صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 151 إلى 200 من 266
  1. #151
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , مع درس جديد بعنوان (( بعض الحكم العطائية )) . و للأمانة الدرس السابق مقتبس من موسوعة فضيلة الدكتور محمد النابلسي , و كذلك الأمر بالنسبة لهذا الدرس .

    نبدأ الآن مع القسم الأول من الدرس السادس عشر .

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علمًا ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الأخوة الكرام ؛ انطلاقاً من قول الله عز وجل :

    و َ مَن يُؤْت َ الْحِكْمَة َ فَقَدْ أُوتِى َ خَيْرا ً كَثِيرا ً (سورة البقرة)

    الحكمة أن تعرف الحقيقة ! والحكمة أن تعرف سرّ وجودك وأن تعرف لماذا أنت في الدنيا ، وأن تتاجر مع الله ، وأن تكسب الدار الآخرة ، وأن تزكي نفسك ، وأن تسعد بربك ، كلمة جامعة مانعة ، ولأن خالق الأكوان يقول لنا :

    و َ مَن يُؤْت َ الْحِكْمَة َ فَقَدْ أُوتِى َ خَيْرا ً كَثِيرا ً (سورة البقرة)

    ولأن خالق الأكوان يقول لنا :

    قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل ٌ

    (سورة النساء)


    فلو ملكت البلاد وجاءك ملك الموت فلابد من مفارقة الدنيا .

    ولذلك فإنَّ الأنبياء كُتِب عليهم الموت ، وإنّ المؤمنين والكفار كتب عليهم الموت ، لأن الموت مغادرة ، فالبطولة أن يكون لك عند الله ما بعد الموت حظٌ كبير ،

    فمن يؤتى الحكمة يعمل للدار الآخرة ، والكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

    لقد اشتهر في العالم الإسلامي الحكم العطائية ، وهي في الحقيقة من أجَلِّ الحِكَم ، وقد درّستها قبل سنوات عديدة ، وأخ كريم تمنى علي أن نقف وقفة عند بعض حكم ابن عطاء الله السكندري ، الحقيقة أنّي تصفحت هذه الحكم ، و اخترت لكم بعضها ، وبعض قوله :

    "هذه الحكم بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض ، وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه ".

    المعاني التي تتضمنها هذه الحكم رائعة لما فيها من فوائد ... و بإذن الله سنبدأ بشرحها في القسم الثاني من درسنا .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  2. #152
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    نتابع بإذن الله تعالى مع تفسير الحكم التي وصلنا إليها بالأمس .

    "هذه الحكم بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض ، وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه ".

    فالإنسان تعتريه أحوال ، وفي بعض الأحيان يشعر بانشراح وامتداد وسرور وطمأنينة ، والحديث عن المؤمنين ، وعن طلاب العلم ، عمن يطلب ويرجو الله واليوم الآخر ، فأنا أخاطب طلاب علم ، وأخاطب رواد مسجد ، و أخاطب أناسًا إن شاء الله لهم باع طويل في معرفة الله ، فالحديث ليس عاماً ، بل هو خاص بالمؤمنين ،

    ففي بعض الأحيان تشعر بانشراح وامتداد وتألق وطمأنينة وسعادة ، وأنتَ أنتْ ، وأنت مستقيم ، وتؤدِّي عباداتك كلها ، وأنت وقّاف عند كتاب الله، وأنت مطبق لمنهج الله تشعر بالقبض فما الذي حصل ؟

    الذي حصل هو أن الله سبحانه وتعالى ربّ العالمين ، فلو أن هذا الانبساط استمر ، فالانبساط من لوازمه أن تضعف عبادة الإنسان ، وأن تضعف همته ، وأن يكسل عن بعض الطاعات ، ويأتي الانقباض .

    فالله عز وجل يتجلَّى تارة باسم الجليل فتنقبض ، ويتجلى تارة باسم الجميل فتنشرح ، فقد يأتي القبض ، وقد يأتي البسط ، والحقيقة أن الله عز وجل يريدك أن تكون معه ، لا أن تكون عبدًا للأحوال ،

    * فيجب أن تقدم له الأعمال ، أمّا الأحوال فمرَغِّبة معينة أحياناً ، ولكن ليست مقياساً ، والعلم حَكَم على الحال ، فبسطك كي لا يبقيك مع القبض ، فالله حكيم ، و لو استمر القبضُ لضجر الإنسانُ ،

    يأتي القبض فيضيق الإنسانُ به ذرعاً ، فيأتي البسط فيرتاح ، ولو استمر البسط نحن لسنا كالصادقين والأنبياء المقربين لا ، فنحن حينما نرتاح نضعف ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه ‍! ويمضي النهار في الدعوة إلى الله .


    فَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا *

    (صحيح مسلم)

    سنتوقف عند هذا الحد , لنكمل حديثنا غدا ً إن شاء الله عز و جل مع المزيد .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  3. #153
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    تتمة الموضوع :

    أحدنا إذا عمل عملاً صالحاً ، أولاً يعلن عنه كثيراً ، ويملأ الدنيا صخباً ، ثم يرتاح بعدها راحة عفوية ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يجهد النهار ويجهد الليل ويقول : " أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " فربنا عز وجل يعالجنا بالقبض والبسط ،

    فإذا تبحبحنا يأتي القبض ، وإذا كدنا نيأس يأتي البسط ، أنت ما مهمتك ؟ مهمتك أن تعبده وأن تدع أمر القبض والبسط إليه ، والدليل على ذلك أن الله عز وجل يقول :

    بَل الله َ فَاعْبُد ْ و َ كُن مِّن َ الشَّاكِرِين َ ( 66 )

    (سورة الزمر)

    فهذه مهمتك ، ارتَحْ وأَرِحْ ، فأنا عليّ أن أطيعه ، وهو ليفعل بي ما يشاء ، فهو رحيم وحكيم وعليم وقدير ، وأنا علي أن أطيعه ، و تمثلوا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف :

    اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك "
    (الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر )

    ولا يوجد كلام أروع ولا أدق ولا أجمل ولا أعبق ولا أكثر أدبًا مع الله عز وجل من هذا الكلام ! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتك أوسع لي"

    فإذا أعطاك فالحمد لله ، و إذا منعك فالحمد لله ، و إذا بسطك فالحمد لله ، و إذا قبضك فالحمد لله ، و إذا رفعك فالحمد لله ، و إذا خفضك فالحمد لله ، و إذا ضيّق عليك فالحمد لله ، فهذا المؤمن الصادق ،

    والله عز وجل الذي تحبه وتعبده وتؤثره وتشتاق إليه ، فهذا الذي أنت فيه هو قراره ، وقل مع الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ليس في الإمكان أبدع مما كان ، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، ولو أن كل إنسان انزعج من شيء ساقه الله إليه ، ثم كشف الله له علم الغيب لمَا تمنَّى إلا أن يكون كما هو .

    ومرة قرأت مثلاً دقيقًا ؛ أب عنده بنت جميلة ، عمرها اثنتا عشرة سنة ، قطعة من الجمال والحيوية ، تملأ البيت حبوراً ، لو أنها ماتت فموتُها شيء لا يحتمل ، وشيء مؤلم ، لا سمح الله ولا قدر ، ولو أن الله كشف له أن هذه إذا عاشت عمرًا مديداً كانت زانية ، والأب صاحب دين ومؤمن ماذا يسأل الله ؟ يا رب اقبضها !

    لو أن الله كشف لك ما سيكون لما أردت إلا ما هو كائن ، ولا تمنيت إلا ما هو كائن ، ولذلك استسلمْ دائماً ، وعندنا حالة اسمها القبول ، فالمؤمن يقبل واقعه ، وهذا القبول مسعد ، عبَّر عنه علماء القلوب بالرضا ، فهو راضٍ عن الله ،

    قال له : يا رب هل أنت راض عني ؟ وكان وراءه الإمام الشافعي فقال له : هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : يا سبحان الله من أنت ؟ فقال : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .

    بإذن الله تعالى نتابع غدا ً .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  4. #154
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم , نكمل ما بدأنا به :

    إذا كنتَ تستقبل مكروه القضاء بالرضا فأنت تعرف الله ، فأنا لا أحب أن ينشغل المؤمن بالأحوال ، ...

    و .. الأحوال مسعدة ، والانقباض صعب ، ولكن الله يربِّينا عن طريق الانبساط والانقباض ، وعن طريق البسط والقبض ، والله عز وجل من أسمائه الباسط والقابض ،

    يفهمون هذين الاسمين على أنهما بمعنى مادي ، أي يعطي المال أو يأخذه ، وهذا معنى مقبول ، لكن هناك معنى أرقى فهو قابض ، أي يقبض نفسك ، فإذا هي تضجر ، و باسط ، أي يبسطها ، فإذا هي تتألق ، لقد بَسَطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ،

    و أنت له ، أنت عبد الفتاح ، لا عبد الفتح ، وأنت عبد الله ، لا عبد الأحوال ،

    والأحوال يستمتع بها الأشخاص الذين ليس عندهم غير الأحوال ، وهي مسعدة ممتعة ، و بالتقريب إذا جلس إنسان في حمام وملأ الحوض ماًء فاترًا ، واستلقى ، فارتاح ، فهو شيء مريح ، ولكنه لا يصبح تاجرًا عقب هذه الاستلقاءات ، ولو أمضى كل يوم ثماني ساعات لا يكون عالمًا ،

    و الاستمتاع ليس له أيّة ثمرة، فلو أنّ إنسانًا كان هدفه الأحوال فقط دون الأعمال فلا يرقى عند الله ، والذي يرفعك عند الله هو العمل ، قال تعالى :

    و َ الْعَمَل ُ الصَّالِح ُ يَرْفَعُه ُ
    (سورة فاطر)

    ولكن لا مانع من أن الله عز وجل يربِّي هذا الإنسان عن طريق الأحوال ؛ عن طريق القبض تارة وعن طريق البسط تارة أخرى ،

    والإمام علي كرم الله وجهه يقول : النفس لها إدبار ولها إقبال ، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت فاحملوها على الفرائض " ، وفي حالة القبض يجب أن تحافظ على الفرائض ، وفي حالة الانبساط ينبغي أن تسعى إلى النوافل ، لكن هناك أشخاص إيمانهم ضعيف ، فما دام في بسط فهو مرتاح ، فإذا أصيب بالقبض تجده يقصّر ، و حينما تقصر مع القبض فهذه بادرة غير طيبة إطلاقاً .


    * لدينا حكمة أخرى متعلقة بهذه الحكمة الأولى ، " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " .


    إن شاء الله تعالى , سنتابع مع هذه الحكمة و غيرها غدا ً .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  5. #155
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    سنسلط الضوء على حكمة أخرى متعلقة بهذه الحكمة الأولى ، " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " .

    ... " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " فمع الانبساط مزل القدم ، وهذا الشيء يستنبط من أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن نفسه :

    جاءه جبريل قال : يا محمد أتريد أن تكون نبياً ملكاً ؟ أم نبياً عبداً ؟ فقال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره " ، ويبدو أن تلوين حياة المؤمن أكثر صلاحاً له من ثباتها على حال عالٍ ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره .

    و الآن القوي والضعيف ، فالقوي إذا كان إيمانه عاليًا بقوة يصالح المسلمين ، ولكن مع القوة توجد المزالق ، ومع الغنى توجد المزالق ،

    فإذا كان احتمال الانزلاق كبيرًا فالضعف أفضل من القوة ، وإذا كان الانزلاق كبيرًا مع الغنى فالفقر أقرب إلى السلامة من الغنى ، قال له : أتريد أن تكون نبياً ملكاً ؟ أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره،

    فالعارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا ، وأكثر الناس يتوهمون أن الصبر للفقير ! لا ، بل الصبر للغني ! وكيف ؟

    فالفقير ما الذي هو متاح أمامه ؟ الدخل المحدود والبيت والعمل ، فلو أنّ غنيًّا سافر إلى بلد غربي ، ومعه الملايين فيتُاح له أن يفعل كل شيء ، وأن يرتاد أي مكان ، وأن يجلس في أي متنزه ، وأن يدخل أي ملهى ، وأن يلتقي مع أية امرأة في أي فندق متاح له ، فإذا اكتفى بغرفته في الفندق ، إلى مكتب العمل ، وعاد إلى بلده وذكر الله كثيراً ،

    فمن هو الذي يحتاج إلى الصبر أكثر ؟ هو الغني ، لأنّ المال قوة ، والمال يتيح له أن يفعل كل شيء ، وأن يأكل ما يشاء ، وأن يلتقي مع مَن يشاء ، وأن يسكن في أي مكان شاء ، وهذه الحرية التي يتيحها المال تحتاج إلى صبر ، فالقوي بإمكانه أن يظلم ، ولو استفزه رجل لبطش به فوراً ، لأنه قوي ،

    فالقوي في أمس الحاجة إلى الصبر أكثر من الضعيف ، وقد تجد أخًا مؤمًنا ملتزمًا تماماً متألقًا مرتاحًا ، فإذا ازداد الحال معه ، تجده إن رأى رجلاً مقصرًا يقول له : ماذا حصل لك ؟ فهو يصاب بنوع من الاستعلاء ، فهذا الحال فيه اعتداد ، وغفلة عن الله عز وجل ، فمع الغفلة أحياناً يأتي الانقباض ، انقباض بحجمك .

    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  6. #156
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    مع تتمة الموضوع , و قد كنا مع الحكمة القائلة : العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا .

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا القليل ، فإذا بسَط اللهُ عز وجل للإنسان متَّعه بأحوال عالية ، فربما اعتدَّ بهذه الأحوال ، وظنَّ نفسه مقربًا ، فاستعلى على الناس قليلاً ، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري : ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، العُجْبُ العُجْب .

    والآن هناك حكمة مهمة ، يقول ابن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك "، كلام طيب ودقيق ،

    فقد تجد مثلاً بلادًا تنعم بغنى كبير ، ورفاهية كبيرة ، والأمور ميسرة إلى درجة مذهلة ، وكل شيء متوافر ، فهذه الدنيا العريضة هي في الحقيقة حجاب بين هؤلاء وبين الله ، وقد تجد مجتمعًا آخر في ضائقة ، وهذه المشكلات تكون لهم دافعًا كبيرًا إلى الله !

    فالمجتمعات التي فيها قسوة وضعف ، وفقر وشدة تجد مساجدها ممتلئة ، ودروس العلم عامرة ، والناس ملتفتون إلى الله عز وجل ، فمن أدراك أن هذه الشدة التي ساقها الله لهؤلاء الناس هي سبب قربهم من الله ؟

    كل رجل له ظروف نشأ فيها ، وهذه الظروف هي أفضل شيء له ، ولولاها لما كان في هذه الأحوال التي ينعم بها ،

    وأحياناً ينشأ الولدُ يتيمًا، وليس معه ثمن طعام ، فيدرس ، فيأخذ أعلى شهادة ، فيتألق ويعيش حياة كريمة ، وهناك رجل قوي وغني ، والابن ليس لديه الدافع ليدرس ، وكل شيء موجود ؛ سيارة وبيت ، وطعام ، وشرب ، ومال ، يموت الأب فيصبح ابنَه وراء الناس في المؤخرة ، فبربك هل اليُتم والفقر خيرٌ أم الغنى والدلال ؟ إنّ الغنى والدلال جعله في المؤخرة ، واليتم والفقر جعله في المقدمة ، أليس كذلك ؟

    هذا معنى قول بن عطاء الله السكندري : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ".
    واللهِ أيها الأخوة ؛ ما مِن آية في القرآن الكريم تهز مشاعر المؤمن كقوله تعالى :

    و َ عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئا ً و َ هُو َ خَيْر ٌ لَّكُم َ وَ عَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئا ً و َ هُو َ شَر ٌّ لَّكُم و َ الله ُ يَعْلَم ُ و َ أَنتُمْ لَا تَعْلَمُون َ
    (سورة البقرة)

    دع الأمر لله عز وجل ، واستسلم لقضائه ، وارضَ بما أنت فيه ، واقبَل واقعك ، وقل : يا رب لك الحمد الذي أوجدتني ، ولك الحمد الذي أمددتني ، ولك الحمد الذي هديتني ، "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، ..

    سنتابع بإذن الله غدا ً , مع المزيد من الحكم :

    * " متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء " .

    * " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  7. #157
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * "متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء" ، وينبغي لك أنْ توقن أنّ الأشياء التي حُرِمتَ منها لو كشف الغطاء لشكرت الله على حرمانك منها ! وهذا هو الإيمان ، الإيمان معه راحة .

    المشكلة أن المصيبة تقع ، والعبرة لا أن تتأكد من وقوعها ، فوقوعها سهل ، فأحياناً يقع زلزال ، وتتناقل وكالات الأنباء أخبار هذا الزلزال ، ويذاع في كل إذاعة ، وينشر في كل صحيفة ، ويُرى في كل الأخبار المصورة ، فهل العبرة أن ترى حوادث الزلزال ، أم أن تفهم حكمة الزلزال ؟

    العبرة أن تفهم الحكمة ، والبطولة لا أن تتأكد من وقوع مصيبة ، إنما البطولة أن تعرف الحكمة من هذه المصيبة، والآية الكريمة :

    و َ مَن يُؤْمِن بِِالله ِ يَهْد ِ قَلْبَه ُ
    (سورة التغابن)

    فمِن حكمة المصيبة ، إذا آمن الإنسان بالله يهدي قلبه ،

    * ويقول ابن عطاء الله السكندري أيضاً : " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".

    وقد ذكرت أن الإنسان عنده دوافع ، فالدافع إلى الطعام هذا أساسي لبقاء الفرد ، والدافع إلى الطرف الآخر من الجنس لبقاء النوع ، ولكن عنده دافع آخر إلى تأكيد الذات في التفوق إلى بقاء الذكر ، هذا الدافع الثالث لك أن تسميه دافع العزة :

    فاجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

    و مستحيل ثم مستحيل أن توالي الله ثم لا يعزك ، والذين وقفوا مع النبي عليه الصلاة والسلام هم في أعلى عليين ، والذين حاربوه وكفروا به هم في أسفل السافلين ،

    فالصحابة الكرام الأبطال الأعلام ، وكبار القادة المسلمون ، وكبار علماء المسلمين ، يذكرهم المسلمون في اليوم ملايين المرات ، أما الذين حاربوا الإسلام فيُذكَرون بأشنع الصفات ، فمثلاً : أبو جهل هل يترحَّم أحد عليه ؟ مستحيل ، قاتله الله ، وأبو لهب ، قاتله الله ، وسيدنا الصديق رضي الله عنه ! خلال ألف وأربعمائة عام كلما ذكره مسلم ترضَّى عنه ، فماذا فعل ؟ لقد وقف مع النبي ، ومرة ذكرت آية وهي تدعو إلى الحيرة :

    إِن تَتُوبَا إِلَى الله ِ فَقَد ْ صَغَت ْ قُلُوبُكُمَا و َ إِن تَظَاهَرَا عَلَيْه ِ فَإِن َّ الله َ هُو َ مَوْلَاه ُ و َ جِبْرِيل ُ و َ صَالِح ُ المُؤْمِنِين َ و َ الْمَلائِكَة ُ بَعْد َ ذَلِك َ ظَهِير ٌ ( 4)
    (سورة التحريم)

    العلماء قالوا : هذه الآية معناها : أنه لمجرد أن تفكر في معاداة أهل الحق ، ومعاداة الدين ، وفي إطفاء نور الله ، اعلم من هو الطرف الآخر ! أنت بأي بلد تعرف هذا الإنسان له صلة بأعلى جهة هل تسبب له مشكلة في الطريق ؟ لا بل تريد السلامة منه ، وتعرف من وراءه،

    فإذا أراد الإنسانُ أن ينال من الدين ،هو أحمق ، لأن الطرف الآخر هو الله ، والطرف الآخر حياته بيده، و قلبه بيده ، ودسّامات قلبه بيده، وكليتاه بيده ، يوجد عند الله أمراض وبيلة ، والله عنده قهر ، وعنده خسف .
    فَخَسَفْنَا بِه ِ و َ بِدَارِه ِ الأَرْض َ
    (سورة القصص)

    فربنا عز وجل عنده أشياء كثيرة ، فكلما كنت مؤمناً تأدبت مع الله كثيراً ، وإن أردتَ أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى :

    اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت !

    يتبع إن شاء الله مع حكمة جديدة .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  8. #158
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و حمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    آخر حكمة : " العطاء من الخلق حرمان ، والمنع من الله إحسان "
    أحياناً ينالك من إنسان فاسق فاجر عطاء ، فتميل له ميلاً شديدًا ، وبهذا الميل تجامله ، وتنافق له أحياناً، وتسترضيه ، وهو ليس أهلاً لذلك ، فحجبك عن الله ، فعطاء هذا الإنسان سبب حرمانك من رحمة الله ...

    ... ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام : " رب لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق " تميل له ، وإذا ملت إلى كافر أو منافق فقد أصبحتَ أسيرًا عنده ، إذ يتكلم بالخطأ فتجامله ، ويقول لك : رافقني إلى المكان الفلاني فتستحي منه ،

    والأغنياء الشاردون عن الله مثل البحر وأنت القارب ، فإذا بلعت شيء من ماءه بلعك كلك ، والسفينة إذا بلعت من ماء البحر شيئًا بلعها كلها ! فأنا أتمنى أن يبقى الإنسان مع المؤمنين ، ولا يقبل عطاءً من إنسان فاسق فاجر ، يعطيه شروطًا معينة ، فالعطاء من الخلق حرمان ، والمنع من الله إحسان ،

    إنتــــــــــــــــــهى .

    وهذه بعض الحكم :

    1. بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه .

    2.العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل .

    3.ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء .

    4.إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى ، فلا تستعزَّنَّ بعزٍ يفنى .

    5.و العطاء من الخلق حرمان ، والمنع من الله إحسان .

    يتبع مع درس جديد , بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  9. #159
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و حمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الدرس السابع عشر : الهبة : " أصولها وأحكامها ومع من تصح " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أيها الإخوة الأكارم ، من حين إلى آخر أجد من المناسب أن نعالج موضوعاً في الفقه تشتد الحاجة إليه ،
    واليوم نعالج موضوع الهبة ، فأكثر الناس يقعون في إشكالات مع أولادهم في حياتهم ، فيما يعطونهم فيما يمنعونهم ، فيما يوصون إليهم ..إلخ .


    1 ـ ما هي الهبةُ ؟

    جاء في القرآن الكريم :
    رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّة ً طَيِّبَة ً إِنَّك َ سَمِيع ُ الدُّعَاء ِ ( 38 ) ( سورة آل عمران ) .

    الهبة تمليك إنسان مالاً لغيره في الحياة بلا عوض .

    2 ـ الفرقُ بين الهبة والبيع والإعارة والوصية :

    الآن عندنا عدة حالات ، فإذا كان بعِوَضٍ صارت بيعاً ، إذًا : التمليك في الحياة فقط صار إعارة ، فإذا استردت الهبة انتفع بها لوقت معلوم صارت إعارة ، و إذا وهب الشيء ، وأضيف إلى ما بعد الوفاة صار وصية .

    هناك شيء دقيق ، الهبة في الشرع عقد موضوعه تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض ، فإذا أباح الإنسان ماله لغيره لينتفع به ، ولم يملّكه إياه كان إعارة ، الهبة شيء والإعارة شيء ، الإعارة أن تهب مالك لينتفع به أخوك لكن على أن تسترده صار إعارة .

    أما إذا أهديت ما ليس بمال فليس هدية ، الخمر ليس بمال إطلاقاً ، لحم الخنزير ليس بمال ، الشيء المحرم ليس مالاً ، والشيء الذي لا قيمة له ليس مالاً ، والشيء الذي لا تملكه ليس مالا .

    وإذا كان التمليك مضافاً إلى ما بعد الحياة صار وصية ، وإذا كان بعوض صار بيعاً ، و العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ، فإذا قلت لمن يشتري منك مصحفاً :

    ... وهبتك هذا المصحف بمئة ليرة فهذا عقد بيع ، لو قلت : بعتك هذا المصحف بلا ثمن هذا عقد هبة ، لو قلت : بعتك بلا ثمن فهو عقد هبة ، وهبتك بمئة ليرة فهو عقد بيع .




    3 ـ الهبة المطلقة :

    الهبة المطلقة ، معنى المطلقة أيْ : في حدها الشرعي ، لا تقتضي عوضاً ..
    .



    يتبع بإذن الله تعالى , مع : 4_ المعاني الفرعية للهبة .
    5_ الحكمة ُ من تشريع الهبة .



    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .




    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  10. #160
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    نكمل الآن مع :

    4 ـ بعضُ معاني الهبة :

    هناك معان فرعية للهبة ، الإبراء هبة ، لك على فلان مبلغ من المال ، تقول له : وهبتك هذا الدين ، أنت ما قدمت له شيئًا ، ما مسكت شيئًا وسلمته إياه ، ما ملكته إياه ، لك عليه ذمة .

    فالهبة في بعض معانيها تعني الإبراء ممن هو عليه ، و الصدقة تأخذ معنى الهبة ، أنت قدمت لإنسان مبلغا من المال ، حاجة ، لباسًا ، شيئًا ينتفع به ، أنت نويتها صدقة ، فالهبة تأخذ معنى الصدقة أحياناً ، وتأخذ معنى الإبراء أحياناً ، و تأخذ معنى الهدية أحياناً أخرى .

    مثلاً : أنت ضحيت في العيد ، الشرع سمح لك أن تقدم ثلث الأضحية لأصدقائك ، فإذا طُرق باب الرجلِ ، وأعطوه قطعة لحمة فليس معناها أنه فقير ، أحب أخوك ، أو صديقك ، أو جارك أن يتودد إليك بقطعة لحمة ، هذه ما فيها شيء .

    الشيء الثاني : وقسم للفقراء ، وقسم أن تأكله أنت ، فما كل شيء يقدم لك اسمه صدقة ، قد يكون يأخذ مأخذ الهدية ، أنت لست بحاجة للشيء ، لكن هناك معانٍ نبيلة جداً أرادها الشارع الحكيم من الهدية .

    إذا نشأ مع أخيك شيء من الجفاء فحلّه بهدية ، قدم له هدية ، لك قريب جاءه مولود فقدمت له هدية ، الهدية كما قال عليه الصلاة والسلام :

    (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا ، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ )) .
    [ مالك في الموطأ ]

    إذاً : من المعاني الفرعية للهبة الإبراء ، والصدقة ، والهدية ،...

    لما شرع ربنا عز وجل الهدية فمن أجل تأليف القلوب ، وتوثيق عُرى المحبة بين الناس .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

    (( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ... إِنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ )) .
    [ الترمذي ]

    (( إياكم وفساد ذات البين ، فإنها الحالقة ، لا أقول : حالقة الشعر ، ولكن حالقة الدين )) .

    [ البزار بإسناد جيد عن ابن الزبير ]

    إذا نشأ بينك وبين أخيك فساد ، أو قطيعة ، أو هجران ، هذا أسلوب يفتت العلاقات ، يمزق الجسد الإسلامي .

    عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

    (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا )) .
    [ متفق عليه ]

    *** و الله عز وجل يسترضى ، يسترضى بالصدقة ، بالهدية .
    (( باكروا بالصَّدقة ، فإن البلاء لا يتخطاها )) .

    [ رواه أبو الشيخ ، وابن أبي الدنيا والبيهقي ، عن أنس ] .

    (( صدقة السر تطفئ غضب الرب )) .
    [ أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ] .



    5 ـ الحكمةُ من تشريع الهبة :

    إذاً : شرع الله الهبة لما فيها من تأليف القلوب ، وتوثيق عُرى المحبة بين الناس ...

    فعن أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ، وأخرجه البيهقي ، وقال الحافظ : إسناده حسن ، قال :

    (( تَهَادَوْا تَحَابُّوا )) .
    [ مالك في الموطأ ]


    يتبع بإذن الله تعالى , مع :

    * معنى تهادوا , و نقاط أخرى سنذكرها تباعا ً إن شاء الله عز و جل .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  11. #161
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * معنى تهادوا :

    الذي يعرف اللغة يفهم معنى تهادوا ، تهادوا على وزن تفاعلوا ، ماضيه فاعَلَ ، وزن فاعلَ يفيد المشاركة ، تريد أن تقدم هدية ، والذي تلقى الهدية عليه أن يقدم هدية ، ليس في هذا كسب إطلاقاً ، لكن تنشأ مودة ،

    >>> ... ، ليس هناك خسارة ، عملية مقابلة فقط ، لكن سبحان الله ! المقابلة وحدها تنشئ هذه المودة ..
    فالهدايا باب كبير من أبواب البر بين الناس .

    إذاً : " تهادوا " ، ليقدمْ أحد هدية لأخيه ، وعلى الذي تلقى الهدية عليه أن يرد الهدية مثلها ، لذلك العوام عندهم كلمة بسيطة : الهدية دين ووفاء ، دعاك فادعُه ، أهداك تهديه ، عاونك تعاونه ، لذلك النبي الكريم يقول :

    (( ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه )).
    [ رواه الطبراني عن الحكم بن عمير ] .

    كلمة " الله يعطيك العافية " ، " تفضلت " ، " كثر خيرك " ، الله يجزيك الخير " ، كله كلام لا معنى له إن لم يكن له واقع عملي .

    ((ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له )).
    [ رواه الطبراني عن الحكم بن عمير ] .

    أي أن الدعاء للذي قدم لك معروفاً لا يقبل إذا كنت تستطيع أن تقدم له شيئاً مقابل الذي قدمه لك ،
    فعلى الإنسان أن يعوّد نفسه هذه العادة ، فلا تقل : أنا ما لي عند أحد شيء ، بل كل شيء قدمه لي الناس هذا فضل منهم ، وعليّ أن أرد الجميل ، بهذه الطريقة ينشأ مجتمع كالبنيان المرصوص .

    * انسَ ما قدّمتَه للناس واذكر ما قدّمه الناسُ لك :


    لذلك عندنا قاعدة ، هذه قاعدة ذهبية : أيّ شيء قدمته للناس يجب أن تنساه ، وكأنه ما كان ، و أي شيء قدمه الناس لك يجب ألا تنساه حتى الموت ، إذا كنتَ تريد أن تُحب ، وتريد أن يحبك الناس ، تريد أن يرضى الله عنك ، تريد أن تكون سمعتك عطرة ، تريد أن يلهج الناس عنك بالثناء ، وإذا خدمك أحدُهم خدمة يجب ألا تنساها حتى الموت ، .. ،

    و إذا قدمت خدمة فإياك أن تذكرها ،
    فقط تقول : أنا أعطيتك ، أنا قدمت لك ، عاونتك ، دعوتُك مرتين ، قدمت لك هدية في عرسك ، بهذا ألغيتَ الهدية . إن عملت عملا فإياك أن تذكره ، أنت عاملت الله .


    أذكر لكم حديثا شريفا أيها الإخوة ، هذا الحديث الشريف يلقي على قلب كل واحد منكم السكينة والاطمئنان ، لو أنك خدمت الناس ، والناس أساءوا لك ، لو خدمت ومقابل الخدمة إساءة ، الحديث :

    (( اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله )) .
    [ رواه ابن النجار عن علي ] .

    علامة الإخلاص لله عز وجل أنك لا تنتظر على عملك الصالح شيئاً ، لا ثناء ، أخي والله العملية ناجحة ، لو كتب هذا المريض عني في الجريدة كلمتين ، أنت خدمته لله ، لا تنتظر الشكر ، ولا الامتنان ، ولا التنويه في الجريدة ، ولا باقة ورد ، ولا شيء إطلاقاً ، خدمته لله خذ أجرك من الله ...

    بإذن الله تبارك و تعالى , سنكمل غدا ً مع المزيد .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  12. #162
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    وصلنا إلى هذه النقطة :

    *النبي يقبل الهدية ويكافئ عليها :

    قد كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ، ويثيب عليها ، وكان يدعو إلى قبولها ، ويرغب فيها ، فعند أحمد من حديث خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

    (( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ ، وَلَا يَرُدَّهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ )) .
    [ أحمد ]

    الإشراف معناه التطلع ، أحيانا تكون حاملا لغرض ، وأحدهم ظل يرمقه بعيون ، فهذا إشراف .

    ((مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ )).
    لا سألت ، ولا تمنيت ، أيهما أبلغ ؟ ما تمنيت ، فلا سؤال ، ولا تمني .

    ما الشرط ؟ عدم السؤال ، والثاني عدم التمني ، لا سألت ، ولا طلبت ، لكن أخاك أحب أن يتقرب إليك ، أهلاً وسهلاً .

    هذا حكم شرعي ، هناك إنسان يسأل ، وإنسان يتطلّع ، وإنسان يشارط ، كله غلط ، وهناك إنسان يرفض الشرط ، ويرفض العطاء ، يا أخي أنت ما سألت ، ولا طلبت ، ولا تمنيت ، وأحببت أنا أن أتقرب إلى الله بخدمتك ، وهو لا يقبل ، هذا أيضاً تعنت ، وهذا أيضاً مخالفة للسنة .

    (( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ ، وَلَا يَرُدَّهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ )) .

    * ثانيا ً : اقبل الهدية ولو كانت شيئًا يسيرًا :

    النبي الكريم يقول :

    (( ولو أهدى إلي كراع )).
    [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ] .

    هذه أخلاق النبي اللهم صل عليه يجب أن نتعلم الأدب ، فإذا قدم لك أحدُهم هدية صغيرة رخيصة فقل له : جزاك الله خيرا ، والله معناها كبير يا أخي ، والله أنا غالٍ عليك ، طيّب له قلبه ، دعه يشعر بعمله الطيب ، شجعه على تطبيق السنة ،

    قال النبي اللهم صل عليه :

    (( ولو أهدى إلي كراع لقبلت )).

    قال :
    (( ولو دعيت إلى كراع لأجبت )).
    [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

    . عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ :

    (( إِنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي : قَالَ : إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا )) .
    ( البخاري )

    الأقرب فالأقرب .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
    (( تَهَادَوْا )) .

    أمر نبوي :
    (( تَهَادَوْا ، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ )) .
    ( الترمذي )

    الحقد ، والألم ، والضيق ، والشقاق ، والخصومة ، هذه تذهبها الهدية .

    بإذن الله يتبع مع :

    * قبول هدية غير المسلم .
    * و حالات ترفض فيها الهدية .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  13. #163
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * قَبولُ هدية غير المسلم :

    الشيء الدقيق أن النبي عليه الصلاة والسلام قبِل هدية الكفار ، فقبل هدية كسرى ، وهدية قيصر ، وهدية المقوقس ، كما أهدى للكفار بعض الهدايا .

    إذا كنت موظفًا ، ومعك موظف غير مسلم ، وجاءه مولود ، وقدمت له هدية فلا حرج في ذلك أبداً ، تألفته ،

    حتى قال عنك : والله هذا المسلم صاحب ذوق ، لبق ، فهيم ، طبعاً هذا أخ لك في الإنسانية ، حتى إن بعض العلماء فسروا :
    (( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ )).
    [ متفق عليه ] .

    لو أردت أن تفهم هذا الحديث فهماً أصولياً أخيه مطلقة ، وإذا أطلقت الكلمة أخذت أوسع معانيها ، لذلك قالوا : (( حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ )) في الإنسانية ، (( ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ )) ، لو كان غير مسلم ، استنصحك فانصحه بأحسن شيء .

    فالنبي قبِل الهدية ، قبِل هدية الكفار ، قبِل كسرى ، وهدية قيصر ، وهدية المقوقس ، كما أهدى هو الهدايا والهبات .

    الآن * حالاتٌ تُرفَض فيها الهديةُ :

    لكن يبدو أن هناك حالة خاصة ، إذا قدم الإنسان لك هدية ، ويريد منك شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، أو أراد أن يحرجك بها ، أو أن يظهر فضله عليك بها ، فإنه يمكن أن ترفض الهدية ،

    روى أبو أحمد والترمذي عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً لَهُ أَوْ نَاقَةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

    (( أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ )) .
    [ الترمذي ]

    فكيف نوفق بين قبول هدية قيصر وكسرى والمقوقس مع هذا الحديث ؟

    إذا كانت الهدية قصدها التودد فيجب أن تقبلها ، أما إذا قصدها إملاء شروط معينة ، هدفها الإحراج ، هدفها أن ينتقص من قيمتك ، فلا أقبلها ،

    كشخص يقف موقفا ضدك ، لا آخذ هديته ، مادام مصرًا على موقفه العدائي فهديته ضعف بالنسبة لي ، أو يقف موقف العدائي المصر عليه ، لا يتراجع عنه ، وينهش بك ، وأحب أن يهدي لك ، لا ، لا آخذ الهدية ، أنا غني عنها .

    يبدو أن هذا الإنسان رفض النبي هديته ، قال : (( أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ )) .

    بعضهم قال : هذا الحديث منسوخ ، تحب أن توفق بينه وبين البقية أنه منسوخ ، أما الأقوى أنه إذا كانت الهدية سوف تحرجك ، وتضعف من قيمتك ، أو يملي عليك مهديها شروطاً عندئذٍ يمكن أن ترفضها .


    يتبع إن شاء الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  14. #164
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    أيها الإخوة و الأخوات , سنتابع الآن مع :

    1 ـ يجب أن يكون الواهبُ مالكًا للموهوب :

    الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب ، أول شرط للهدية لها ثلاث أشياء ، الهبة فيها واهب ، وموهوب له ، وموهوب فيه ، أي : المادة ، والمعطي ، والآخذ ، فيها ثلاثة عناصر ، الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب ، وإلا :

    و َّ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ
    ( سورة آل عمران الآية : 188 ) .


    قد يتكرم أحدُهم من مالِ غيره ، يكون وصيا على أموال أيتام ، فيقيم الولائم ، ويقدم هدايا ، وقد يكون شريكا ، مثلاً ، يأتي مندوب شركة ويقدم له سوارا من ذهب من مال الشركة ، الشركة ليست لك وحدك ، فيها مستثمرون ، فيكون قد كسب وجاهة من مال غيره ، فالهدية يجب أن يملكها الواهب ، هذا أول شيء .

    2 ـ أن يكون الواهبُ بالغًا غير محجور عليه :
    وألا يكون الواهب محجوراً عليه لسبب من أسباب الحجر ، وأن يكون بالغاً .

    إياك أن تقبل هدية من غير بالغ ، أنت مؤاخذ ، دخلت محلا تجاريا ، الأب في البيت ، وضع ابنه صغير في المحل ، وأعطاك ساعةً ، إنه طفل صغير ، كيف تأخذها وتمشي ؟

    هذه الهدية غير مقبولة من واحد صغير ، ممنوع ، لابد أن يكون بالغاً ، لأن الصغير ناقص الأهلية ، أن يكون مختاراً ، لأن الهبة عقد يشترط فيه صحة الرضا ، أما إذا كان بالقهر فليست هدية ، لأنه : " ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام " .

    3 ـ أن يكون الموهوب مالاً متقوَّماً :

    وأن يكون الموهوب مالاً متقوماً ، يمكن أن يستغربوا ، لأن هناك مسلمين يُصلُّون في المساجد ويقدمون الخمر هدايا إذا طلبه إنسان منهم ، الشرع دقيق جداً ،

    يجب أن يكون الموهوب مالاً متقوماً ، والخمر ليس بمال .

    4 ـ أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال :

    أيضاً يجب أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال ، لا يوهب مثلاً سمك بنهر، لا يوهب هذا المقصف لك ، في أشياء يجب أن تنتقل معك .
    لا يجوز أن تهب شيئاً متصلاً بمال الواهب اتصال قرار ، توهب الأشجار بأرض لك ، هذه صعبة ، وهبت الأشجار ، وبقيت الأرض ، كالزرع والشجر والبناء دون الأرض ، بل يجب فصله وتسليمه ،

    وكل شيء مشاع لا تصح هبته ، لأنه يصعب أن يتملكّه ، وكذا الشيء المرهون ، والشيء غير المقسوم .

    بإذن الله نكمل غدا ً لنتحدث عن أحكام الهبة ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  15. #165
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    من أحكام الهبة :

    1 ـ هبة المريض مرضَ الموت :

    الآن أخطر شيء في الموضوع هبة المريض مرض الموت ، هنا المشكلة ، كما يقال اليوم : كتب لي هذه السجادة ، كتب لي هذا البيت ، كتب لي هذه الدكان ، فينازع ،
    فإذا كان الشخص مريضا مرضَ الموت ، ووهب غيره هبة فحكم هبته كحم الوصية ، وينطبق عليها حكم الوصية لا حكم الهبة ، لأن كل شيء أضيف إلى ما بعد الموت صار وصية ،

    فإذا وهب هبة لأحد ، ثم مات فهذا شيء يعد كالوصية تماماً .
    إذا وهب إنسان شيئًا وهو مريض مرض الموت فالهبة وصية ، شُفيَ بعد هذا المرض ، وعاش عشر سنوات تصح الهدية ، لأنها انقلبت من وصية إلى هبة .

    2 ـ هل يُشتَرط القبضُ في الهبة ؟

    عندنا بحث لطيف ملخصه موضوع خلافي بين العلماء ، بعضهم لا يرى أنها تصح أو تقع إلا بالقبض ، فإذا وهبك شخصٌ شيئًا ، ولم يعطك إياه ، ومات ، هل ذهب الموهوبُ عليك ؟

    لا ، لن يذهب عليك ، بعضهم يقول : تصح بالإيجاب والقبول ، لأن القبض شيء ثانوي ، وبعضهم قال : لا بد من القبض ، فهذا الحكم مرن ، يتحول بحسب الظروف والحالات والملابسات .

    3 ـ هل يجوز هبةُ جميع المال ؟

    أما أن يتبرع الإنسان بكل ماله فهذا موضوع شائك ، الإمام أبو حنيفة يقول : " لا يصح التبرع بكل المال ، ولو في وجوه الخير " .

    ... ، عند الأحناف لا تجوز هذه الهبة ، ولا تصح .

    أفضل شيء الثلث ، طبعاً الهبة تأخذ حكم الوصية في الثلث ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

    (( الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، أَوْ كَبِيرٌ )) .
    [ متفق عليه عن ابن عباس ]

    دائماً دع لأولادك ثلاثة أرباع ، إذا كنتَ في بحبوحة ، وعندك أموال طائلة ، تحب أن تتقرب إلى الله عز وجل بهبة في حياتك ، أو بوصية بعد وفاتك ، فاجعل أقصى شيء فيها الربع ، لقول النبي : (( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ )) .


    و الهبة لها ميزة ، أنه أحيانا يكون عندك بنت مثلاً بحاجة إلى بيت ، عندك أربع بنات ، الثلاثة أزواجهم أغنياء ، وبنت واحدة زوجها فقير جداً ، وبيته بالأجرة ، وعليه دعوى إخلاء عليه ،
    أنت في حياتك قدمت لها بيتا صغيرا مناسبا ، هذا يدخل تحت باب الهبة لا الوصية ،

    فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ :

    (( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ )) .
    [ رواه الترمذي ]

    فإذا كان معك جواب لله عز وجل ، فإذا أخذت موقفا موضوعيا أخلاقيا بدافع الرحمة والإنصاف فهو أمرٌ مقبول .

    يتبع بإذن الله عز و جل , مع الأحكام المتبقية للهبة .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  16. #166
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    4 ـ المكافأة على الهدية :

    قال يستحب المكافأة على الهدية ، الدليل ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
    (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا )) .
    [ البخاري ]

    وفي رواية :

    (( ويثيب ما هو خير منها )).

    بعضهم قال : هبة الأعلى للأدنى هبة إكرام وإلطاف ، وهبة الأدنى للأعلى هبة منفعة وثواب ، وهبة النظير لنظيره هبة تودد ، إكرام ، منفعة ، تودد ، من أعلى إلى أدنى إكرام ، من أدنى إلى أعلى منفعة .

    قد يحب إنسان أن يستفيد من إنسان ، فيتقرب له بشيء ، فمن مستوى إلى مستوى موازٍ تودد .

    5 ـ العدل في الهبة بين الأولاد :

    الحديث الذي بين يدي ، وهو من أهم الأحاديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
    (( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ )).
    [ رواه البخاري]

    هذا حديث مهم جداً :

    (( إن أحدكم ليعمل طوال حياته بعمل أهل الجنة ، حتى يأتيه الموت فيضار في الوصية فيستحق النار فيدخلها )).
    [ ورد في الأثر ]

    لذلك الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس

    (( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ )).

    الحديث الشهير الذي هو محور هذا الدرس قال عن الشعبي عن النعمان بن البشير قال :

    (( أَنْحَلَنِي أبِي نُحْلاً ـ النحل يعني العطاء ـ فَقالَتْ لَهُ أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ائتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَشْهِدْهُ ـ ما قال :

    أبي نحلني نحلاً ـ فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، قالَ : فَقالَ لَهُ : إنّي نَحَلْتُ ابْنِي النعْمَانَ نُحْلاً ، وَإنّ عَمْرَةَ زوجتي سَألَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ ، قالَ : فقالَ :

    (( ألَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قال : فَكُلّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أعْطَيْتَ النعْمَانَ ؟ قالَ : لاَ : قالَ : فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ المُحَدّثِينَ : هَذَا جَوْرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا تَلْجِئَةٌ ، فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ،

    قالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ : قال النبي : ألَيْسَ يَسُرّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرّ وَاللّطْفِ سَوَاءٌ ؟ قالَ : نَعَمْ ، قال : فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، فإني لا أشهد على جور )).

    وقال في رواية أخرى ذكرها مجاهد :

    (( إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ، كَمَا أنّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقّ أنْ يَبَرّوكَ ، إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ )).

    هذا الحديث وقف العلماء عنده وقفات طويلة ، لكنه يفيد الحديث أنه لا يجوز أن لا تكون عادلاً بين أولادك في العطية .

    يقول لي واحد : هذا يبرني ، هذا الذي ما برك لما فضلت الأول عليه ازداد عداوة لك ، وإذا سويته مع أخيه اقترب منك ، فإذا كان ابنك الذي برك خدمك لله الله يجازيه ، أنت اعدل بينهم جميعاً ، عليك أن تعدل .

    هنا ينتهي هذا الدرس ... و بإذن الله سنكمل موضوعنا مع درس جديد .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  17. #167
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    إخواني و أخواتي , سنبدأ الآن بعون الله تعالى الدرس الثامن عشر لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي . تحت عنوان (( الغرباء في الدين ))

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

    فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُون ِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّة ٍ يَنْهَوْن َ عَن ِ الْفَسَاد ِ فِى الأَرْض ِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم ْ
    و َ اتَّبَع َ الَّذِين َ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيه ِ و َ كَانُواْ مُجْرِمِين
    َ ( 116 )

    ( سورة هود )




    هذه الآية تدل دلالةً قطعيةً على أنَّ الناجينَ قِلة ، وعلى أنَّ المستقيمين قِلة ، وعلى أنَّ الطائعينَ قِلة ، فإذا وجدتَ نفسكَ في عصرٍ ما مع القِلة الطائعة بعيداً عن الكثرة العاصية ، مع القِلة المنيبة بعيداً عن الكثرة المعرضة ،

    مع القِلة المتبّعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام بعيداً عن الكثرة التائهة والضالة فهذه علامة طيبة

    لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدلالةٍ قطعية يؤكد أنَّ أكثرَ من في الأرضِ ..

    و َ إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْض ِ يُضِلُّوك َ عَن سَبِيل ِ الله ِ إِن يَتَّبِعُون َ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِن ْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون َ ( 116 )
    ( سورة الأنعام )

    هناك شعور ينتاب المؤمن .. يارب كلُّ هؤلاء الناس على خِلاف الحق ، أكثرُ هؤلاء الناس ليسوا على الطريق المستقيم ، أيهما على حق أنا أم هم ..

    لِئلا تقعَ في هذا الصِراع ، لِئلا تشعرَ بالوحشة ، لِئلا تشعرَ بأنكَ وحيدٌ في هذا المجتمع التائه ، لِئلا تُحس أن الحقَّ مع هؤلاء الأكثرية فتقول لعلي على ضلال أنا وحدي ، لِئلا تقع في هذه المشاعر التي لا ترتاح لها

    جاءت الآية الكريمة تؤكدُ " فلولا كانَ من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم" بقيةٌ قليلةٌ ينهونَ عن الفسادِ في الأرض ،

    معنى ذلك أنَّ الفسادَ ظهرَ وعمّ ، وأنَّ هذه القِلةَ القليلة تنهى عن الفساد في الأرض ، لو عرضتَ أمرها على الناس لرأوها فِئةً تائهةً .

    لو أُتيحَ لكَ أن تقبضَ مالاً كثيراً من شُبُهةٍ ورفضته تُتهمُ في عقلك ، لو أُتيحَ أن تكونَ في نزهةٍ مع أًصحابك .. النزهة مختلطة .. ورفضتَ هذه النزهة لاتهمت في عقلك، لو جاءكَ خاطِبٌ لابنتكَ من مستوىً رفيع في ماله وفي جاهه وفي عمله ورفضتَ هذا الخاطب لرِقةٍ في دينه تُتهمُ بعقلك

    فلِئلا تقعَ في هذه المشاعر جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد فحوى هذه الآية ، يقول عليه الصلاة والسلام :

    عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى للغُرَبَاءِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ

    وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُحَازَنَّ الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا *

    سنكتفي بهذا القدر كبداية لدرسنا هذا , و بإذن الله تعالى سنتابع غدا ً مع المزيد .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  18. #168
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    نتابع إيها الإخوة و الأخوات مع القسم الثاني لهذا الدرس :

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الناس خرجوا في الطرقات بلا احتشام وبلا وقار وبلا تستر وبلا انضباط تَبِعوا الأجانب في أزيائهم ، لو أنَّ ثيابَ المرأةِ الأجنبيّة تبذلّت لتبذلّت المرأة المسلمة معها اتباعاً لها ، لو دخلوا جُحرَ ضبِّ خَرِبٍ لدخلتموه ،

    فحينما ترى أنَّ الكثرة الكثيرة خرجوا في الطرقات بلا حجاب بلا احتشام ، بلا وقار ، تتبعوا عادات الأجانب عادةً عادة ، قلّدوهم في كلِّ شيء ، قلّدوهم في احتفالاتهم المُختلطة ، قلّدوهم في إنفاقهم المُترف ، قلّدوهم في أكلهم المالَ الحرام ، قلّدوهم في العلاقات الربوية ، قلّدوهم في تفلت الناس من منهج الله عزّ وجل ،

    إن رأيتَ مجتمعاً هكذا صِفته وأنتَ غريبٌ عنه لا ترضى به تُنكر ما فيه ، فهذه بِشارةٌ طيبةٌ على أنك من الغرباء ، يعني أيها المؤمن لا تشعر بالوحشة ، وحشتك طبيعية جداً وحشتك من الناس طبيعية ، بل هيَ شعورٌ صحيّ للمؤمن .

    يقول عليه الصلاة والسلام : " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء قيلَ يا رسول الله ومن الغرباء الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس "

    البطولة أن تُتاح لكَ الدنيا من أوسع أبوابها ، أن يُتاح لكَ أن تكونَ في أعلى المراتب ، لكنَّ هذه المرتبة التي يطمحُ لها الناس أساسها إيقاع الأذى بالناس ، أو إضلال الناس ، أو إفساد العلاقات ، فمهما كانت هذه المرتبةُ مغريّةً لوجود شُبهةٍ فيها تبتعدُ عنها ،

    إذاً يصلحون إذا فسَدَ الناس ، حينما يَعمُّ الفسادُ في الأرض أكثر الناس لا يبالون أكانَ كسبهم حلالاً أم حراماً ، أكثرُ الناس لا يبالون أكانت علاقاتهم مع بعضهم مشروعةً أو غيرَ مشروعة ،
    أكثرُ الناس لا يبالون إذا كانت أعمالهم أساسها طاعة أو معصية ،

    جاءته وظيفةٌ دخلها كبير ولكن في ممارسة هذا العمل بعضُ المعاصي فرفضها ، لو عرضتَ قصته على الناس لاتهموه بالجنون ، يشعر بغربة حتى أهله حتى أمه حتى أبوه .

    إن شاء الله تبارك و تعالى , سنتابع غدا ً مع القسم الثالث .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  19. #169
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الإيمان ليسَ كما يظنُ الناس ، الإيمان ليسَ صلاةً وصياماً فقط ، ليسَ عبادات شكلية جوفاء كما هيَ عندَ الناس ، الإسلام مواقف ، الإسلام منهج متكامل ، الإسلام يدخل في دقائق عملك اليومية ،

    يدخل في مهنتك ، في حرفتك ، في بيتك ، في نزهتك، في لهوك ، في جِدّك ، في سفرك ، في حَضرِك ، الإسلام يعني تقريباً 100 ألف بند ، عندما المسلمون اختصروه إلى أربع خمس عبادات شكليّة وفي ما سِوى هذه العبادات هم على أهوائهم وفقَ نزواتهم ، وفقَ ما يحلو لهم ، وفقَ مصالحهم ، وفقَ طموحاتهم الدنيوية ،

    فصلوا الدينَ عن الدنيا وجعلوا الدنيا في واد والدينَ في واد ، لذلك بلغوا ألف مليون في العالم وليست كلمتهم هي العليا.. لا أقول سفلى .. لكن ليست هي العليا . مع أنَّ الله يقول :

    وَعَدَ الله ُ الَّذِين َ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَ عَمِلُواْ الصًّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرض ِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْد ِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُنَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَ َمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِك َ فَأُوْلائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 55)

    ( سورة النور )

    والحديث الصحيح :

    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ يَا أَكْثَمُ اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ يَحْسُنْ خُلُقُكَ وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ يَا أَكْثَمُ خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَ لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ *

    لو أنَّ عددَ المؤمنين الصادقينَ في الأرض اثنا عشرة ألف رجل ما غُلِبوا فكيفَ إذا كانوا ألفَ مليون .. ألف مليون .. ماذا يعني ذلك ..؟..

    القضية عندَ الله ليست بالمظاهر ، المظاهر الإسلامية الصارخة والمصاحف والأشرطة والخُطب ، والجوامع ملأىَ بالمُصلين ، هذه مظاهر ، تُبشر بالخير ، ولكن ليست كذلك عِندَ الله ، عِندَ الله عدد المسلمين هو عدد الطائعين ، عدد المُلتزمين ، من وليُّ الله ... ؟ .. الوليُّ كلُّ الوليّ الذي تجده عِندَ الحلالِ والحرام .

    فيا أخي الكريم .. إسلامك في معملك ، إسلامك في دكانك ، إسلامك في وظيفتك ، إسلامك في بيعك وشرائك ، إسلامك في تعاملك ، إسلامك في جوارحك ، في مهنتك ، هذا هو الإسلام ...

    أول حديث :" طوبى للغرباء قيلَ ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس " .
    حديثٌ آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :
    " طوبى للغرباء قيلَ ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يزيدون إذا نقصَ الناس "

    ما معنى يزيدون إذا نَقَصَ الناس ..؟.. يعني إذا قلَّ أهلُ الخير زادَ خيرهم وإذا قلَّ أهل المعروف زادَ معروفهم ، وإذا قلَّ أهلُ الورع زادَ ورعهم ، وإذا قلَّ أهلُ الالتزام زادَ التزامهم ، الذين يزيدون في المعروف وفي الورع وفي الطاعة وفي القربات وفي البذل وفي التضحية إذا نَقَصَ الناس .

    يتبع بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  20. #170
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ قَالَ النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ *

    قبيلة خرجَ منها واحدٌ أو اثنان تعرّفا إلى الله عزّ وجل وطبقّا أمرَ النبي وجاهدا في سبيله وبذلا الغالي والرخيص والنفسَ والنفيس .. فهذا نَزَعَ من القبيلة .. ،

    الأكثرية مُقيمةٌ على أكلِ الرِبى ، وعلى لَعِب الميسر ، وعلى متابعة الأعمال الفنية الساقطة ، .. صارَ الناسُ موحدين بنزعاتهم التي لا تُرضي الله عزّ وجل ،
    أهدافهم كما قلتُ قبلاً الإنسان وعاء أخطر ما في الوعاء ماذا يُصبُّ فيه . ..

    أنت ما الذي يغذيك ثقافيّاً ، الغذاء المعروف معروف الطعام والشراب أما هذه النفس هي وعاء ماذا يُصبُّ فيها ، أخبار الفنانين ، أخبار أهل الدنيا ، أخبار الساقطين والساقطات ، ما الذي تقرؤهُ ، ما الذي تستمعُ إليه ، ما الذي تُشاهده ، هذا الوعاء ماذا يُصبُّ فيه ..؟..

    لن يخرجَ منه إلا مثلَ الذي يصبُّ فيه ، فإذا ملأتَ وعاءك من أخبار الفنانين فلن تتكلّمَ إلا عنهم ، و إن ملأتَ وعاءكَ من أخبار أهل الدنيا ... لن تستطيع أن تتحدثَ إلا عن هؤلاء ، أما إذا ملأتَ وعاءكَ من كتاب الله ومن سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام ومن بطولات أصحاب رسول الله .. راقب نفسك إذا أردتَ الحديث لن تتحدثَ إلا عن هؤلاء .. أبداً ..

    هذا الذي قاله الأجداد :" كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ ".

    أخطر ما في الأمر أن تُراقب من الذي يُغذيك ، عندك مصادر مسموعة ، وعندك مصادر مقروءة ، وعندك مصادر مشاهدة . .. هذه المصادر .. فلن تتكلم إلا من هذا الذي تستمعُ إليه ، ما يخرج منك من جنس ما تُغذى به ، قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت قل لي ماذا تُشاهد أقل لك من أنت ، قل لي ماذا تسمع أقل لك من أنت .


    * حديثٌ رابع :

    حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
    إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي .... *

    " الذين يُحيون سٌنّتي ويعلمونها الناس "... النبي له سُنّة .

    كلٌّ يدعي أنه يحبُ رسول الله وقد قالَ الله عزّ وجل :

    قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله َ فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ و َ اللهُ غَفُورٌ رَّحِيم ٌ (31)
    ( سورة آل عمران )

    لا أصدّق أن تدّعي حُبَّ رسول الله أو حُبَّ الله عزّ وجل وأنتَ مُخالفٌ سُنّته ، أبداً .. علامة حُبكَ للهِ عزّ وجل اتباع سُنّة نبيه .

    يحيون السنة بالتطبيق وينشرونها بالتعليم .

    و َ مَا كَان َ الله ُ لِيُعَذِّبَهُمْ و َ أَنتَ فِيهِم ْ و َ مَا كَان َ الله ُ مَعَذِّبَهُم ْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
    ( سورة الأنفال )

    أجمعَ المفسرون على أنَّ هذه الآية تعني : أنه إذا كانَ النبي عليه الصلاة والسلام بين

    ظهرانيهم .. بينَ أصحابه .. لن يُعذبوا ، و أنه إذا كانت سُنّته مُطبقةً في من بعده لن يُعذبوا ، فأنتَ متى لا تُعذب ..؟.. في حالتين : إما أن تكونَ مع النبي الكريم شخصيّاً ، وإما أن تكونَ سُنّته معك مُطبقةً في بيتك .

    للحديث تتمة بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  21. #171
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    * عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي
    فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

    إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأبْرَارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ *

    تأتي الفِتن كقطع الليل المُظلم . إلا من رَحِمَ ربك ، إلا من نجاه الله عزّ وجل ، بعيدٌ عن هذه الفِتنة . .. هناكَ فِتنٌ تدعُ الحليمَ حيران ، المؤمن الصادق يُنجيه الله عزّ وجل من هذه الفِتن ،

    أخفياء لا يُحبون الشُهرة ، أتقياء لا يحبون المعصية ، أبرياء ليسوا متهمين ، إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فِتنةٍ عمياء مظلمة .

    كما قال عليه الصلاة والسلام : " ابتغوا الرِفعةَ عِندَ الله " .
    هم لا يسعونَ إلى رِفعةٍ بين الناس .. إلى رِفعةٍ عِندَ الله عزّ وجل .. البطولة أن تحجز مكانةً عِندَ الله :

    إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّات ٍ و َ نَهَر ٍ ( 54 ) فِى مَقْعَدِ صِدْق ٍ عِندَ مَلِيك ٍ مُّقْتَدِر (55 )
    ( سورة القمر )

    لك مكان عِندَ الله ، لكَ مكانة عِندَ الله ، تشعر أنَّ الله يُحبك ، تشعر أنكَ على المنهج الصحيح ، تشعر أنكَ في الطريق الصحيح ، تشعر أنتَ متجهٌ إلى الهدفِ الصحيح ،

    هذا الشعور يُغنيكَ عن مدحِ الناس ، وعن الرِفعةِ بينَ الناس ، وعن تسليط الأضواء ، وعن الشُهرة ، وعن الشأن ، وعن الجاه ، هذه كلها تستغني عنها بشعوركَ أنَّ الله يُحبك.


    فقال أهلُ الإسلام في الناسِ غرباء ، و المؤمنونَ في أهلِ الإسلامِ غرباء ، المؤمن الصادق مع عامة المسلمين ، هو مُعتقد أنه هناك إله ولكن لا يُطبّق شيئاً ، يفعل كما يفعل الناس ، المؤمن الصادق مع عامة المسلمين غريب .

    ... أهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء . المُتبحر في العِلم الذي عرَفَ سِرَّ وجوده والهدفَ فيه ، وعَرَفَ حقيقةَ الدنيا ، وعَرَفَ عِظَمَ المسؤولية ، ورأىَ أنَّ الكونَ كله مُسخرٌ للإنسان ، يرى أنَّ الوقتَ ثمين جداً وأنه لا يُمضي وقته إلا في عملٍ صالح فإذا وازنَ نفسه مع المؤمنين يرى نفسه غريباً عنهم .

    .. هذه القضية ، قضية كل ما ارتفع مستوى الإنسان تقلّ الدائرة مثل الهرم تماماً إذا أنت مع أول قاعدة واسعة جداً صعدت درجة القاعدة قلّت ، كلما صَعِدتَ في هذا الهرم ضاقت القاعدة .

    لذلك لو جاء النبي .. أيُّ نبي .. وجلسَ مع مؤمنين لا أُبالغ يرى نفسه غريباً عنهم .

    يتبع إن شاء الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  22. #172
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    France
    المشاركات
    1,301

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    تسجيل متابعة ..؛
    الله يبارك فيكم ..
    "سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتله"


  23. #173
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    و فيكم بارك الله .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  24. #174
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    ... البطولة أن يكون الإنسان مع القِلة المؤمنة ، أن يكونَ مع الغرباء كي ينجو من عذاب الله عزّ وجل .

    الإنسان يُحب الحياة هذا كلام واقعي ، لكن لو فرضنا لاحَ شبحُ الموت لمؤمن ومستقيم وعمله طيب و حياته في طاعة الله ، أتظن أنه يخاف من الموت ..؟.. يتمنى أن يعيش أطول عُمر ..


    حتى أكون معك واقعياً خيركم من طالَ عُمره وحَسُنَ عمله ، لكن لو لاحَ له شبحُ الموت فمرحبا به … الإنسان يتمنى أن يعيش أطول عمر ممكن أما لو لاحَ له شبح الموت لا يوجد عنده هذا الجزع ..

    إلى أين ذاهب ..؟.. كلُّ هذه الحياة لهذه الساعة مهيأة .

    هذه غُربةٌ لا وحشةَ فيها بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحش الناس وأشدُّ ما تكونُ وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثرَ الناس وجَفوه .

    يقول عليه الصلاة والسلام :
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ..... *

    هذا غريب معناها .

    ...... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ ذِي تَبَعٍ *

    * أنت إذا شاهدت مؤمناً مستقيماً ولو كانت مرتبته الدنيوية وسط فلا تتطاول عليه لأنَّ الله كبير ، ...

    قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ *



    البطولة أن تكون أنت متواضع وتعرف أن المراتب عِندَ الله ليست كما هيَ عِندَ الناس ، الناس يحترمون الغني ويحترمون القوي ويحترمون صاحب الشهادات العليا يحترمون الوسيم الجميل ويحترمون الصحيح ويحترمون المُتكلَم ويحترمون الذكي ، أما ربنا عزّ وجل يُحب الطائعين ..

    أحبُّ الطائعين وحُبي للشابِ الطائعِ أشد ، أحبُّ المتواضعين وحُبي للغني المتواضع أشد ، أحبُّ الكرماء وحُبي للفقير الكريم أشد .

    " ألا أُخبركم عن ملوك أهلِ الجنة قالوا بلى يا رسول الله قال كلُّ ضعيفٍ أغبرَ ذي طمرين لا يُؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه " .

    قال صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم أول صِفةٍ لهم هيَ التمسك بالسُنّة إذا رَغِبَ الناسُ عنها ، صلاته مهمة جداً ، غضُّ بصره مهمٌ جداً ، لا يكون في اختلاط مهمٌ جداً ، ما يكون في شُبُهة بالدخل مُهمٌ جداً .


    يتبع إن شاء الله مع القسم الأخير لهذا الدرس .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  25. #175
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    في حديث فيه بِشارة لكم جميعاً إن شاء الله تعالى ، قال : جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسكَ بدينه أجرَ خمسينَ من الصحابة .

    عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )

    قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ

    بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ

    فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ

    قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ..... *

    في بعض الروايات : قالوا لِم ..؟.. قالَ لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون .


    إذا الإنسان استقام .. أهله اقرب الناس إليه يرفضونه .. زوجته أحياناً ترفضه ، شريكه لا يرضى ...

    ف القصد أنَّ الغُربة نِعمة وليست نِقمة ، إذا كنتَ غريباً فهذه بِشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .


    والحمد لله رب العالمين.

    انتهى هذا الدرس , و نسأل الله تعالى لنا و لجميع المسلمين و المسلمات الثبات و العمل بما يرضيه عنا .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    يتبع مع درس جديد بإذن الله تعالى .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  26. #176
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    إخواني و أخواتي .... مع الدرس 19 لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي , تحت عنوان الإرادة . \* من دروس منازل السالكين *\

    و منزلة اليوم منزلةٌ يحتاجها كلُّ مؤمن إنها منزلة الإرادة ، قيمة هذه المنزلة تُكمنُ في أنَّ كلَّ إنسانٍ أو أنَّ كلَّ مؤمن يتمنى أن يكونَ أفضلَ مما هوَ عليه . ما الذي يمنعهُ من أن يكونَ كما يتمنى .. ضعفُ إرادته ..

    لا أُبالغ إذا قُلت إنَّ من أخطر الموضوعات المطروحة هذا الموضوع ، يعني .. من مِنّا لا يتمنى أن يكونَ من أعلى المؤمنين ، من أكملهم إيماناً ، من المتقين ، من المُحسنين ،

    ممن تَخلّقَ بأخلاق النبي ممن رزقهُ الله عملاً صالحاً ، ممن أتقنَ صلاتهُ ، ممن أنفقَ ماله في سبيل الله ، ممن دامَ ذِكرهُ ، ممن طَهُرَ قلبهُ ، ممن أقبلت نفسه ....

    لماذا نحن دائماً دونَ ما نتمنى ، لماذا هناكَ مسافةٌ بينَ ما نحنُ عليه وبينَ ما يجبُ أن نكونَ عليه ، هنا تكمن قيمة هذا الدرس .. إنها الإرادة .

    ليسَ من السهلِ أن تَملِكَ إرادةً تقوى بها على عاداتك على مألوف حياتك ،
    ... درسُنا كُلهُ في فكرتين إذا كانَ هناكَ فرقٌ كبير بينما أنتَ عليه وبينما يجب أن تكونَ عليه هذه المسافة الكبيرة سببها ضعفُ الإرادة و ضَعفُ الإرادة سببها نقصُ العِلم .


    إذاً : العلمُ هو الطريقةُ الوحيدةُ إلى الله ، إذا ازداد عِلمُك قَويت إرادتُك ، إذا قَويت إرادتُك وصلتَ إلى ما تصبو إليه . فهذا ملخص الملخص قبل أن نبدأ بالتفصيلات .

    لماذا تضعف عن أن تكونَ كما تريد لأنَّ عِلمكَ بما تُريد يحتاجُ إلى مزيد .

    نَحُلُ بهذا الدرس مُشكلة كبيرة ، كلما تاقت نفسكَ إلى أن تكونَ في مستوىً أرقى مما أنتَ فيه اعلم عِلمَ اليقين أنَّ هذا يعود إلى ضعفِ إرادةٍ فيك وهذه الإرادة ضَعُفت لنقصِ العلمِ الذي تحويه .


    كلما ازددتَ علماً ازددتَ إرادةً ، وكلما ازددتَ إرادةً بلغتَ المستوى الذي تصبو إليه ....



    يتبع إن شاء الله تعالى , حتى نَدخل في صلب موضوعنا.
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  27. #177
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    ... قال تعالى :
    و َ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْأَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيما ً (29)

    (سورة الأحزاب)

    " وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " هُنا المُشكلة .. ماذا تُريد ؟ هذا أكبر سؤال ،

    هناكَ من يريد الدنيا من خلال الدين ، هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليزدادَ دخلهُ ليُكثُرَ زبائنهُ ، هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليتعلّمَ أشياء يتصدّرُ بِها المجالس ، وهناكَ من يُريد اللهَ ورسوله .

    " وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ".

    أُورد لكم طائفةً من تعاريف العُلماء ، علماء القلوب بالإرادة أو بالمُريد ، " الإرادة : مُطلقة ، المُريد : من أرادَ الله ورسوله ".

    الإنسان بِلا عِلم ، بِلا توجيه ، بِلا مجلس عِلم ، بِلا مُرشد ، بِلا مشرب ديني ، بِلا تزويد ، إنسان له جسد ، له شهوات ، له مطالب ، غالِباً يستجيبُ لشهواتِ جسمهِ ، غالِباً يَركنُ للراحة ،

    يعني من الطبيعي جداً أن تُصليَّ الصبح بعدَ الشمس مادامَ جِسمُكَ مستريحاً في الفراش ، هذا الجسد يتمنى أن يبقى نائماً ، وهذا الجسد يتمنى أن يقبعَ في البيت لا أن يأتي إلى مجلس علم، وهذا الجسد يتمنى أن يأكلَ كثيراً،

    فالإنسانُ دونِ علمٍ دونِ مجلسِ علمٍ ، دونِ توعيةٍ ، دونِ إطلاّعٍ ، دونِ معرفةٍ ، ينساق مع شهواتهِ ، فقال الناسُ غالِباً يُعرّجونَ على أوطان الغفلة ، ويجيبونَ دواعي الشهوة ، ويخلدونَ إلى أرض الطبيعة ، و من أرادَ الله َ ورسولهُ ينسلخُ عن كلِّ ذلك .

    هذا أول تعريف .

    الصلاةُ ذِكر وإذا كانَ الإنسانُ منسجماً في عملهِ لا يتمنى أن يُصلي ، إذا كان مُنسجماً يقوم بعمل رائع له أجرٌ كبير يتمنى أن يبقى بِلا صلاة ساعاتٍ طويلة ، فالإنسان دون علم ، دون معرفة ينسجم معَ عملهِ فلا يُصلي ، ويبقى نائماً فلا يُصلي الفجر، ويأكلُ دونِ حساب ، ويمزح ويتكلّم وينهشُ أعراضَ الناس ويغتاب ... كلُّ هذا انسجاما مع غفلتهِ .

    * تعريفُ آخر للمُريد الصادق.. " من هو المُريد ..؟..

    الذي يُريد اللهَ ورسولهُ : نهوض القلب في طلب الحق " ..


    الذي يُريد اللهَ ورسولهُ قِلقٌ دائماً لا يُطمئنهُ إلا أن يرضى الله عنه ، قِلقٌ دائماً لا يُطمئنهُ إلا أن يشعر أن الله يُحبه ، لذلك نهوض القلب في طلب الحق .. هذا تعريفٌ آخر من تعريفات المُريد .

    * تعريفٌ ثالث : " لوعةٌ تُهَوِنُ كلَّ روعة " ،

    فليتكَ تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ
    وليتَ الذي بيني وبينكَ عامِرٌ وبيني وبينَ العالمين خرابُ
    إذا صحَ مِنكَ الوصلُ فالكلُ هينٌ وكلُّ الذي فوق التُرابِ تُرابُ

    هذا الذي يُريد الله ورسوله ، يهونُ عليه كلُ صعب ، يسهُل عليه كلُ مُحال ، يبتغي مرضاة الله عزّ وجل بأيّ ثمن .

    قال بعضهم : " المُريد من كانَ في قلبهِ لوعةٌ ، ولذعةٌ في فؤادهِ وغرامٌ في ضميرهِ ، و انزعاجٌ في باطنهِ ، ونيرانٌ تتأججُ بينَ جوانحهِ .

    هذا هو المُريد ".. .. المُريد يقشعّرُ جِلدهُ إذا ذُكِرَ الله ، يَجِلُ قلبهُ تنهمرُ دموعهُ يُحبُّ الله ، أقول لكم مِراراً وتكراراً هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة من النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تعرفَ الله ، النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تُحِبَ الله ، النفوسُ جميعها مستعدةٌ لأن تكونَ ممن سَعِدَ بُقربِ الله عزّ وجل .


    و لكن مرةً ثانية وثالثة : نقصُ العِلمِ يؤدي إلى ضعفِ الإرادة ، وضعف الإرادة يؤدي إلى وجود مسافةٍ كبيرةٍ بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونَ عليه .

    سوف نتابع بإذن الله تعالى ... مع المزيد .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  28. #178
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    أكثرَ المؤمنين في قلبهِ لوعة يتمنى أن تكونَ صلاتهُ أفضلَ مما يُصلّي ، يتمنى أن يكونَ صيامهُ أفضلَّ مما هوَ يصوم ، يتمنى أن يكونَ حجهُ أفضلَ مما شعرَ في الحج ، يتمنى أن تكونَ صدقتهُ أكبر أكثر وأشدَّ إخلاصاً ، يتمنى أن يكونَ وِردهُ في صحوةٍ لا في غفلة ، يتمنى من أن تكونَ استقامتهُ من أعلى مستوى ،

    مادام هناك شعور بالتقصير فليعلم الإنسان عِلم اليقين أنَّ هذا التقصير مبعثهُ إلى ضعف الإرادة ..

    بقيَّ الفرق بينَ أن تملكَ الإرادةَ بعدَ فوات الأوان وبينَ أن تملِكها في الوقت المناسب لابدَّ من أن تملِكها بعد أن تدفعَ الثمن ،
    أما البطل هو الذي يملكُها بالعِلم لا بالتجربة لابدَّ من أن تَمِلكَ إرادةً قوية إما أن تملكها بعدَ أن تدفع الثمنَ باهظاً وبعدَ فوات الأوان وعندئذٍ لا تستفيد من هذه الإرادة القوية ،

    وإما أن تملكَ الإرادة القوية بسببِ العِلمِ الذي تُحصّلهُ وأنتَ في مُقتبل العمر هذا هو الفرق .

    قال بعض العلماء : " من صفات المُريد أنه يتحبب إلى الله بالنوافل ، بصلاةٍ نافلةٍ ، بصومٍ نفلٍ ، بتلاوةِ قرآنٍ ، بذِكر كثير ، وصدقةٍ كثيرة ، الذي يتحبب إلى الله بالنوافل هذه صفاتٌ في المُريد ".


    و المُريدُ أيضاً : " هو الذي يأنسُ بالخلوة ".

    ... المُريد الصادق لهُ معَ ربهِ خلوات ، وله مع ربهِ جلوات ، يأنَسُ إذا جلسَ وحدهُ في الغرفةِ يذكرُ الله ، يأنسُ بتلاوة القرآن ...

    و إذا كُنتَ مُريداً صادقاً مع الله ربما شعرتَ بهذا الشيء ، كلما ازدادَ قُربُك ازدادَ أُنسُك ، وإذا ازدادَ أُنسُكَ باللهِ عزّ وجل غَلَبَ على وحشةِ المكان .


    ** من علامة المُريد الصادق أنه يأنَسُ بالخلوة ، ويؤثر أمرَ الله تعالى على كلِّ شيء ، ويستحيي من نظرِ اللهِ إليه ..

    يستحيي أن ينظرَ اللهُ إليه في حالةٍ لا تُرضيه ، ويبذل جُهدهُ في ابتغاء مرضاة الله ، ويتعرضُ لكلِّ سببٍ يوصِلُ إليه ، يا ترى بحفظِ القرآن ، يا ترى بخِدمة الصالحين ، يا ترى بالدعوةِ إليه ، يا ترى بالتواضع ، يا ترى بماذا ؟

    كُلما بَلَغَهُ أنَّ هذا الطريق يوصِل إلى الله سَلَكَهُ ، كُلما سَمِعَ أنَّ هذا العمل يُقرّبُ فعله ، كُلما دَرِي أنَّ هذا الشيء إذا ابتعدَ عنهُ يقترب من الله عزّ وجل يُبادر فيبتعد عنه ... و القناعة من صفات المُريد الصادق يقنعُ بما قَسمهُ اللهُ له ، دائماً المُريد صابر وقَنوع وراضٍ و الذي يُريد الدنيا وزينتها دائماً لجوج وناقم وساخط .

    و قلبُ المُريد لا يَقرّ إلا إذا وصلَ إلى الله عزّ وجل ، يُثلجُ قلبهُ أن يرضى الله عنه .

    يتبع إن شاء الله تعالى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  29. #179
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    لأحدِ العلماء كلمةٌ خطيرة قالَ : "من لم تَصحَّ إرادتهُ ابتداء فإنه لا يزيده مرور الأيامِ إلا إدباراً ".

    يعني إذا الإنسان في بداياتهِ لم يُرد الله ورسولهُ كُلما مرَت الأيام تزيدهُ بُعداً وسأماً وضجراً ومللاً وكسلاً وانصرافاً إلى أن ينقطعَ عن اللهِ عزّ وجل .

    يعني إذا بدأتَ طريقَ الإيمان بدأتهُ غيرَ صادقٍ ما صحت إرادتك في طلب الحق ، إذا بدأت الإيمان لطلبِ الدنيا تجد أنَّ الأيام كلما مرت أبعدتك جعلتك تسأم ،
    يقول لك والله مللنا كلاماً سمعناه كثيراً ، تجده يُصلّي متكاسلاً ، يصوم متأففاً ، يحجُّ تاجراً ، يذكرُ لاهيّاً ، يُسبّحُ غافلاً ، يقوم بالواجبات شكلاً صورةً ، عباداتهُ جوفاء ، تِلاوتهُ عرجاء .

    من لم تَصِحَ إرادتهُ إبتداءً فإنَّ الأيامَ لا تزيدهُ إلا إدباراً .

    * وقالَ بعضهم : " المُريد إذا سَمِعَ شيئاً من علوم القوم "، سَمِعَ شيئاً فَعَمِلَ به صارَ حِكمةً في قلبهِ إلى آخرِ عُمُرِهِ .

    يعني مثلاً : سَمِعَ أنَّ أمرَ اللهِ عزّ وجل أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله هذا توجيه إلهي ، فغضَّ بصره عن محارم الله فشعرَ بحلاوةٍ ملأت قلبهُ ، صارَ هذا حكيماً لأنه مُجرّب سَمِعَ التوجيهَ نظريّا وطبّقهُ عمليّاً فشعرَ بحلاوةٍ في قلبه إلى آخرِ عمره يقول أنا فعلتُ كذا وكذا وشعرتُ بكذا وكذا .

    سَمِعَ أنه ما تركَ عبدٌ شيئاً لله إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه ، سَمِعَ بهذه الحِكمة فعرضت لهُ الدنيا مع شُبُهةٍ فتركها وإزوّرَ عنها وابتعدَ عنها فآتاه الله خيراً مما فقدهُ .

    صارَ حكيماً ، صار بالتعبير الحديث صاحب تجربة ، صار صاحب خِبرة ، صار يُعاين كما قالَ العُكبُري : القرآن الكريم تؤخذُ ألفاظهُ من حُفّاظهِ وتؤخذُ معانيه ممن يُعانيه ، صار في معناه .

    قال وإذا تكلّمَ هذا الحكيم الذي سَمِعَ من كلامِ القوم فطبّقهُ فقطفَ ثِمارهُ فذاقَ طعمهُ فصارَ حكيماً ، الآن إذا تكلّمَ به انتفعَ به من سَمِعهُ ، وقديماً قالوا الكلامُ الذي يخرجُ من القلب يدخلُ إلى القلب بِلا استئذان ، والذي يخرجُ من الفم لا يُجاوز الأذان .

    * متى يمكن أن ينتفعَ الناسُ بكلامك ؟ إذا استمعتَ أنتَ إلى الحق وطبّقتهُ وقطفت ثِمارهُ ، لمستَ فوائده ،

    قال : وإذا تكلّمَ بهِ انتفعَ به من سَمِعهُ .. بالمقابل .. ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ولم يعمل به كانَ حكايةً يحفظُها أياماً ثمَ ينساها .

    فإذا كانت معلوماتك بالدين كأن تقرأ مقالة عن البحر وأنتَ ما عرفتَ البحر وما رأيتَ البحر ولا سبحتَ في البحر ولا ذُقتَ طعم البحر ولا أوشكتَ على الغرق فيه فكلُّ معلوماتك سطحية وسرعان ما تنساها .

    لذلك .. تؤخذ ألفاظهُ من حُفاظّهِ وتؤخذ معانيه ممن يُعانيه ، أما إذا كان لكَ مع الله تجربة ، إذا ذُقتَ طعمَ القُربِ فعلاً ، إذا ذُقت طعمَ الاستقامة ، إذا ألقى الله في قلبكَ السكينة ، إذا شعرتَ براحة الإيمان ، إذا شعرتَ بأنَّ الله يُحبك ، إذا أنفقتَ من مالِكَ فآتاكَ الله عشرةَ أمثال ،

    إذا آثرتَ مرضاة الله عزّ وجل فعوّضكَ الله خيراً مما فقدك ،كلُّ حديثٍ شريف ، وكلُ آيةٍ كريمة تُطبُقها وتقطف ثمارها أنت الآن داعية أصبحت لأنكَ إذا تكلّمت تركتَ أثراً عميقاً في نفوس الناس،

    إذا دعوتَ إلى الله وعبّرتَ عن خِبراتكَ الإيمانيّة فعلتَ في نفوس الناس فِعلَ السِحر لأنكَ تتحدثُ عن تجربة . . .

    للحديث تتمة بإذن الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .




    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  30. #180
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    قالَ يحيى ابن مُعاذ : أشدُّ شيء على المُريد معاشرة الأضداد ، ...
    إذا كُنتَ فعلاً مُريداً صادقاً أصعبُ شيء في حياتك أن تُضطرَ أن تُرافِقَ إنساناً بعيداً عن الله عزّ وجل ، أشدُ شيء على المُريد مُعاشرةُ الأضداد من كانوا ضِدهُ في السلوك .

    * المُريد الصادق أيّةُ حركةٍ يتحركها في الدنيا يزينُها بمقياسٍ واحد ، هل تُقرّبهُ من الله أم تُبعِدهُ ، حتى تجارتهُ حتى حِرفتهُ حتى مهنتهُ حتى حركتهُ وسكناته حتى نزهاتهُ حتى إجازاتهُ حتى كلُّ حركاتهِ ، إن كانت حركتهُ تُبعدهُ عن الله عزّ وجل لا يفعلُها ، إذاً في كلِّ نشاطهِ يقصدُ وجهَ الله عزّ وجل لذلك إلهي أنتَ مقصودي ورضاكَ مطلوبي .

    * لابدَّ من ثلاثة أشياء حتى تَبلُغَ ما تريد أيها المُريد ، لابدَّ من نفسٍ مستعدةٍ قابلة والنفسُ لا تستعدُ ولا تقبل إلا إذا تعلّمت ..

    إذاً العِلمُ هو الطريق الوحيد .. ، ولابدَّ من دعوةٍ مستمعة ، أنت نفس مستعدة ودعوة حقيقية صحيحة أساسُها الحق أساسُها العدل أساسُها الواقع أساسُها الفِطرة أساُسها المنطق ،

    ولابدَّ من أن يكونَ الطريقُ خاليّاً من العوائق ، فإذا أزلتَ العوائق ووفقتَ إلى دعوةٍ صحيحة وكُنتَ مستعداً لقَبولِها بسبب العلمِ الذي تعلمتهُ صارَ الطريقُ إلى الله سالكاً والوصول محققاً .

    * آخر فِكرةٍ في الدرس : هو أنّ المُريد تنتابهُ حالتانِ أساسيتان حالة القبض وحالة البسط ، الحقيقة القبض يأتي من الخوف والبسطُ يأتي من الرجاء ،

    القبضُ لسببين إما لتقصيرٍ أو لمعصيةٍ أو لتركِ حقوقٍ لا تؤدى وهذا السبب يقتضي التوبة والتصحيح ، و إما أن لا يدري المُريد لهذا الانقباض سبباً عندئذٍ عليه أن يصبر فلعلَّ في هذا حِكمةًتتضحُ لهُ بعدَ حين ،

    و أما البسط يشعر بنشوة بإقبال بمعنويات مرتفعة جداً هنا منزلق أن يتيهَ على الناسِ بهذا الحال ، أن يُعجبَ بنفسهِ ، أن يرى نفسهُ فوقَ الناس ، عندئذٍ ينزلقُ من هذا الحال المريح إلى حالٍ أخرى لا تُرضي الله عزّ وجل ...

    فإذا جاءَ الانقباض فابحث عن السبب فإن عرفتهُ فتُب منهُ وإن لم تعرفهُ فاصبر على حِكمة الله عزّ وجل حتى ينجليَّ الموقف ، و إن جاءَ الانبساط فإيّاكَ أن يستخفّكَ الانبساط فتقعَ في زهوٍ أو في كبرٍ أو استعلاء على الناس وعندئذٍ تكونُ قد امتحنت ورسبتَ في الامتحان .

    ملخص المُلخص: يجب ألا يُخرجكَ البسطُ عن الاستقامة ولا أن يُخرجكَ البسطُ أيضاً على أن لا تكونَ أديباً بينَ يدي الله عزّ وجل .

    هذه لمحةٌ سريعةٌ عن منزلة الإرادة أُلخصّها بكلمتين : إذا كانَ بينما أنتَ فيه وبينَ ما تتمنى أن تكونهُ مسافةٌ كبيرة فاعلم أنَّ هذا بسببِ ضعفٍ في إرادتك وضعفُ الإرادةِ في الأصلِ نقصٌ في العلمِ .


    عُدنا إلى أنَّ العِلمَ هو الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل وما من طريقٌ إلى الله إلا طريقُ العِلمِ فإذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعلم وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليكَ بالعِلم ، و العِلمُ لا يُعطيكَ بعضهُ إلا إذا أعطيتهُ كُلكَ فإذا أعطيت بعضكَ لم يُعطِكَ شيئاً ويظلُ الإنسانُ عالِماً ما طَلَبَ العِلم فإذا ظنَّ أنه قد عَلم فقد جَهل.

    انتهى هذا الدرس بفضل الله تعالى ... و نسأل الله عز و جل أن ينفعنا به و بكل ما تعلمناه و سنتعلمه .

    سنكمل موضوعنا إن شاء الله عز و جل , مع درس جديد .. لكن بعد العيد .
    أعاده الله علينا و على جميع المسلمين و المسلمات باليُمن و البركات .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  31. #181
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    إخواني و أخواتي نتابع موضوعنا هذا , و قد وصلنا إلى الدرس العشرين , تحت عنوان (( إتخاذ الأسباب )) .

    ما مرَّ على المسلمين في تاريخهم وقتٌ هم في أمسّ الحاجةِ إلى هذه المنزلة منهم في هذا الوقت وقد تعجبونَ من عنوانها ، إنها منزلة الأخذِ بالأسباب أو كما سمّاها ابنُ القيم : إنها منزلة رعاية الأسباب .

    وقبلَ أن أُفصّلَ في هذه المنزلة أتمنى أن أُوفقَ إلى مقدمةٍ قصيرةٍ تلقي ضوءاً على هذه المنزلة .

    الشيء الذي يلفتُ النظر أنَّ النجاحَ في الحياة يُعزى إلى صِحة التصور ، وأنَّ الإخفاقَ فيها يُعزى إلى سوء التصور ،

    فلو أنَّ طالباً حققَ نجاحاً عالياً في امتحانٍ ما ، هذا النجاح يُعزى إلى حُسن تصور الطالب لضبطه للوقت ولإستخدامه للوقت ولإتمامِ ما يجبُ أن يُتمه فإذا أخفق فيجب أن نتساءل لعلَّ هناكَ خطأً في تصوره .

    ما الذي جعلَ المسلمين في فجر الإسلام وفي عقود الازدهار يتفوقون والله سبحانه وتعالى يُمكّنهم ويستخلّفهم وتُرفرف راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ؟ وما الذي جعلهم بعدَ وقتٍ معين في مؤخرةِ الأمم ؟

    لماذا كانت كلمتهم هي العليا وليست كلمتهم عُليا في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا أقوياء في وقت وليسوا كذلك في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا دُعاة ورُعاة للأمم فلماذا أصبحت الأمم ترعاهم وتتولى الوصاية عليهم ..؟.. هذا سؤالٌ كبير القرآن هو هوَ والسُنّة هي هيَ والعلم هناك ازدهار في العلم هناك ازدهار في نشر العلم ،

    ماالذي جعلَ المسلمين السابقين في القِمة وماالذي جعلَ بعضهم في الحضيض ، لماذا كانوا مُثلاً عُليا لماذا فتحوا البلاد ؟ لماذا رحموا العباد ..؟.. هذه أسئلة كبيرة .

    لا شك أنَّ أصحابَّ النبي عليهم رِضوان الله شيء فَهِموا الإسلام فهماً صحيحاً ، ولا شك أنَّ الرعيلَ الأخير الذي جاء في آخر الزمان فَهِمَ الإسلامَ فهماً سيئاً .

    كأنَّ هذه المنزلة التي نحن بصددها الحديث عنها كأنها إجابةٌ شافيةٌ لِما يعاني المسلمون من مشكلات .

    .. هناك مشاعر عاطفية إسلامية هذه نحترمها ولكن لا تكفي ، هناك شعور إسلامي جيد كل مسلم يتمنى أن يكون المسلمون بوضع مقبول ، بوضع ممتاز ، بوضع عزيز ، بوضع قوي بوضع فيه تفوق ، لا شك ... هذه العواطف نحترمها ولكن هل تكفي العواطف ، هل يكفي أن أتعاطف مع الإسلام والإسلام يُعاني ما يُعاني ..؟..

    أينَ الخطأ ، أينَ الخلل ، أينَ الضعف

    الله سبحانه وتعالى أسماؤه حُسنى وصفاته فُضلى وهو معنا أين ما كُنّا ، معنا من قبل ومعنا الآن ومعنا من بعد ... الإله هو هو، القرآن هو هو، الحق هو هو .

    .. تصور العلماء للدين شيء مهم جداً ومن هنا كانت هذه المنزلة اسمها منزلة رعاية الأسباب ،
    و أقول لكم دائماً يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم يعني أنتَ إذا بإمكانك أن تُقنع الآخرين أن هذا هو الصواب فيها ونعمت وإن لم يكن بإمكانك أن تُقنعهم افعل ما أنتَ قانعٌ به تنل من الله كلَّ الوعود وتقطفَ كلَّ الثِمار ، وإن أقنعتَ الناس بأن يفعلوا ما هوَ صواب كان الفرجُ عاماً .

    الموضوع يشمل كل مسلم ،
    هذا السؤال الكبير لماذا تفوقَ أصحاب النبي لماذا تفوقَ التابعون ، لماذا كانوا مستخلفينَ في الأرض ، لماذا كانت كلمتهم هي العُليا ، لماذا كانوا مُمكنين ، و لماذا نحن متخاذِلون ، لماذا نحن ضعفاء ، لماذا كلمتنا ليست هي العُليا ماالسر ..


    أقول لكم بكل تأكيد هناك خطأ في التصور .
    في ضوء هذا التمهيد نشرحُ هذا الموضوع .

    تجد المسلم يتوكل على الله في أعماله لا يُتقن عمله ويتوكل ، لا يأخذ بالأسباب ويتوكل ، وقلوبه مشرك ، بقلبه يعتمد على زيد أو عُبيد وعمله ظاهره متوكل ، هذا خطأ مزدوج والعكسُ هوَ الصواب يجب أن يتوكلَّ بقلبه وأن يسعى بعمله ، والأحداث والظروف والصِدامات في العصور الحديثة تؤكد هذه المقولة .

    و للحديث تتمة بإذن الله تعالى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  32. #182
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,



    ما تعلمت العبيد أفضلَ من التوحيد . أن تقول لا إله إلا الله لا مُسير لاربَّ إلا الله لا خالِقَ إلا الله لا معطيَ إلا الله لا مانعَ إلا الله لا مُعزَ إلا الله لا مُذلَ إلا الله لا باسطَ إلا الله لا قابضَ إلا الله ، هذا التوحيد ،

    و التوحيد له مستويان مستوى قولي لساني وهذا سهل جداً ومستوى نفسي فكم من موحدٍ مُشرك ، كم من موحدٍ بلسانه مشركٍ في قلبه في جنانه ، يقول لا إله إلا الله بلسانه وكلُّ اعتماده على فلان وكلُّ ثِقته بماله كلُّ إعتماده على قوته كلُّ اعتماده على أولاده كلُّ اعتماده على أهله .. هذا موحد مُشرك بآن واحد .. يؤكد هذا قول الله عزّ وجل :

    و َ مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالله ِ إِلَّا و َ هُم مُّشْرِكُونَ ( 106 )
    ( سورة يوسف )

    ياليت هذا الخطأ في التصور أو في العقيدة يبقى في العقيدة ، هذا ينعكس في السلوك ينعكس في حياتنا العامة ، ذلكَ أنَّ التوحيدَ يقتضي القيامَ بالأسباب الظاهرة .

    مادام المسلمون في هذا الجهل يعزون أخطاءهم إلى القدر ، كلما وجدَ مشكلة بحياته يقول لكَ أخي الله لم يسمح .. الله لم يرد .. الله لم ييسر .. الله لم يجبر .. هذا الموقف الذي كانَ الصحابة على عكسه.


    قال : التوحيد إذا كنتَ موحداً إذا رأيتَ يدَ اللهِ لا يدَ غيرها ، إذا رأيتَ أنَّ الأمر كله بيد الله ، إذا رأيت أنَّ الله هو كلُّ شيء ،

    قال يجب أن تأخذَ بالأسباب كل الحركات والأعمال ، و يجب أن تعتبرها يعني أن تحترمها أن تهتمَّ بها ، ويجب أن لا تُهملها ، ويجب أن لا تُعطلها ، ..
    النجاح في الامتحان يحتاج إلى دراسة ، النجاح في التجارة يحتاج إلى دراسة السوق ...

    كلٌّ شيء يجب أن تأخذَ بأسبابه ، إذا أردتَ أن تنتمي إلى أمةٍ كانت فيما مضى أمةً رائدةً للأمم إذا أردتَ أن تنتمي لأمةٍ كانت في مقدمة الأمم هذه الأمة بدأت كما فعلَ النبي عليه الصلاة والسلام .

    هل في الأرضِ كلها إنسانٌ يستحقُ النصرَ والتأييد والعون كرسول الله أكمل إنسان رسول الله ، يوحى إليه ، جاء بالإسلام ، ومع ذلك ما فرّطَ في الأخذِ بالأسباب قيدَ أنملة .

    إذا كنتَ موحداً .. يجب أن تأخذَ بالأسباب وأن لا تهملها وأن لا تُعطلها وأن تعتمدها .. تعتمد أن تأخذها .

    فموقف الاستكانة ، موقف التقصير ، موقف الكسل ، موقف التسيب ، هنا خسران ووضعك سيء ، ليسَ هذا موقفاً صحيحاً إسلامياً .. الموقف الإسلامي ابنكَ مريض يجب أن تأخذه إلى الطبيب وأن تختار أفضل طبيب وأن تشتري الدواء الصحيح وأن تعطيه الدواء بعنايةٍ فائقة وأنتَ في كلِّ هذه الحركات تقول يارب لا شافي إلا أنت .

    بهذا يُصبحُ حالُكَ طيباً ، بهذا تقوى ، بهذا ترقى ، بهذا تستحقُ تأييد الله ، بهذا تستحقُ نصرَ الله ، بهذا تستحقُ إكرامَ الله عزّ وجل .

    *إنسان يتوكل على الله ويهمل الأسباب ويتوكل على الله بسذاجة ، فالتوكل مع إلغاء الأسباب سذاجة وجهل ، وتأليه الأسباب جهل ، هذه غلط وهذه غلط ، لا ترقى إلا بأخذكَ بالأسباب وتوكلكَ على ربِّ الأرباب هذا الكلام دقيق جداً يمس كل مسلم ....

    لن ترى المسلمين قادة ، لن تراهم في الصدارة إلا إذا طبقوا هذا الموقف الدقيق ..
    من السهل أن تأخذَ بالأسباب وتعتمدَ عليها وتؤلِهها ، ومن السهل أن تدعها وأن تعتمدَ على الله ساذجاً و لكن البطولة أن تأخذَ بالأسباب وأن تتوكل على الله .

    ...... عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يُنْجِيَهُ عَمَلُهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ قَالَ وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ *

    هل هناك أوضح من هذا الحديث .. " اعملوا واعلموا أنَّ أحداً منكم لن ينجيه عمله " ..

    طبّق كلَّ القواعد الصحيّة ، أما إذا طبّقتها واستغنيتَ بها عن الله وألهتها لن تنجوَ من المرض يجب أن تأخذَ بها وأن تعتمدَ على الله عزّ وجل وأن ترجوَ الله . هذا أول حديث .

    اعملوا واعلموا ادرس وتوكل ،
    أقم كلَّ الأسباب وتوكلّ على ربِّ الأرباب هذه منزلة رعاية الأسباب .



    يتبع مع المزيد إن شاء الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  33. #183
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,

    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلا نَتَّكِلُ قَالَ لا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) إِلَى قَوْلِـهِ ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) ....... *

    اعمل واعلم أنكَ مُيسرٌ لِما خُلقتَ له ..؟.. خُلقتَ ليرحمكَ الله عزّ وجل . حينما تعمل الطاعات فقد حققتَ المُراد الإلهي ، فإذا عَمِلتَ المعاصي وأنتَ قد خُلقتَ للرحمة والاكرام فلابد من العِلاج .

    النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي لا ينطقُ عن الهوى كلام النبي يُمثل تعليمات الصانع .. قالَ يا رسولَ الله أرأيتَ أدويةً نتداوى بها ، ورُقىً نسترقي بها ، وتُقاتاً نتقي بها ، هل تردُ من قدر الله شيئاً ؟

    ........ عَنْ أَبِي خِزَامَةَ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقًى نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ *


    هيَّ أيضاً من قدرِ الله ، إنكَ إذا استخدمتَ الدواء فررتَ من قضاء الله وهو المرض إلى قضاء الله وهو الشِفاء ، المرض قضاء الله والشِفاء قضاء الله فررتَ من قضاء الله إلى قضاء الله .. هذا الموقف الدقيق .. لن نرقى ، لن نقوى ، لن نعلو ، لن نُعز ، لن نُستخلف ، لن نطمئن ، إلا إذا كُنّا هكذا .

    *** قال تعالى :

    و َ إِن مِّن شَىْء ٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَر ٍ مَّعْلُوم ٍ ( 21 )
    ( سورة الحجر )


    و َ الأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَ أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ وَ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْء ٍ مَّوْزُون ٍ ( 19 )


    ( سورة الحجر )

    إِنَّا كُلَّ شَىْء ٍ خَلَقْنَاه ُ بِقَدَر ٍ ( 49 )
    ( سورة القمر )


    و َ الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل َ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُون ِ الْقَدِيم ِ ( 39 )
    ( سورة يس )

    ....

    كم آية ..؟.. كُلها بقدر ، بقدر ، قال المعنى في كلِّ هذا خلقه بنظام وترتيب ، خلقه بقدر هناك سٌنن ، هناك أسباب ، هناك مُسببات ، هناك نتائج ، فإذا كانَ تصميم الكون ... وفق الأسباب والنتائج وفقَ التقدير الدقيق ، وفق الحساب الدقيق ، وفق النظام الرائع ،

    أنتَ أيها المؤمن يا من تدعي أنكَ مؤمنٌ بالله ، هل يليق بك أن تُهملَ نظام الله عزّ وجل ، أن تُهملَ هذه السُنن ، أن تُهملَ هذه المعطيات ، ألاّ تبالي بهذه القواعد ، ألاّ تبالي بهذا التقدير ،

    أنا أصدقكم القول كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب فهو سيء الأدب مع الله عزّ وجل ، كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب ويحتقرها ولا يبالي بها ولا يأخذُ بها فهو يُسيء الأدبَ مع الله عزّ وجل ، لا نرقى ولا نقوى ولا نستحقُ نصر الله عزّ وجل ولا نستحق تأييده وعونه وحِفظه إلا إذا تأدبنا مع سُننه ،

    يعني أنت عندك مدرسة فيها نظام دقيق قلت الدخول الساعة 8 ، جاءك طالب وهو ابن صديقك الساعة 9 ما دام المدير نظّم هذا النظام قال : يُغلق الباب الساعة الثامنة وعلى المتأخر أن يبقى خارج المدرسة . هذا نظام .. إذا كنتَ تُقدّر صاحبَ هذه المدرسة تُجِلُّ هذا النظام وتتقيد به وتحترمه .

    الآن : .. ما من مؤمنٍ يُهمل الأسباب ويستخفُ بها و لايعبأ بها ولا يعتني بها ويُهملها ويدّعي أنه متوكل فهو كاذب وهو مسيءٌ للأدب ولا يستحقُ نصر الله ولا تأييده ولا حِفظه .

    لا أقول لكَ يجب أن تأخذَ بالأسباب الكاملة قد تكون الكاملة ليست في مقدورك .. يجب أن تأخذ بالأسباب المتاحة لكَ ..



    يتبع بإذن الله تعالى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  34. #184
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ تخلف المُسلمين ، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ ضعفهم ، عدم الأخذِ بالأسباب هو سبب تخلي الله عنهم ،

    .. مدير مدرسة وضع نظاماً دقيقاً يأتي ابن صديقه مُخالفاً لهذا النظام أليست في مخالفة هذا النظام احتقار لهذا المدير أليسَ من سوءِ الأدب ألا تُبالي بهذا النظام ، فكل إنسان يهمل الأخذ بالأسباب ويفعل ما يحلو له بلا تروّ ، بلا دقة ، بلا حسابات ، بلا دراسات ، فهو إنسان بعيد عن الدين ،

    و دائماً أعداء الدين يتهمون المسلمين بأنهم متواكلون ، بأنهم حالمون ، بأنهم عاطفيون بأنهم يثارون لأتفه الأسباب ، وتضعف هِممهم لأتفه الأسباب ...

    ربنا عزّ وجل نظّمَ الكون وفق الأسباب وأودعَ فيكَ عقلاً لايفهم الشيء إلا بسببه ، العقل في مبدأ السببية والكون أساسه الأسباب ، العقل في مبدأ الغائية والكون أساسه الغايات .

    و القرآن مملوءٌ كله من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرقٍ متنوعة فيأتي مثلاً بباء السببية ، مرة باللام لام التعليل ، مرة بأن التعليلية ، مرة بكي التفسيرية ، مرة بذكر الوصف ، مرة بالتعليل الصريح ....

    يعني آيات لا تعد ولا تُحصى تُرينا أنَّ الله عزّ وجل حينما خلقَ الكون نظّمه ،

    لا تجده في سن الـ 18 مهذباً راقياً عنده حياء وخجل دون تربية آباء يقولون لك .. سلّمته لله .. يتفاجأ بعد فترة أنَّ ابنه سيء الخُلق ، منحرف الطِباع ، هذا كلام لا يعني شيئاً . ..

    الخُلق والاستقامة تريد التربية ، تريد الاهتمام ، تريد الرعاية ، يجب أن تكون راعياً دائماً ، تأخذه معك ، تراقبه ، تنصحه ... مرة بالإكرام ، مرة بالشِدة ، مرة بالتهديد ، مرة بالوعيد ، مرة بالوعد ، مرة بالمكافأة ، مرة بالعقاب ، مرة بالهجران ، تسأل متى جاء ومتى ذهب ومن صديقه ومع من يمشي ..

    تريده وأنت غافل عنه وأنت تاركه وهامله ، تريد أن تفتح عينيك تجد ولداً على أخلاق ، على علم ، على فهم ، مستحيل هذا الكلام ... هذا كلام السُذج ، كلام الجهلة ...

    يا أخوان كلما تركنا الأسباب تقهقرنا ، كلما تركنا النظام الذي خلقه الله عزّ وجل تراجعنا ، كلما أهملنا هذه السُنن والنواميس تخلّفنا ،

    قال تعالى :
    يَا أَيُّهَا النَّاس ُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر ٍ و َ أُنثَى وَ جَعَلْنَاكُم ْ شُعُوبأ وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُم ْ عِند َ الله ِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله َ عَلِيم ٌ خَبِير ٌ ( 13 )
    (سورة الحجرات )

    هذه المعاني رائعة جداً ، التعامل مع الله مريح لأنه في قوانين " إنَّ أكرمكم عِندَ الله أتقاكم " أقرب إنسان إلى الله من أطاعه كائناً من كان .

    الموّحد المتوكّل لايطمئن إلى الأسباب ، ولا يرجوها ولا يخافها ولا يركن إليها ولكن يأخذُ بها ، لا يعتمد عليها ولكن يعتمد على الله عزّ وجل ،
    يكون قائماً بها ناظراً إلى الله عزّ وجل , قال : فلا يصحُّ التوكلُ شرعاً وعقلاً إلا عليه سبحانه وحده .

    فليسَ في الوجود سببٌ تامٌ مُنجٍ إلا مشيئته وحده فهو الذي سببَ الأسباب وجعلَ فيها القِوى والاقتضاء .. لا يُنجيكَ من أيِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة ..

    فإذا جمعتَ بينَ التوحيد وبينَ إثباتِ الأسباب استقامَ قلبك على السير إلى الله ، ووضحَ لكَ الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع الأنبياء والرسل وهو الصراطُ المستقيم صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم يا رب.

    و قيمة هذا الدرس ليسَ في معلوماته ، في تطبيقه ..

    انتهى هذا الدرس بفضل الله عز و جل .. و بإذنه تعالى يتبع مع درس جديد .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  35. #185
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    مع الدرس الحادي و العشرين

    موضوع اليوم عنوانه النِفاق ، ولماذا كانَ هذا الموضوع ،
    هناكَ أسباب وجيهةٌ وخطيرةٌ تدعو إلى معرفة هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين

    و لا أدلَّ على خطورة هذا الموضوع من أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه قال لحذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه : يا حذيفة ناشدتك بالله هل سماني لكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .. أي من المنافقين .. قالَ لا ولا أُزكّي بعدكَ أحداً .

    و لا أدلَّ على خطورةِ هذا الموضوع من أنَّ الحسنَ البصري رضي الله عنه قال ما أمِنَ النِفاقَ إلا مُنافق .. وما خافَ النفاقَ إلا مؤمن .
    فيجب أن نعرفَ هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين .

    أيها الأخوة الأكارم ... النِفاقُ داءٌ عُضالٌ باطن .. و معنى باطن أنه قد يكون مستشريّاً في نفس المؤمن وهو لا يدري ، فمن كانَ مطمئناً من هذا المرض ربما كانَ منافقاً ،

    قد يمتلئُ منه الرجل وهو لا يشعر فإنه أمرٌ خَفي على الناس وكثيراً ما يخَفى على من تلبسَّ به فيزعم أنه مصلح وهو في الحقيقة مُفسد . ..

    أحدنا إذا كان يخاف على سلامة إيمانه ، إذا كانَ يخاف على مكانته عِندَ ربه ، إذا كانَ يخشى الله واليومَ الآخر ، إذا كانَ يخشى أن يُحبطَ الله عمله ، إذا كانَ يخشى أن يكونَ له صورة وله حقيقةٌ أخرى لا يرضاها الله عزّ وجل ، فليُدقق في هذا الدرس .

    * العلماء قالوا : " النِفاق نوعان .. نوعٌ أكبر ونوعٌ أصغر . النوع الأكبر يوجِبُ الخلودَ في النار في دركها الأسفل "

    قال تعالى :
    إِن َّ الْمُنَافِقِين َ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَل ِ مِنَ النَّار ِ وَ لَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ً ( 145 )

    ( سورة النساء )


    المشكلة : المنافق يصلي مع الناس ، ويصوم مع الناس ،وله زيٌّ إسلامي ، ويحضر جماعاتهم ، فالنوع الأكبر يُوجب الخلودَ في النار في دركها الأسفل لأنَّ المنافقَ هذا يُظهر للمسلمين إيمانه بالله وإيمانه بالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر ،

    و هو في الباطن مُنسلخٌ من ذلك كله ، لا يؤمن بأنَّ الله تكلّمَ بكلامٍ أنزله على بشر ، يهديهم بإذنه ، ويُنذرهم بأسه ، ويُخوّفهم عِقابه ، هذا الإنسان المُنافق هَتكَ الله سِترهُ وكشفَ سِرّه ، وجلّى لعباده أمره ، ليكون الناسُ منه على حذر .

    و ذكر الله سبحانه وتعالى كما تعلمون في القرآن الكريم وفي مطلع سورة البقرة أربعَ آياتٍ تتعلق بالمؤمنين ، أصناف العالمين أصنافٌ ثلاثة : مؤمنٌ و كافرٌ و منافق .

    فالمؤمنون خصّهم بأربع آيات :
    بسم الله الرحمن الرحيم

    1. الم
    2. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
    3. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
    4. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
    5. أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

    ( سورة البقرة )

    و الكفار خصّهم بآيتين :

    6. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
    7. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

    ( سورة البقرة )

    و أما المنافقون فتحدثَ عنهم في ثلاث عشرة آية لخطورتهم ولاستشراء النِفاق في صفوف المؤمنين ،

    لذلك المؤمن القضية سهلة .. مؤمن .. مستقيم ، عقيدته صحيحة ، مخلص ، مُقبل ، مُنيب ، مُحب ، ورع . والكافر لا يستحي بكفره من كلامه ، من تعبيراته ، من حركاته ، من سكناته ،

    فأنتَ تعرفُ المؤمن وتعرفُ الكافر ، ولكن هذا الشخص الثالث الذي يُظهر لكَ من الإيمان ما فيه الكفاية وهو مُنافق ، قال هذا النوع الثالث هو النوع الخطر .

    سنتوقف هنا , و بإذن الله يتبع مع المزيد .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  36. #186
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    الله سبحانه وتعالى خصّ ( المنافقين ) بثلاثة عشرة آية ، لكثرتهم ، لكثرة المنافقين ، ولِعموم الابتلاء بهم ، وشِدة فتنتهم على الإسلام وأهله ،

    فإنَّ بليّة الإسلام بهم ، والذي يقوله الناس دائماً أخشى ما نخشاه على الإسلام لا من أعدائه بل من أدعيائه المنافقين ، لأنَّ هؤلاء المنافقين يفجرونه من داخله ، إذا هاجمه أعداء الدين ، أخذَ المؤمنون الحيطة ولكنَّ المنافقين في صفوف المؤمنين ، بينهم ، في مساجدهم ، معهم ، في أعمالهم .


    قال : فكم من معقلٍ للإسلام قد هدموه
    وكم من حِصنٍ له قد قلعوا أساسه وخرّبوه
    وكم من عَلمٍ قد طمسوه
    وكم من لواءٍ له مرفوعٍ قد وضعوه
    وكم ضربوا أساسه بالمعاول فهدّموه

    لذلك ربنا عزّ وجل قال :

    11. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
    12. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

    ( سورة البقرة )


    يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 8 )

    ( سورة الصف )

    أربع آياتٍ للمؤمنين ، آيتان للكفار ، ثلاث عشرة آية للمنافقين لكثرتهم ولخطورتهم ، و لإفسادهم ، و لانحرافهم ، و لأنَّ الناسَ قد يَلبَسُ عليهم أمرهم ،

    أول صِفة من صفات المنافقين : قال اتفقَ المنافقونَ على مفارقة الوحي ، .. كلام الله عزّ وجل عِندَ المؤمنين له شأنٌ عظيم بينما كلام الله عزّ وجل عِندَ المنافق .... يتحرك في الحياة لا وفقَ كلام الله بل وفقَ هواه ،

    .. ، .. تراه ينطلق من مصالحهِ ، من ثقافته أحياناً ، من طموحاته غير المشروعة ، و لا يعبأ بكلام اللهِ ، و لا بحدوده ، و لا بأوامره ولا بنواهيه ،


    ربنا عزّ وجل وصفهم فقال :

    فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
    ( سورة المؤمنون )



    .. عِندهم آراء وعقائد ومواقف وتنظيمات لا تمت للدين بصِلة ، " كلُّ حِزبٍ بما لديهم فرحون " هؤلاءِ هم المنافقون ، وأيضاً يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً ، والذي يجمعهم جميعاً أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، .. يتلو قوله تعالى :

    وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
    (221)
    ( سورة البقرة )

    فإذا طرقَ بابه خُطّابٌ كثيرون يختار الغني ولا يعبأ بالمؤمن .


    قال الله عزّ وجل :
    يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)
    ( سورة البقرة )

    لا يُبالي بهذه الآية يأكل الرِبا ويوكِله ، هذا هو النِفاق لعلكَ تراه يصلي ، لعلكَ تراه يصوم ، لا قيمة لهذه الصلاة ولا لهذا الصيام .


    اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ما هجرَ تِلاوته ولكن هجرَ تطبيق أحكامه ، ما جعله في حياته جعله وراء ظهره جعله خارج اهتمامه فالإنسان الذي لا يعبأ بكلام الله ، ولا يتخذه دستوراً ، ولا ينطلق في حياته من أحكامه ، فهذا منافقٌ منافقٌ منافقٌ .

    * صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين : قالَ الله عزّ وجل :

    صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)
    ( سورة البقرة )


    ... عيناه لا تريه آيات الله عزّ وجل تريه مباهج الدنيا ، عينه تلتقط المباهج ، الزخارف ، المٌتع ، المال ، ما فيها من زينة ، أما أن تلتقط عينه آيات الله الدالة على عظمته ، ليسَ هذا من صفات المنافق


    " صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون "

    إن ألقيتَ عليه الموعظة كانَ كالأصم ، إن تكلّمَ تكلّمَ بالدنيا ، لسانه يتلعثمَ في ذِكر الله ، لا يذكر الله إلا قليلاً ، يذكر الدنيا إذا ألقيت عليه حديثاً عن الله عزّ وجل تململ وتثاءب وقال دعكَ من هذا الحديث ، أما إذا ألقيت عليه حديث الدنيا أصغت أذناه وبرقت عيناه وتألّقَ


    ربنا عز وجل قال : صمٌ بكمٌ عميٌ أصمّ عن سماع الحق ، أبكم عن أن يذكروا الله عزّ وجل ، عمي عن آيات الله الكونية فهم لا يرجعون إلى الله عزّ وجل.

    أتلفت قلوبهم الشبهات والشهوات ،...


    يتبع إن شاء الله تعالى .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  37. #187
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,

    نتابع مع صفات المنافقين
    قال الله عزّ وجل :

    فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
    (10)
    ( سورة البقرة )


    .. الأمراض التي في قلوبهم انقلبت إلى أعمال ، فكيف يزداد المرضُ مرضاً إذا استحكمَ في النفسِ وانقلبَ إلى سلوك .

    لهم علامات يُعرفون بها ، باديةٌ لمن تدبرها ، من أوضحها الرياء وهو أقبحُ مقامٍ يقفه الإنسان .. الرياء .. الازدواجية .. لهم ظاهر ولهم باطن ، لهم موقف مٌعلن ولهم موقف حقيقي لهم عبادةٌ يعبدون الله بها في بيوتهم ، ولهم عبادة يعبدون الله بها أمام الناس ،

    أساس مواقفهم الرياء ، وقعدَ بهم الكسلُ عمّا أُمروا من أوامر فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلاً ،

    كيفَ وصفهم الله عزّ وجل قال :

    إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً

    (142)
    ( سورة النساء ) .


    درسنا الآن بعض الآيات التي تصف المنافقين ، هذا كلام الله عزّ وجل ، فإذا الإنسان بريء من هذه الأوصاف فأنعم به وأكرم ، وليحمد الله عزّ وجل ، ونرجو الله جميعاً أن نكونَ ممن نجاهم الله من النِفاق ، وإن كانَ متلبّساً ببعض الصفات والقلب ينبض إذاً المجال مفتوح باب التوبة مفتوح ، باب الإخلاص مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح ، ..

    الصِفة الأولى أنهم يراءون الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلاً ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى .

    ** من صفات المنافقين التذبذب والحيرة ، مع هؤلاء أم مع هؤلاء ، مع رفاق السوء أم مع المؤمنين ، مع دورِ العِبادة أم مع دورِ اللهو ، لا يسخو لا بهذا ولا بذاك ،

    " في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً " قالَ أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين تيعرُ إلى هذه مرةً وإلى هذه مرةً ولا تستقر مع إحدى الفئتين ،

    إذا كان أحد الناس جلس مع المؤمنين طابَ له المجلس ، فإذا جلسَ مع الكفار أو مع أهل الدنيا، أو مع أهل البُعدِ ، فسُرَّ معهم واستمرأَ حديثهم ، وطابت له جلستهم ، فهذه علامة النِفاق ،

    لو كانَ مؤمناً حقاً لا يرتاح للكفار ، ولا لحديثهم ، ولا لمزاحهم ، و لا لأنماط سلوكهم ،ولا لأوضاعهم ،

    لذلك النبي الكريم وصف المنافقَ فقال :

    ........ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً لا تَدْرِي أَهَذِهِ تَتْبَعُ أَمْ هَذِهِ *

    و قال تعالى :

    مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
    (143)
    ( سورة النساء )



    * صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين : يتربصون الدوائر بأهلِ الكتاب والسُنّة .. بالمؤمنين .. دائماً على حسد ، دائماً على تربص ،

    فإن كانَ لهؤلاء المؤمنين فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم ، نحن معكم يا أخي ، نحن مؤمنون ، نحن أعنّاكم ، نحن دعمناكم ،

    قال فإن كانَ لهم فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم وأقسموا على ذلك بالله جهدَ أيمانهم ،

    وإن كانَ لأعداء الكتاب والسُنّة من النُصرة نصيب قالوا ألم تعلموا أنَّ عقدَ الإخاءِ بيننا وبينكم مُحكم ، نحن معكم ضد المؤمنين ، وأنَّ النسب بيننا قريب ،

    ربنا عزّ وجل قال :

    الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً

    (141)
    ( سورة النساء )


    هذا الموقف المتذبذب مع الأقوى دائماً مع الأعز .. هذا موقف المنافق ..


    يتبع بإذن الله تعالى , و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  38. #188
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
    بسم الله الرحمان الرحيم ,


    الحقيقة المنافق قد يُعجبُ السامعُ بقوله لحلاوته ولينه ويُشهد الله على ما في قلبه ، يقول لك شَهِدَ الله أني أُحبك ، يُشهِد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام .

    قال تعالى :

    وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ

    (204)
    ( سورة البقرة )



    خصم عنيد ، خصم شديد ، عدو لدود ، ومع ذلك له كلام أحلى من العسل ، وله قلبٌ أمرُّ من الصبر ،هذه من صفات المنافق ، تكاد تكونالازدواجية مِحور أساسي في هذه الصفات . ..

    المؤمن الحق ما في قلبه على لسانه ، وما قاله بلسانه في قلبه ، وعلانيته كسريرته ، وسريرته كعلانيته ، وباطنه كظاهره ، وظاهره كباطنه ، المؤمن متوّحد في اتجاه ،

    المنافق مزدوج ،
    فهذه نصيحة لكل أخ مؤمن : اجعل الصلاة في البيت كما هي في المسجد ، غضُ بصركَ في الطريق وأنتَ وحدك كما لو كنت بين المؤمنين ،... راقب الله عزّ وجل ، لا تأخذكَ في الله لومة لائم ، لا تعبأ بكلام الناس ، لا تأخذ مواقف أمام الناس ، لا تكن لكَ مواقف أخرى في البيت ،

    من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله . ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلّط .

    قال تعالى :

    وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ

    (205)
    ( سورة البقرة )


    أفسدَ العلاقة بين الشريكين ، بين الزوجين ، بين الأخوين ، بين الجارين ،
    " وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسدَ فيها ويهلكَ الحرثَ والنسل والله لا يُحب الفساد ".


    * المنافق كلام الله عليه ثقيل ، لا تركن نفسه إلى كلام الله ، لا ينصاعُ له ،.. إذا حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن دعوتهم إلى حُكم كتاب الله وسُنّة رسوله رأيتهم عنه مُعرضين .

    ربنا عزّ وجل قال :

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا

    (61)
    ( سورة النساء )



    كتاب الله بيننا ، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام بيننا ، المنافق لا يرضى لا بكتاب الله ولا بكلام رسول الله ، يرضى برأيه الشخصي ، أو بحكم القاضي ، أو برأي المحامي ،

    المنافق من علاماته كثيرُ حلفِ الأيمان بلا سبب ، كثرةُ حلفه للأيمان دليل خلل داخلي ،

    فأحدهم تسبقُ يمينه كلامه ،لم يكذبكَ أحد ما أحد كلّفكَ أن تحلف اليمين ، ما أحد دعاك إلى حلف اليمين يحلف الأيمان الكاذبة دون أن يُستحلف ، لاعتقاده الداخلي أنَّ الناسَ لا يصدقونه ، هناك خلل داخلي في شخصيته ،

    فربنا عزّ وجل قال :
    اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ

    (16)
    ( سورة المجادلة )



    اتخذوا أيمانهم وقايةً ، دريئةً يدرؤون بها تشكيكَ الناس في أقوالهم ، .. هذه كلها آيات قرآنية ..

    كثرة حلف الأيمان ، الصدُّ عن حُكم الله وحُكمِ رسوله ، الفساد في الأرض ، إفساد العلائقَ بينَ الناس ، له كلامٌ أحلى من العسل وقلبٌ أمرُّ من الصبر ، يتربصون بالمؤمنين الدوائر مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، يراءون الناسَ ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى ، لا يذكرون الله إلا قليلاً ، هذه صفاتهم المُستنبطة من آيات الله البيّنات .

    المنافق كأنه إنسان سارَ في رحلة في الصحراء ، بعد حينٍ من الوقت أو بعدَ مسافةٍ من المكان شعرَ بالتعب والإعياء فنكثَ راجعاً ، لم يتابع المسير .

    فربنا عزّ وجل قال :
    ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ


    (3)
    (سورة المنافقون)

    بعد ما آمن رأى في الإيمان قيوداً ، حدوداً ، وتكاليف ومجالس علم ، وغض بصر ، وهذه حرام وهذه حلال ،

    بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل وسارَ في أولِ طريق الإيمان رأى الإيمان عِبئاً عليه ، رآه ثقيلاً ، رأى التكاليف تكاليف باهظة ،

    لذلك انتكثت روحهُ .. وتركَ المؤمنين يتابعون الطريق ،

    قال تعالى " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبعَ على قلوبهم فهم لا يفقهون " بعد أن آمن كفر ، وهذا واضح ، بعد ما حضر مجالس العلم سنة ، انتكث وعادَ إلى شهواته وأهوائه ،

    وعادَ إلى رفاق السوء ، وعادَ إلى انطلاقه إلى المعاصي كيفما يشاء ، فهذه النكثة هيَ نكثات المنافقين .

    يتبع بإذن الله تعالى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .



    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  39. #189
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    Kalamoun
    المشاركات
    3,823

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم.
    بارك الله بك ...!
    آخر (طرح) فيه الكثير من الفائدة ان شاء الله...!

    اسأل الله ان يطهّر قلوبنا و أعمالنا من النفاق....!

  40. #190
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    و بكم بارك الله .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  41. #191
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بسم الله الرحمن الرحيم ,

    المؤمن ليسَ ساذجاً ، يؤخذ بشخص طويل القامة ، أنيق المظهر ، طليق اللسان ، ذكي العقل ، لكن خبيث النفس ، ضعيف الإيمان ، شهواني ، له خلفيّة سيئة ،

    المؤمن ذو بصيرة ، اتقوا فِراسةَ المؤمن فإنه ينظر بنور الله ،

    و قال سيدنا علي : نحن نعرف الرجالَ بالحق ولا نعرف الحقَ بالرجال ، المؤمن مقياسه دقيق جداً ،

    يعني أن يفعل المؤمن فعلاً منافياً للشرع هذا الشخص ساقطٌ بنظر المؤمن ، أن يعتقدَ اعتقاداً مخالفاً لكتاب الله هذا الشخص ساقطٌ في نظر المؤمن ، أما الذي يُعجب بالناس ، بأجسامهم ، بأطوالهم ، بحركاتهم ، بسكناتهم ، بفصاحتهم ، بطلاقتهم ، و لا ينظر إلى انحرافاتهم وإلى أخطائهم ، وإلى بُعدهم عن أمر الله عزّ وجل وعن سُنّة النبي فهو إنسان ساذج ،

    قال : يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول ، فالصبح عِندهم طلوع الشمس والعصر عِندهم الغروب ، وينقرونها نقرَ الغراب إذ هيَ صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ، يلتفتون فيها التفات الثعلب ولا يشهدون الجماعة ،

    بل إن صلى أحدهم صلى في البيت أو في دكانه ، يهجر المسجد .. هذه صفة المنافقين ،

    من علامة المنافقين إذا أصابَ المؤمنين عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءه ذلكَ وغمهُ ،

    على المستوى الفردي لك أخ مؤمن الله عزّ وجل رفع شأنه تتألم ، أطلق لسانه تتألم تتضايق ، جعل له شأن في المجتمع تتضايق ، تبحث عن عيوبه ، تبحث عن سقطاته ، تُبرزها للناس .. هذه علامة النِفاق ..

    من علامة الإيمان أنَّ المؤمن إذا رأى أخاه المؤمن قد أطلق الله لسانه ورفع شأنه يفرحُ له ويكون في خدمته وعونه .. الحق واحد لأنه .. إذا عزَّ أخوكَ فهُن أنت ، المؤمنون شركاء في أعمالهم الصالحة ، الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً دعم بعمله أخاه المؤمن ،

    مؤمنون كانوا في زيارة شخص أحدهم انطلقَ في الحديث عن الله عزّ وجل إذا سكتَ الباقون لهم مِثلُ أجره ، لأنَّ العِبرة أن يصل هذا الحق إلى هذا الإنسان ،

    أما التنافس والتنطع وعرض العضلات ليسَ هذا من صفات المؤمن ، أخوك انطلقَ في الدعوة إلى الله كُن معه أنت ، كُن معيناً له ، كُن دعماً له ، لا تحاول أن تُبرز سقطاته الموهومة عِندك ،

    ربنا عزّ وجل قال :


    إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

    (120)
    ( سورة آل عمران )

    يتضايق . .. يُعلن عن حسده ، يُعلن عن غيرته ، يُعلن عن ضيقه ، لا يتمنى لهذه الدعوة أن تنتشر ، لا يتمنى لهذا المؤمن أن يظهر ، لا يتمنى له أن يعلو عِندَ الناس ،

    " إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحُوا بها " يعني .. فإذا أصابَ هذا المؤمن مصيبة يفرح المنافق وقد يُعلن عن فرحه ، إذا فرح عاقبه الله عزّ وجل ، فإذا أعلن عن فرحه ازدادَ العِقاب ،

    الله عزّ وجل كرهَ طاعتهم ، لِخُبثِّ قلوبهم وفسادِ طواياهم ثبطهم عنها ، أقعدهم ، أبغضَ قربهم منه ، لميلهم لأعدائه طردهم عنه وأبعدهم ، أعرضوا عن وحيه فأعرضَ عنهم ، أشقاهم وما أسعدهم ، حكمَ عليهم بُحكمٍ عدلٍ لا مطمعَ لهم في الفلاحِ بعده .. القرآن الكريم ..


    وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ
    (46)
    ( سورة التوبة )

    لأتفه سبب يترك مجالس العلم .. لماذا ربنا ثبّطَ عزائمهم ، قال لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ، يوهنون القِوى ، يوهنون العزائم ، يضعِفون المعنويات ، يُيئسوا ، لهم كلمات فيها استهزاء ، لهم كلمات فيها تجريح ، هم ميالون للدنيا ،

    قال تعالى : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

    (47)
    ( سورة التوبة )


    المنافق من دلائل نِفاقه أنَّ النص القرآني ثقيلٌ عليه ، قال ثَقُلت عليهم النصوص فكرهوها ، أعياهم حملها ، ألقوها عن أكتافهم ووضعوها تفلتت منهم السُنن فلم يحفظوها ،

    ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ

    (9)
    ( سورة محمد )


    .. إذا الله عزّ وجل أمرَ بأمر وأنت شعرت بكراهية لهذا الأمر فهذه علامة النِفاق ، المؤمنون .. يفرحون بما أُنزل إليهم . .. أما المُنافق يرى أمرَ الله ثقيلاً عليه .

    إن شاء الله تعالى يتبع ... و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  42. #192
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بسم الله الرحمن الرحيم ,

    نتابع مع صفات المنافقين :

    هم أسرّوا النِفاق لكن الله عزّ وجل أظهرَ بعضَ علاماته على صفحات وجوههم وظهرَ نِفاقهم من فلتاتِ لسانهم ،

    ربنا عزّ وجل قال :
    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
    (29)
    وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ

    (30)

    ( سورة محمد )

    .. تجد المؤمن وجهه مُشرق ، فيه براءة بوجهه ، فيه نور ، فيه صفاء ، فيه إقبال ،

    وجه المنافق تجده في نوع من الغَبَرَة ، وجهه أسود ، سواد معنوي ، وجهه فيه قتامة ، وجهه فيه انحباس ، النِفاق ،

    قال تعالى " أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول " لحن القول هو فلتات اللسان .. " والله يعلم أعمالهم " .


    من صفات المنافقين أيضاً : لمّا ربنا عزّ وجل قال في سورة الحديد :

    يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
    (13)


    يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ

    (14)

    ( سورة الحديد )

    المنافقون في الدنيا كانوا مع المؤمنين ، معهم في مساجدهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم، في الحج ، في رمضان ، في الصيام ، هم معهم ... مختلطونَ معهم ،

    يوم القيامة يتوقف بهم المسير على الصراط المستقيم فيقولون للمؤمنين " انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً " لم تكن أعمالكم في الدنيا صالحة ، لم تكن هِممكم في الدنيا عالية لم تكن نواياكم مُخلصة ،

    الدنيا مكان العمل ، وفيها يُقتبسُ النور ، ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، قالوا ألم نكن معكم ....؟.. قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم بالدنيا وتربصتم ، وارتبتم ، وغرّتكم الأماني حتى جاء أمرُ الله وغَركم بالله الغَرور ،

    انظر كم صِفة ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم يعني .. أحببتم الدنيا وجعلتموها كلَّ همكم وجعلتموها مَحطَ رِحالكم وتربصتم بالمؤمنين تمنيتم أن يصيبهم السوء ،

    تربصتم بالمؤمنين تمنيتم الدمارَ لهم ، إذا جاءهم الخير ضاقت نفوسكم به ، وارتبتم في كلام الله عزّ وجل ، ما كنتم على يقينٍ من كلام الله عزّ وجل ، إرتبتم في وعده وفي وعيده ، ارتبتم في حلاله وفي حرامه ،

    وغرّتكم الأماني ، تمنيتم الدنيا وحدها واغتررتم بها حتى جاءَ أمرُ الله وغرّكم بالله الغَرور .

    الغَرور هو الشيطان وعدكم وأوهمكم أنه من كانَ من أُمةِ مُحمدٍ عليه الصلاة والسلام يشفع له النبي يكفي أن تكون من أمةِ مُحمدٍ فالنبي مُحمد صلى الله عليه وسلم يشفعُ لكَ يومَ القيامة دونِ قيدٍ أو شرط .. هكذا ..

    فانطلقتم إلى المعاصي ، وإلى الشُبهات ، وإلى المخالفات وإلى الدنيا ، وإلى المغانم والمكاسب .

    * يُروى أنَّ سيدنا حُذيفة بنَ اليمان سَمِعَ رجلاً يقول اللهم أهلك المُنافقين فقال يا ابن أخي لو هَلَكَ المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قِلة السالكين .

    يعني بِشارة من سيدنا حذيفة بن اليمان إلى أنَّ الكثرة الكثيرة من الناس يعني من هذا القبيل .

    * .. سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أسرَّ إليه النبي عليه الصلاة والسلام أسماء المنافقين فسيدنا عمر يعلم ذلك فقال له يا حذيفة ناشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ..؟.. ورد اسمي بالقائمة .. قال لا .. ولا أُزكي بعدكَ أحداً ..

    لا تحرجني أنت لا اسمك غير وارد .. ولا أُزكي بعدكَ أحداً .

    * ابن مُليكة يقول : أدركتُ ثلاثينَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النِفاقَ على نفسه .
    ما منهم أحدٌ يقول إنَّ إيمانه كإيمانِ جبريلَ وميكائيل .


    ... إذا شككت بنفسك دائماً .. لعل في نِفاق ، لعل في تقصير ، فهذه علامةٌ طيبة ،

    و إذا في طمأنينة ساذجة ، أنا مؤمن الحمد لله ، أنا بزمن صعب ، أنا عملي كسبعين من أصحاب رسول الله ، أنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر إذا كان بهذه النفسية أنت مطمئن ، مرتاح تماماً ، وما في مشكلة عِندك إطلاقاً ، هذه علامة خَطِرة هذه علامة النِفاق ،

    علامة الإيمان أن تخشى النِفاق ، وعلامة النِفاق ألا تخشى منه .

    يتبع إن شاء الله تعالى .. و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  43. #193
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم ,

    الحسن البصري كما قلتُ لكم قال : ما أمِنَ النِفاق إلا مُنافق ، وما خافه إلا مؤمن ،

    وكانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونَ اللهَ فيقولون : اللهّمَ إني أعوذُ بِكَ من خشوعِ النِفاق ، قيلَ وما خشوع النِفاق ..؟.. قال : أن يُرى البدنُ خاشعاً والقلبُ ليسَ بخاشع بالصلاة يظهر الخشوع شيء .. وقلبه ليس بخاشع ..


    * قال بعضهم : النِفاق يُزرعُ ينبتُ له ساقان ساقُ الكذب و ساقُ الرياء ، و يُسقى بعينين عينِ ضعفِ البصيرة وعينِ ضعفِ العزيمة ،

    يعني .. رؤيته غلط وإرادته ضعيفة وفي عنده كذب وفي عنده رياء ، يعني أربع دعائم للنِفاق : الكذب والرياء وضعف البصيرة وضعف العزيمة .

    رؤيته مضطربة ، عزيمته ضعيفة ، يعتمدُ الكذب ، ويعتمدُ الرياء .

    وقد قال عليه الصلاة والسلام :
    ....... عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ *
    فالكذب ليسَ من صفات المؤمن .

    قال : إذا تمت هذه الأركان الأربعةُ استحكمَ نبات النِفاق ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرفٍ هار فإذا شاهدوا سيلَ الحقائق يوم تُبلى السرائر ويبعثرُ ما في القبور ويُحصّلُ ما في الصدور تبيّنَ لهم يومئذٍ من كانت بِضاعته النِفاق فهي كالسراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجدَ الله عِنده فوفّاه حِسابه والله سريع الحساب .



    [frame="7 10"]
    ملخص الدرس : من علامات النِفاق أنَّ المُنافق إذا عاهدَ خان وإذا وعدَ أخلف ، و إذا قالَ كذب لم يُنصف ، و إذا دُعي إلى الطاعةِ تلكأ ، و إذا قيلَ لهم تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ صدفوا ، و إذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا وانصرفوا ، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزيِ والخُسران .


    * قال تعالى :

    وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
    (75)
    فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ
    (76)
    فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
    (77)

    ( سورة التوبة )


    هذا الذي يسميه كُتّاب السيرة حمامة المسجد ثعلبة كانَ يصلي خلف النبي ، ما فاتته تكبيرة الإحرام خلفَ سيدِ الأنام ، كان فقيراً قال له يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ، يبدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام له بصيرة في هذا الإنسان ،

    قال يا ثعلبة قليلٌ تؤدي شُكره خيرٌ من كثير لا تؤدي شكره ، قالَ يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ، قال يا ثعلبة قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يٌطغيك ، قالَ يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ،

    يريد مالاً ،

    فقال ربي ارزق ثعلبة كيفَ شئت ومتى شئت ، اشترى غنماً والغنم توالدت ملأت طرقات المدينة بشكلٍ عجيب ، بمدةٍ قصيرة صارَ من أغنى الأغنياء ، ما عادَ يُصلي خلفَ سيد الأنام ، ما عادَ يُحصّل تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام ، غاب عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ، غاب غيبة طويلة جداً ،

    النبي سأل عنه ، تجد الواحد بعد الزواج لم نعد نشاهده ، بعد ما صار تاجراً لم نعد نشاهده ..الله عزّ وجل ورسوله أولى باهتمامك .. فالنبي بعثَ برسول لثعلبة يطالبه بالزكاة ،

    فيقول لرسول رسول الله : قل لصاحِبكَ ليسَ في الإسلام زكاة ، قال له أهوَ صاحبي وليسَ صاحِبكَ ، أجمعتَ إلى ترك الزكاة الكُفرَ برسول الله ، عِندئذٍ نَزَلَ فيه وفي أمثاله هذه الآية

    "ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكوننَ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم مُعرضون فأعقبهم نِفاقاً في قلوبهم إلى يومِ يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ".

    [/frame]

    انتهى هذا الدرس بفضل الله سبحانه , و في الختام نسأل الله تعالى أن يجنبنا النفاق , و نعوذ به من الرياء و الكذب .

    يتبع إن شاء الله عز و جل مع درس جديد .
    و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  44. #194
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    أيها الأخوة و الأخوات .... مع الدرس 22

    بعنوان الثِقة .

    النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ طويل يقول :
    حديث علي :

    سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته فقال " المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق مركبي وذكر الله أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضا غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوّتي والصدق شفيعي والطاعة حبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة "

    الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن هوَ ثِقَتُكَ باللهِ عزّ وجل ، الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن بتقرير النبي عليه الصلاة والسلام أن تكونَ واثقاً بالله ،

    وقد وردَ في بعض الأحاديث :

    عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ *

    (سنن ابن ماجة)


    أنا أُتابعُ كلمة الثِقة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " الثِقةُ كنزي "... أي الثِقةُ بالله عزّ وجل ... و إذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكُن بِما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك ،

    والحقيقة .. الثِقةُ باللهِ عزّ وجل ثمرةٌ من ثِمارِ الإيمان أو ثمرةٌ من ثِمارِ المعرفة .. إذا عرفتهُ وثقتَ به ، فأُمُ موسى عليه السلام ماذا قال الله لها ؟

    وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

    (7)
    (سورة القصص)

    كلام غريب !! .. إذا خِفتِ عليه فالقيه في اليم : ائتني بامرأة من مليون امرأة تضعُ ابنها في صندوق وتُلقيه في النهر ، لماذا ألقت أُمُ موسى وليدها الحبيب في النهر ؟ لِثِقتها بأنَّ الله عزّ وجل سيحفظهُ .

    لذلك .. " فإذا خِفتِ عليه فألقيه في اليمِ ولا تخافي ولا تحزني "

    يعني أنت مثلاً متى ترفض دخلاً كبيراً فيهِ شُبُهة؟ لِثِقَتِكَ بأنكَ إذا تركتهُ لله عوّضكَ الله خيراً منه ،

    متى ترفضُ عملاً لا يُرضي الله ؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا فعلتَ ذلكَ غَضِب الله عليك وإذا غَضِبً الله عليك خَسِرتَ كُلَّ شيء ،

    متى ترفضُ أن تُعينَ ظالماً ؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا أعنتهُ كُنتَ أولَ ضحاياه .

    قال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم.

    وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : من أعان ظالما سلطه الله عليه .

    .. القرآن الكريم حينما تقرؤه والسُنّةُ المطهّرةُ حينما تقرؤها إذا كُنتَ واثِقاً أنَّ هذا كلام خالِقُ الكون وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعدهُ أو وعيدهُ ، وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعد النبي ووعيدهُ ،

    عندئذٍ تَثِقُ بأنَّ هذا القرآن كلامهُ وأنهُ واقعٌ لا محالة .. لذلك تخشاهُ .

    .. لا أُبالغ : يُمكن أن يُجمعَ الإيمانُ كُلهُ في كلمة واحدة أنكَ واثقٌ مما جاء في القرآن الكريم ، تضعُ الدنيا تحتَ قدميك ، تضعُ كّلَّ مباهج الدنيا تحتَ قدميك إذا حَمَلتكَ على معصية الله أو إذا حَجَبتكَ عن الله ، ولو سألتَ مؤمناً : لماذا أنتَ تُطيع الله عزّ وجل ..؟..

    لو سألت مؤمناً صادقاً ما الذي يحمِلكَ على طاعتهِ يقول لكَ لأنني مُتصلٌ بهِ وأخشى على هذه الصِلة أن تنقطع ..

    وهذا أقوى جواب .. ، لماذا تغضُ بصركَ عن محارم الله ؟ لأنكَ موصول بالله بهذه الطاعة فإذا أطلقتَ بصركَ في محارم الله حُجِبتَ عن الله .. ومادام الله .. أغلى ما تملك .. أغلى شيء في حياتك لذلك حريصٌ أنتَ على أن تكونَ متصلاً بهِ .. هذا سِرُ الطاعة ..

    فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كانَ مُبالِغاً حينما قال : " الثقة كنزي " ، و ما كان مُبالِغاً حينما قال :

    عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ *

    يتبع بإذن الله تعالى .. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  45. #195
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    يمكنُ أن يُضغطَ الإيمانُ كلهُ ، والمعرفةُ كُلها ، واليقينُ كُلهُ .... في كلمةٍ واحدة : هو أنكَ واثِقٌ بالله ، واثِقٌ من أنَّ اللهَ لا يُضيّعُ عبدهُ المؤمن زوال الكون أهون على اللهِ من أن يُضيّعَ مؤمناً أطاعه ، سبحانكَ إنهُ لا يَذِلُ من واليت ولا يَعُزُ من عاديت ،

    سيدنا رسول الله ( عليه الصلاة و السلام ) كانَ مع أصحابهِ وكانوا فقراء ، ضعفاء ، مقهورين ، محتاجين وكانت ثقتهم بربهم لا حدود لها .

    و الله الذي لا إله إلا هو إن رأيتُ شاباً مستقيماً ضابطاً لجوارحه ، ضابطاً لمشاعره ، يصلي أناء الليل وأطرافَ النهار ، يغضُ بصرهُ عن محارم الله ، يتحرّى الحلال ، مستعدٌ أن يُضحي بكلِّ شيء من أجلِ مرضاة الله عزّ وجل .. والله الذي لا إله إلا هو أقول لهُ وأنا واثِقٌ مما أقول لهُ : الله سبحانهُ وتعالى سيوفِقُك ، وسيرفعُك ، وسيُعِزُّك ، وسيُعطيك وسيُقرُّ عينَك .. أبداً ..

    الإيمان كلهُ أن تكونَ واثقاً بالله .

    .. الموضوع واسع جداً ، كُلُ المعاصي التي يقترفُها الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله ، كُلُ اليأسِ الذي يُصابُ بهِ الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله ،

    كُلُ القنوط حينما يطيعُ مخلوقاً ويعصي خالِقاً ضعيفُ الثِقةِ بوعدِ الله .. رأى أنَّ إرضاء هذا المخلوق أثمنُ من رِضاءِ الله عزّ وجل ، وأنَّ سخطَ هذا المخلوق أعظمُ عِندهُ من سخطِ الله ، ليسَ واثِقاً بكلام الله ، ولا واثِقاً بِما عِندَ الله من نعيمٍ مُقيم ، ولا ما عِندَ الله من عذابٍ أليم .

    لذلك العلماء قالوا : " التفويضُ لله ، والتسليمُ لقضاء الله ، مرتبة التفويض ومرتبة التسليم ومرتبة التوكل أساسُ هذه المراتِبِ كُلِها : الثِقة ".

    أنتَ لا تُفوِض إلا من تَثِقُ بهِ ، ...

    أساس التعامُل هو الثِقة . فهل في الكونِ كُلِهِ جِهةٌ أجدرُ بثِقَتِكَ من اللهِ عزّ وجل ؟ .

    قال تعالى :

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
    (87)

    (سورة النساء)

    إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

    (111)
    (سورة التوبة)

    حتى إنَ بعضَ العلماء حينما قال :

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ

    (1)
    (سورة الفيل)


    والله أنا ما رأيت ، أحضر لي واحداً رأى هذا الحادث ، لِمَ لم يقل الرب : ألم تسمع .. معقولة .. سمعنا .. قرأناها في التاريخ .. أما ألم تر ، من رأى مِنّا ما فعلهُ أبرهةُ بالكعبة ..؟..

    العلماء قالوا : لأنَ إخبارَ اللهِ يقينٌ كيقين المُشاهدة ، إخبار الله عزّ وجل يقينٌ كيقين المُشاهدة لذلك وردَ قولهُ تعالى : " ألم تر كيفَ فعلَ ربُكَ بأصحاب الفيل " ثِقة ..

    ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه

    إذا كُنتَ واثِقاً من قول النبي تُضحي بِكُلِ شيء ولا تُضحي بطاعة الله عز وجل وعِندَئذٍ يأتيكَ كُلُ شيء ..

    هل في الأرضِ كُلِها إنسان يرى في المنام أنهُ يذبحُ ابنهُ يقول له في اليوم التالي يابني إني أرى أني أذبَحُكَ فانظر ماذا ترى ؟ قالَ يا أبت افعل ما تؤمر ،
    لا يوجد بالأرض كُلها إنسان واحد عِندهُ استعداد لِمنامٍ رآهُ في الليل أن يذبحَ ابنهُ حبيب قلبِهِ ، مُهجةً فؤادِهِ ، أن يضعَ السكينَ على رقبتهِ .. مستحيل ..

    لكن لماذا فعلَ هذا النبي العظيم لأنهُ واثقٌ من رحمة الله ، واثِقٌ من أنَّ أمرَ اللهِ فيه حِكمةٌ بالِغة ، وأنَ أمرَ الله لابدَ من أن يُنفّذ ، لكن لمّا انطلقَ لتنفيذهِ كانَ الفِداءُ الذي تعرفونهُ جميعاً .

    كُلما ارتفعَ مستوى الإيمان ارتفعَ معهُ مؤشر الثِقة إلى أن تؤمر بشيء .. غير معقول لكنكَ واثِقٌ من أنَّ الله عزّ وجل لن يُضيعك ..

    أحياناً تتعارض القوانين الأرضية التي تعارفَ الناسُ عليها مع الأوامر الإلهية .. هُنا يظهر المؤمن …. الناسٌ جميعاً يدعونكَ إلى أن تفعلَ كذا وكذا .. هكذا التِجارة .. هكذا البيع والشراء .. هكذا إخفاء العيب .. هكذا ينبغي أن تفعل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يُعطيكَ أمراً آخر ، فإذا كُنتَ واثِقاً من أنَ هذا النبي العظيم لا ينطق عن الهوى وكلامهُ وحيٌ يوحى وأنَّ هذا الوحيَ من عِندِ الله وأنَّ الله هو الصانع وهذه تعليمات الصانع ، تفعل ما يأمرك به نبيك.

    * لكلِ شيء أوان فإذا تعجلّتَ الشيء قبلَ أوانهِ عوقِبتَ بحرمانهِ فثِقتُكَ بالله عزّ وجل هيَّ إيمانُك ، مؤشر الثِقة يتناسب طرداً مع مؤشر الإيمان ، كُلما زادَ الإيمان زادت الثِقة ،

    .. تقدمت في الامتحان لم تنجح .. بعد ما فوضت لم تنجح .. أنتَ الآن أمام حالة أُخرى ما هي ..؟.. التسليم ، التفويض قبلَ النتائج والتسليم بعدَ النتائج ، فلابُدَ من أن تفوض ، ولابُدَ من أن تُسلّم ، لابُدَ من أن تُفوض قبلَ النتائج ولابُدَ من أن تُسلّم بعد النتائج ،

    والتفويض والتسليم أساسهُ الثِقة ، والتفويضُ والتسليمُ مع الثِقةِ هذه كُلُها هيَ التوكل ، والتوكل :

    وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً

    (81)
    (سورة النساء )


    و للحديث تتمة إن شاء الله تعالى .
    و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  46. #196
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول عليه الصلاة والسلام :

    إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله تعالى ، و أن تحمدهم على رزق الله تعالى ، و أن تذمهم على ما لم يؤتك الله .
    إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص ، ولا يرده كراهية كاره ، وإن الله بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط


    يعني كل الأحزان إذا شككتَ برحمة الله ، بعدالتهِ ، بحِكمتهِ ، برحمتهِ بعطائهِ ، بقدرتهِ ، بعلمهِ .. مادام هُناك شك .. في أحزان لا تنتهي ، وفي سُخط .. دائماً ساخط ،

    من صفات الكافر أنهُ يتسخّط كُلَ شيء .. كُل شيء لا يُعجِبهُ .. كُل شيء ينتقدهُ .. لا يرى يدَ الله عزّ وجل .. تفعلُ ما تُريد ، لا يرى حِكمة الله عزّ وجل ،

    لكن الرِضا حال قلبي ليسَ عملاً إرادياً فالعلماء قالوا: من لم يقدر على الرِضا ظَفِرَ باليقين ، لم يرض لكنه موقن أنَّ هذا العمل نتائجهُ لصالِحه ، وإن لم يظفر باليقين فعليه بالصبر ..

    إمّا أن ترضى ، وإما أن توقن ، وإما أن تصبر ، إن ظَفِرتَ بالرِضا فهذه مرتبةٌ جيدة وإن لم تظفر بها فعليكَ باليقين بأنَّ النتائج لِصالِحك لقول الله عزّ وجل :

    قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

    (128)
    (سورة الأعراف)

    و إن لم تظفر باليقين فعليكَ بالصبر :

    وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ

    (127)
    (سورة النحل)

    * الآن التسليم لله عزّ وجل .. قال : هُناكَ تسليمان : تسليمٌ لأمرِهِ التكليفي ، وتسليمٌ لأمرهِ التكويني ...

    كُلما اعترضتَ على أمرٍ تكليفي من عِبادةٍ أو معاملة أو خُلُقٍ فأنتَ لا تعرِفُ الله عزّ وجل ، فعلامة المؤمن أن يُسلّم لأمر الله التكليفي لذلك ربنا عزّ وجل قال :

    فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا

    (65)
    (سورة النساء)


    تحكيمُ النبي عليه الصلاة والسلام هو تحكيمُ الشرع وبعدَ موت النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تحكيمهُ أن تعودَ إلى سُنّتهِ ، إذا عُدتَ إلى رأيهِ في حياتهِ فرأيُهُ سُنّة ،

    وإذا عُدتَ إلى سُنتهُ بعدَ مماتهِ فقد حكّمتهُ " فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموكَ فيما شجرَ بينهم " ، الإنسان حينما يرضى بالتحكيم فقد وثقَ بالمُحكّم ،

    هذه مرتبة .


    المرتبة الثانية : " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت " يعني .. أنتَ قَبِلت لكن مع القبول قلق ،

    كيفما حكم فأنتَ راضٍ " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت "وبعدَ أن يحكُم " و يُسلّموا تسليماً " .

    * يوجد صحابي جليل احترق لأنهُ لمّا النبي الكريم نهى عن قتل عمهُ العباس قالَ في نفسهِ يأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وإخواننا

    فسّرَ التوجيه تفسيراً آخر .. تفسيراً عصبياً .

    عمهُ لا نقتلهُ له أمّا نحن آباؤنا يقتلون لا بأس .. هوَ عمهُ كان قد أسلمَ من قبل غزوة بدر ، والنبي الكريم صلى الله عليه و سلم إذا قال إن عمي قد أسلم فَقَدَ مهمتهُ الخطيرة في مكة كان يُقدّمُ للنبي أخباراً دقيقةً عن ما تُجمِعُ عليه قريش ،

    فلو أعلنَ أنَّ عمهُ قد أسلم انتهى دورهُ ، ولو لم يأمر أصحابهُ ألا يقتلوه يقتلونه في الحال ، ولو لم يشترك عمهُ في الحرب لَشُكَ في ولائهِ لقُريش ، إذا لم يشترك بالحرب عمه مُشكلة وإذا قال النبي أنَّ عمي أسلم مُشكلة ، وإذا قال اقتلوه مشكلة ،

    أليسَ لكَ ثِقة بالنبي أنهُ حكيم وليسَ مُتعصبّاً لا لأهلِهِ ولا لأعمامهِ .

    هذا الصحابي قال : أيأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وإخواننا .. فسّرها تفسيراً آخر .. قال : بقيت عشر سنوات وأنا أتصدق وأُصلي لعلَ اللهَ يغفِرُ لي .. هذا الظن السيئ ..

    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموكَ فيما شجرَ بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلّموا تسليماً "

    يجب أن تستسلم لأمر الله التشريعي ، آمركَ بأوامر كثيرة وعليك الطاعة ...
    ما دام في اعتراض وعدم قبول لأمر الله عزّ وجل التكليفي التشريعي فهُناك خلل في الإيمان .

    قال النوع الثاني : التسليمُ لأمر الله التكويني ..

    يعني هذا الإنسان لم يأته أولاد جاءتهُ زوجة سيئة جداً ، هكذا شاء القدر دخلهُ قليلٌ جداً ، لهُ ابن فيهِ عاهةٌ منذُ الولادة ، .. هكذا الله يُريد .. ألستَ واثِقاً من حِكمته ، من رحمته ، من عِلمه ، من عدالته ؟

    قال هذا هو الرِضاءِ بالقضاءِ والقدر .
    في نقطة مهمة جداً في القضاء والقدر ، قضاء ليسَ لكَ أن ترفضهُ ، و قضاء يجبُ أن ترفضهُ .. كيف ؟

    إن شاء الله يتبع ...
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  47. #197
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    نتابع إخواني و أخواتي مع :

    في نقطة مهمة جداً في القضاء والقدر ، قضاء ليسَ لكَ أن ترفضهُ ، و قضاء يجبُ أن ترفضهُ .. كيف ؟

    ما كُلُ قضاءٍ وقدر يُستسلمُ لهُ ، الابن ساخن حرارته 40 " قضاء وقدر " ألا تُعالجهُ ليس قضاءً وقدراً ، في قضاء يجبُ أن تستسلمَ لهُ وفي قضاء ثانٍ يجبُ ألا تستسلمَ لهُ ..

    في قضاء يجب أن تستسلم لهُ ، وفي قضاء يجب أن تُعالِجهُ .


    لذلك قالوا : في قضاء وفي مقضيّ ، القضاء من الله مباشرةً أمّا المقضي عن طريق إنسان ..

    أيام شخص يتجاوز حدوده أتستسلم لهُ أتُطمِّعهُ ؟ لكن إذا وقفت في وجهه ونيتُكَ أن توقِفهُ عِندَ حدهِ وأن تردعهُ عن مثلِ هذا العمل .. هذا عمل طيب .. فما كُل قضاء يُستسلمُ لهُ .

    بل إنَّ علماء العقيدة فرقّوا بينَ القضاء والمقضيّ ، إنسان تجاوز الحد ، هو حينما فعلَ هذا بأمر الله لكن أنتَ عليكَ أن ترفضَ هذا العمل ، أن تؤدبهُ ، أن توقِفهُ عِندَ حدهِ ،

    هُنا الفرق بين الفقيه و غير الفقيه .. اتركهُ .. هكذا يُريد .. هكذا الله يُريد ، .. لا .. هذا موقف ضعيف ..

    أخي هذا قضاء وقدر ليسَ لهُ علاقة هو حينما فعلَ هذا بقضاء الله وقدرهِ ، لكن هذا لا يعني أن يُعفى من المسؤولية وإلا أصبحنا في فوضى .

    فلذلك : هُناكَ أحكامٌ يؤمرُ الإنسانُ أن يستسلمَ لها ، وأحكام لابدَ من أن تُعالِجها كما أنَّ الله عزّ وجل أمرَ بذلك .


    و بالعودة إلى موضوع التسليم الأساسي :

    التسليم الذي أساسهُ الثِقة بالله عزّ وجل هو أن تتخلص من كُلِ شُبُهةٍ تُعارض الخبرَ الإلهي .

    شيء يُحير فمعناها ما في تسليم لله عزّ وجل لم تُسلّم ،

    مثال : أنتَ قرأت أنَّ الأرض كوكب في مراحل متأخرة جداً ابترد وصار أرضاً أما ربنا قال :

    ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
    (سورة فُصلّت)


    الأرض مخلوقة قبل السماء .. هكذا ربنا عزّ وجل قال ، إذا في عِندكَ شُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل فالله عزّ وجل قال كلمة واحدة قال :

    مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)
    (سورة الكهف)


    ف عدمُ التسليم من عدمِ الثِقة .

    أو في عندك شهوة مُصرّ عليها هذه الشهوة تُعارض بها أمراً إلهياً ، قال لكَ الله غُض بصركَ .. يا أخي هذا الزمان صعب ، أين نذهب بأعيننا ، يعني مستحيل ، يعني الله كلفكَ بشيء فوق طاقتكَ ،

    الله قال :

    لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

    (286)
    (سورة البقرة)


    فعدم الاستسلام سببهُ إمّا شُبُهة تُعارِضُ إخبار الله عزّ وجل ، و إمّا شهوة تُعارِضٌ أمره ،

    و أنتَ بينَ شهوةٍ وشُبُهة ، الشُبُهة تمنعُكَ من أن تستسلم و عدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة والشهوة تمنعُكَ من أن تستسلم وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة ، أو إرادة تُعارض الإخلاص .

    يتبع إن شاء الله تعالى .. و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  48. #198
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    مع القسم الأخير من هذا الدرس :

    تجد شخصاً أحياناً ليسَ عِندهُ إخلاص لله عزّ وجل يجعل الدين تجارة ، يجعل الدين شيئاً رخيصاً ، .. يبتغي بالدين عَرَضَ الدنيا

    فالله عزّ وجل أمرهُ بالإخلاص وهوَ يُريد الدنيا من خلال الدين هذا إذاً لا يستسلم ،

    وفي إنسان .. الله عزّ وجل يقول مثلاً :
    إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ


    (119)
    (سورة هود)


    يقول لكَ لا : الله خلقنا لُيعذبنا ، يا أخي لا راحة في الدنيا ، يعني الله كلامهُ غلط .. أنتَ لكَ رأي غير ما يقولهُ الله عزّ وجل ،

    فإذا نجوتَ من شُبُهةٍ تُعارِضُ إخبارَ الله أو من شهوةٍ تُعارِضُ أمرَ الله أو من إرادةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ لله أو من تفسيرٍ أو فلسفةٍ تُعارضُ ما جاءَ في كتاب الله .. إذا نجوتَ من كُلِّ ذلك فأنتَ ذو قلبٍ سليم ..

    واسمع قولهُ تعالى :
    يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ
    (88)
    إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
    (89)
    (سورة الشعراء)



    * القلبُ السليم : خلا من شُبُهةٍ وخلا من شهوةٍ وخلا من إرادةٍ خِلاف الإخلاص لله وخلا من عقيدةٍ أو تفسيرٍ أو رأيٍ خِلاف ما وردَ في كتاب الله .. إذ نجوت من كُلِ أُؤلئك فأنتَ ذو قلبٍ سليم وأنتَ الناجي بفضل الله عزّ وجل .

    * العلماء قالوا : " إنَّ التسليم يكادُ يرقى بالإنسان إلى مرتبة الصديقيّة ، و مرتبةُ الصديقيّة أعلى مرتبةٍ بعدَ النبوة ،
    النبوة .. الصديقيّة ".

    مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

    (75)
    (سورة المائدة)

    سيدنا أبو بكر الصدّيق ، أعلى مرتبة في الإيمان مرتبةُ الصديّقية فإذا استسلمت إلى الله عزّ وجل ، فوضت واستسلمت ووثقت ، لا في شُبُهة ولا في شهوة ولا في إرادة غير مُخلِصة ولا في تفسير خِلاف ما جاء في القرآن ، نجا قلبُكَ من هذه الأمور الخمسة فأنتَ في مرتبة التسليم

    و التسليمُ أساسهُ الثِقة والثِقةُ أساسُها معرفة الله ومعرفةُ الله هيَ كُلُ شيء و رضي الله عن سيدنا عليٍّ حينما قال : أصلُ الدينِ معرِفتهُ

    يعني .. بينَ الذي يعرف والذي لا يعرف بونٌ شاسع ،

    مرة كنت حاضراً في مكان توفي صاحب البيت فذهبنا إلى مواساة أهلهُ .. دخلَ أخوه وسبَّ الدين لماذا مات أخي .. هذا لو كان يحضر مجالس عِلم لو كان يعرف الله عزّ جل ، فيعرف الأجل ، يعرف ما عِندَ الله بعدَ الموت ... جاهل .. جاهل جهلاً فاضحاً وقذراً .. جهلاً بشعاً .. قال : لماذا مات أخي ... واحد توفيت زوجتهُ عمرها 60 سنة ولها أُخت عمرها 90سنة فقال : لو ماتت تلك ...
    هذا جهل .

    فلذلك : الإنسان كُلما نما عقلهُ ونما إيمانهُ قلَّ كلامهُ ، لَزِمَ الصمت وسبّحَ الله وحَمِدَ اللهَ على كُلِ شيء .


    انتهى ... و نكمل الموضوع إن شاء الله تعالى مع درس جديد.
    و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  49. #199
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

    أيها الإخوة و الأخوات : مع الدرس 23 من مستلزمات العبودية :

    تعظيم حرمات الله عز وجل وتعظيم شعائره .

    آية تعد أصلاً في هذا الباب ، ألا وهي قوله تعالى :

    مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
    (13)
    وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
    (14)

    (سورة نوح)

    فالإيمان بالله شيء ، وتوقيره شيء آخر ، حينما قال الله عز وجل : ] إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ [ ، فالتركيز والإضاءة والخط تحت كلمة عظيم ، لأن معظم الكائنات من دون استثناء يؤمنون بالله ،

    حتى إن إبليس قال :
    قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
    (76)
    قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
    (79)
    (سورة ص)

    فالإيمان بوجود الله قاسم مشترك بين معظم الخلق ، ولا يعد هذا الإيمان إيمان منجياً ، لكن الإيمان بالله العظيم حينما تعظمه ، وتوقره ، وتراه عظيماً ، عندئذ تستقيم على أمره ، ويبدو أن الطاعة مرتبطة بالتعظيم .


    * قال الإمام مجاهد : " ما لكم لا تبالون لله عظمة " ، وقال ابن عباس : " ما لكم لا تعلمون لله عظمة " ،
    وفي رواية : " ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيم " ،

    وقال ابن زيــد : " ما لكم لا ترجون لله وقاراً " ، الوقار هو الطاعة ، " ما لكم لا تخافون عظمة الله عز وجل ".

    أيها الإخوة : دائماً الطاعة مقترنة بالتعظيم ، ... أنت تطيعه بقدر ما تعظمه ، و تعصيه بقدر ما يقلّ تعظيمك له ، فمن لوازم العبودية لله عز وجل طاعته ، وتعظيمه كي تطيعه .


    * يقول عليه الصلاة والسلام : (( إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد ، ويقرها فيهم ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم ، فحولها إلى غيرهم )) ،

    الآن هذه النعمة التي أكرمك الله بها ينبغي أن تراها من فضل الله عليك ، فإذا رأيتها هكذا بذلتها ، و إن رأيتها بجهدك بخلت بها .

    فيا أيها الإخوة : من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم نعمه ،

    الزوجة نعمة ، فمن كفر بها حرم منها ، والزوج نعمة ، فإذا كفرت الزوجة هذه النعمة حرمت هذه النعمة ، وأن تكون معافى في جسمك هذه نعمة ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول : (( الحمد لله الذي عافاني في بدني )) ، أن تتمتع بسمعك ، وبصرك ، وحركتك ، وذاكرتك ، وقوتك ، وتخدم نفسك بنفسك ، هذه نعمة لا تعدلها نعمة .


    من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم ما حباك الله به ، و من نتائج تعظيم ما حباك الله به أن تبذله للناس ، لا أن تستأثر به ، وتنفرد به .

    * عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ . قِيلَ : وَمَا اسْتَعْمَلَهُ ؟ قَالَ : يُفْتَحُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ )) .

    (مسند الإمام أحمد)

    دائماً وأبدا أقول : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، إذا أحب الله عبداً استعمله في خير ، وجعل حوائج الناس إليه ، وفتح على يديه باب الأعمال الصالحة ، واستعمله ، أي جعله أداة خير للناس ، .. منّ الله عليه بعمل صالح ، بدعوة ، بتعليم ، ببناء مشفى ، أو ميتم ، أو مسجد ، أو بإدارة دعوة ناجحة لله عز وجل ، ...


    في حديث آخر من طريق آخر : (( إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله ، قيل : كيف يستعمله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ، ثم يقبضه عليه )) .

    يتبع إن شاء الله تعالى ... و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




  50. #200
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    القلمون
    المشاركات
    1,189

    افتراضي رد: مدرســــة الــحــيـــــــــــاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    بسم الله الرحمن الرحيم

    المؤمن يعظم النعمة ، لأنها من الله ، يشكرها ، ويبذلها ، المؤمن يعظم العمل الصالح ، يقبل عليه لأنه قربة إلى الله ،

    يعظم الله ، ويعظم نعمه و أوامره ويعظم الأعمال التي تقرب منه ،

    *** سيدنا موسى بعد أن سقى للفتاتين قال :

    فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

    (24)
    (سورة القصص)

    لذلك العلماء استنتجوا أن الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح ، و أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح .



    الله عز وجل هدى على يد إنسان مئات الأشخاص ، هذا أكبر غني في الأرض ، والذي يملك ألوف الملايين ، و لم يقدم لله عملاً صالحاً واحداً هذا أفقر خلق الله ،

    فمن وسائل التعظيم كما يقول الله عز و جل :

    قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ

    (46)
    (سورة سبأ)

    التفكر في خلق السماوات والأرض .

    إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ

    (190)

    الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

    (191)
    (سورة آل عمران)

    من باب تعظيم الله عز وجل وتوقيره التفكر في آياته ،

    المؤمن ما الذي يملأ قلبه ? ، قرأت بحثاً عن النملة والنحلة والمجرات شيء لا يصدق ، خلق الله يملأ ساحة نفسي ،
    الأنبياء والصديقون والعلماء الكبار ملأت نفوسهم عظمة الله عز وجل ،


    و يقول تعالى :

    ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

    (32)
    (سورة الحج)

    نسأل الله عز و جل أن يجعلنا ممن يخافه و يعظمه و يعمل لرضاه دائما ً و أبدا ً .

    هنا ينتهي هذا الدرس ... و في الدرس القادم إن شاء الله سنتحدث عن فكرة ثانية , (( من مستلزمات العبودية (2) ... )) .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    من الصعب جدا ً أن تعيش ملاكا ً بين البشر ...




صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •