( المنار )
رد الشريف على هذا الكتاب بجواب يعترف فيه بأن ولايتي مرسين و أدنه
ليستا داخلتين في حدود البلاد العربية التي يطلبها ، ويقبل تأجيل البحث في ولايتي
حلب وبيروت إلى ما بعد الحرب ، ويقر المعاهدات المجهولة التي بين بريطانيا ،
وبعض رؤساء العرب ، حتى مَن كانوا منهم في المملكة العربية التي هي موضوع
المساومة بينه وبينها ، وقد اعترف لها بالانفراد بالنفوذ فيها .
فأجابه نائب الملك بالكتاب الآتي :
***
كتاب ثالث
( من نائب ملك الإنكليز بمصر إلى الشريف حسين أمير مكة )
( في 8 صفر سنة 1334 )
إلى صاحب الأصالة والرفعة وشرف المحتد سلالة بيت النبوة ، والحسب
الطاهر ، والنسب الفاخر ، دولة الشريف المعظم السيد حسين بن علي أمير مكة
المكرمة ، قبلة الإسلام والمسلمين ، أدامه الله في رفعة وعلاء .
وبعد : فقد وصلني كتابكم الكريم بتاريخ 24 ذي الحجة سنة 1333 هـ ،
وسرني ما رأيت فيه من قبولكم إخراج ولايتي مرسين وأضنه من حدود البلاد
العربية ، وقد تلقيت أيضًا بمزيد السرور والرضى تأكيداتكم أن العرب عازمون
على السير بموجب تعاليم الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -
وغيره من السادة الخلفاء الأولين - التعاليم التي تضمن حقوق كل الأديان
وامتيازاتها على السواء ، هذا ؛ وفي قولكم : إن العرب مستعدون أن يحترموا ،
ويعترفوا بجميع معاهداتنا مع رؤساء العرب الآخرين - يُعلم منه طبعًا أن هذا
يشمل البلاد الداخلة في حدود المملكة العربية ؛ لأن حكومة بريطانيا العظمى لا
تستطيع أن تنقض اتفاقات قد أُبرمت بينها وبين أولئك الرؤساء !
أما بشأن ولاتي حلب وبيروت فحكومة بريطانيا العظمى قد فهمت كل ما
ذكرتم بشأنهما ، ودونت ذلك عندها بعناية تامة ، ولكن لما كانت مصالح حليفتها
فرنسا داخلة فيهما فالمسألة تحتاج إلى نظر دقيق ، وسنخابركم بهذا الشأن مرة
أخرى في الوقت المناسب .
إن حكومة بريطانيا العظمى كما سبقت فأخبرتكم مستعدة لأن تعطي كل
الضمانات والمساعدات التي في وسعها إلى المملكة العربية ، ولكن مصالحها في
ولاية بغداد تتطلب إدارة ودية ثابتة ، وإننا نستصوب تمامًا رغبتكم في اتخاذ الحذر ،
ولسنا نريد أن ندفعكم إلى عمل سريع ربما يعرقل نجاح أغراضكم ، ولكنَّا في
الوقت نفسه نرى من الضروري جدًّا أن تبذلوا كل مجهوداتكم في جمع كلمة
الشعوب العربية إلى غايتنا المشتركة ، وأن تحثُّوهم على أن لا يمدوا يد المساعدة
لأعدائنا بأي وجه كان ، فإنه على نجاح هذه المجهودات وعلى التدابير الفعلية التي
يمكن للعرب أن يتخذوها لإسعاف غرضنا عندما يجيء وقت العمل - تتوقف قوة
الاتفاق بيننا وثباته ، وفي هذه الأحوال فإن حكومة بريطانيا العظمى قد فوضت لي
أن أبلغ دولتكم أن تكونوا على ثقة من أن بريطانيا العظمى لا تنوي إبرام أي صلح
كان إلا إذا كان من ضمن شروطه الأساسية حرية الشعوب العربية وخلاصها من
سلطة الألمان والأتراك !
هذا ، وعربونًا على صدق نيتنا ، ولأجل مساعدتكم في مجهوداتكم في غايتنا
المشتركة فإني مرسل مع رسولكم الأمين مبلغ عشرين ألف جنيه .
وأقدم في الختام عاطر التحيات القلبية ، وخالص التسليمات الودية ، مع
مراسم الإجلال والتعظيم المشموليْن بروابط الألفة والمحبة الصرفة لمقام دولتكم
السامي ولأفراد أسرتكم المكرمة مع فائق الاحترام .
... ... ... ... ... ... ... ... ... المخلص
... ... ... ... ... ... ... نائب جلالة الملك بمصر السير
... ... ... ... ... ... ... ... آرثر هنري مكماهون
( المنار )
رد الشريف على هذا الكتاب حامدًا شاكرًا راضيًا واعدًا بالقيام بجمع كلمة
العرب على قتال الترك ، طالبًا بعضَ الأسلحة والذخائر والأقوات .
فأجابه نائب الملك بالكتاب الآتي :
***
كتاب رابع
( من نائب ملك الإنكليز بمصر إلى الشريف حسين أمير مكة )
( في جُمادَى الأولى سنة 1334 يوافق 10 مارس سنة 1916 )
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى ساحة ذلك المقام الرفيع ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر ، قبلة الإسلام
والمسلمين ، معدِن الشرف ، وطيب المحتد ، سلالة مهبط الوحي المحمدي الشريف
ابن الشريف ، صاحب الدولة السيد الشريف حسين بن علي أمير مكة المعظمة ،
زاده الله رفعة وعلاءً ، آمين .
بعد ما يليق بمقام الأمير الخطير من التجلَّة والاحتشام ، وتقديم خالص التحية
والسلام ، وشرح عوامل الألفة وحسن التفاهم والمودة الممزوجة بالمحبة القلبية -
أرفع إلى دولة الأمير المعظم أننا تلقينا رقيمكم المؤرخ 14 ربيع الآخر من يد
رسولكم الأمين ، وقد سُرِرنا لوقوفنا على التدابير الفعلية التي تنوونها وإنها لَموافِقة
في الأحوال الحاضرة ، وإن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى تصادق عليها ،
وقد سرَّني أن أخبركم بأن حكومة جلالة الملك صادقت على جميع مطالبكم [1] ،
وأن كل شيء رغبتم الإسراع فيه وفي إرساله - فهو مرسل مع رسولكم حامل هذا ،
والأشياء الباقية ستحضر بكل سرعة ممكنة ، وتبقى في بورت سودان تحت
أمركم لحين ابتداء الحركة ، وإبلاغنا إياها بصورة رسمية كما ذكرتم ، وبالمواقع
التي يقتضى سوقها إليها ، والوسائط التي سيكونون حاملين الوثائق بتسليمها إياهم .
إن كل التعليمات التي وردت في محرركم قد أعلمنا بها محافظ بورت سودان ،
وهو سيجريها حسب رغبتكم ، وقد عملت جميع التسهيلات اللازمة لإرسال
رسولكم حامل خطابكم الأخيرة إلى جيزان ، حتى يؤدي مأموريته ، التي نسأل الله
أن يكللها بالنجاح وحسن النتائج ، وسيعود إلى بورت سودان ، وبعدها يصلكم
بحراسة الله ؛ ليقص على مسامع دولتكم نتيجة عمله .
وننتهز الفرصة لنوضح لدولتكم - في خطابنا هذا - ما ربما لم يكن واضحًا
لديكم ، أو ما عساه أن يُنتج سوء تفاهم ، ألا وهو يوجد في بعض المراكز أو النقط
المعسكرة فيها بعض العساكر التركية على سواحل بلاد العرب [2] ، يقال إنهم
يجاهرون بالعداء لنا ، والذين هم يعملون على ضرر مصالحنا الحربية البحرية في
البحر الأحمر ، وعليه نرى أنه من الضروري أن نأخذ التدابير الفعالة ضدهم ،
ولكننا قد أصدرنا الأوامر القطعية أنه يجب على جميع بوارجنا أن تفرق بين
عساكر الأتراك الذين يبدأون بالعداء ، وبين العرب الأبرياء الذين يسكنون تلك
الجهات ؛ لأنَّا لا نقدم للعرب أجمع إلا كل عاطفة ودية ! ، وقد أبلغنا دولتكم ذلك ؛
حتى تكونوا على بينة من الأمر إذا بُلِّغتم خبرًا مكذوبًا عن الأسباب التي تضطرنا
إلى عمل من هذا القبيل .
وقد بلغنا إشاعات مؤداها أن أعداءنا الألداء باذلون جهدهم في أعمال السفن
ليبثوا بها الألغام في البحر الأحمر ، ولإلحاق الأضرار بمصالحنا في ذلك البحر ،
وإنَّا نرجوكم سرعة إخبارنا إذا تحقق لديكم ذلك .
وقد بلغنا أن ابن الرشيد قد باع للأتراك عددًا عظيمًا من الجِمَال ، وقد أُرسلت
إلى دمشق الشام ، ونأمل أن تستعملوا كل ما لكم من التأثير عليه ؛ حتى يكف عن
ذلك ، وإذا هو صمم على ما هو عليه أمكنكم عمل الترتيب مع العربان الساكنين
بينه وبين سوريا - أن يقبضوا على الجمال حال سيرها ، ولا شك أن في ذلك
صالحًا لمصلحتنا المتبادلة .
وقد يسرني أن أبلغ دولتكم أن العربان - الذين ضلوا السبيل تحت قيادة السيد
أحمد السنوسي ، وهم الذين أصبحوا ضحية دسائس الألمان والأتراك - قد ابتدءوا
يعرفون خطأهم ، وهم يأتون إلينا وحدانًا وجماعات ، يطلبون العفو عنهم والتودد
إليهم ، وقد - والحمد لله - هزمنا القوات التي جمعها هؤلاء الدساسون ضدنا ، وقد
أخذت العرب تبصر الغش والخديعة التي حاقت بهم ! ، وإن لسقوط أرضروم من
يد الأتراك ، وكثرة انهزاماتهم في بلاد القوقاس تأثيرًا عظيمًا ( ؟ ) ، وهو في
مصلحتنا المتبادلة ، وخطوة عظيمة في سبيل الأمر الذي نعمل له وإياكم ، ونسأل
الله عز وجل أن يكلل مساعيكم بتاج النجاح والفلاح ، وأن يمهد لكم في كامل
أعمالكم أحسن السبل والمناهج .
وفي الختام أقدم لدولتكم ولكامل أفراد أسرتكم الشريفة عظيم الاحترامات ،
وكامل ضروب المودة والإخلاص ، مع المحبة التي لا يزعزعها كَرُّ العصور ،
ومرور الأيام .
... ... ... ... ... ... ... ... كتبه المخلص السير
... ... ... ... ... ... ... ... ... آرثر مكماهون
... ... ... ... ... ... ... ... نائب جلالة الملك بمصر
( المنار )
نلخص هذه الكتب ، ونرتب ما تقرر فيها بالمسائل الآتية :
( 1 ) أن الحكومة البريطانية تستثني من بلاد العرب - بالنص - معظم
سورية وهو سواحل ولايات كليكية وحلب والشام و بيروت ، فتكون سورية العربية
محصورة في المدن الأربع دمشق وحمص وحماة وحلب وملحقاتهن ، ولا منفذ
لشيء منها إلى البحر إلا فلسطين المسكوت عنها .
( 2 ) أنها تزعم أنها مطلقة التصرف في الأقاليم التي تضمها تلك الحدود من بلاد العرب بدون أن تمس مصلحة حليفتها فرنسة ، أي فيما تقرر بينهما من
حصتها في سورية ، والمعنى أنها بما لها من حق التصرف في غير حصة فرنسة من
البلاد التي حددها الشريف تقرر ما ذكرت من الحقوق لها وله ، ولا ندري من
أين لها هذا التصرف المطلق في هذه البلاد ؟ وبأي حق اعترف لها الشريف به ؟
( 3 ) تزعم أن العرب يعترفون بأن مركز بريطانية ومصالحها موطدة في
ولايتي البصرة وبغداد ، ويستلزم ذلك أن تكون إدارتها بيد إنكلترة وتحت حمايتها .
( 4 ) تضمن حماية الأماكن المقدسة من كل اعتداء ، وهي تفسر البلاد
المقدسة بالحرمين والقدس وكربلاء والنجف ، وتفسر حمايتها لها بما تشاء من
الوسائل ، ومنها إيجاد قُوًى عسكرية من سلاح الطيران وغيره .
( 5 ) تزعم أن العرب قد قرروا أن يكون المستشارون والموظفون - الذين
يؤلفون الهيئة الإدارية في بلادهم - من الإنكليز ؛ لأن الشريف رضي بذلك .
( 6 ) تشترط عدم التعرض في هذا الاتفاق المطلوب للمعاهدات المعقودة بين
الإنكليز وبعض رؤساء العرب ، يعنون أكثر بلاد الجزيرة كلحج وحضرموت
ونجد و عسير وبعض قبائل العراق .
( 7 ) تقول : إنها مستعدة مع مراعاة هذه التعديلات التي تسجلها على شريف
مكة ، ومَن يمثلهم من العرب بدعواهما ؛ لأن تعترف باستقلال العرب ، وتؤيد هذا
الاستقلال في جميع الأقاليم الداخلة في الحدود التي يطلبها شريف مكة ، أي إنها -
بعد هذه التعديلات التي معناها أن جميع بلاد العرب في قبضة تصرفها - مستعدة
للاعتراف باستقلال مبهم في مكان مبهم ! ، والاستعداد للاعتراف بالشيء لا يقتضي
الاعتراف به بالفعل ، والاستقلال المجمل لا ينافي الحماية ، ولا الوصاية ، ولا ما
يسمونه الانتداب كما صرحوا به رسميًّا .
( 8 ) تقول : إن هذا التصريح يؤكد ميل بريطانية لرغائب أصحابها العرب -
أي لاستعبادهم - وينتهي بعقد محالفة يكون أول نتائجها طرد الأتراك من بلاد
العرب ، وتحرير العرب من نيرهم ، أي لوضْعهم تحت نير الإنكليز الذي يفوقه في
الثقل ، كما يفوق الجبل الجمل .
( 9 ) تعد بأنها عند ما تسمح لها الظروف تساعد العرب على إيجاد هيئات
حاكمة ملائمة لتلك الأقاليم المختلفة من بلاد العرب ، وهي الحجاز وفلسطين ،
ويتعهدون بحمايتها ، وطرد الترك منها ، وليس في شيء من كل هذه الوعود حجة
عليها للشريف إلا في مسألة فلسطين ؛ إذ جعلت البلاد وطنًا لليهود .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) المراد بهذه المطالب الأسلحة وعتاد الحرب .
(2) لعله سقط من هنا ذكر مَن وُصفوا بأنهم يجاهرون بالعداء للإنكليز .
(23/612)
________________________________________