النتائج 1 إلى 50 من 266

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , مع درس جديد بعنوان (( بعض الحكم العطائية )) . و للأمانة الدرس السابق مقتبس من موسوعة فضيلة الدكتور محمد النابلسي , و كذلك الأمر بالنسبة لهذا الدرس .

    نبدأ الآن مع القسم الأول من الدرس السادس عشر .

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علمًا ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الأخوة الكرام ؛ انطلاقاً من قول الله عز وجل :

    و َ مَن يُؤْت َ الْحِكْمَة َ فَقَدْ أُوتِى َ خَيْرا ً كَثِيرا ً (سورة البقرة)

    الحكمة أن تعرف الحقيقة ! والحكمة أن تعرف سرّ وجودك وأن تعرف لماذا أنت في الدنيا ، وأن تتاجر مع الله ، وأن تكسب الدار الآخرة ، وأن تزكي نفسك ، وأن تسعد بربك ، كلمة جامعة مانعة ، ولأن خالق الأكوان يقول لنا :

    و َ مَن يُؤْت َ الْحِكْمَة َ فَقَدْ أُوتِى َ خَيْرا ً كَثِيرا ً (سورة البقرة)

    ولأن خالق الأكوان يقول لنا :

    قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل ٌ

    (سورة النساء)


    فلو ملكت البلاد وجاءك ملك الموت فلابد من مفارقة الدنيا .

    ولذلك فإنَّ الأنبياء كُتِب عليهم الموت ، وإنّ المؤمنين والكفار كتب عليهم الموت ، لأن الموت مغادرة ، فالبطولة أن يكون لك عند الله ما بعد الموت حظٌ كبير ،

    فمن يؤتى الحكمة يعمل للدار الآخرة ، والكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

    لقد اشتهر في العالم الإسلامي الحكم العطائية ، وهي في الحقيقة من أجَلِّ الحِكَم ، وقد درّستها قبل سنوات عديدة ، وأخ كريم تمنى علي أن نقف وقفة عند بعض حكم ابن عطاء الله السكندري ، الحقيقة أنّي تصفحت هذه الحكم ، و اخترت لكم بعضها ، وبعض قوله :

    "هذه الحكم بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض ، وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه ".

    المعاني التي تتضمنها هذه الحكم رائعة لما فيها من فوائد ... و بإذن الله سنبدأ بشرحها في القسم الثاني من درسنا .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    نتابع بإذن الله تعالى مع تفسير الحكم التي وصلنا إليها بالأمس .

    "هذه الحكم بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض ، وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه ".

    فالإنسان تعتريه أحوال ، وفي بعض الأحيان يشعر بانشراح وامتداد وسرور وطمأنينة ، والحديث عن المؤمنين ، وعن طلاب العلم ، عمن يطلب ويرجو الله واليوم الآخر ، فأنا أخاطب طلاب علم ، وأخاطب رواد مسجد ، و أخاطب أناسًا إن شاء الله لهم باع طويل في معرفة الله ، فالحديث ليس عاماً ، بل هو خاص بالمؤمنين ،

    ففي بعض الأحيان تشعر بانشراح وامتداد وتألق وطمأنينة وسعادة ، وأنتَ أنتْ ، وأنت مستقيم ، وتؤدِّي عباداتك كلها ، وأنت وقّاف عند كتاب الله، وأنت مطبق لمنهج الله تشعر بالقبض فما الذي حصل ؟

    الذي حصل هو أن الله سبحانه وتعالى ربّ العالمين ، فلو أن هذا الانبساط استمر ، فالانبساط من لوازمه أن تضعف عبادة الإنسان ، وأن تضعف همته ، وأن يكسل عن بعض الطاعات ، ويأتي الانقباض .

    فالله عز وجل يتجلَّى تارة باسم الجليل فتنقبض ، ويتجلى تارة باسم الجميل فتنشرح ، فقد يأتي القبض ، وقد يأتي البسط ، والحقيقة أن الله عز وجل يريدك أن تكون معه ، لا أن تكون عبدًا للأحوال ،

    * فيجب أن تقدم له الأعمال ، أمّا الأحوال فمرَغِّبة معينة أحياناً ، ولكن ليست مقياساً ، والعلم حَكَم على الحال ، فبسطك كي لا يبقيك مع القبض ، فالله حكيم ، و لو استمر القبضُ لضجر الإنسانُ ،

    يأتي القبض فيضيق الإنسانُ به ذرعاً ، فيأتي البسط فيرتاح ، ولو استمر البسط نحن لسنا كالصادقين والأنبياء المقربين لا ، فنحن حينما نرتاح نضعف ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه ‍! ويمضي النهار في الدعوة إلى الله .


    فَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا *

    (صحيح مسلم)

    سنتوقف عند هذا الحد , لنكمل حديثنا غدا ً إن شاء الله عز و جل مع المزيد .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    تتمة الموضوع :

    أحدنا إذا عمل عملاً صالحاً ، أولاً يعلن عنه كثيراً ، ويملأ الدنيا صخباً ، ثم يرتاح بعدها راحة عفوية ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يجهد النهار ويجهد الليل ويقول : " أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " فربنا عز وجل يعالجنا بالقبض والبسط ،

    فإذا تبحبحنا يأتي القبض ، وإذا كدنا نيأس يأتي البسط ، أنت ما مهمتك ؟ مهمتك أن تعبده وأن تدع أمر القبض والبسط إليه ، والدليل على ذلك أن الله عز وجل يقول :

    بَل الله َ فَاعْبُد ْ و َ كُن مِّن َ الشَّاكِرِين َ ( 66 )

    (سورة الزمر)

    فهذه مهمتك ، ارتَحْ وأَرِحْ ، فأنا عليّ أن أطيعه ، وهو ليفعل بي ما يشاء ، فهو رحيم وحكيم وعليم وقدير ، وأنا علي أن أطيعه ، و تمثلوا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف :

    اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك "
    (الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر )

    ولا يوجد كلام أروع ولا أدق ولا أجمل ولا أعبق ولا أكثر أدبًا مع الله عز وجل من هذا الكلام ! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتك أوسع لي"

    فإذا أعطاك فالحمد لله ، و إذا منعك فالحمد لله ، و إذا بسطك فالحمد لله ، و إذا قبضك فالحمد لله ، و إذا رفعك فالحمد لله ، و إذا خفضك فالحمد لله ، و إذا ضيّق عليك فالحمد لله ، فهذا المؤمن الصادق ،

    والله عز وجل الذي تحبه وتعبده وتؤثره وتشتاق إليه ، فهذا الذي أنت فيه هو قراره ، وقل مع الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ليس في الإمكان أبدع مما كان ، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، ولو أن كل إنسان انزعج من شيء ساقه الله إليه ، ثم كشف الله له علم الغيب لمَا تمنَّى إلا أن يكون كما هو .

    ومرة قرأت مثلاً دقيقًا ؛ أب عنده بنت جميلة ، عمرها اثنتا عشرة سنة ، قطعة من الجمال والحيوية ، تملأ البيت حبوراً ، لو أنها ماتت فموتُها شيء لا يحتمل ، وشيء مؤلم ، لا سمح الله ولا قدر ، ولو أن الله كشف له أن هذه إذا عاشت عمرًا مديداً كانت زانية ، والأب صاحب دين ومؤمن ماذا يسأل الله ؟ يا رب اقبضها !

    لو أن الله كشف لك ما سيكون لما أردت إلا ما هو كائن ، ولا تمنيت إلا ما هو كائن ، ولذلك استسلمْ دائماً ، وعندنا حالة اسمها القبول ، فالمؤمن يقبل واقعه ، وهذا القبول مسعد ، عبَّر عنه علماء القلوب بالرضا ، فهو راضٍ عن الله ،

    قال له : يا رب هل أنت راض عني ؟ وكان وراءه الإمام الشافعي فقال له : هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : يا سبحان الله من أنت ؟ فقال : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .

    بإذن الله تعالى نتابع غدا ً .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , نكمل ما بدأنا به :

    إذا كنتَ تستقبل مكروه القضاء بالرضا فأنت تعرف الله ، فأنا لا أحب أن ينشغل المؤمن بالأحوال ، ...

    و .. الأحوال مسعدة ، والانقباض صعب ، ولكن الله يربِّينا عن طريق الانبساط والانقباض ، وعن طريق البسط والقبض ، والله عز وجل من أسمائه الباسط والقابض ،

    يفهمون هذين الاسمين على أنهما بمعنى مادي ، أي يعطي المال أو يأخذه ، وهذا معنى مقبول ، لكن هناك معنى أرقى فهو قابض ، أي يقبض نفسك ، فإذا هي تضجر ، و باسط ، أي يبسطها ، فإذا هي تتألق ، لقد بَسَطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ،

    و أنت له ، أنت عبد الفتاح ، لا عبد الفتح ، وأنت عبد الله ، لا عبد الأحوال ،

    والأحوال يستمتع بها الأشخاص الذين ليس عندهم غير الأحوال ، وهي مسعدة ممتعة ، و بالتقريب إذا جلس إنسان في حمام وملأ الحوض ماًء فاترًا ، واستلقى ، فارتاح ، فهو شيء مريح ، ولكنه لا يصبح تاجرًا عقب هذه الاستلقاءات ، ولو أمضى كل يوم ثماني ساعات لا يكون عالمًا ،

    و الاستمتاع ليس له أيّة ثمرة، فلو أنّ إنسانًا كان هدفه الأحوال فقط دون الأعمال فلا يرقى عند الله ، والذي يرفعك عند الله هو العمل ، قال تعالى :

    و َ الْعَمَل ُ الصَّالِح ُ يَرْفَعُه ُ
    (سورة فاطر)

    ولكن لا مانع من أن الله عز وجل يربِّي هذا الإنسان عن طريق الأحوال ؛ عن طريق القبض تارة وعن طريق البسط تارة أخرى ،

    والإمام علي كرم الله وجهه يقول : النفس لها إدبار ولها إقبال ، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت فاحملوها على الفرائض " ، وفي حالة القبض يجب أن تحافظ على الفرائض ، وفي حالة الانبساط ينبغي أن تسعى إلى النوافل ، لكن هناك أشخاص إيمانهم ضعيف ، فما دام في بسط فهو مرتاح ، فإذا أصيب بالقبض تجده يقصّر ، و حينما تقصر مع القبض فهذه بادرة غير طيبة إطلاقاً .


    * لدينا حكمة أخرى متعلقة بهذه الحكمة الأولى ، " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " .


    إن شاء الله تعالى , سنتابع مع هذه الحكمة و غيرها غدا ً .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    سنسلط الضوء على حكمة أخرى متعلقة بهذه الحكمة الأولى ، " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " .

    ... " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " فمع الانبساط مزل القدم ، وهذا الشيء يستنبط من أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن نفسه :

    جاءه جبريل قال : يا محمد أتريد أن تكون نبياً ملكاً ؟ أم نبياً عبداً ؟ فقال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره " ، ويبدو أن تلوين حياة المؤمن أكثر صلاحاً له من ثباتها على حال عالٍ ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره .

    و الآن القوي والضعيف ، فالقوي إذا كان إيمانه عاليًا بقوة يصالح المسلمين ، ولكن مع القوة توجد المزالق ، ومع الغنى توجد المزالق ،

    فإذا كان احتمال الانزلاق كبيرًا فالضعف أفضل من القوة ، وإذا كان الانزلاق كبيرًا مع الغنى فالفقر أقرب إلى السلامة من الغنى ، قال له : أتريد أن تكون نبياً ملكاً ؟ أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره،

    فالعارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا ، وأكثر الناس يتوهمون أن الصبر للفقير ! لا ، بل الصبر للغني ! وكيف ؟

    فالفقير ما الذي هو متاح أمامه ؟ الدخل المحدود والبيت والعمل ، فلو أنّ غنيًّا سافر إلى بلد غربي ، ومعه الملايين فيتُاح له أن يفعل كل شيء ، وأن يرتاد أي مكان ، وأن يجلس في أي متنزه ، وأن يدخل أي ملهى ، وأن يلتقي مع أية امرأة في أي فندق متاح له ، فإذا اكتفى بغرفته في الفندق ، إلى مكتب العمل ، وعاد إلى بلده وذكر الله كثيراً ،

    فمن هو الذي يحتاج إلى الصبر أكثر ؟ هو الغني ، لأنّ المال قوة ، والمال يتيح له أن يفعل كل شيء ، وأن يأكل ما يشاء ، وأن يلتقي مع مَن يشاء ، وأن يسكن في أي مكان شاء ، وهذه الحرية التي يتيحها المال تحتاج إلى صبر ، فالقوي بإمكانه أن يظلم ، ولو استفزه رجل لبطش به فوراً ، لأنه قوي ،

    فالقوي في أمس الحاجة إلى الصبر أكثر من الضعيف ، وقد تجد أخًا مؤمًنا ملتزمًا تماماً متألقًا مرتاحًا ، فإذا ازداد الحال معه ، تجده إن رأى رجلاً مقصرًا يقول له : ماذا حصل لك ؟ فهو يصاب بنوع من الاستعلاء ، فهذا الحال فيه اعتداد ، وغفلة عن الله عز وجل ، فمع الغفلة أحياناً يأتي الانقباض ، انقباض بحجمك .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    مع تتمة الموضوع , و قد كنا مع الحكمة القائلة : العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا القليل ، فإذا بسَط اللهُ عز وجل للإنسان متَّعه بأحوال عالية ، فربما اعتدَّ بهذه الأحوال ، وظنَّ نفسه مقربًا ، فاستعلى على الناس قليلاً ، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري : ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، العُجْبُ العُجْب .

    والآن هناك حكمة مهمة ، يقول ابن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك "، كلام طيب ودقيق ،

    فقد تجد مثلاً بلادًا تنعم بغنى كبير ، ورفاهية كبيرة ، والأمور ميسرة إلى درجة مذهلة ، وكل شيء متوافر ، فهذه الدنيا العريضة هي في الحقيقة حجاب بين هؤلاء وبين الله ، وقد تجد مجتمعًا آخر في ضائقة ، وهذه المشكلات تكون لهم دافعًا كبيرًا إلى الله !

    فالمجتمعات التي فيها قسوة وضعف ، وفقر وشدة تجد مساجدها ممتلئة ، ودروس العلم عامرة ، والناس ملتفتون إلى الله عز وجل ، فمن أدراك أن هذه الشدة التي ساقها الله لهؤلاء الناس هي سبب قربهم من الله ؟

    كل رجل له ظروف نشأ فيها ، وهذه الظروف هي أفضل شيء له ، ولولاها لما كان في هذه الأحوال التي ينعم بها ،

    وأحياناً ينشأ الولدُ يتيمًا، وليس معه ثمن طعام ، فيدرس ، فيأخذ أعلى شهادة ، فيتألق ويعيش حياة كريمة ، وهناك رجل قوي وغني ، والابن ليس لديه الدافع ليدرس ، وكل شيء موجود ؛ سيارة وبيت ، وطعام ، وشرب ، ومال ، يموت الأب فيصبح ابنَه وراء الناس في المؤخرة ، فبربك هل اليُتم والفقر خيرٌ أم الغنى والدلال ؟ إنّ الغنى والدلال جعله في المؤخرة ، واليتم والفقر جعله في المقدمة ، أليس كذلك ؟

    هذا معنى قول بن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ".
    واللهِ أيها الأخوة ؛ ما مِن آية في القرآن الكريم تهز مشاعر المؤمن كقوله تعالى :

    و َ عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئا ً و َ هُو َ خَيْر ٌ لَّكُم َ وَ عَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئا ً و َ هُو َ شَر ٌّ لَّكُم و َ الله ُ يَعْلَم ُ و َ أَنتُمْ لَا تَعْلَمُون َ
    (سورة البقرة)

    دع الأمر لله عز وجل ، واستسلم لقضائه ، وارضَ بما أنت فيه ، واقبَل واقعك ، وقل : يا رب لك الحمد الذي أوجدتني ، ولك الحمد الذي أمددتني ، ولك الحمد الذي هديتني ، "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، ..

    سنتابع بإذن الله غدا ً , مع المزيد من الحكم :

    * " متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء " .

    * " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * "متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء" ، وينبغي لك أنْ توقن أنّ الأشياء التي حُرِمتَ منها لو كشف الغطاء لشكرت الله على حرمانك منها ! وهذا هو الإيمان ، الإيمان معه راحة .

    المشكلة أن المصيبة تقع ، والعبرة لا أن تتأكد من وقوعها ، فوقوعها سهل ، فأحياناً يقع زلزال ، وتتناقل وكالات الأنباء أخبار هذا الزلزال ، ويذاع في كل إذاعة ، وينشر في كل صحيفة ، ويُرى في كل الأخبار المصورة ، فهل العبرة أن ترى حوادث الزلزال ، أم أن تفهم حكمة الزلزال ؟

    العبرة أن تفهم الحكمة ، والبطولة لا أن تتأكد من وقوع مصيبة ، إنما البطولة أن تعرف الحكمة من هذه المصيبة، والآية الكريمة :

    و َ مَن يُؤْمِن بِِالله ِ يَهْد ِ قَلْبَه ُ
    (سورة التغابن)

    فمِن حكمة المصيبة ، إذا آمن الإنسان بالله يهدي قلبه ،

    * ويقول ابن عطاء الله السكندري أيضاً : " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

    وقد ذكرت أن الإنسان عنده دوافع ، فالدافع إلى الطعام هذا أساسي لبقاء الفرد ، والدافع إلى الطرف الآخر من الجنس لبقاء النوع ، ولكن عنده دافع آخر إلى تأكيد الذات في التفوق إلى بقاء الذكر ، هذا الدافع الثالث لك أن تسميه دافع العزة :

    فاجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

    و مستحيل ثم مستحيل أن توالي الله ثم لا يعزك ، والذين وقفوا مع النبي عليه الصلاة والسلام هم في أعلى عليين ، والذين حاربوه وكفروا به هم في أسفل السافلين ،

    فالصحابة الكرام الأبطال الأعلام ، وكبار القادة المسلمون ، وكبار علماء المسلمين ، يذكرهم المسلمون في اليوم ملايين المرات ، أما الذين حاربوا الإسلام فيُذكَرون بأشنع الصفات ، فمثلاً : أبو جهل هل يترحَّم أحد عليه ؟ مستحيل ، قاتله الله ، وأبو لهب ، قاتله الله ، وسيدنا الصديق رضي الله عنه ! خلال ألف وأربعمائة عام كلما ذكره مسلم ترضَّى عنه ، فماذا فعل ؟ لقد وقف مع النبي ، ومرة ذكرت آية وهي تدعو إلى الحيرة :

    إِن تَتُوبَا إِلَى الله ِ فَقَد ْ صَغَت ْ قُلُوبُكُمَا و َ إِن تَظَاهَرَا عَلَيْه ِ فَإِن َّ الله َ هُو َ مَوْلَاه ُ و َ جِبْرِيل ُ و َ صَالِح ُ المُؤْمِنِين َ و َ الْمَلائِكَة ُ بَعْد َ ذَلِك َ ظَهِير ٌ ( 4)
    (سورة التحريم)

    العلماء قالوا : هذه الآية معناها : أنه لمجرد أن تفكر في معاداة أهل الحق ، ومعاداة الدين ، وفي إطفاء نور الله ، اعلم من هو الطرف الآخر ! أنت بأي بلد تعرف هذا الإنسان له صلة بأعلى جهة هل تسبب له مشكلة في الطريق ؟ لا بل تريد السلامة منه ، وتعرف من وراءه،

    فإذا أراد الإنسانُ أن ينال من الدين ،هو أحمق ، لأن الطرف الآخر هو الله ، والطرف الآخر حياته بيده، و قلبه بيده ، ودسّامات قلبه بيده، وكليتاه بيده ، يوجد عند الله أمراض وبيلة ، والله عنده قهر ، وعنده خسف .
    فَخَسَفْنَا بِه ِ و َ بِدَارِه ِ الأَرْض َ
    (سورة القصص)

    فربنا عز وجل عنده أشياء كثيرة ، فكلما كنت مؤمناً تأدبت مع الله كثيراً ، وإن أردتَ أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى :

    اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت !

    يتبع إن شاء الله مع حكمة جديدة .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    أيها الإخوة و الأخوات , سنتابع الآن مع :

    1 ـ يجب أن يكون الواهبُ مالكًا للموهوب :

    الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب ، أول شرط للهدية لها ثلاث أشياء ، الهبة فيها واهب ، وموهوب له ، وموهوب فيه ، أي : المادة ، والمعطي ، والآخذ ، فيها ثلاثة عناصر ، الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب ، وإلا :

    و َّ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ
    ( سورة آل عمران الآية : 188 ) .


    قد يتكرم أحدُهم من مالِ غيره ، يكون وصيا على أموال أيتام ، فيقيم الولائم ، ويقدم هدايا ، وقد يكون شريكا ، مثلاً ، يأتي مندوب شركة ويقدم له سوارا من ذهب من مال الشركة ، الشركة ليست لك وحدك ، فيها مستثمرون ، فيكون قد كسب وجاهة من مال غيره ، فالهدية يجب أن يملكها الواهب ، هذا أول شيء .

    2 ـ أن يكون الواهبُ بالغًا غير محجور عليه :
    وألا يكون الواهب محجوراً عليه لسبب من أسباب الحجر ، وأن يكون بالغاً .

    إياك أن تقبل هدية من غير بالغ ، أنت مؤاخذ ، دخلت محلا تجاريا ، الأب في البيت ، وضع ابنه صغير في المحل ، وأعطاك ساعةً ، إنه طفل صغير ، كيف تأخذها وتمشي ؟

    هذه الهدية غير مقبولة من واحد صغير ، ممنوع ، لابد أن يكون بالغاً ، لأن الصغير ناقص الأهلية ، أن يكون مختاراً ، لأن الهبة عقد يشترط فيه صحة الرضا ، أما إذا كان بالقهر فليست هدية ، لأنه : " ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام " .

    3 ـ أن يكون الموهوب مالاً متقوَّماً :

    وأن يكون الموهوب مالاً متقوماً ، يمكن أن يستغربوا ، لأن هناك مسلمين يُصلُّون في المساجد ويقدمون الخمر هدايا إذا طلبه إنسان منهم ، الشرع دقيق جداً ،

    يجب أن يكون الموهوب مالاً متقوماً ، والخمر ليس بمال .

    4 ـ أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال :

    أيضاً يجب أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال ، لا يوهب مثلاً سمك بنهر، لا يوهب هذا المقصف لك ، في أشياء يجب أن تنتقل معك .
    لا يجوز أن تهب شيئاً متصلاً بمال الواهب اتصال قرار ، توهب الأشجار بأرض لك ، هذه صعبة ، وهبت الأشجار ، وبقيت الأرض ، كالزرع والشجر والبناء دون الأرض ، بل يجب فصله وتسليمه ،

    وكل شيء مشاع لا تصح هبته ، لأنه يصعب أن يتملكّه ، وكذا الشيء المرهون ، والشيء غير المقسوم .

    بإذن الله نكمل غدا ً لنتحدث عن أحكام الهبة ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    من أحكام الهبة :

    1 ـ هبة المريض مرضَ الموت :

    الآن أخطر شيء في الموضوع هبة المريض مرض الموت ، هنا المشكلة ، كما يقال اليوم : كتب لي هذه السجادة ، كتب لي هذا البيت ، كتب لي هذه الدكان ، فينازع ،
    فإذا كان الشخص مريضا مرضَ الموت ، ووهب غيره هبة فحكم هبته كحم الوصية ، وينطبق عليها حكم الوصية لا حكم الهبة ، لأن كل شيء أضيف إلى ما بعد الموت صار وصية ،

    فإذا وهب هبة لأحد ، ثم مات فهذا شيء يعد كالوصية تماماً .
    إذا وهب إنسان شيئًا وهو مريض مرض الموت فالهبة وصية ، شُفيَ بعد هذا المرض ، وعاش عشر سنوات تصح الهدية ، لأنها انقلبت من وصية إلى هبة .

    2 ـ هل يُشتَرط القبضُ في الهبة ؟

    عندنا بحث لطيف ملخصه موضوع خلافي بين العلماء ، بعضهم لا يرى أنها تصح أو تقع إلا بالقبض ، فإذا وهبك شخصٌ شيئًا ، ولم يعطك إياه ، ومات ، هل ذهب الموهوبُ عليك ؟

    لا ، لن يذهب عليك ، بعضهم يقول : تصح بالإيجاب والقبول ، لأن القبض شيء ثانوي ، وبعضهم قال : لا بد من القبض ، فهذا الحكم مرن ، يتحول بحسب الظروف والحالات والملابسات .

    3 ـ هل يجوز هبةُ جميع المال ؟

    أما أن يتبرع الإنسان بكل ماله فهذا موضوع شائك ، الإمام أبو حنيفة يقول : " لا يصح التبرع بكل المال ، ولو في وجوه الخير " .

    ... ، عند الأحناف لا تجوز هذه الهبة ، ولا تصح .

    أفضل شيء الثلث ، طبعاً الهبة تأخذ حكم الوصية في الثلث ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

    (( الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، أَوْ كَبِيرٌ )) .
    [ متفق عليه عن ابن عباس ]

    دائماً دع لأولادك ثلاثة أرباع ، إذا كنتَ في بحبوحة ، وعندك أموال طائلة ، تحب أن تتقرب إلى الله عز وجل بهبة في حياتك ، أو بوصية بعد وفاتك ، فاجعل أقصى شيء فيها الربع ، لقول النبي : (( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ )) .


    و الهبة لها ميزة ، أنه أحيانا يكون عندك بنت مثلاً بحاجة إلى بيت ، عندك أربع بنات ، الثلاثة أزواجهم أغنياء ، وبنت واحدة زوجها فقير جداً ، وبيته بالأجرة ، وعليه دعوى إخلاء عليه ،
    أنت في حياتك قدمت لها بيتا صغيرا مناسبا ، هذا يدخل تحت باب الهبة لا الوصية ،

    فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ :

    (( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ )) .
    [ رواه الترمذي ]

    فإذا كان معك جواب لله عز وجل ، فإذا أخذت موقفا موضوعيا أخلاقيا بدافع الرحمة والإنصاف فهو أمرٌ مقبول .

    يتبع بإذن الله عز و جل , مع الأحكام المتبقية للهبة .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    4 ـ المكافأة على الهدية :

    قال يستحب المكافأة على الهدية ، الدليل ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
    (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا )) .
    [ البخاري ]

    وفي رواية :

    (( ويثيب ما هو خير منها )).

    بعضهم قال : هبة الأعلى للأدنى هبة إكرام وإلطاف ، وهبة الأدنى للأعلى هبة منفعة وثواب ، وهبة النظير لنظيره هبة تودد ، إكرام ، منفعة ، تودد ، من أعلى إلى أدنى إكرام ، من أدنى إلى أعلى منفعة .

    قد يحب إنسان أن يستفيد من إنسان ، فيتقرب له بشيء ، فمن مستوى إلى مستوى موازٍ تودد .

    5 ـ العدل في الهبة بين الأولاد :

    الحديث الذي بين يدي ، وهو من أهم الأحاديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
    (( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ )).
    [ رواه البخاري]

    هذا حديث مهم جداً :

    (( إن أحدكم ليعمل طوال حياته بعمل أهل الجنة ، حتى يأتيه الموت فيضار في الوصية فيستحق النار فيدخلها )).
    [ ورد في الأثر ]

    لذلك الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس

    (( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ )).

    الحديث الشهير الذي هو محور هذا الدرس قال عن الشعبي عن النعمان بن البشير قال :

    (( أَنْحَلَنِي أبِي نُحْلاً ـ النحل يعني العطاء ـ فَقالَتْ لَهُ أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ائتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَشْهِدْهُ ـ ما قال :

    أبي نحلني نحلاً ـ فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، قالَ : فَقالَ لَهُ : إنّي نَحَلْتُ ابْنِي النعْمَانَ نُحْلاً ، وَإنّ عَمْرَةَ زوجتي سَألَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ ، قالَ : فقالَ :

    (( ألَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قال : فَكُلّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أعْطَيْتَ النعْمَانَ ؟ قالَ : لاَ : قالَ : فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ المُحَدّثِينَ : هَذَا جَوْرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا تَلْجِئَةٌ ، فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ،

    قالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ : قال النبي : ألَيْسَ يَسُرّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرّ وَاللّطْفِ سَوَاءٌ ؟ قالَ : نَعَمْ ، قال : فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، فإني لا أشهد على جور )).

    وقال في رواية أخرى ذكرها مجاهد :

    (( إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ، كَمَا أنّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقّ أنْ يَبَرّوكَ ، إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ )).

    هذا الحديث وقف العلماء عنده وقفات طويلة ، لكنه يفيد الحديث أنه لا يجوز أن لا تكون عادلاً بين أولادك في العطية .

    يقول لي واحد : هذا يبرني ، هذا الذي ما برك لما فضلت الأول عليه ازداد عداوة لك ، وإذا سويته مع أخيه اقترب منك ، فإذا كان ابنك الذي برك خدمك لله الله يجازيه ، أنت اعدل بينهم جميعاً ، عليك أن تعدل .

    هنا ينتهي هذا الدرس ... و بإذن الله سنكمل موضوعنا مع درس جديد .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخواني و أخواتي , سنبدأ الآن بعون الله تعالى الدرس الثامن عشر لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي . تحت عنوان (( الغرباء في الدين ))

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

    فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُون ِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّة ٍ يَنْهَوْن َ عَن ِ الْفَسَاد ِ فِى الأَرْض ِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم ْ
    و َ اتَّبَع َ الَّذِين َ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيه ِ و َ كَانُواْ مُجْرِمِين
    َ ( 116 )

    ( سورة هود )




    هذه الآية تدل دلالةً قطعيةً على أنَّ الناجينَ قِلة ، وعلى أنَّ المستقيمين قِلة ، وعلى أنَّ الطائعينَ قِلة ، فإذا وجدتَ نفسكَ في عصرٍ ما مع القِلة الطائعة بعيداً عن الكثرة العاصية ، مع القِلة المنيبة بعيداً عن الكثرة المعرضة ،

    مع القِلة المتبّعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام بعيداً عن الكثرة التائهة والضالة فهذه علامة طيبة

    لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدلالةٍ قطعية يؤكد أنَّ أكثرَ من في الأرضِ ..

    و َ إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْض ِ يُضِلُّوك َ عَن سَبِيل ِ الله ِ إِن يَتَّبِعُون َ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِن ْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون َ ( 116 )
    ( سورة الأنعام )

    هناك شعور ينتاب المؤمن .. يارب كلُّ هؤلاء الناس على خِلاف الحق ، أكثرُ هؤلاء الناس ليسوا على الطريق المستقيم ، أيهما على حق أنا أم هم ..

    لِئلا تقعَ في هذا الصِراع ، لِئلا تشعرَ بالوحشة ، لِئلا تشعرَ بأنكَ وحيدٌ في هذا المجتمع التائه ، لِئلا تُحس أن الحقَّ مع هؤلاء الأكثرية فتقول لعلي على ضلال أنا وحدي ، لِئلا تقع في هذه المشاعر التي لا ترتاح لها

    جاءت الآية الكريمة تؤكدُ " فلولا كانَ من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم" بقيةٌ قليلةٌ ينهونَ عن الفسادِ في الأرض ،

    معنى ذلك أنَّ الفسادَ ظهرَ وعمّ ، وأنَّ هذه القِلةَ القليلة تنهى عن الفساد في الأرض ، لو عرضتَ أمرها على الناس لرأوها فِئةً تائهةً .

    لو أُتيحَ لكَ أن تقبضَ مالاً كثيراً من شُبُهةٍ ورفضته تُتهمُ في عقلك ، لو أُتيحَ أن تكونَ في نزهةٍ مع أًصحابك .. النزهة مختلطة .. ورفضتَ هذه النزهة لاتهمت في عقلك، لو جاءكَ خاطِبٌ لابنتكَ من مستوىً رفيع في ماله وفي جاهه وفي عمله ورفضتَ هذا الخاطب لرِقةٍ في دينه تُتهمُ بعقلك

    فلِئلا تقعَ في هذه المشاعر جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد فحوى هذه الآية ، يقول عليه الصلاة والسلام :

    عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى للغُرَبَاءِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ

    وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُحَازَنَّ الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا *

    سنكتفي بهذا القدر كبداية لدرسنا هذا , و بإذن الله تعالى سنتابع غدا ً مع المزيد .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع إيها الإخوة و الأخوات مع القسم الثاني لهذا الدرس :

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الناس خرجوا في الطرقات بلا احتشام وبلا وقار وبلا تستر وبلا انضباط تَبِعوا الأجانب في أزيائهم ، لو أنَّ ثيابَ المرأةِ الأجنبيّة تبذلّت لتبذلّت المرأة المسلمة معها اتباعاً لها ، لو دخلوا جُحرَ ضبِّ خَرِبٍ لدخلتموه ،

    فحينما ترى أنَّ الكثرة الكثيرة خرجوا في الطرقات بلا حجاب بلا احتشام ، بلا وقار ، تتبعوا عادات الأجانب عادةً عادة ، قلّدوهم في كلِّ شيء ، قلّدوهم في احتفالاتهم المُختلطة ، قلّدوهم في إنفاقهم المُترف ، قلّدوهم في أكلهم المالَ الحرام ، قلّدوهم في العلاقات الربوية ، قلّدوهم في تفلت الناس من منهج الله عزّ وجل ،

    إن رأيتَ مجتمعاً هكذا صِفته وأنتَ غريبٌ عنه لا ترضى به تُنكر ما فيه ، فهذه بِشارةٌ طيبةٌ على أنك من الغرباء ، يعني أيها المؤمن لا تشعر بالوحشة ، وحشتك طبيعية جداً وحشتك من الناس طبيعية ، بل هيَ شعورٌ صحيّ للمؤمن .

    يقول عليه الصلاة والسلام : " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء قيلَ يا رسول الله ومن الغرباء الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس "

    البطولة أن تُتاح لكَ الدنيا من أوسع أبوابها ، أن يُتاح لكَ أن تكونَ في أعلى المراتب ، لكنَّ هذه المرتبة التي يطمحُ لها الناس أساسها إيقاع الأذى بالناس ، أو إضلال الناس ، أو إفساد العلاقات ، فمهما كانت هذه المرتبةُ مغريّةً لوجود شُبهةٍ فيها تبتعدُ عنها ،

    إذاً يصلحون إذا فسَدَ الناس ، حينما يَعمُّ الفسادُ في الأرض أكثر الناس لا يبالون أكانَ كسبهم حلالاً أم حراماً ، أكثرُ الناس لا يبالون أكانت علاقاتهم مع بعضهم مشروعةً أو غيرَ مشروعة ،
    أكثرُ الناس لا يبالون إذا كانت أعمالهم أساسها طاعة أو معصية ،

    جاءته وظيفةٌ دخلها كبير ولكن في ممارسة هذا العمل بعضُ المعاصي فرفضها ، لو عرضتَ قصته على الناس لاتهموه بالجنون ، يشعر بغربة حتى أهله حتى أمه حتى أبوه .

    إن شاء الله تبارك و تعالى , سنتابع غدا ً مع القسم الثالث .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الإيمان ليسَ كما يظنُ الناس ، الإيمان ليسَ صلاةً وصياماً فقط ، ليسَ عبادات شكلية جوفاء كما هيَ عندَ الناس ، الإسلام مواقف ، الإسلام منهج متكامل ، الإسلام يدخل في دقائق عملك اليومية ،

    يدخل في مهنتك ، في حرفتك ، في بيتك ، في نزهتك، في لهوك ، في جِدّك ، في سفرك ، في حَضرِك ، الإسلام يعني تقريباً 100 ألف بند ، عندما المسلمون اختصروه إلى أربع خمس عبادات شكليّة وفي ما سِوى هذه العبادات هم على أهوائهم وفقَ نزواتهم ، وفقَ ما يحلو لهم ، وفقَ مصالحهم ، وفقَ طموحاتهم الدنيوية ،

    فصلوا الدينَ عن الدنيا وجعلوا الدنيا في واد والدينَ في واد ، لذلك بلغوا ألف مليون في العالم وليست كلمتهم هي العليا.. لا أقول سفلى .. لكن ليست هي العليا . مع أنَّ الله يقول :

    وَعَدَ الله ُ الَّذِين َ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَ عَمِلُواْ الصًّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرض ِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْد ِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُنَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَ َمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِك َ فَأُوْلائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 55)

    ( سورة النور )

    والحديث الصحيح :

    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ يَا أَكْثَمُ اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ يَحْسُنْ خُلُقُكَ وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ يَا أَكْثَمُ خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَ لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ *

    لو أنَّ عددَ المؤمنين الصادقينَ في الأرض اثنا عشرة ألف رجل ما غُلِبوا فكيفَ إذا كانوا ألفَ مليون .. ألف مليون .. ماذا يعني ذلك ..؟..

    القضية عندَ الله ليست بالمظاهر ، المظاهر الإسلامية الصارخة والمصاحف والأشرطة والخُطب ، والجوامع ملأىَ بالمُصلين ، هذه مظاهر ، تُبشر بالخير ، ولكن ليست كذلك عِندَ الله ، عِندَ الله عدد المسلمين هو عدد الطائعين ، عدد المُلتزمين ، من وليُّ الله ... ؟ .. الوليُّ كلُّ الوليّ الذي تجده عِندَ الحلالِ والحرام .

    فيا أخي الكريم .. إسلامك في معملك ، إسلامك في دكانك ، إسلامك في وظيفتك ، إسلامك في بيعك وشرائك ، إسلامك في تعاملك ، إسلامك في جوارحك ، في مهنتك ، هذا هو الإسلام ...

    أول حديث :" طوبى للغرباء قيلَ ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس " .
    حديثٌ آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :
    " طوبى للغرباء قيلَ ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يزيدون إذا نقصَ الناس "

    ما معنى يزيدون إذا نَقَصَ الناس ..؟.. يعني إذا قلَّ أهلُ الخير زادَ خيرهم وإذا قلَّ أهل المعروف زادَ معروفهم ، وإذا قلَّ أهلُ الورع زادَ ورعهم ، وإذا قلَّ أهلُ الالتزام زادَ التزامهم ، الذين يزيدون في المعروف وفي الورع وفي الطاعة وفي القربات وفي البذل وفي التضحية إذا نَقَصَ الناس .

    يتبع بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •