أولاً: كيفية وصول المنار إلى إقليم جنوب شرق آسيا
عندما ظهر المنار رافعاً شعار محاربة البدع والخرافات، ومفنداً ما يثار من شبهات حول الإسلام، وكاشفا عن سوءات المستعمر الغربي في بلاد المسلمين، كان إقليم جنوب شرق آسيا المسلم يعيش حالة استقطاب فكري حاد بين تيارين متعارضين: أحدهما تقليدي، مذهبي يسعى إلى تمكين المذهب الشافعي، وما خالطه من عادات وتقاليد موروثة في تصريف شؤون الناس الحياتية، ويستأنس في ذات الوقت بأدبيات المدرسة الصوفية القائمة على زيارة القبور والأضرحة، والاعتقاد بكرامات الأولياء والصالحين وبركاتهم. أما التيار الثاني فقد كان تيارا نخبوياً، ينتشر نفوذه في أوساط الصفوة الوطنية المتعلمة، التي كانت مبهورة بقيم، وإنجازات الحضارة الغربية في الإصلاح والرقي، وتُشكك في أهلية الإسلام، وقدرته على حلّ مشكلات المسلمين، وقضاياهم الآنية في الإقليم. وبين هذين التيارين المتباعدين ظهر تيار ثالث ينادي بمحاربة المستعمر، وضرورة العودة إلى الإسلام القائم على ثوابت الشرع، وهدي السلف الصالح. إلا أن هذا التيار كان يفتقر إلى السند الشعبي، والتوجه الفكري النافذ لتحقيق أهدافه المنشودة، ووجد نشطاؤه ضالتهم في مجلة المنار، التي وثَّقت عرى ترابطها بالإقليم قبل أن يكتمل عامها الأول. ومع مرور الوقت استطاعت المجلة أن تجتذب، وبشكل تدريجي، إلى دائرة نشاطها التجديدي الإصلاحي كوكبةً من القراء والمشتركين، الذين درجوا على مراسلتها مستفسرين عن بعض القضايا المرتبطة بالبدع والخرافات، وأحياناً ناشرين على صفحات المنار بعض الأخبار التي تكشف عن واقع المسلمين في الإقليم، وتوضح جانباً من دسائس المؤسسات التنصيرية وسط المسلمين.
كانت مدرسة دار الدعوة والإرشاد التي أسسها الشيخ محمد رشيد رضا عام 1331ﻫ/1912م، بهدف تأهيل دعاة أكفاء يُبصّرون المسلمين بأمور دينهم، ويكونون بمثابة درع فكري في وجه النشاط التبشيري، من أهم القنوات التي أسهمت في نقل آراء المنار، وأفكاره الإصلاحية إلى إقليم جنوب شرق آسيا. وقد كان من أهم الأهداف التي نهضت بها هذه المؤسسة الوليدة تأهيل خريجيها ليكونوا صفوة مختارة من الذين هم في حاجة ماسة للعلم، كطلاب جنوب شرق آسيا، والصين، وإفريقيا جنوب الصحراء، وبالفعل التحق عدد من طلاب جنوب شرق آسيا بمدرسة دار الدعوة والإرشاد، ونهلوا من معينها. وبعد أن أكمل هؤلاء الطلاب تعليمهم بالمدرسة عادوا إلى أوطانهم وعاظاً في مجال الدعوة والإرشاد، ومعلمين في المدارس الإسلامية التي أُسست بمبادرات محلية، وامتهن بعضهم العمل الصحفي والإعلامي.
وبجانب الدور الذي قام به خريجو مدرسة الدعوة والإرشاد في بث تعاليم المنار في إقليم جنوب شرق آسيا، ساهم أيضاً في عملية البث والتنوير عددٌ من الطلاب الملايويين الذين تعرفوا على أدبيات المنار، وانبهروا بها، عندما كانوا يدرسون في رحاب المسجد الحرام، أو في الأزهر الشريف، وكان من أشهر هؤلاء الداعية والصحافي الملايوي طاهر جلال الدين الذي أصبح من قادة "قوم المنار" الذين كان يُشار إليهم بالبنان في النصف الأول من القرن العشرين. وبعد عودة هؤلاء الإحيائيين الجدد شهدت منطقة أرخبيل الملايو حضوراً متصاعداً لأنشطة "قوم المنار"، التي كانت تهدف إلى الارتقاء بعقيدة التوحيد، وتخليصها من الشوائب التي علقت بها بفعل عوام المتصوفة، ودعاة التقليد، الذين كانوا لا يتعاطفون البتة مع أي نوع من الإصلاح يتعارض مع واقعهم الاجتماعي، ومكانتهم الدينية في أوساط السواد الأعظم من السكان. ويبدو أن هذا التجاوب المتصاعد مع دعوة الإصلاح والإحياء قد حثّ الشيخ محمد رشيد رضا على تعيين وكيل دائم له في مدينة سنغافورة يكون مسؤولاً عن توزيع مجلة المنار بين القراء والمشتركين. ولا شك أن ذلك قد أسهم في توسيع دائرة انتشار المنار، والتعرف عن كثب على تعاليمه الإصلاحية التي كانت تنادي بنبذ البدع والخرافات، وتدعو إلى تحقيق توافق بين معطيات الحضارة الأوربية، وبين ثوابت الدين الإسلامي. ولا شك أن هذه المجموعة من القرّاء قد أسهمت في تقوية نفوذ "قوم المنار" في جنوب شرق آسيا لأنها استطاعت أن تكوِّن لنفسها قاعدة صلبة في أوساط الشبان المتحمسين لتعاليم الشيخين عبده ورضا. ومع مرور الوقت لعبت هذه المجموعة دوراً رائداً في بث تعاليم المنار في المنطقة عن طريق عدد من المؤسسات التعليمية، والجمعيات الخيرية التي أُنشئت لهذا الغرض.


رد مع اقتباس
