السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

مع تتمة الموضوع , و قد كنا مع الحكمة القائلة : العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا .

بسم الله الرحمان الرحيم ,

لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا القليل ، فإذا بسَط اللهُ عز وجل للإنسان متَّعه بأحوال عالية ، فربما اعتدَّ بهذه الأحوال ، وظنَّ نفسه مقربًا ، فاستعلى على الناس قليلاً ، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري : ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، العُجْبُ العُجْب .

والآن هناك حكمة مهمة ، يقول ابن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك "، كلام طيب ودقيق ،

فقد تجد مثلاً بلادًا تنعم بغنى كبير ، ورفاهية كبيرة ، والأمور ميسرة إلى درجة مذهلة ، وكل شيء متوافر ، فهذه الدنيا العريضة هي في الحقيقة حجاب بين هؤلاء وبين الله ، وقد تجد مجتمعًا آخر في ضائقة ، وهذه المشكلات تكون لهم دافعًا كبيرًا إلى الله !

فالمجتمعات التي فيها قسوة وضعف ، وفقر وشدة تجد مساجدها ممتلئة ، ودروس العلم عامرة ، والناس ملتفتون إلى الله عز وجل ، فمن أدراك أن هذه الشدة التي ساقها الله لهؤلاء الناس هي سبب قربهم من الله ؟

كل رجل له ظروف نشأ فيها ، وهذه الظروف هي أفضل شيء له ، ولولاها لما كان في هذه الأحوال التي ينعم بها ،

وأحياناً ينشأ الولدُ يتيمًا، وليس معه ثمن طعام ، فيدرس ، فيأخذ أعلى شهادة ، فيتألق ويعيش حياة كريمة ، وهناك رجل قوي وغني ، والابن ليس لديه الدافع ليدرس ، وكل شيء موجود ؛ سيارة وبيت ، وطعام ، وشرب ، ومال ، يموت الأب فيصبح ابنَه وراء الناس في المؤخرة ، فبربك هل اليُتم والفقر خيرٌ أم الغنى والدلال ؟ إنّ الغنى والدلال جعله في المؤخرة ، واليتم والفقر جعله في المقدمة ، أليس كذلك ؟

هذا معنى قول بن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ".
واللهِ أيها الأخوة ؛ ما مِن آية في القرآن الكريم تهز مشاعر المؤمن كقوله تعالى :

و َ عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئا ً و َ هُو َ خَيْر ٌ لَّكُم َ وَ عَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئا ً و َ هُو َ شَر ٌّ لَّكُم و َ الله ُ يَعْلَم ُ و َ أَنتُمْ لَا تَعْلَمُون َ
(سورة البقرة)

دع الأمر لله عز وجل ، واستسلم لقضائه ، وارضَ بما أنت فيه ، واقبَل واقعك ، وقل : يا رب لك الحمد الذي أوجدتني ، ولك الحمد الذي أمددتني ، ولك الحمد الذي هديتني ، "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، ..

سنتابع بإذن الله غدا ً , مع المزيد من الحكم :

* " متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء " .

* " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .