعشنا حياة الغرب ، وقيم الغرب ، وعادات الغرب ، وتقاليد الغرب ، حينما فهمنا الدين عبادات شعائرية رأيتم ماذا حلّ بنا .

    )4( البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة :

    إذاً أول صفة من صفات الغرب التعاون ، هل تصدقون أن ألعاب أطفالهم لا تصلح لواحد من أطفالهم إلا لجماعة ؟! يدخلون التعاون في دماء أولادهم ، التعاون ، فنحن نتنافس لا نتعاون ، نحن يحطم بعضنا بعضاً ،

    قال تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُوا ﴾ .

    قال علماء التفسير : البر صلاح الدنيا ، والتقوى صلاح الآخرة ، ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ .

    ولأن كلمة تعاونوا فعل أمر ، ولأن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب فالتعاون من علامات الإيمان ، و التنافس من علامات النفاق ،

    إن كنت تتعامل مع أخيك المؤمن من أي انتماء أساساً الانتماء إلى مجموع المؤمنين ، ولن تكون مؤمناً إلا إذا كان انتماؤك لا إلى حلقة ، ولا إلى جماعة ، ولا إلى فقاعة ، لا ، ينبغي أن يكون انتماؤك إلى مجموع المؤمنين ، لقوله تعالى :

    إِنَّمَا المُؤْمِنُون َ إِخْوَة ٌ

    ( سورة الحجرات الآية : 10 ) .

    ما قال الجماعة الفلانية قال : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ .

    )5( الطبع و التكليف :

    أيها الأخوة ، لكن هناك حقيقة دقيقة أنت أيها الإنسان معك طبع ، ومعك تكليف ، أو لك طبع ، ومعك تكليف ، و الطبع يتناقض مع التكليف ،

    طبعك أن تأخذ المال ، والتكليف أن تنفقه ، إنفاق المال يتناقض مع طبعك ، طبعك أن تبقى نائماً في الفراش الوثير إلى ساعة متأخرة من الضحى ، والتكليف يأمرك أن تستيقظ لتؤدي الصلاة في المسجد .
    (( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح )) .

    [ ورد في الأثر] .

    إذاً طبعك يقتضي أن تبقى نائماً ، والتكليف يأمرك أن تستيقظ ، طبعك يأمرك أن تملأ عينيك من محاسن النساء ، والتكليف يأمرك أن تغض البصر ، فالطبع متناقض مع التكليف ،

    الآن طبعك يأمرك أن تخوض في فضائح الناس ، شيء ممتنع جداً ، خانته ؟ مع من خانته ؟ التكليف يقتضي أن تستر ،

    هذه تمهيدات ، وطبعك فردي ، أن تعيش حدك ، أن تتنعم وحدك ، أن تقتني أجمل بيت وحدك ، أن تقتني أجمل مركبة وحدك ، أن يكون لك دخل فلكي ، والناس من بعدي الطوفان ، هذا الطبع ، التكليف أن تتعاون .



    سنتابع لاحقا ً بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  40. #140
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    الســـــلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع إيها الإخوة و الأخوات مع القسم الثاني من درسنا : (( أسباب قوة أعدائنا )) .

    و لقد تحدثنا في القسم الأول , بإنه لا ضير بأخذ ما ينفعنا منهم , و لكن يجب علينا ترك ما يوردونه لنا من قيم تطمس لنا هويتنا الاساسية .

    و ذكرنا , أن ما يجدر بنا أخذه منهم , موجود سابقا ً و أصلا ً في شرع الله ! لكننا نحن مَن ابتعدنا عنه , و عمل به الغربيون ! .

    فنأخذ ما عندهم من أسباب القوة , مع أن كل أسباب القوة عندهم هي أصول عندنا في الدين ، لكننا فهمنا الدين صلاة ، وصياماً ، وحجاً ، وزكاة ، وغفلنا عن أوامره التفصيلية ، ...

    و أول ما يجب علينا العودة إليه , هو التعاون و الإخوة .

    الآن سوف نكمل بإذن الله تعالى , لنتحدث عن :

    )6( الدعوة إلى الله دعوتان :

    إذاً يتعاون المؤمن مع أخوانه بقدر طاعته لله ، ويتنافس معهم بقدر بعده عن الله ، والتعاون بين المؤمنين من كل أطيافهم علامة إيمانهم ، والتنافس بينهم علامة نفاقهم .

    لذلك هذا الكلام يسوقنا إلى حقيقة خطيرة ، هي أن الدعوة إلى الله دعوتان ، دعوة إلى الله صادقة ، مخلصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، الدعوة إلى الله المخلصة أساسها الاتباع .

    إِنْ أَتَّبِع ُ إلَّا مَا يُوحَى إِلَي َّ
    ( سورة الأنعام الآية : 50 ) .



    هذا النبي الكريم سيد الخلق ، وحبيب الحق ، الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاتباع ، والدعوة إلى الذات من خصائصها الابتداع ، لابدّ من أن تتبع شيئاً في الدين ليس له أصل حتى تقول أنا وحدي على حق ، فالاتباع من صفات المخلصين والابتداع من صفات المنتفعين ، المنتفعين بالدين ،

    *** التعاون أصل عند المسلمين لكنه ضعيف :

    ... المؤمنان يتعاونان ولا يتنافسان ، يتطاوعان ولا يتنافسان ، التنافس من علامة النفاق ، والتعاون من علامة الإيمان ، ومع الأسف الشديد الشديد مع أن التعاون أصل في ديننا لكنه ضعيف عندنا ، أساس علاقاتنا التنافس ، أن يحطم بعضنا بعضاً .

    نحن كمسلمين في تفوق فردي يوجد تفوق فردي كبير جداً ، لكن لا يوجد تفوق جماعي ، لأنه لا يوجد تعاون .

    التعاون عندهم يعيشونه ، عندهم واقع يعيشونه ، أما التعاون عندنا في النصوص أما في حياتنا اليومية لا يوجد تعاون أبداً ، هذه أكبر خطأ عندنا .

    )7( نقل الإسلام من ظاهرة صوتية إلى واقع ملموس :

    أيها الأخوة ، إن الإسلام عند المسلمين الآن ظاهرة صوتية دروس ، ومحاضرات ، ومؤتمرات ، وبيانات ، وتصريحات ، وشجب ، وتنديد ، وتشديد على الفكرة الفلانية ، وحرق علم ، وحرق صور ، هل يوجد عندنا غير هذا ؟

    لكن هؤلاء القلة الذين نصرهم الله البارحة هؤلاء قلبوا الظاهرة الصوتية إلى بعدٍ عملي ، لا يمكن أن ينتصر الإسلام كصوت ، إلى متى صوت ؟ والله أتمنى أن نصمت كلياً ، وأن نقدم شيئاً حضارياً ، هذا القوي لا يعبأ بالمظاهرات ، ولا بالتنديد .


    فالغرب لا يعنيه أن نسبه ، يعنيه أن يأخذ ثرواتنا ، يعنيه أن يفرق جمعنا ، يعنيه أن يقيم الفساد في بلادنا ، وسبه بقدر ما تشاء ، لا يتأثر .

    فلذلك أيها الأخوة ، العمل أن نصمت ، قدم عملاً حضارياً تقنع بالإسلام أعداءك وألقي محاضرات إلى يوم الدين من واقع سيء .

    مثلاً تجد نسب البطالة عالية بالبلاد الإسلامية ، أعلى نسب مدخنين بالعالم عند المسلمين ، فأنت حينما تشتري علبة دخان تقدم لإسرائيل يومياً ثمن رصاصة ، يومياً .

    أيها الأخوة ، نسب بطالة عالية ، نسب عنوسة عالية ، نسب أميّة عالية ، نحن على رأس قائمة المستوردين ، وفي أسفل قائمة المصدرين ، العالم الإسلامي أنا أقول عن المسلمين جميعاً .



    نكمل لاحقا ً بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  41. #141
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخواني و أخواتي , وصلنا اليوم إلى القسم الأخير من درسنا (( أسباب قوة أعدائنا )) , و كانت النقطة الأخيرة التي تحدثنا بها , نقل الإسلام من ظاهرة صوتية إلى واقع ملموس .


    و بفضل الله سنتابع الآن مع :

    بسم الله الرحمان الرحيم

    )8( كل عمل يحتاج إلى إتقان و تطوير

    أيها الأخوة ، الغرب لا يحترم الفصحاء ، ولا الخطباء ، ولا المتكلمين ، يحترم مجتمعاً قوياً ، القوي يحترم القوي ،

    أيها الأخوة ، العمل يحتاج إلى إتقان ، أحد الصحابة توفي ، فالذي حفر القبر ترك فرجة فيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن هذه الفرجة لا تؤذي الميت ، ولكنها تؤذي الحي ، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه .

    )9( الشباب مستقبل الأمة علينا الاهتمام بهم :

    هناك إحصاءات مؤلمة جداً في بعض البلاد الإسلامية يعمل المواطن سبعاً و عشرين دقيقة في اليوم ، وفي بلد آخر إسلامي يعمل المواطن فيه سبع عشرة دقيقة ،


    وهؤلاء الأقوياء يعملون ثمان ساعات كاملة ، لا تصدق أمة يعمل أفرادها سبع عشرة دقيقة تغلب أمة يعمل أفرادها ثمان ساعات كاملة ، مدة العمل مهمة جداً ،

    عندنا مشكلة الشباب ، هؤلاء الشباب الطاقة المتفجرة ، هؤلاء مستقبل الأمة ، قادة الأمة ، هؤلاء يحتاجون إلى بيوت ، وإلى أعمال ، وإلى زواج ، ما لم يهتم المجتمع بهم سيصحبون لغماً متفجراً ، إما طاقة كبيرة جداً ، أو لغماً متفجراً .


    الظاهرة الصوتية إلقاء كلمات ، إلقاء محاضرات ، مناقشات ، مداولات ، بيانات ، شجب ، استنكار ، مظاهرة ، هذه اكتفينا بها ، نحن بحاجة إلى عمل ,,, العمل يرفع من قيمتنا .

    فلذلك لما نطق هذا الدين ، يبتعد عن أن يكون ظاهرة صوتية ، فيصبح واقعاً عملياً .


    )10( نظام فريق العمل نظام حضاري إسلامي :

    أخوانا الكرام ، بقي موضوع في هذا اللقاء الطيب ، هو كلمة ( فريق عمل ) ،
    نظام فريق العمل نظام حضاري ، هو نظام إسلامي ، الذي آلمني أن كل هذه الصفات التي يتمتعون بها ، والتي هي سبب قوتهم هي أصول في ديننا ، أصول ، بدل أن تشتكي على أخيك انصحه .

    لو أن كل مدير شركة قال لموظفيه : إذا زميلك أخطأ لا تقل لي ، انصحه ، هو إذا ترك خطأه انتهى الأمر ، عش بجو جماعي ، عش بجو تضامني ، جو تعاون ، جو محبة ، بأي دائرة ، بأي شركة ، بأي تجمع تجد كل إنسان قناص ، ينتظر الثاني على خطأ فإذا أخطأ أشاع هذا الخبر ،

    وحطمه ، هذه مشكلتنا ، كيف يحبنا الله عز وجل ونحن لا نحب بعضنا بعضاً ؟ كيف نتراشق التهم ؟ كيف كل واحد منا يتمنى دمار الآخر ؟ كيف نستحق النصر وهذه صفاتنا ؟ .

    )11( اقتباس الإيجابيات من الغرب و العمل بها لأنها أصل عندنا :

    ... كل إيجابيات الغرب إسلامية ، لا لأنهم يعبدون الله ، أبداً ، بل لأنهم يعبدون الدولار من دون الله ، يعبدون مصالحهم ،

    تقتضي مصالحهم أن يعملوا ضمن فريق ، أن يكونوا صادقين ، أن يكونوا متقنين ، هم أقوياء جداً ، هذه أسباب قوتهم ، أنا لا يمنعني أنهم أعداؤنا أن اقتبس منهم الإيجابيات ، ثم أؤكد أن هذه الإيجابيات أصل عندنا ، ولعلهم أخذوها منا .


    الفعال هو الله ، والناصر هو الله ، وحينما تكون مؤمناً تتبدل كل المعادلات ، وتلغى كل الافتراضات .

    إذا كان خالق السماوات والأرض معك لن ينالوا منك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ لعل هذه الجرعة المنعشة تتوسع في بلاد المسلمين حتى يصبح هذا الإسلام واقعاً ، وليس ظاهرة صوتية .

    اللهم انفعنا بما علمتنا .

    انتهى الدرس الرابع عشر , بفضل الله تعالى ....




    ملاحظة

    إخواني و أخواتي , سوف أتوقف عن متابعة هذا الموضوع , خلال شهر رمضان المبارك .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  42. #142
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخواني و أخواتي عدنا لمتابعة هذا الموضوع بإذن الله تبارك و تعالى . و نرجوا من الله تعالى أن يبارك لنا اعمالنا , و يوفقنا لما فيه خير لنا و لجميع المسلمين .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  43. #143
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    مع الدرس الخامس عشر , تحت عنوان (( الوقف )) .

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .

    أيها الإخوة ... بحثت لكم عن موضوعٍ لهذا الدرس ننتفع به جميعاً ، فوفَّقني اللهُ أن يكون هذا الدرس عن الوقف ، وثقوا أيها الإخوة أن في هذا الموضوع من الخير ما لا يصدق .

    فما أساس هذا الوقف ؟ ما من إنسان في العالم الإسلامي إلا ويقول لك : وزارة الأوقاف ، مديرية الأوقاف ، الوقف الذَّري ، الوقف الخيري ، هذه كلمات من أين جاءت ؟

    أصل الوقف أيها الإخوة ؛ أن سيدنا عمر رضي الله عنه ، قال للنبي عليه الصلاة والسلام : إن المائة سهمٍ التي بخيبر ، لم أصب مالاً قط هو أعجب إلي منها ـ أي أن أنفس مال عندي هذه المائة سهمٍ التي بخيبر ـ وقد أردت أن أتصدق بها ،

    فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : " احبس أصلها وسبِّل ثمرتها " .. هذه رواية .

    وفي رواية البخاري : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أصاب أرضاً بخيبر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟

    قال عليه الصلاة والسلام : " إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بثمرتها " .

    الأصل موقوف إلى يوم القيامة للفقراء والمساكين ، قال : فتصدق بها عمر ، على ألا يباع هذا الوقف، ولا يوهب ، ولا يوَرَّث ، وتصدق بها على الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرقاب ، وفي ابن السبيل ، وفي سبيل الله والضيف ، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف ، وأن يطعم غير متموِّل ـأي لا أن يتاجر بها ـ ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار وأشهدهم على ذلك ، فاشتهر ذلك .

    ومن ثَمَّ أقبل المهاجرون والأنصار على وقف بعض أموالهم ، وفي ذلك قال جابر رضي الله عنه :

    لم أعلم أحداً من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من أمواله صدقةً مؤبَّدةً ـ على التأبيد ـ لا تشترى، ولا توهب ، ولا تورَّث ، وكان كثيرٌ من الواقفين يكتبون كتاب وقفهم مُصَرِّحين فيه بأنه:

    كان على سنة عمر بن الخطاب ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : " فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ"*
    ( مسند أحمد : عن " العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ " )

    أيها الإخوة ... سيدنا عثمان حبس بئر رومة على المسلمين ، اشترى بئرًا غالية جداً ، وأوقفها ليشرب منها المسلمون على التأبيد ، بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينتقل بذلك من السَلَف إلى الخَلَف جيلاً بعد جيل .

