النتائج 1 إلى 7 من 7

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    في عالمي الخاص
    المشاركات
    61

    افتراضي رد: منهج رشيد رضا في تفسير المنار

    هل يلغي الدعاء نواميس الكون؟



    لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مقولة تبرز مكانة الدعاء وأهميته، حينما يقول: "والله إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء".

    ولا عجب، فالدعاء والتضرع جعله الله لب الإيمان، ويكفي أنه عز وجل بعد أمره المؤمنين بالصوم ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقب بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا لأهمية الدعاء وحثًا عليه، وهي الآية التي يتناولها تفسير المنار في هذه الحلقة.

    لكن الملمح الأهم الذي ينبغي إدراكه، خاصة مع ارتفاع الأيدي بالدعاء في تلك الأيام_ العشر الأواخر من رمضان_.. هي أن الدعاء لا يلغي ناموسا من نواميس هذا الكون، والمتمثلة في الأخذ بالأسباب لبلوغ المرام، فمن ترك السعي واكتفى بالدعاء، فإنما يطلب من الله أن يبطل سننه التي لا تتبدل من أجلهم.

    إنها محاولة لفهم مكنونات تلك العبادة تبغيها "مدارك" من إعادة تقديم هذه التأملات التفسيرية المنارية لآية الدعاء.


    قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص، والتوجه إليه وحده بالدعاء الذي يعدهم للهدي والرشاد، وجعلت بأسلوب الفتوى على تقدير السؤال لتنبيه الأذهان، والمراد أن يؤمنوا بأن الله تعالى قريب منهم ليس بينه وبينهم حجاب، ولا ولي ولا شفيع يبلغه دعاءهم، وعبادتهم، أو يشاركه في إجابتهم أو إثابتهم، ليتوجهوا إليه وحده حنفاء مخلصين له الدين.وقال البيضاوي في وجه الاتصال: واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا له وحثًا عليه.

    ونحن نعلم أن الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس، ولذلك كان من سنة القرآن الحكيم أن يبين مع كل حكم حكمة تشريعه وفائدته في تقوية الإيمان، ويمزج الكلام فيه بما يذكر بعظمة الله تعالى ويعين على مراقبته والتوجه إليه، ويثبت الإيمان به كهذه الآية.

    ويا ليت فقهاءنا اقتدوا بهدي القرآن، فلم يجعلوا كتب الأحكام جافة مقصورة على ذكر الأعمال البدنية، كأن الدين مادي جسماني لا غرض للقلوب والأرواح فيه.

    وأما معنى قرب الله تعالى فقد قالوا: إنه القرب بالعلم، بمعنى أن علمه محيط بكل شيء، فهو يسمع أقوال العباد ويرى أعمالهم، وعبارة البيضاوي: وهو تمثيل لكمال علمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم، واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم.

    وإنما جعلوا الكلام تمثيلاً؛ لأن القرب والبعد الحقيقي إنما يكونان باعتبار المكان، وهو منزه عن الانحصار في المكان، وقال الأستاذ الإمام: يصح أن يكون من قرب الوجود، فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء، إذ منه كل شيء إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير.

    وهذا الذي قاله من الحقائق العالية وعليه السادة الصوفية، فقد قال أحد العلماء في قوله: (ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ) (الواقعة: 85). أي إذا بلغت روحه الحلقوم، إنه القرب بالعلم، وكان أحد كبار الصوفية حاضرًا فقال: لو كان هذا هو المراد لقال تعالى في تتمة الآية، ولكن لا تعلمون، ولكنه لم ينف العلم عنهم وإنما قال: (وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ) وليس من شأن العلم أن يبصر فينفي هنا إبصاره وإنما ذلك شأن الذات.

    وهو مذكور بنصه في كتاب "اليواقيت والجواهر"، للشعراني، وعلى كل حال لازم القرب مقصود، وهو عدم الحاجة إلى رفع الصوت ولا إلى الواسطة بينه وبين عباده في الدعاء وطلب الحاجات كما كان عليه المشركون في التوسل بالشفعاء الوسطاء إلى الله تعالى، كأنه قال: فأخبرهم بأنني قريب منهم وأنني أقرب إليهم من حبل الوريد.

    هذا ما كتبته من التعليق على كلمة شيخنا في قرب الوجود، وطبع أولا واطلع هو عليه، ثم استشكله بعض إخواننا السلفيين بأنه مخالف لمذهب السلف، فإنهم يتأولون أو يفسرون القرب بالعلم كالمتكلمين ويقولون: إن الله تعالى فوق عباده بائن من خلقه مستو على عرشه، وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين ومن وافقهم من السلفيين، فإن البائن من كل شيء -الذي لا يتحيز ولا يتحدد- هو الذي تكون نسبة جميع الأمكنة ومن فيها إليه واحدة، وهي البينونة التي يقتضيها العلو المطلق فوق كل شيء والإحاطة بكل شيء، وقرب الصفات لا يعقل بدون قرب الذات، إذ لا انفصال بينهما ولا انفكاك.

    والتحقيق أن مذهب السلف إمرار النصوص في الصفات على ظاهرها من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، والله تعالى قد أسند "القرب" في هذه الآية(1) وآيتي سورة الواقعة (2) وسورة ق (3) إلى ذاته، فنأخذها هذا الإسناد على ظاهره مع إثبات تنزيهه عن مماثلة خلقه، وإثبات صفات الكمال له التي يفهم بها المراد من هذا القرب في كل سياق بحسبه.

    والجامع فيه ما ذكره الأستاذ من الإيجاد للعباد والإمداد لهم في أثناء وجودهم، ومصيرهم إليه بعد انتهاء آجالهم، فالقرب في سورة "ق" يناسب الإيجاد والإمداد بالعلم والحفظ على قولهم: إن قوله (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ) (سورة ق: 17) متعلق بقوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ)، (سورة ق: 16) والقرب في سورة الواقعة يناسب المصير إليه تعالى، كما يعلم مما بعده، وقربه في الآية التي نفسرها يناسب الإمداد بسمع الدعاء وإجابته، وهي من متعلقات القدرة والرحمة، والغرض منه تقرير توحيد العبادة كما قررناه آنفًا.

    وقد بينه بيانًا مستأنفًا بقوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) منهم بنفسي من غير واسطة (إِذَا دَعَانِ) وتوجه إلي وحدي في طلب حاجته، أي يجب أن يدعى وحده بدون واسطة؛ لأنه هو الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه بدون واسطة، وهو الذي يجيب دعوته وحده بدون واسطة تعينه أو تساعده أو تنوب عنه في الإجابة وقضاء الحاجة أو تؤثر في إرادته.

    وقد فسروا الدعوة بطلب الحاجات وقالوا: إن ظاهر الآية أن الإجابة وصف لازم لله تعالى وأنه يجيب كل داع، وليس الأمر كذلك كما هو ثابت بالمشاهدة، وأجابوا بأن المراد أن من شأنه الإجابة فهو يجيب إن شاء كما قال في آية أخرى: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ)، (الأنعام: 41)، فهو على حد قولك: فلان يعطي الكثير فاطلب منه، أي إن من شأنه ذلك، ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه.

    وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من إعطاء السؤال، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الإجابة تكون بإحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها، ولا حاجة إلى التأويل إذ لا محل للإشكال؛ فإن الآية سبقت لبيان أن الله تعالى قريب من عباده المتوجهين إليه، فلا حاجة بهم إلى الصياح بتكبيره ودعائه، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه إليه وسؤال رحمته وفضله، بل يجب أن يصمدوا إليه وحده، فإنه هو الذي يجب دعاءهم وحده.

    (أقول): وأما كيفية إجابته إياهم فليس من موضوع الآية، ولا شك أن العارف بالله تعالى والعالم بشرعه وبسننه في خلقه لا يقصد بدعائه ربه إلا هدايته إلى الطرق والأسباب التي جرت سنته تعالى بأن تحصل الرغائب بها، وتوفيقه ومعونته فيها، فهو إذا سأل الله تعالى أن يزيد في علمه أو في رزقه فلا يقصد أن يكون العلم وحيًا يوحى، ولا أن تمطر له السماء ذهبًا وفضة، وكذلك إذا سأل الله شفاء مرضه أو مريضه الذي أعياه علاجه، فإنه لا يريد بذلك أن يخرق الله العادات، أو يجعله مؤيدًا بالمعجزات والآيات، وإنما يريد المؤمن العارف بالدعاء ما ذكرنا من توفيق الله إياه إلى العلاج، أو العمل الذي يكون سبب الشفاء، سواء كان ذلك بإرشاد مرشد أو بإلهام إلهي، فكم لله من عناية بالمتوجهين إليه، الداعين له بعد ما اجتهدوا في الأخذ بالأسباب فلم يفلحوا.

    ومن عنايته الهداية إلى سبب جديد، وإلهام النفس العمل المفيد، وتقوية المزاج على المرض، ولا دليل في الآية على أن كل دعاء يجاب، بل هي نفسها دليل على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله، فيجب ألا يدعى سواه (وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) (الجن: 18) فعسى أن يهتدي بهذا الموسومون بسمة الإيمان، الذين يدعون عند الضيق غير الرحمن، ويتوجهون إلى القبور: يا فلان يا فلان، ويتأول لهم الشرك أدعياء العلم والعرفان، بأن الكرامات ثابتة عندهم للأموات كالأحياء، ولكن الله تعالى يقول لهم: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ).. (الأنعام: 41).

    وانظر كيف لم يقل: إنه يجيب دعوة الداعي حتى قيدها بقوله: (إِذَا دَعَانِ) قال الأستاذ الإمام ما مثاله: إن الداعي شخص يطلب شيئًا، وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة، وليس كل واحد منهم متحققًا بدعاء الله تعالى وحده، كما يجب أن يدعى فهو يقول: أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء والتجأ إلي التجاء حقيقيًا، بحيث ذهب عن نفسه إلي، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له إلا إلي.

    ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع، ولا يطلب ما لا يصح أن يطلب، وإنما يمتثل أمر الله تعالى باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة وهي لا تتحقق إلا بالعلم والعزيمة والعمل، فإن تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه الله تعالى من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق، وإن بذل جهده ولم يظفر بسؤله فما عليه إلا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شي، وقد قال بعض السلف: إن مثل هذا يجاب لا محالة.

    وقال الصوفية: الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد، وقد استعاذ النبي -عليه الصلاة والسلام- من الطمع في غير مطمع، فمن يترك السعي والكسب ويقول: "يا رب ألف جنيه" فهو غير داع، وإنما هو جاهل، ومثل ذلك المريض لا يراعي الحمية، ولا يتخذ الدواء، ويقول: رب اشفني وعافني، كأنه يقول: اللهم أبطل سننك في التي قلت: إنها لا تبدل، ولا تحول لأجلي!.

    وكم استجاب الله لنا من دعاء، وكشف عنا من بلاء، ورزقنا من حيث لا نحتسب ولا نتخذ الأسباب، ولكن بتسخيره هو للأسباب.(5)

    الرزق والسؤال
    سأل سائل في الدرس: إذا كان الرزق مقدرًا فعلام السؤال؟ فقال الأستاذ: إذا كانت إجابتي أو عدمها مقدرًا فلم السؤال؟

    هذا لا يقال وإنما ينبغي أن يقال ما الحكمة في طلب الدعاء منا في هذه الآية، وغيرها من الآيات والأحاديث كحديث "الدعاء مخ العبادة" والله تعالى يعلم ما في أنفسنا وما تنطوي عليه سرائرنا؟

    قالت الصوفية: إن المراد بالدعاء فزع القلب إلى الله وشعوره بالحاجة إلى معونته والتجاؤه إليه، ويحتجون بما روي في قصة إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- من أن جبريل سأله قبل أن يلقى في النار: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فادع الله، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

    (أقول): ولكن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على أن الدعاء مطلوب بالقول مع التوجه إلى الله بالقلب، ومنه الأدعية المأثورة في الكتاب والسنة، ذلك أن الدعاء باللسان هو أثر الشعور بالحاجة إلى الله تعالى وفزع القلب إليه، فإن لم يكن أثره فهو مذكر به وهو أعظم مظاهر الإيمان، ولذلك سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- "مخ العبادة" فهو يطلب لذلك، وإجابة الله الدعاء تقبله ممن أخلص له وفزع إليه بروحه ورضاه عنه سواء أوصل إليه ما طلبه في ظاهر الأمر أم لم يصل، والحديث رواه الترمذي من حديث أنس -رضي الله عنه- وسنده ضعيف ومتنه صحيح فهو بمعنى حديث "الدعاء هو العبادة" بصيغة الحصر، وهو صحيح رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
    ___________________
    (1) سورة "البقرة" الآية 186.

    (2) سورة "الواقعة" الآيتان 83، 85.

    (3) سورة "ق" الآيتان 16، 17.

    (4) راجع مقالة الدعاء في المجلد السادس من المنار (ص 406) وتفسير الآية (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55) ج 8 تفسير والاستدراك إلى تفسير الآية (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164). في نفس الجزء

    (5) مرض شيخنا مرة بالدوسنطارية، وطال مرضه، وتعسر علاجه فرأى في المنام قائلاً يقول له: أرسل من يأتيك بماء من مكان كذا واشرب منه تشف ففعل فشفي، ثم ذهب إلى ذلك المكان فإذا بماء في حفرة تحت شجر السنط فعلم أن فائدة الماء في إصلاح فساد الأمعاء، إنما هي بسبب ما يتخلل فيه من جذور السنط وورقه من مادته العفصية القابضة، ومرض أخي السيد إبراهيم أدم مرضًا طويلاً، ثم رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرؤيا فأمره أن يشرب من كوب كان بالقرب منه فاستيقظ فشرب فقام من مرضه صحيحًا معافى، وأمثال هذا الإلهام والتأثير الروحي في الرؤيا كثيرة.



    _______
    [المصدر]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    في عالمي الخاص
    المشاركات
    61

    افتراضي هل نعمل بالشورى بعد الهزيمة؟

    هل نعمل بالشورى بعد الهزيمة؟

    هل من الممكن أن تؤدي الشورى إلى هزيمة؟ وهل وقوع الهزيمة بسبب الشورى يعطي الحق للحاكم أن يستبد برأيه ويقرر ما يشاء دون الرجوع للأمة؟ وهل الأمة المسلمة مطالبة بأن تصمت على من يسجنها في قمم الاستبداد والديكتاتورية والفرعونية السياسية بدعوى أنه يرى مالا تراه الأمة.

    هذه الحلقة تنقلها "مدارك" من تفسير المنار لما فيها من تصور عميق لقيمة الشورى في الإسلام، والتي لا تقل أهمية عن الصلاة والصيام، فهي إحدى الفرائض التي يجب أن يكون هناك نضال لعودتها على كافة المستويات.

    يقول الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ (159) إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ (160) (آل عمران).

    الكلام التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يتعلق بمعاملتهم يقول تعالى لنبيه (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) قال الأستاذ الإمام ما مثاله مع زيادة وإيضاح: الفاء للتعقيب.

    فالكلام في وقعة خالف النبي فيها بعض أصحابه، فكان لذلك من الفشل وظهور المشركين ما كان حتى أصيب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع من أصيب، فكان من لينه في معاملتهم ومخاطبتهم ومن رحمته بهم أن بر وتجلد فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ اهتداء، بكتاب الله تعالى، فقد أنزل الله عليه آيات كثيرة في الوقعة بين فيها ما كان من ضعف في المسلمين، وعصيان وتقصير حتى ما كان متعلقًا بالظنون الفكرية والهموم النفسية، ولكن مع العتب اللطيف المقرون بذكر العفو، والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة وفوائد المصائب، وقد كان خلقه -صلى الله عليه وسلم- القرآن كما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها.

    أقول: كأنه يقول: إنه كان من أصحابك يا محمد ما كان، كما دلت عليه الآيات وهو مما تؤاخذون عليه، فلنت لهم وعاملتهم بالحسنى، وإنما لنت لهم بسبب رحمة عظيمة أنزلها الله على قلبك والحكم السامية التي هونت عليك المصائب، وعلمتك منافعها، وحكمها، وحسن عواقبها بها (وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

    اللين سيد الدعوة
    فالفظاظة هي الشراسة والخشونة في المعاشرة، وهي القسوة والغلظة، وهما من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذن لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فلا تؤاخذهم على ما فرطوا واسأل الله تعالى أن يغفر لهم ولا يؤاخذهم أيضًا، فبذلك تكون محافظًا على تلك الرحمة التي خصك الله بها، ومداومًا لتلك السيرة الحسنة، التي هداك الله إليها.

    (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم، والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، أي دم على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت قبل الحرب في هذه الوقعة (غزوة أحد) وإن أخطئوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على العمل بالمشاورة دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابًا، لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم (المشاورة) فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر.

    قال الأستاذ الإمام: ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أمر الله تعالى نبيه أن يقرر سنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستشير أصحابه بغاية اللطف ويصغي إلى كل قول ويرجع عن رأيه إلى رأيهم، وليس عندي عن الأستاذ في هذه المسألة غير هذا.

    وأقول: الأمر المعرف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم في القاعدة الأولى التي وضعت للحكومة الإسلامية في سورة الشورى المكية، وهي قوله تعالى في بيان ما يجب أن يكون عليه أهل هذا الدين (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38)، فالمراد بالأمر أمر الأمة الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض الذي مداره على الوحي دون الرأي، إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد، والعبادات، والحلال والحرام، مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من وضع البشر، وإنما هو وضع إلهي ليس لأحد فيه رأي لا في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا بعده.

    شورى النبي
    وقد روي أن الصحابة عليهم الرضوان كانوا لا يعرضون رأيهم مع قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسائل الدنيا إلا بعد العلم بأنه قال عن رأي لا عن وحي كما فعلوا يوم بدر، إذ جاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدنى من ماء بدر فنزل عنده فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي" وعمل برأيه.

    أقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الركن (الشورى) في زمنه بحسب مقتضى الحال من حيث قلة المسلمين واجتماعهم معه في مسجد واحد، فكان يستشير السواد الأعظم منهم وهم الذين يكونون معه، ويخص أهل الرأي والمكانة من الراسخين بالأمور التي يضر إفشاؤها، فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب، فلم يبرم الأمر حتى صرح المهاجرون ثم الأنصار بالموافقة.

    واستشارهم جميعًا يوم أحد أيضًا كما تقدم، وهكذا كان يستشيرهم في كل أمر من أمور الأمة إلا ما ينزل عليه الوحي ببيانه فينفذه حتمًا، ولما كثر المسلمون وامتد حكم الإسلام بعد الفتح إلى الأماكن البعيدة عن المدينة، وكان في كل قبيلة أو قرية من أولئك المسلمين رجال من أهل المكانة والرأي يمكن أن يقال: إنه قد احتيج إلى وضع قاعدة، أو نظام للشورى يبين فيه طرق اشتراك أولئك البعداء عن مكان السلطة العليا فيها، ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يضع هذه القاعدة أو النظام لحكم وأسباب:

    منها: أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان، وكانت تلك المدة القليلة التي عاشها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد فتح مكة مبدأ دخول الناس في دين الله أفواجًا، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أن هذا الأمر سينمو ويزيد، والله سيفتح لأمته الممالك، ويخضع لها الأمم وقد بشرها بذلك.

    فكل هذا كان مانعًا من وضع قاعدة للشورى تصلح للأمة الإسلامية في عام الفتح وما بعده من حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي العصر الذي يتلو عصره؛ إذ تفتح الممالك الواسعة وتدخل الشعوب التي سبقت لها المدنية في الإسلام أو في سلطان الإسلام، إذ لا يمكن أن تكون القواعد الموافقة لذلك الزمن صالحة لكل زمن والمنطبقة على حال العرب في سذاجتهم منطبقة على حالهم بعد ذلك وعلى حال غيرهم، فكان الأحكم أن يترك ـ صلى الله عليه وسلم ـ وضع قواعد الشورى للأمة تضع منها في كل حال ما يليق بها بالشورى.

    ومنها: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو وضع قواعد مؤقتة للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون دينًا وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين، ولذلك قال الصحابة في اختيار أبي بكر حاكمًا: رضيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فإن قيل: كان يمكن أن يذكر فيها أنه يجوز للأمة أن تتصرف فيها عند الحاجة بالنسخ والتغيير والتبديل، نقول: إن الناس قد اتخذوا كلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كثير من أمور الدنيا بالنسخ والتغيير والتبديل، مع قوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" رواه مسلم، وقوله: "ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به" رواه أحمد.

    وإذا تأمل المنصف المسألة حق التأمل، وكان ممن يعرف حقيقة شعور طبقات المؤمنين من العامة، والخاصة في مثل ذلك يتجلى له أنه يصعب على أكثر الناس أن يرضوا بتغيير شيء وضعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأمة وإن أجاز لها تغييره، بل يقولون: إنه أجاز ذلك تواضعًا منه وتهذيبًا لنا حتى لا يصعب علينا الرجوع عن آرائنا ورأيه هو الرأي الأعلى في كل حال.

    وقريب مما نحن فيه تقديم الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ العمل بالحديث الضعيف والمرسل على القياس بما علله به.

    ومنها: أنه لو وضع تلك القواعد من عند نفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكان غير عامل بالشورى، وذلك محال في حقه؛ لأنه معصوم من مخالفة أمر الله، ولو وضعها بمشاورة من معه من المسلمين لقرر فيها رأي الأكثرين منهم كما فعل في الخروج إلى أحد، وقد تقدم أن رأي الأكثرين كان خطأ، ومخالفًا لرأيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهل يرضى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحكم أمثال أولئك القوم ومن دونهم ـ كأكثر من دخل في الإسلام بعد الفتح ـ في أصول الحكومة الإسلامية وقواعدها؟ أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم؟

    بلى، وقد تبين كنه ذلك الاستعداد بعد ذلك، وأنه كان غير كافٍ لوضع قانون كافل لقيام المصلحة، ولذلك بادر عمر إلى مبايعة أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ خوف الخلاف المهلك للأمة؛ وصرح بعد ذلك بأن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها لا يجوز العود إلى مثلها، وكذلك استشار أبو بكر كبراء الصحابة في العهد إلى عمر، فلما علم رضاهم عهد إليه حتى لا يكون للتفرق والخلاف مجال ، ولو كان الصديق ـ رضي الله عنه ـ يعتقد أن الأمة مستعدة لإقامة الشورى على وجهها مع الأمن من التفرق والخلاف، لترك لها الأمر، ولم يحاول جمع كلمة أولى منها في حياته على من يراه هو الأصلح حتى يموت آمنا عليه من تفرق الكلمة.

    يقول قوم: إن بيعة عمر كانت بالعهد لا بالشورى التي هي الأساس للحكومة الإسلامية بنص الكتاب العزيز، وهذا العهد رأي صحابي لا يصح أن يكون ناسخًا لقرآن ولا مخصصًا ولا مقيدًا له، فكيف عمل به جمهور الصحابة واتخذه الفقهاء قاعدة شرعية؟

    إذا أورد هذا السؤال شيعي أو غير شيعي من الباحثين المستقلين على أحد المشتغلين بالفقه يجيبه بناء على قواعده: إنه رأي قبله الصحابة وأجمعوا عليه، والإجماع حجة مستقلة يجب العمل بها، ونحن نعلم أن الشيعة والمستقلين بالعلم من غيرهم لا يقنعهم هذا الجواب، فهم ينازعون في حصول هذا الإجماع، وفي جواز مثله مع النص وكونه في مسألة قطعية لا تقوم المصلحة بدونها، ويقولون على فرض التسليم: كيف أقدم أبو بكر على هذا الأمر المخالف للنص، ولم يكن مجمعًا عليه حينئذ التسليم لأنكم تدعون أنه إنما أجمع عليه بعد ذلك؟

    والصواب أن بيعة عمر كانت بالشورى، ولكن هذه الشورى حصلت في عهد أبي بكر، وهو الذي تولاها بنفسه كما قلنا آنفًا، وإنما تعجل ذلك لخوفه على الأمة فتنة التفرق والخلاف من بعده، فشاور أهل الرأي والمكانة من الصحابة فيمن يلي الأمر بعده، فرأى الأكثرين منهم يوافقونه على أن أمثلهم عمر، ورأى بعضهم يخاف من شدته، فكان يجتهد في إزالة ذلك من قلوبهم بمثل قوله: "إنه يراني كثير اللين فيشتد" أي لأجل أن يكون من مجموع سيرتهما الاعتدال أو ما هذا مغزاه، حتى إنه تكلف صعود المنبر قبل وفاته، وتكلم في المسألة بما أقنع القوم.

    فعهد إليه في الأمر في حياته، فكان ذلك كتوكيل له في مرضه، وترشيح له من بعده، وإنما العمدة في جعله أميرًا على مبايعة الأمة والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى، ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة.

    فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب المعروف الآن في الحكومة الجمهورية وما هو في معناها حصل المقصود، وما سبق لأبي بكر من المشاورة والإقناع في تولية أغنى عن المشاورة بعد وفاته، فاتفق الجميع على مبايعته وصدق عليه أنه اتفاق بعد شورى أو بسبب الشورى.

    وأما جعل عمر الشورى في نفر معينين فهو اجتهاد منه في إقامة هذا الركن مع اتقاء فتنة الخلاف التي تخشى من تكثير عدد المتشاورين، فأولئك النفر الذين جعلها فيهم هم أهل الرأي والمكانة في الأمة الذين تخضع لرأيهم إذا اتفقوا وتتعصب لهم إذا اختلفوا؛ لأن لكل واحد منهم عصبة يرونه أهلاً للإمارة على المسلمين.

    وكان هؤلاء الذين اختارهم عمر ـ رضي الله عنه ـ هم أولي الأمر أو أخواص أولي الأمر وزعماءهم، وهم الأحق بالشورى كما يؤخذ من الأمر في الكتاب العزيز بطاعة أولي الأمر وزعمائهم، وهم الأحق بالشورى كما يؤخذ من الأمر في الكتاب العزيز بطاعة أولي الأمر مع قوله عز وجل: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83) الذين ترد إليهم مسائل الأمن والخوف، وما في معناها من الأمور العامة: أهل الرأي والمكانة في الأمة وهم العلماء بمصالحها وطرق حفظها والمقبولة آراؤهم عند عامتها.

    أمة الشورى
    فما فعله أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ هو منتهى ما يمكن أن يعمل في إقامة الشورى بحسب حال الأمة واستعدادها في زمنهما، ثم إن المسلمين بادروا بعد قتل عثمان إلى مبايعة علي من غير اهتمام بالتشاور؛ لأن الكفاءة التي يرونها فيه لم تكن تقبل شركة تدعو إلى إجالة الرأي.

    فمبايعة الخلفاء الراشدين كانت من الأمة برضاها، وكانوا يستشيرون أهل العلم والرأي في كل شيء، إلا أن بني أمية قد أحاطوا بعثمان وغلبوا الأمة على رأيها عنده، فكان من عاقبة ذلك ما كان من الفتن حتى استقر الأمر فيهم بقوة العصبية والدهاء، لا باستشارة الدهماء، فهم الذين هدموا قاعدة الحكم بالشورى في الإسلام بدلاً من إقامتها ووضع القوانين التي تحفظها، وتجعل استفادة الأمة منها تابعة لتقدم العلوم والمعارف، وأعمال العمران فيها.

    لولا هذا لكان ذلك الملك الذي وسعوا دائرته بالفتوحات أثبت في نفسه ولهم، ولكان شأن الإسلام أعظم، وانتشاره أكثر وأعم، على أن هذا الاستبداد منهم قد كان معظمه مصروفًا إلى المحافظة على سلطتهم وبقاء الملك في أسرتهم، قلما يتسرب منه شيء إلى الإدارة والقضاء.

    وكانت حرية انتقاد الحكام والإنكار عليهم على كمالها حتى تبرم منها عبد الملك بن مروان فقال على المنبر: من قال لي اتق الله ضربت عنقه ـ كما روي عن بعض المؤرخين ـ ولكنهم كانوا يتصرفون في بيت المال بأهوائهم في الغالب، ولما أفضى الأمر إلى وارث الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ أراد أن يخرجه من قومه، فلم يتيسر له ذلك.

    ثم رسخت السلطة الشخصية في زمن العباسيين لما كان للأعاجم من السلطان في ملكهم وجرى سائر ملوك المسلمين على ذلك وجاراهم عليه علماء الدين بعد ما كان لعلماء السلف الصالح من الإنكار الشديد على الملوك والأمراء في زمن بني أمية وأوائل زمن العباسيين، فظن البعيد عن المسلمين وكذا القريب منهم أن السلطة في الإسلام استبدادية شخصية، وأن الشورى محمدة اختيارية.

    فيالله العجب: أيصرح كتاب الله بأن الأمر شورى فيجعل ذلك أمرًا ثابتًا مقررًا، ويأمر نبيه -المعصوم من اتباع الهوى في سياسته وحكمه- بأن يستشير حتى بعد أن كان ما كان من خطأ من غلب رأيهم في الشورى يوم أحد، ثم يترك المسلمون الشورى لا يطالبون بها وهم المخاطبون في القرآن بالأمور العامة كما تقدم بيانه مرارًا كثيرة؟ وقد بلغ ملوكهم من الظلم والاستبداد مبلغًا صاروا فيه عارًا على الإسلام بل على البشر كله.



    ________
    [المصدر]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    في عالمي الخاص
    المشاركات
    61

    افتراضي منهج رشيد رضا في تفسير المنار 2

    منهج رشيد رضا في تفسير المنار 2
    حازم محيي الدين

    على الرغم من المكانة المتميزة التي احتلها تفسير المنار في سياق حركة التفسير الحديثة، وموقعه المؤثر في مجمل حركة الفكر الإسلامي في العصر الحديث، فقد تعرَّض إلى انتقادات كثيرة من قِبل فئات عدة، يأتي في مقدمتهم بعض علماء المدرسة السلفية الحديثة الذين رأوا في تساهل رشيد رضا في ذكر بعض التأويلات، وتأويل بعض المعجزات، وردّ بعض الأحاديث النبوية، وانفراده ببعض الآراء الفقهية [1]، وقسوته أحياناً على بعض العلماء السابقين، إتباعا أعمى من رشيد رضا لمنهج شيخه محمد عبده الذي أسرف في نظرهم في الاعتماد على العقل والرأي في التفسير.

    ولم يشفع لرشيد رضا أمام هؤلاء العلماء ما ذهب إليه، بعد وفاة شيخه، من ترجيح مذهب السلف على مذهب الخلَف العقلي، وأخذه الواضح بمقومات المنهج الأثري في التفسير، وتوسعه الكبير في الاقتباس من أمهات التفسير المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، فقد بقي في نظرهم، وفي مؤلفاتهم أحد نماذج العلماء المسلمين الذين انهزموا فكريا أمام الغرب المتقدِّم، والذين قدَّموا من أجل التوفيق بين الإسلام، وبين حضارة الغرب الغالبة تنازلات على حساب خصوصية الإسلام، ومنهجه المستقل في العقيدة والتشريع، ولعل أهم من يمثل علماء هذه المدرسة هو الدكتور فهد الرومي أحد أبرز العلماء السعوديين المعاصرين [2].

    وقد تعرّض رشيد رضا وتفسيره إلى نقد طائفة أخرى من العلماء، يمكن تصنيفهم ضمن علماء المؤسسة الدينية الرسمية، والمؤسسة الصوفية الشعبية، فقد وجَّه إليه بعض علماء هاتين المدرستين انتقادات شديدة بسبب زحزحته المكانة التقليدية المرموقة التي كان يتمتع بها كل من الفقهاء التقليديين، وشيوخ الطرق الصوفية في المجتمع، وذلك من خلال الحملة العنيفة التي قام بها على صفحات تفسيره على التقليد المذهبي وعلمائه (12/ 220ـ 221.) وعلى البدع والخرافات الدينية الشائعة الذيوع في كثير من البيئات الصوفية الطُرقية.

    ومن خلال دعوته اللاهبة في مقابل ذلك إلى إحياء روح الاجتهاد، وروح الزهد والتزكية وفق نصوص الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح فقط. ولقد تركزت معظم انتقادات هذا الفريق من العلماء على الميول السلفية والوهابية التي ظهرت جلياً في تفسير المنار، بالإضافة إلى تأويله لبعض المعجزات، وإنكاره لكثير من الكرامات التي يدعيها شيوخ الطرق الصوفية.

    ونذكر من علماء هذه الطائفة التي تصدت لرشيد رضا الشيخ الأزهري المتصوف يوسف الدجوي (ت 1946م) الذي قاد حملة صحفية قوية ضد رشيد رضا، على صفحات مجلة الجامع الأزهر آنذاك "نور الإسلام"، واتهمه باتهامات خطيرة، مثل: إنكار الملائكة والجن، وإنكار بعض المعجزات، والإيمان بمذهب دارون، وردّ بعض الأحاديث الصحيحة، ونشر مقالاته تلك في كتاب سماه "صواعق من نار في الرد على صاحب المنار"، الأمر الذي دفع رضا للرد، وتبيين حقيقة، وسلامة موقفه إزاء القضايا التي اتهمه فيها، في مقالات عديدة جمعها ونشرها في كتاب سماه: "المنار والأزهر" [3].

    وهناك فريق آخر من الباحثين المعاصرين ممن ينتمون إلى تيار إعادة قراءة القرآن الكريم وفق مناهج ومكتسبات العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، يرى أنَّ مساهمة رشيد رضا في تفسير "المنار" ما هي إلا خطوة تراجعية عن بعض ما أنجزته مدرسة المنار على يد رائديها الأفغاني وعبده ـ وهو في نظرهم إنجاز محدود، وموضع نقد وتقويم ـ وذلك بسبب ما قام به رضا من إعادة العمل التفسيري إلى تخوم المدرسة التقليدية القديمة في التفسير.

    وتظهر أهم ملامح تلك العودة، في نظرهم، من خلال إكثاره من النُقول الواسعة عن علماء التفسير السابقين، فضلاً عن استطراداته الواسعة فيما يتعلق بقضايا العقيدة والتشريع، هذا بالإضافة إلى عجزه عن الاستفادة من المناهج الغربية الحديثة في دراسة، ونقد النصوص المقدسة؛ وكأحد نماذج هذه المدرسة يقول الدكتور عبد المجيد الشرفي في معرض تقييمه لتفسير المنار: "فنلاحظ إذن أنه لا يمت بصلة إلى حركة التفسير "الكتابي" -نسبة إلى الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين- التي عرفها الغرب منذ أواخر القرن السابع عشر بالخصوص، والتي كانت أبرز ملامحها متمثلة في استقلالها عن علم اللاهوت، واعتمادها منهجاً نقدياً في تناول النصوص المقدسة.

    فتفسير المنار أبعد ما يكون عن التفسير النقدي، وليس فيه أدنى إعادة نظر في المسلَّمات المتعلقة بالترتيب الرسمي والتعبُّدي للسور والآيات، ومواطن الإشكال في عدد من التعابير القرآنية، ويتبنى بالطبع المفهوم التقليدي للوحي الذي يكون فيه الرسول مجرد مبلِّغ سلبي للرسالة الإلهية، فلا مجال فيه لأثر ما لشخصية النبي وللظروف التاريخية التي أحاطت به، ولا لمشكلة الانتقال من الكلام الإلهي المفارق إلى الكلام البشري المحدود بالضرورة. وبعبارة أخرى فقد كان تفسير المنار تفسيراً إيمانياً بالدرجة الأولى" [4].

    يكاد الدكتور عبد المجيد الشرفي بكلامه هذا يستعيد بشكل شبه كامل ما قاله المستشرق آرثر جيفري قبل أكثر من سبعين عاماً في مجلة "العالم الإسلامي"، في مقالة بعنوان " النقد العالي للقرآن" طالب فيها علماء المسلمين باقتفاء أثر علماء الغرب بإخضاع القرآن الكريم إلى معايير النقد التاريخي والأدبي التي أخضعوا لها نصوصهم المقدسة، دون أدنى اعتبار منه للاختلافات الصريحة بين طبيعة النص القرآني المقطوع بصحته التاريخية، وإيمان المسلمين القاطع بأنه كلام الله تعالى الذي أنزله لفظاً ومعنىً على قلب رسوله محمد r، وبين نصوصهم المقدسة التي تعرضت للتحريف والتزوير التاريخي باعترافهم هم، وأنها نصوص مقدسة دوَّنها أتباع الرسل عليهم السلام، ولا تُعَد كلام الله تعالى نفسه لفظاً ومعنىً في وقت واحد كما هو حال القرآن الكريم [5].

    وفي الحقيقة، فإنه يمكن القول بأن ما يريده أصحاب هذا الاتجاه ـ فضلاً عن إخضاع النص القرآني لأسئلة الحداثة وإشكالاتها النقدية المتعلقة بالنصوص المقدسة ـ هو عزل النص القرآني عن شبكة النصوص التفسيرية التي أحاطت به، وأصبحت مدخلاً إجبارياً لفهمه، وأصبحت معاني القرآن الكريم بالتالي أسيرةً لمنهجية هذه النصوص في تحديد المعنى بشكل عام، لذلك فقد اعتبروا محاولة رضا للعودة بتفسير القرآن الكريم إلى أحضان التراث، والارتباط بمنهجيته التفسيرية العامة بمثابة تراجع منهجي لا يساعد على تطوير علم التفسير [6].

    وفي الحقيقة، فإنّ أصحاب هذا الرأي قد غفلوا عن الأخذ بعين الاعتبار السياق المعرفي والتاريخي الحرج الذي كان يكتب فيه رشيد رضا تفسيره، وتجاهلوا الحساسية الدينية والتاريخية الخاصة لقرّاء تفسيره، إذ هما، بالإضافة إلى اقتناعه العلمي بطبيعة الحال، اللذان أجبرا رشيد رضا على اختيار ما اختاره من إجراءات وأساليب في التفسير، حيث ما كان له أن يؤثر في وعي قرائه، ويكسب تأييدهم لأفكاره الإصلاحية المنبثّة في كل صفحات تفسيره، إلا إذا احترم ذاكرتهم الجمعية التي تضمن لهم أدنى حدود التضامن، والتماسك في اللحظات التاريخية العصيبة التي كانوا يمرون بها، وإلا إذا قام مخلصاً بالانتظام في داخلها، وتقديم أفكاره على قاعدةٍ متينة منها، وهذا هو بالضبط الذي فعله عندما استكثر من الاعتماد على تراث المفسرين من قبله أخذاً ونقاشاً ونقداً، واعتمد منهجيتهم العامة في التفسير.



    __________________
    باحث فلسطيني متخصص في الفكر الإسلامي الحديث

    [1] انظر على سبيل المثال ما ذهب إليه من أن المسافر يجوز له التيمم، حتى لو كان الماء بين يديه، ولا يوجد أي مانع يمنعه من استخدامه إلا كونه مسافراً. تفسير المنار، 5/ 120ـ 121.

    [2] انظر على سبيل المثال، الرومي، فهد، منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط4/ د.ت)، 809ـ 812، السلمان، محمد عبد الله، رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 333ـ 339.

    [3] انظر، السلمان، محمد عبد الله، رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 477 ـ 478.

    [4] انظر الشرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة، (تونس، الدار التونسية للنشر، ط2، 1991م)، 67ـ 68.

    [5] Jeffrey, Arthur, Higher Criticism of Quran, the Confiscated of Commentary of Muhammad Abu Zaid, The Moslem World, Volume XXII, No, 1, January, 1932, pp 78-83.

    [6] انظر، النيفر، أحميدة، الإنسان والقرآن: التفاسير القرآنية المعاصرة، قراءة في المنهج، (دمشق، دار الفكر، ط1، 1421هـ/ 2000م)، 76.

    _______
    [المصدر]

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •