خامساً: أهمية المنار في جنوب شرق آسيا
استطاع المنار أن يُحدث تواصلاً ثقافياً، وتأثيراً فكرياً في إقليم جنوب شرق آسيا، تجلت معالمهما في عدة محاور. أول هذه المحاور دعوة الإصلاحيين الجدد في جنوب شرق آسيا إلى قيم معرفية جديدة، مفادها أن الوحي المقدس هو ينبوع المعرفة الكاملة بجميع ألوانها وفنونها، وأساس المجتمع الفاضل الذي لا يُفصل فيه بين الدين والسياسة، ولا يُسعى فيه لإحداث قطيعة بين العقيدة والعلم. وعلى هدي هذه الدعوة بدأ "قوم المنار" يشككون في صدقية تراث المقلدين، والمتصوفة، ذلك التراث الذي تواضع عليه سادتهم وكبراؤهم منذ أمد بعيد، تعللاً بأنه تراث مخالف لثوابت القرآن والسنة، وقادح في دينامية الفقه الاجتهادي التي يمكن من خلالها أن يتجاوز المسلمون حاجز القطيعة المصطنعة بين النص الديني، وبين شؤون الناس الحياتية. بيد أن هذا التشكيك قد قاد إلى انشطار العقلية الفقهية في إقليم جنوب شرق آسيا إلى تيارين متخاصمين: أحدهما نخبوي يقوده الإصلاحيون الجدد الذين اشتهروا ب-"قوم مودا"، وثانيهما تيار جماهيري يقوده المتصوفة، ومقلدو المذهب الشافعي الذين عُرفوا ب- " قوم توا".
المحور الثاني تبدّى في أن التجاوب الإيجابي مع مجلة المنار، ورسالتها الإصلاحية
قد أسهم في بزوغ الصحافة الإسلامية في جنوب شرق آسيا التي يُقدَّر عدد
إصداراتها بخمسين صحيفة، وبعشرات المجلات التي صدر معظمها في فترة ما بين الحربين (1333ﻫ/1914م - 1365ﻫ/1945م)، وتتجلى أهمية محتويات هذه الوسائط الصحافية في أنها تكشف النقاب عن الدور الذي اضطلع به قوم المنار في جنوب
شرق آسيا بصفتهم قادة حركة الإصلاح والتجديد التي تشكّلت ثوابتها حول إحياء التراث الإسلامي القائم على ثوابت الكتاب والسنة، ومحاربة البدع والخرافات والشعوذة، وتشجيعاً للتعليم مع مجاهدة الأنشطة التنصيرية، والوجود الاستعماري في الإقليم.
المحور الثالث: تبلور في حقيقة أن المنار قد تمكن من شحذ عقلية "قوم مودا" بقضية الانفتاح على الثقافة العصرية الأوربية، والاستفادة منها في تجاوز القطيعة القائمة بين قيم المسلمين الموروثة، وبين متطلبات الحداثة الأوربية، إلا أن دعوة الانفتاح كانت متناقضة في ذاتها، لأن صاحب المنار حاول من جهة أن يحث أنصاره من الإصلاحيين الجدد في جنوب شرق آسيا على تطعيم الثقافة الإسلامية ببعض العلوم والمعارف العصرية المزدهرة في الغرب مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب، ومن جهة ثانية حاول أن يقدح في قيم الحضارة الغربية، ويصفها بالمادية والإلحاد والتقابلية، وعدم التوافق مع ثوابت الحضارة الإسلامية. ويبدو أن هذا التأرجح بين هذين الموقفين قد خلَّف نوعاً من الرؤية الضبابية في عقلية الإصلاحيين الجدد في الإقليم، فالذين تمسكوا بالجانب الإحيائي لدعوة المنار نأوا بأنفسهم عن قضية التواصل مع الحضارة الأوربية، ثم ركزوا جهودهم على إحياء تراث السلف باعتباره السبيل الأمثل للنهوض بالأمة الإسلامية، وأما الذين زاوجوا بين الجانب الإحيائي، والاستئناس بمنجزات الحضارة الأوربية فقد كانت تنقصهم الرؤية المعرفية الكاملة لمعرفة طبيعة القيم التي تحكم مسارات الثابت، والمتغير في الحضارة الغربية.