    و ثبت أيضاً أن كلاً من سيدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه ، وسيدنا علي بن أبي طالب ، حبسا شيئاً من أموالهما ، وتبعهم مَن أتى بعدهم حيث لم يخلُ عصرٌ من عصور المسلمين ، إلا وحبس فيه أناسٌ شيئاً من أموالهم على جهاتٍ خيريةٍ على التأبيد .

    أيها الإخوة ... يجب أن نعلم علم اليقين أن العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان ، الإيمان حقيقة إيجابية وليست سلبية ، حقيقة متحرِّكة وليست ساكنة ، فما إن تستقر في النفس حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها ، في صورة عملٍ صالحٍ ،

    فإن لم يتحرَّك المؤمن هذه الحركة الطبيعية ، فهذا الإيمان مزيَّف ، بل ميت، لأن الإيمان ليس انكماشاً ، ولا سلبيةً ، ولا انزواءً ، وليس مجرد نوايا طيبة لا تُجسد في حركةٍ أو عمل صالح .

    إذاً الثمـــرة الأولى للإيمان ، العمل الصالح ، نضيف : علة وجودك في الأرض ، العمل الصالح ، المهمة التي أنيطت بك في الأرض ، العمل الصالح ، ثمن الجنة ، العمل الصالح ،

    والأدلة لا تعد ولا تحصى، و الشيء الذي يندم عليه الإنسان عند موته هو العمل الصالح ، والدليل :

    رَبِّ ارْجِعُون ِ ( 99 ) لَعَلَّى أَعْمَل ُ صَالِحا َ ( سورة المؤمنون )

    أنت مخلوقٌ للعمل الصالح ، بل إن العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله..

    فَمَن كَان َ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّه ِ فَلْيَعْمَل َ عَمَلا ً صَالِحا ً و َ لَا يُشْرِك ْ بِعِبَادَة ِ رَبِّه ِ أَحَدَا ( 110 )
    ( سورة الكهف ).


    نتابع إن شاء الله لاحقا ً , مع المزيد من التوضيح لهدف موضوعنا هذا , في القسم الثاني لهذا الدرس .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  44. #144
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    مع القسم الثاني من موضوعنا الجديد , لنكمل في الحديث عن المعاني التي تنطوي في درسنا (( الوقف )) .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الطَّمــــــــــوح :

    وبعد ؛ فإنّ الطَّموح يختار أعظم الأعمال ، مليار مليار مليار مليار عمل صالح ، ولكن الطَّموح عاليَ الهمة يختارُ أعلى هذه الأعمال ، ما هي أعلى هذه الأعمال ؟
    قالوا : كلما اتسعت رُقْعة العمل الصالح ، أحياناً دعوتك بقرية ، أحياناً بمدينة ، أحياناً ببلد كبير ، أحياناً ببلاد ، أحياناً بقارات ، كلما اتسعت رقعة العمل الصالح فشملت أعداداً كبيرةً من البشر، وكلما امتد أمد العمل الصالح ،

    فمن الممكن لإنسان أنْ يؤلف كتابًا ويموت ، وهذا الكتاب يتناقله جيلٌ بعد جيل إلى يوم القيامة ، وينتفع به مسلمون كثيرون لا يعلمهم إلا الله ، فكلما اتسعت رقعة العمل الصالح ، وكلما امتد أمده ، وتوارثت ثماره أجيالٌ وأجيال ، وكلما تغلغل العمل الصالح في كيان الإنسان كله ؛ المادي ، والنفسي ، والاجتماعي ، والروحي ، حتى يتحقق به وجود الإنسان ورسالته في الحياة ، كان العمل أعظم .

    ابحـث عن عمل تكون رقعته واسعة ، وأمده طويلاً ، وتأثيره عميقًا ،
    إنّ قيمة العمل تزداد ، كيف ؟ تزداد قيمة العمل إذا كَثُرَت المعوّقات في سبيله ، هذا العمل دونه عقبة، وذاك العمل أمامه عقبة ، وهذا العمل فيه مسؤولية ، وذاك العمل متعب ، وهذا العمل له مضاعفات ، كلما كثرت المعوِّقات في سبيله ، تزداد قيمته .

    و كلما كثرت الصوارف عنه تزداد قيمته ،
    أنت كإنسان ، لابد من أن تغادر هذه الدنيا ، ما هو أعظم عملٍ صالح على الإطلاق ؟ هو العمل المستمر بعد الموت ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

    " إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ـ والوقف من الصدقة الجارية ـ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " *

    ( سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

    محور درسنا اليوم الصدقة الجارية ، أي العمل المستمر بعد وفاة الإنسان ، هناك أعمال لا تعد ولا تحصى تنتهي عند الموت ، لكن هناك أعمال ولو أنك غادرت الحياة الدنيا ، فهي في صحيفتك إلى أبد الآبدين ، فابحثوا عن عملٍ لا ينتهي مع الموت ، ابحثوا عن عملٍ يستمر بعد الموت .

    و للحديث تتمة , إن شاء الله تعالى .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  45. #145
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    France
    المشاركات
    1,301

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    تسجيل متابعة
    بارك الله بكم
    "سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"


  46. #146
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    tripoli
    المشاركات
    1,045

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    عودة رائعة اخت باربي وننتظر البقية بإذن الله تعالى
    لا تطولي علينا
    لا اله الا الله محمد رسول الله



  47. #147
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    بارك الله بكم على مروركم الكريم .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  48. #148
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم

    نتابع مع القسم الثالث لهذا الدرس . و قد توقفنا سابقا ً عند ما هية الصدقة الجارية // التي يستمر فضلها إلى ما بعد الموت .


    و نبدأ هذا القسم بحديث للنبي عليه الصلاة والسلام ،... قال : " إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ "*

    ( سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة " )


    ومن ثمَّ عقَّبتُ بكلمة : هنيئاً لمن كانوا تحت الثرى ، والناس مهتدون بهديهم ، سعداء بأعمالهم ، لقد أصبحوا عظاماً ، لكن الناس مهتدون بهديهم سعداء بأعمالهم ،

    ولي كلمة كنت أقولها دائماً نقلتها عن بعض التابعين : " فاعل الخير خيرٌ من الخير ، وفاعل الشر شرٌ من الشر " ، كيف ؟

    وما هو العمل الشرير الكبير؟ هذا الذي ألقى قنبلةً على هيروشيما ، وقتل ثلاثمائة ألف إنسان في أربع ثوانٍ ، مضى على العمل خمس وخمسون سنة ، أغلب الظن لو أن القنبلة لم تلق وقتها ، لماتوا الآن موتًا طبيعيًا ، فهذا الشر انتهى ، أما هذا الذي أمر بقتل هؤلاء ، سيشقى إلى أبد الآبدين بهذا العمل ، فصار فاعل الشر شرٌ من الشر .

    لكن إنسانًا أسس مساجد ، وشيَّد معاهد ، وأقام دار أيتام ، وبنى مستشفيات ، هذه كلها أعمال طيبة ، وهذه الأعمال تنتهي مهمتها يوم القيامة ، انتهى نفعها ، وأساساً انتهى التكليف كله ، أما صاحبها فيسعد بهذه الأعمال إلى أبد الآبدين .

    الحقيقة أن الوقف من الأعمال التي تستمر بعد الموت ، وهو الصدقة الجارية ، لكن قد يقول أحدكم : أنا لا مال عندي ، وهذا الدرس ليس لي ، وهذا الدرس للأغنياء الكبار ،الذين بإمكانهم أن يوقفوا أراضيَ أو عقارات أو بيوتًا ، ... !

    و لكن هناك أطفال في الدولة الإسلامية لهم صدقاتٌ جارية على سبيل الوقف ، مشروع خيري ، أصدروا أسهمًا ، السهم بمائة ليرة ، فصار حتى الإنسان صاحب الدخل المحدود ، حتى الطفل إذا معه مئة ليرة ، جَمَّعها في العيد ، يمكن أن يسهم في صدقةٍ جاريةٍ تنفعه بعد الموت ، وهذا تشجيع .

    الحقيقة أعظم إيجابية في الوقف أنه يحوِّل قابض الزكاة إلى دافعٍ لها ، يحوِّل المستهلك إلى منتج ، يحوِّل الذي تحمله إلى إنسانٍ فيحمله معك ، كنت تحمله فإذا هو يحمل معك ، فالوقف من أهدافه الكبيرة :

    أن الإنسان هو غاية كل الشرائع ، من حيث العنايةُ به ، وتوفيرُ حاجاته ، وراحته النفسية ، وحاجاته المادية فوق كل شيء.

    هذا اقتراح ، أن توظَّف بعض أموال الأغنياء في إنشاء بيوتٍ لسُكْنى الشباب أصحاب الدخل المحدود ، هذا عمل ، فأنت عوِّد نفسك ، فلا تعط إنسانًا صدقة يستهلكها في أيام ، ويبقى يمدّ يده ، لا ، بل أغنِه ،

    والعلماء قالوا : الزكاة ينبغي أن تُغني ، أن تُغنيه عامًا على مذهب ، وطوال العمر على مذهب آخر ، تعطيه أدوات حرفة ، تفتح له محلاً صغيرًا ،هكذا ينبغي أن تُصرف أموال الزكاة ، في نقل الإنسان من قابض إلى دافع ، من محمول إلى حامل ، من سَلْبيٍّ إلى إيجابي .

    يتبع لاحقا ً بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  49. #149
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم

    نتابع الآن , بفضل الله تعالى مع مجموعة أوقاف لنذكِّر بها .

    وقف للثقافة والفكر ، وقف للقرآن الكريم ، وقف للنشر ، وقف للمعاقين ، وقف للمحافظة على البيئة ، نحن أمام التلوث المخيف ، وقف للتوعية المروريَّة ، وهناك وقف سمعت عنه اليوم لدفع الأطفال إلى المُطالعة ، توزَّع قصص للطلاب ، فيها فكر هادف ، فيها قيَم إسلامية ، فالطفل يأخذ القصص يقرؤها، فيغدو محبًا للمطالعة ، هذا وقف أيضاً ، هناك وقف لتوزيع الأشرطة والمحاضرات الدينية.

    هناك وقف صحي لإنشاء مستوصفات ،فممكن بالصحة ، ممكن بالتعليم ، ممكن بالتوعية ، ممكن بالعناية بالمساجد ، بالعناية بالبيئة ، بتربية الصغار ، هذه الأموال حينما توقف لهذه المشاريع العملاقة، صارت صدقة جارية ، لم يعد عملك منتهيًا بموتك ، لا ، لا ، فالعمل مستمر .

    طبعاً الأعمال التي تكلمت عنها هي واقعة بشكل فردي محدود ، نحن إذا أردناها أن تكون ذات نفع عام نعمِّمها .

    عندما يشتغل دماغنا بشكل صحيح ، يحبنا الله ، وينصرنا الله عز وجل ، الدنيا تستقيم بالعدل والإيمان ، ولا تستقيم بالكفر والظلم ، عندما نعاون بعضنا ، نترابط ، نتكاتف ، نتناصر ، نهتم بالفقير ، نهتم بالشباب، عندئذٍ لعل الله يرحمنا .

    أيها الإخوة ... السلف الصالح ، جزاهم الله خيراً ، كانوا مولعين بالعمل الصالح ،...

    فمن الممكن لكل إنسان أن يبحث عن عمل لا ينتهي بموته ، فنحن من الممكن لنا أن نعمل أعمالاً صالحة كبيرة ، و كما تعلمون الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، وكلما كان إيمانُ الإنسان أقوى ، كلما تفتق ذهنه عن أعمال صالحة لم تخطر على بال .
    يتفتق ذهنه عن عمل لا يخطر على بال ، وأنواع الوقف لا تعد ولا تحصى، وليس لها حد أكبر .

    * كلمة (وقف) للناس موقف منـه ، فليس شرطًا أنْ تسجله بشكل رسمي ، ممكن أن توقفه أنت لوجه الله من دون أن تسجله ،

    فأحياناً يوقف الإنسانُ مبلغًا للدين ، بعض إخواننا خصّص مبلغًا للدين والإقراض يتداول ، وهذا ليس له علاقة بالصدقة والزكاة ، خصّص مبلغًا معينًا فرضاً مئتي ألف ، هذا إنسان طرق بابه يقترض عشرة آلاف أو خمسة آلاف ، أو خمسين ألفًا ،

    من إخواننا المؤمنين ، الصادقين ، المستقيمين ، الأوفياء ، عندهم ذمة وعهد ، فيدينه له ، فإذا أرجعه ، أعطاه لغيره ، فهذا وقف ، وليس شرطًا أنْ تسجله ،...

    فالملاحظ أنّ بعض الأغنياء المحسنين أفقهم ضيق ، فهو يعطي متسوِّلا مثلا ، أما أن يساهم في تنشئة جيل مؤمن ، ويهيِّئ الأسباب لتربية جيل ، فهو بعيد عن هذا الجو ، يجب أن يعطي فقيرًا ، ليطعمه فقط ،

    و الفرق واضح بين أن تطعمه وبين أن تهديه ، وأن تعرِّفه بالله ، وتيسِّر له عملاً يرتزق منه ، فهذه أشياء تحتاج إلى فهم أعمق .

    فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب ، فأنا أقول : كل واحد منكم يجب أن يكون له عمل لا ينتهي مع موته ، بل يبقى إلى أبد الآبدين ، .... و للحديث تتمة إن شاء الله تعالى , و لكن سنكتفي الآن بهذا القدر حتى لا أطيل عليكم .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  50. #150
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع من حيث توقفنا , حتى نختم هذا الدرس بفضل الله عز و جل .
    بسم الله الرحمان الرحيم ,
    أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب ، فأنا أقول : كل واحد منكم يجب أن يكون له عمل لا ينتهي مع موته ، بل يبقى إلى أبد الآبدين ،

    فإذا دعا الإنسان إلى الله فهذه صدقة جارية ، لا تكلفك شيئًا ، فإن لم يكن معك مال ، ودعوتَ إلى الله وكنتَ سبباً في هداية الخلق ، فهذا وقف كذلك ، أوقفت علمك ، فهذه امرأة عمران ماذا وقفت ؟

    إِنِّى نَذَرْت ُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرا ً
    ( سورة آل عمران : من آية " 35 " )

    لا تملك شيئًا ، لكنها تملك هذا الجنين الذي في بطنها ..

    فَتَقَبَّل ْ مِنِّى
    ( سورة آل عمران : من آية " 35 " )

    فكانت السيدة مريم ، ومن السيدة مريم سيدنا المسيح ، سيدنا عيسى،

    ولو أنّ كل واحد منكم حتى الصغير أوقف شيئًا يستمر ثوابه بعد وفاته ، فهذا أوقف علمه ، هذا أوقف اختصاصه ، هذا أوقف حرفته ، هذا أوقف بيته ، هذا عنده اختصاص معين ، والمسلمون بحاجة له ، فأوقفه للمسجد لعمَّ الخيرُ الناسَ ،

    فمعنى الوقف أنك حبست الأصل وسبلت الثمرة ، أصل الشيء موقوف ولكن منفعته مستمرة إلى يوم القيامة .

    فأردت أن يكون هذا الدرس في المجال الذي نعيش فيه هذه الأيام ، فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بهذا البحث الفقهي القَيِّم الذي نحن في أمس الحاجة إليه ، وبيَّنت لكم كيف أن كيف هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى تحل بهذه الطريقة .

    والحمد لله رب العالمين.

    يتبع مع درس جديد , بإذن الله تعالى .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •