"فاول!"

تداعيات مباراتي كرة القدم بين مصر والجزائر، في الجانب السياسي والإجتماعي والثقافي، أكبر وأخطر من نتيجة الفوز، ذلك أنّها أخرجت المباريات من حيّز الرياضة إلى دائرة العداء والمعارك الحربية، وعكست للأسف الشديد حالة من "الهستيريا الشعبية"، كادت تصل إلى أزمة دبلوماسية، وهو ما لم يحدث مع إسرائيل في العدوان على غزة!

أصل البلاء في اندلاع هذه المناوشات بين وسائل الإعلام والجماهير المصرية والجزائرية، سببه الإعلام اللامسئول فى الدولتين الشقيقتين ونشره للإثارة والتحريض، بالإضافة إلى الموقف الحرج للمنتخبين في تصفيات المجموعة الثالثة المؤهلة للمونديال.

كما أن بعض الأقلام والألسنة فى مصر والجزائر ذهبت إلى ما لا يقبله عاقل فى مجال التجريح والإتهام واستعادة وقائع تجاوزها الزمن وشهدتها مناسبات رياضية سابقة بين البلدين.

ومعروف أن مباريات مصر والجزائر تشكل حساسية مفرطة بين منتخبي البلدين وجماهيرهما لأنها تعيد للأذهان أحداث مباراة المنتخبين في مشوار التأهل لكأس العالم 1990 وما حفلت به من أعمال شغب وعقوبات وردود أفعال تحولت إلى أزمة سياسية بين البلدين آنذاك.

قبيل مباراة القاهرة، صوّر مشجعو المنتخب الجزائري الفريق المصري على أنه مجموعة من العرايا والفاسقات، فردّ المصريون برسم امرأة يلفها العلم الجزائري وتحتها عبارة "إرقصي يا خضرا"، فقام مشجعو الجزائر بحرق العلم المصري وتسيير المظاهرات بشرية ضد مصر وذهبوا أبعد من ذلك إذ فتحوا الملفات التي لا تحب الحكومة المصرية الخوض فيها، وردّ المصريون بمعايرة إخوانهم الجزائريون بالموقف المصري المتضامن مع ثورة الجزائر وبكلام من "العيار الكبير" في موضوعات لا يصح أن تدخل طرفاً في التنابز بين مشجعي فريقين.

بعدها كتب المصريون لأشقائهم الجزائريين سنجعلكم مليون وأحد عشر شهيداً في إشارة إلى الفريق الجزائري الذي سيسقط في ملعب القاهرة، وأعلنت بعض الفنادق القاهرية بأنها لن تستقبل اللاعبين والمشجعين الجزائريين.

بدورها لم تسلم الفنانة وردة الجزائرية من هذه المعركة، فبعد تصريحها بأنها تتمنى فوز المنتخب الجزائري هاجمها المصريون بشدة وطالبوا حكومتهم بعدم السماح لها بدخول القاهرة أو إحياء الحفلات هناك. ووصلت الإشتباكات المتبادلة إلى الهجوم على الحكومات في البلدين واستهزاء كل طرف بالآخر في أكله وثيابه وعاداته وتقاليده وأسلوب كلامه.

وقد أصيب العديد من الأشخاص بعد المباراة التي جمعت مصر والجزائر في القاهرة، وانطلقت شرارة المواجهات بين الجمهورين عندما رمت مجموعة من المشجعين المصريين الحجارة على حافلة تقل مشجعين جزائريين، وأتت هذه الحادثة بعد رشق حافلة لاعبي المنتخب الجزائري والتي نتج عنها إصابة بعض لاعبي المنتخب الذين وضعوا ضمادات على رؤوسهم خلال المباراة مما ساهم في تهييج الجماهير.

وهكذا، ورغم الإنتصار في الملعب، كللت مصر بهزيمة ثقيلة على مستوى الرعاية وأصول الضيافة.

وقد ألغى مصريون سفرهم إلى الجزائر خوفاً على حياتهم بعدما قام مشجعين جزائريين بتهديد الركاب المصريين على الرحلة "بالذبح" لدى وصولهم إلى الجزائر، كما هوجمت مقار الشركات المصرية وسكن موظفيها في الجزائر وتم تخريبها، مما أدى إلى رحيل العاملين المصريين بالمئات.

ووصلت الهستيريا إلى خارج المنطقة العربية، فقد قامت الجالية الجزائرية الكبيرة بأعمال الشغب في بعض المدن الفرنسية الكبرى، واندلعت اشتباكات في مدينة مرسيليا بين الشرطة وشبان حطموا واجهات المتاجر أعقاب خسارة المنتخب الوطني الجزائري أمام نظيره المصري، وأضرم الشبان النار في السيارات، وأحرقوا صناديق القمامة وعدّة قوارب كانت راسية في الميناء.

كما لم يكن حجاج بيت الله من المصريين والجزائريين بعيدين عن المباراة وأجوائها ومشاحناتها، بالرغم من قداسة المكان وهيبته. ولقد صرّح الداعية الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي "بفتوى رياضية" عندما دعا جماهير الكرة في مصر والجزائر لنبذ التعصب والإلتزام بالروح الرياضية والتحلي بالأخوة وتقبل الخسارة في المباراة، ورفض أي أعمال شغب أو عنف، واصفاً من يتعمد إلحاق كسر أو عاهة بالمنافس بأنه يرتكب جريمة من أكبر الجرائم.

ولقد استغلت الصحف الاسرائيلية ما حدث وأبدت ابتهاجها به، ولعبت على حبال تصريحات المشجعين من الطرفين لتقول في النهاية أن العرب يكرهون بعضهم بعضاً وما عليكم إلا سماع تصريحات المصريين والجزائريين لتصدقوا ما نقول.

كان من المفترض أن يكون الجميع سعداء بفوز أي منتخب عربي وتأهله للمونديال، لكن واقع الحال أن مباراة كرة قدم تكاد تودي بعلاقات الشعبين المصري والجزائري، فكيف سيقف العرب كأمة واحدة في وجه المخطط الصهيوني الرامي إلى تهويد القدس وهدم الأقصى واحتلال الأرض من النيل إلى الفرات، وكيف لأمة تنشغل بمباراة كرة قدم لدرجة "إعلان الحرب" أن تدافع عن فلسطين أو العراق أو الصومال!

عبد الفتاح خطاب
* نشرت في جريدة اللواء (ص17) 18/11/2009