النتائج 1 إلى 7 من 7

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    97

    افتراضي تكملة

    رابعاً: تفسير المنار في جنوب شرق آسيا
    كان تفسير المنار بمثابة القاعدة التي استند إليها محمد رشيد رضا في تعضيد آرائه الفقهية والسياسية والاجتماعية، وفي تفنيد دعاوى خصوم الإصلاح والتجديد، الذين كانوا يشككون دوماً في منطلقات دعوة المنار الإصلاحية، ويعضدون آراءهم وحججهم بالرجوع إلى التفاسير القرآنية المأثورة. والأمر الآخر أن تفسير المنار قد أفلح في دفع الإصلاحيين الجدد في إقليم جنوب شرق آسيا إلى رفض فكرة هيمنة التفاسير القديمة. وبهذه الكيفية أضحى تفسير المنار بمثابة الأنموذج لكثير من التفاسير الملايوية، والتي اقتفت أثره شكلاً ومضموناً. ومن أشهر هذه التفاسير تفسير الشيخ مصطفى عبد الرحمن محمود الذي جمع بين التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، ودرج على الاستئناس بتفسير المنار، وتفسير المراغي، وتفسير محمود شلتوت، ثم وظّف حصيلة هذا الاستئناس في مجاهداته ضد العادات، والتقاليد الملايوية المخالفة لروح الشرع.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    97

    افتراضي تكملة

    خامساً: أهمية المنار في جنوب شرق آسيا
    استطاع المنار أن يُحدث تواصلاً ثقافياً، وتأثيراً فكرياً في إقليم جنوب شرق آسيا، تجلت معالمهما في عدة محاور. أول هذه المحاور دعوة الإصلاحيين الجدد في جنوب شرق آسيا إلى قيم معرفية جديدة، مفادها أن الوحي المقدس هو ينبوع المعرفة الكاملة بجميع ألوانها وفنونها، وأساس المجتمع الفاضل الذي لا يُفصل فيه بين الدين والسياسة، ولا يُسعى فيه لإحداث قطيعة بين العقيدة والعلم. وعلى هدي هذه الدعوة بدأ "قوم المنار" يشككون في صدقية تراث المقلدين، والمتصوفة، ذلك التراث الذي تواضع عليه سادتهم وكبراؤهم منذ أمد بعيد، تعللاً بأنه تراث مخالف لثوابت القرآن والسنة، وقادح في دينامية الفقه الاجتهادي التي يمكن من خلالها أن يتجاوز المسلمون حاجز القطيعة المصطنعة بين النص الديني، وبين شؤون الناس الحياتية. بيد أن هذا التشكيك قد قاد إلى انشطار العقلية الفقهية في إقليم جنوب شرق آسيا إلى تيارين متخاصمين: أحدهما نخبوي يقوده الإصلاحيون الجدد الذين اشتهروا ب-"قوم مودا"، وثانيهما تيار جماهيري يقوده المتصوفة، ومقلدو المذهب الشافعي الذين عُرفوا ب- " قوم توا".
    المحور الثاني تبدّى في أن التجاوب الإيجابي مع مجلة المنار، ورسالتها الإصلاحية
    قد أسهم في بزوغ الصحافة الإسلامية في جنوب شرق آسيا التي يُقدَّر عدد
    إصداراتها بخمسين صحيفة، وبعشرات المجلات التي صدر معظمها في فترة ما بين الحربين (1333ﻫ/1914م - 1365ﻫ/1945م)، وتتجلى أهمية محتويات هذه الوسائط الصحافية في أنها تكشف النقاب عن الدور الذي اضطلع به قوم المنار في جنوب
    شرق آسيا بصفتهم قادة حركة الإصلاح والتجديد التي تشكّلت ثوابتها حول إحياء التراث الإسلامي القائم على ثوابت الكتاب والسنة، ومحاربة البدع والخرافات والشعوذة، وتشجيعاً للتعليم مع مجاهدة الأنشطة التنصيرية، والوجود الاستعماري في الإقليم.
    المحور الثالث: تبلور في حقيقة أن المنار قد تمكن من شحذ عقلية "قوم مودا" بقضية الانفتاح على الثقافة العصرية الأوربية، والاستفادة منها في تجاوز القطيعة القائمة بين قيم المسلمين الموروثة، وبين متطلبات الحداثة الأوربية، إلا أن دعوة الانفتاح كانت متناقضة في ذاتها، لأن صاحب المنار حاول من جهة أن يحث أنصاره من الإصلاحيين الجدد في جنوب شرق آسيا على تطعيم الثقافة الإسلامية ببعض العلوم والمعارف العصرية المزدهرة في الغرب مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب، ومن جهة ثانية حاول أن يقدح في قيم الحضارة الغربية، ويصفها بالمادية والإلحاد والتقابلية، وعدم التوافق مع ثوابت الحضارة الإسلامية. ويبدو أن هذا التأرجح بين هذين الموقفين قد خلَّف نوعاً من الرؤية الضبابية في عقلية الإصلاحيين الجدد في الإقليم، فالذين تمسكوا بالجانب الإحيائي لدعوة المنار نأوا بأنفسهم عن قضية التواصل مع الحضارة الأوربية، ثم ركزوا جهودهم على إحياء تراث السلف باعتباره السبيل الأمثل للنهوض بالأمة الإسلامية، وأما الذين زاوجوا بين الجانب الإحيائي، والاستئناس بمنجزات الحضارة الأوربية فقد كانت تنقصهم الرؤية المعرفية الكاملة لمعرفة طبيعة القيم التي تحكم مسارات الثابت، والمتغير في الحضارة الغربية.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    97

    افتراضي تكملة

    سادساً: منهج تحقيق الكتاب وتبويب موضوعاته وتحقيق نصوصه
    في تحقيقه وتعليقه على الكتاب اتبع أحمد إبراهيم أبو شوك منهجاً صارماً، ودقيقاً في جمع المادة وتبويبها، وفق قراءة تجمع بين الوحدة الموضوعية، والترتيب الزمني للقضايا والتساؤلات والفتاوى والتعليقات التي طُرحت على صفحات المنار بشأن واقع المسلمين في جنوب شرق آسيا، وكيفية معالجتها من حيث الترتيب الزمني والموضوعي مع الأخذ بعين الاعتبار أنها نُشرت منجّمة في أعداد مفرّقة، ومقامات مختلفة.
    قام محقق الكتاب بتبويب الموضوعات الخاصة بجنوب شرق آسيا على نسق جديد يلتزم بوحدة الموضوع، والترتيب الزمني ما أمكن لأن كثيراً من المقالات والأسئلة والفتاوى والتعليقات الصادرة بشأن القضايا المثارة جاءت منجمة أو مكررة أحياناً. ولتسهيل مهمة القارىء آثر المحقق حصرها في عشرة فصول رئيسة.
    يحوي الفصل الأول عدداً من الأسئلة والفتاوى الخاصة بقضايا العبادات. ويتناول الفصل الثاني جملة الأسئلة، والتعليقات، والفتاوى المرتبطة بقضايا المعاملات المدنية، والمالية التي أفرزتها أدبيات الاقتصاد الرأسمالي، وثقافة المستعمر الغربي في جنوب شرق آسيا. ويدور محور الفصل الثالث حول التساؤلات، والتعليقات، والفتاوى الخاصة بقضايا الأسرة وتقاليد المجتمع. ويحوي الفصل الرابع جملة من الأسئلة، والفتاوى، والتعليقات المتعلقة بالتصوف، وأدبيات المتصوفة في الإقليم. ويشمل الفصل الخامس عدداً من المقالات، والتعليقات المتصلة بسياسات الاستعمار الغربي، وحركات التنصير المسيحي في الإقليم. ويتناول الفصل السادس الاستفسارات، والفتاوى، والتعليقات التي طُرحت بشأن شرعية الفن والمخترعات الحديثة. ويتطرق الفصل السابع إلى قضايا العلم والعلماء في شكل حوار فكري، ومساجلة بين دعاة الإصلاح والتجديد، وبين أنصار التقليد والمحاكاة. ويتطرق الفصل الثامن إلى المسائل المرتبطة بأدبيات الإصلاح والتقليد في الإقليم. ويستعرض الفصل التاسع القضايا المرتبطة بوضع العرب الحضارمة في الإقليم. وأما الفصل العاشر والأخير فيحوي جملة الأسئلة، والفتاوى، والتعليقات المتنوعة التي تهتم بالشأن الإسلامي في الإقليم.
    فيما يختص بتحقيق النصوص اعتمد الباحث في تقويم النصوص الخاصة بجنوب شرق آسيا، وتحقيقها على الطبعة الثانية للمجلد الأول التي صدرت عن مطبعة المنار عام 1327ه-، والطبعة الأولى للمجلدات الأخرى حسب تسلسلها الزمني، كما قام بمهمة التثبت من صحة الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والنصوص المقتبسة بعد الرجوع إلى مصادرها، حيث أبان موضع كل آية، ومصدر كل حديث، ونص مقتبس، في الحواشي التوضيحية المصاحبة للنص، ويُحمد للمحقق أنه قام بمعالجة معظم الأخطاء اللغوية الناتجة عن التحريف أو التصحيف، أو الزيادة، أو السقط، وأشار إلى ذلك في الحواشي وعلّق عليها.
    قام المحقق بترتيب مادة كتابه في مجلدين زادا في مجموع صفحاتهما على الألف صفحة من القطع المتوسط، في عشرة فصول رئيسة حسب الموضوع. ولم يكتف بذلك بل أضاف لكل فصل أو بند العنوانَ الذي يناسب المادة الواردة بين دفتيه، ثم قام بوضع كل عنوان مضاف بين معكوفتين متقابلتين.
    قام المحقق بالتصرف في نقل عدد من البنود التي اقتضى السياق الموضوعي إعادة تبويبها، وتحويلها من فصل إلى آخر، وقد أشار إلى كل تصرف مثل هذا في موضعه. ثم قام بوضع رقم كل صفحة من صفحات النصوص الأصلية بين معكوفتين متقابلتين، وفي بداية الكلمة التي تبدأ عندها الصفحة المعنية.
    وللحفاظ على روح النصوص الأصلية، وطبيعة الظرف الزمني، والمكاني التي أحاط بها، فقد قام المحقق بوضع الملحق خاص، راعى فيه الترتيب الزمني الذي تسلسلت عبره هذه النصوص على صفحات المنار. وبهذا التسلسل يكون المحقق المثابر قد حافظ على وحدة الموضوع، والترتيب الزمني في آن واحد. ودلالة ذلك أن القارىء يستطيع متابعة التسلسل الموضوعي لمادة الكتاب بيسر وسهولة من خلال فصوله العشرة، كما يستطيع أيضاً أن يحلل موضوعات المجلدين في إطار الظرف الزمني الذي تخلّقت وتشكّلت فيه.
    وأخيراً، إن هذه المراجعة لا تُغني عن قراءة هذا السفر القيم، وتدبّر ما سلكه محققه من منهاج، بل نزعم أن فهم وضع المسلمين في أرخبيل الملايو، ودور علمائهم، ومثقفيهم في إثراء الحوار الفكري الجاد حول القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شغلتهم آنذاك، لا يتأتى بشكل كامل إلا بالقراءة الفاحصة، والمتعمقة لهذا الكتاب المتميز. ويبقى تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك للآثار الكاملة لمجلة المنار عن إقليم جنوب شرق آسيا إضافة متميزة للمكتبة العربية الإسلامية.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •