مراجعة كتاب الآثار الكاملة لمجلة المنار عن جنوب شرق آسيا (1898- 1935م)
الفاتح عبدالله عبد السلام
تقديم وتحقيق وتعليق: أحمد إبراهيم أبو شوك
توطئة:
قام محمد رشيد رضا في العام 1315ﻫ/1898م بتأسيس مجلة المنار، وكان ذلك حدثاً صحافياً وفكرياً وعقائدياً هاماً للغاية، لأنه ظهر ليملأ فراغاً إصلاحياً سببه ضعف الصحافة الإسلامية التي وهنت بعد احتجاب مجلة العروة الوثقى عام 1301ﻫ/1884م. وكان ملء هذا الفراغ الصحافي يقتضي الدخول في حوار فكري مفتوح مع تيارين علمانيين شكَّلا عقلية القارئ العربي في تلك الحقبة. ويتزعم أحدهما نخبة من مثقفي الطائفة المارونية المسيحية، التي كان لها موقف معاد للإسلام ينبع من معاداتها للدولة العثمانية، ويتعاطف مع المدّ الاستعماري الأوروبي، ومعطيات الحداثة الغربية باعتبارها البديل الأمثل لإصلاح شأن الأمة العربية، وتحديث واقعها الراهن. وانطلاقاً من هذا المبدأ فقد استطاعت هذه النخبة أن تروّج لأفكارها، وبرامجها التحديثية عبر وسائط صحافية عربية نافذة مثل مجلة المقتطف لصاحبيها يعقوب صروف، وفارس نمر، وجريدة الأهرام للأخوين سليم تقلا، وبشارة تقلا، ومجلة الهلال لصاحبها جورجي زيدان. أما التيار الثاني فقادته مجموعة من المفكرين، والساسة المسلمين العرب الذين انبهروا بنهضة الغرب الأوروبي عندما قارنوها بتخلف النموذج العثماني، الذي حسبوه النموذج الإسلامي الأوحد، فظنوا أن الاستئناس بالنموذج الغربي هو المخرج الوحيد من الأزمة الخانقة التي يعاني منها الشرق الإسلامي. وكان في مقدمة هؤلاء أحمد لطفي السيد، ومنصور فهمي، وطه حسين.
وبين هذين التيارين العلمانيين، ومؤسساتهما الصحافية والإعلامية حاول المنار أن يصدع برسالة تجديدية إصلاحية، تستمد شرعيتها ومرجعيتها من ثوابت الوحي، وأدبيات السلف، وتسعى لتأسيس علاقة تجديدية بين تلك الثوابت الشرعية، وبين قيم الواقع الإنساني المتغيرة، وقد استند خطاب هذه العلاقة التجديدية إلى دعامتين:
تتمثل أولاهما في الاهتمام بالتربية والتعليم، ونشر المبادئ السلفية، وذلك استئناساً بمنهج الأستاذ محمد عبده الذي عوّل على الإصلاح الاجتماعي دون الانزلاق في هاوية العمل السياسي الذي كان محفوفاً بالمخاطر، ومعوِّقاً لأي نشاط إصلاحي هادف. ومن ثم كان اهتمام المنار منصباً نحو تسخير العقيدة والدين لمعالجة الواقع المادي وإشكالياته الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية التي سادت ذلك العصر.
وتسعى ثانيتهما إلى توفير الحلول الشرعية العملية لإشكالات الأمة الإسلامية التي تأثرت بمعطيات الحداثة الأوربية، وبعض أدبيات تيار التقليد، ومحاكاة الموروث، الذي تدثر بتراث قرون التراجع والجمود، ووجد ضالته في مناهج المؤسسات التعليمية التقليدية، وتعاليم الطرق الصوفية التي استبدلت الشعوذة والخرافة بحقيقة التصوف الذي يقضي بتهذيب النفس وتشذيبها، وفتاوى النصوصيين التي عزلت النصوص عن مقاصدها الشرعية المبتغاة منها.
على هدي هذه الأهداف التجديدية، والمنطلقات الإصلاحية استطاع المنار أن يؤسس مدرسة فكرية تقوم على قواعد الإصلاح الإسلامي الجليل، وتسعى إلى التوفيق بين الإسلام، وبين حاجات العصر الحديث. وكانت أدبيات هذه المدرسة تنشر، وتسّوق على صفحات المنار الذي درج محمد رشيد رضا على تحرير معظم أبوابه، مع الاستئناس بتفسير القرآن الكريم للشيخ محمد عبده، وبعض آرائه الإصلاحية، وإفساح المجال لبعض المهتمين الذين تواضعوا على رفده بالمقالات، والبرقيات الإخبارية، والأسئلة المرتبطة بشؤون الناس الدينية والحياتية، وكان في مقدمة هؤلاء: مصطفى صادق الرافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وشكيب أرسلان، ورفيق العظم، ووصفي رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد توفيق صدقي، وشبلي النعماني، ومحمد عمران الملايوي. وكان جنوب شرق آسيا من أكثر المناطق الإسلامية خارج العالم العربي التي تأثرت بأدبيات هذه المدرسة الإصلاحية، لأن مجلة المنار استطاعت أن تجذب إلى دائرة اهتمامها نخبة من القراء والمشتركين والوكلاء الذين كانوا على صلة وثيقة بصاحبها، وذلك عن طريق الأسئلة والاستفسارات التي كانوا يبعثونها إليه في مقره في القاهرة، إضافة إلى المقالات والموضوعات التي تواضعوا على نشرها على صفحات المنار.


رد مع اقتباس
