ثانياً: جنوب شرق آسيا على صفحات المنار
تُعد منطقة جنوب شرق آسيا من أهم المناطق خارج الدائرة العربية التي انداحت فيها تعاليم المنار، واستطاعت تلك النشرة أن تُحدث نقلة نوعية في عقلية الفرد المسلم، الرافضة للتجديد والإصلاح والمتعاطفة فقهياً مع موروثات المذهب الشافعي، والمتلاطفة وجدانياً مع بدع المتصوفة وخرافاتهم. إلى جانب ذلك وُجدت الاستراتيجية الاستعمارية التي كانت تقف سداً في وجه أي ضرب من ضروب الانتماءات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر سلباً على وجودها السياسي، ومصالحها الإمبريالية. وفي ظل هذا الواقع المملوء بالتناقضات نشأ حوار إصلاحي متبادل بين صاحب المنار، وبين "قوم المنار" في جنوب شرق آسيا، تجسّدت فصوله ومشاهده في المحاور التالية:
1- الوجود الاستعماري والتنصير في جنوب شرق آسيا
كانت منطقة أرخبيل الملايو المسلم من أوائل المناطق التي خضعت للاستعمار الأوربي، الذي بدأت طلائعه بسيطرة البرتغاليين على مملكة ملَكَََا الإسلامية عام 917ﻫ/1511م، وتوطن نفوذه باستيلاء الهولنديين على الجزر الإندونيسية في القرن السابع عشر للميلاد، وتعاظمت مصالحه بتأسيس الإنجليز لشركة الهند الشرقية التي استطاعت أن تسيطر على مراكز تجارة التوابل، والحرير في المنطقة وتوابعها. ومنذ ذلك التاريخ أضحت المنطقة هدفاً لنزاعات القوى الأوربية الكبرى، التي حاولت السيطرة على الموارد الاقتصادية الهائلة للإقليم، مع العمل على طمس معالم هويته الإسلامية، ويبدو أن مسلمي الأرخبيل كانوا في حيرة من أمرهم في كيفية محاصرة هذا المد الاستعماري، لذا نجد بعضهم قد اتصل بصاحب المنار محاولاً الاستئناس برأيه في رفع ضيم المستعمر الأوربي عنهم. ووجدتْ بعض رسائلهم ومقالاتهم طريقها للنشر على صفحات المنار. ويتضح من فحوى الرسائل المتبادلة بين الجانبين أن صاحب المنار كان على تواصل مستمر مع " قوم المنار" في منطقة جنوب شرق آسيا، حاثاً إياهم على مناهضة المستعمر الأوربي بشتى الطرق المتاحة لهم.
أما القضية الأخرى التي شغلت حيزاً معتبراً على صفحات المنار، ووطَّنت لحوار هادف بين صاحب المنار، وبين الإحيائيين الجدد في أرخبيل الملايو فهي قضية التنصير، وما أحدثته من شروخ في البنية العقدية لمسلمي تلك المنطقة. وتبلورت استجابة صاحب المنار لنداءات واستغاثات مسلمي المنطقة في شكل نصح وإرشاد حاثاً إياهم على فتح المدارس الدينية التي تُؤسَس على منهج متكامل يوائم بين العلوم الإسلامية، وبين العلوم الحديثة، يسهم بدوره في تثقيف الناشئة بأمور دينهم، وشؤون دنياهم، ويجعلهم قادرين على مواجهة الأنشطة التنصيرية في مجتمعاتهم، ويحثهم في الوقت نفسه على تأسيس الجمعيات الإسلامية التي تستطيع أن تسهم في تمكين المبادىء السلفية القائمة على ترسيخ عقيدة التوحيد، ومحاربة البدع والخرافات. ويبدو أن هذه النصائح المتكررة قد وجدت قبولاً في أوساط الأهلين، حتى إن تفسير المنار قد تُرجم إلى الملايوية.
2- فتاوى المنار في جنوب شرق آسيا
إن إمعان النظر في جملة الفتاوى التي نُشرت رداً على الأسئلة والاستفسارات التي وردت إلى المنار من قرائها في جنوب شرق آسيا توضح أنها زاوجت بين مقاصد الشريعة الإسلامية، وبين القضايا المعاصرة في مجال العبادات والمعاملات، والمسائل الطارئة بفعل إفرازات الحداثة الأوربية. وشملت هذه الفتاوى قضايا متنوعة مثل إعطاء الزكاة والصدقة للشرفاء ومعاملتهم، وكيفية التصرف في الأوقاف الدينية، وأدبيات الطرق الصوفية المتمثلة في كرامات الأولياء والصالحين والتوسل بهم، وزيارة القبور وتجصيصها، وإشكالات المعاملات المالية الحديثة المرتبطة بالأعمال البنكية، والشركات التجارية، والفوائد الربوية، وقضايا الأسرة الخاصة بالزواج والطلاق، والميراث، وحضانة الأبناء، ومسائل الفن المتعلقة بالغناء، والتصوير والتمثيل، وسماع الموسيقى، وشرعية التعامل مع المخترعات الحديثة واستعمالها، وموضوعات أخرى متعددة عن الفرق الدينية، والمذاهب الفقهية، والخمر، والتبغ، والشطرنج، واليانصيب، واللباس الإفرنجي، والعلم والعلماء، واللغة العربية، وكيفية التعامل مع غير المسلمين. وباستعراض الفتاوى والتعليقات التي قدّمها الشيخ محمد رشيد رضا رداً على المسائل والأسئلة التي وردت عليه من منطقة جنوب شرق آسيا يتضح أنه كان يعتني عناية بالغة بالنصوص، والمرويات، والأسانيد قبل أن يرجح استعمال العقل، والاجتهاد الشخصي، ولا يقر بالاجتهاد الشخصي إلا بعد تأكده الجازم من عدم وجود نص قطعي في الكتاب، أو السنة، أو أثر من آثار السلف يُعتمد عليه في تقرير الحكم.
والواقع أن هذه الحيطة الشديدة أثّرت سلباً على قيمة بعض الفتاوى التي أصدرها الشيخ رضا، وبخاصة تلك المرتبطة بالمسائل العصرية، التي لم يصدر بشأنها حكمٌ واضح في المدونات الفقهية القديمة، مثل فتواه عن شرعية استخدام جهاز التصوير الشمسي، ووضع الصور الفوتوغرافية، أو اليدوية على جدران البيوت. حيث جنح صاحب المنار إلى تحريم التصوير الشمسي، واستعمال الآلة الشمسية الفوتوغرافية بحجة أن هذا الأمر يقوم على ذريعة تؤدي إلى الشرك دون اعتبار تبدل الظرف الزماني والمكاني الذي أحاط بمقصد النص الشرعي، أو تقدير لفوائد التصوير الفوتوغرافي في حقل العلوم والدراسات الحديثة. وفي ذلك اعتماد مفرط على المنقول، وتحكيم النصوص، والأسانيد دون تفعيل عقلاني لمبدأ الجمع بين القراءتين.
3- المنار وحضارمة جنوب شرق آسيا
يتشكل الهرم الاجتماعي للجالية الحضرمية في جنوب شرق آسيا من طبقتين رئيستين: طبقة السادة العلويين، وطبقة الحضارمة غير العلويين، ويُقصد بالسادة العلويين الحضارمة آل علوي بن عبيد الله بن الإمام المهاجر، الذين يرفعون نسبهم إلى سبط الرسول الحسين بن علي بن أبي طالب، وهم مجموعة أسر ذائعة الشهرة العلمية والسياسية والاجتماعية في جنوب شرق آسيا. وبفضل خصوصية انتسابهم إلى الرسول أصبحوا يمثلون طبقة أرستقراطية في الإقليم، لها مقام محمود يسمو على مقامات الأولياء والحكام. كانت علاقة المنار بهذه المجموعات الحضرمية المهاجرة في جنوب شرق آسيا في جوهرها علاقة إصلاحية، تسعى إلى إعادة صياغة التركيبة الاجتماعية الموروثة، وتوزيع الأدوار الدينية وفق معايير تجديدية لا تقوم على خصوصية نَسبية، أو جاه ديني موروث، ومن هنا نشأ التعارض الذي ولّد خصومة بين صاحب المنار، وبين دعاة التقليد في أوساط السادة العلويين الحضارمة الذين اعتبروا دعوة المنار الإحيائية نشازاً لا يتفق مع واقعهم الموروث. وكانت أم القضايا التي أشعلت نار الخصومة بين السادة العلويين، وبين صاحب المنار هي قضية المساواة الشرعية بين المسلمين، لأن معظم السادة العلويين كانوا يرفضون مبدأ المساواة، ويترفعون عن بقية الشعوب، والأجناس المسلمة بحجة سمو كفاءتهم النَسبية إلى الرسول . وتبلورت هذه الخصومة بين صاحب المنار، وبين السادة العلويين في ميلاد حركة إصلاحية جديدة في أوساط الحضارمة أثبتت قدرتها على التعاطي المتبصر مع أدبيات صاحب المنار، والتفاعل معها عبر آليات إصلاحية مكّنتها من صياغة البنية التحتية للمجتمع الحضرمي في جنوب شرق آسيا.
والناظر في حيثيات هذا التراشق الفكري يلحظ أن المجتمع الحضرمي في أرخبيل الملايو قد انقسم إلى اتجاهين فكريين متعارضين، أحدهما يتزعمه الإصلاحيون، ومن خلفهم صاحب المنار، والآخر يتزعمه السادة العلويون، ومنْ شايعهم من دعاة التقليد والجمود.


رد مع اقتباس
