بارك الله فيكم وللفائدة هذا نص رسالة ابن عاشور للإمام محمد رشيد رضا وهو يعزيه في الأ ستاذ الإمام:
وكتب الأستاذ الفاضل والعالم العامل الشيخ طاهر بن عاشور من علماء تونس المصلحين رقيماً إلى جامع الكتاب هذا نصه :
المرسى في 23جمادى الأولى سنة 1323
إلى الأستاذ العلامة النقاد أخينا الشيخ سيدي محمد رشيد رضا
أقاسمك الأسف والغم على مصيبتنا ومصيبة الإسلام والعلم والحكمة بمفارقة أستاذنا الذي كان علمه نزهة لأبصارنا وذكره أنس لنفوسنا ، أقاسمك الأسى وإن كنت أوقن أن ملازمتكم له وتمتعكم السنين بمشاهدة ذاته الشريفة التي هي مثال الفضائل والحكمة تجعلكم أشد شوقاً إليه ، ولكني أرى نفسي من جهة تعطشي إلى ما كنتم منه تشربون أشد منكم حسرة على ما عدمت وفاتني من مجالس الأستاذ والانتفاع بعلمه وحكمته وكلا ذينك سبب أسف وحزن فلا بد ع أن يكون أسفنا متوازناً متساوياعرفت الأستاذ الإمام معرفة شهود بتونس في سنة 1321هـ ، فعرفت من ملاقاته الأولى رجل العزم والإرادة والفكر وبلاغة القول وشدة الفراسة وتكافؤ القوى العملية والفكرية حتى لقد كان من سكون نفسي إليه و إلفتها بها
واعتلاق صدقاته في أمد وجيز ما يكون مثله في السنين الطوال فصارت ذكره تفعل في نفسي ذكرى والد رحيم فلا تسل عن أسفي وآلاميالتي رماني بها بريد منعاه فبقيت يوماً كاملاً لا أسطيع حركة فكرية تسبح بي الكآبة في بحار من الفكر الساذج وتهيم بي في أودية من الحزن واليأس ولقد كنت من جلالة الخطب كمن لم يصدق الخبر الأليم ثم ثاب إلى بعض الرشد ففكرت في حال الإصلاح مدة ولم أملك عبراتي عن التساقط عندما قرأت أبياته الأخيرة الدالة على أنه كان يفكر في الإصلاح ساعة لا يذكر فيها المرء غير نفسه .
يكون الأسف في عادة النفوس على المصائب جديداً فإذا خلق المصاب رث الأسف ولكن ذلك الأسف عن الشوق إلى ذات ، فأما أسفنا على الأستاذالإمام فلا شك أنه يجد كلما حارت الأفهام في المشكلات وخارت القوى في مقاومة البدع وجراثيم التأخر .
يقابلني تمثال الأستاذ الإمام في منزلي مرات وأذكر كلماته وتفاسيره مهما قرأت سورة في صلاتي فكان ذلك يهزني فخراً ويجدد فيّ روح النشاط والعزيمة فصرت الآن يزيدني ذلك كله أسفاً على أسفي وغماً بعد غمي حتى سئمت الحياة وصغرت في عيني الدنيا بأسرها .
أردت مشاركة المشجيين على الإمام وأنتم منه بمنزلة الابن البار من الوالد النصوح لذلك عزمت على البدار بمراسلتكم لأبوح لكم بمقدار أسفي ويأسي ما لامتلاك المصيبة جميع قواي (وثانياً ) بشغلي في تحرير ترجمة الأستاذ مع كلمات تأبين تعرب عن بعض مقداره لمن كان بعيداً عن استكناه عظمته وأنفذت ذلك لينشر في صحيفة .... ليعلم الناس أن أهل الإصلاح والنصيحة لا يعدمون تصبرا يعترف بمقدارهم ويقتبس من أنوارهم ولقد تم لي ذلك في يوم سترونه في هاته الجريدة
رأيت هذا المصاب العظيم قد اهتزت لنبإه نفوس الأحياء من أصحابنا التونسيين فطفق متنوروهم ومحبو الإصلاح منهم إلى نظم تأبين للأستاذ الإمام وكان غالبهم يسلمه إليّ . . . . . .
ولقد اقترحت في آخر ما كتبت على من له انتساب إلى الأستاذ الإمام ( رحمه الله رحمة واسعة ) أن يسعى في جمع آثاره ورسائله الأدبية والعمرانية العليا ، ولو باكتتاب عمومي كما يفعل أهل أوربا في تآليف وآثار عظمائهم
وأن تفصلوا لنا في المنار تاريخ حياة الأستاذ ومهام أعماله وتعددوا تآليفه ما عرفنا منها وما لم نعرف ، وأن تتفضلوا بإعلامي خاصة هل توجد الأعداد واحداً
زادني شوقاًً إلى جمع قرنائه إليه وأن تخبروني هل كتب الأستاذ شيئاً في رحلته إلى الجزائر وتونس والأستانة وغير ذلك من البلاد .
وفي ختام قولي أرجو للمنار تقدماً ولجنابكم عمراً طويلاً فإن بحياتكم وتقدم المنار تحيا مبادئ الأستاذ الإمام وأرجو من الله أن يجمع التفافهم حول مباديه عسى أن يصلوا إلى ما كان يزجيهم إليه وتقبلوا أطيب التحية وأزكى التسليم من حليف أخوتكم
.............................. ..............طاهر بن عاشور