ادمون ساسين

بمعزل عن النية الحقيقية للاطراف السياسيين تجاه اجراء الانتخابات البلدية في موعدها او عدم اجرائها، فإن اعتماد النظام النسبي في الانتخابات البلدية (في حال اقرارها وتمريرها في المجلس النيابي ) يشكل في المبدأ خطوة اصلاحية تأسيسية لتطوير النظام الديموقراطي في لبنان وتعميق جذوره وتامين عدالة اكبر في التمثيل الشعبي. ويعوّل البعض على ان تفتح هذه النافذة الطريق لاعتماد النسبية في الانتخابات النيابية التي شابها الكثير من الخلل على مستوى التمثيل خصوصا مع اعتماد الدائرة الوسطى أو الكبرى مع نظام اكثري، الامر الذي شوه صحة التمثيل.
فالنظام النسبي الذي تعتمده معظم الدول الاوروبية يؤمن أوسع تمثيل للاحزاب والقوى السياسية الفاعلة في المجتمع السياسي ويسمح حتى للاقليات أو الاحزاب الصغرى بالوصول الى المجلس النيابي اوالبلدي وهو من حيث الاساس النظري يقوم على مفهوم المساواة والعدالة، وهو النظام الافضل للتمثيل الشعبي.
من هنا فان اعتماد النظام النسبي في الانتخابات البلدية اللبنانية سيمنح كل الاطراف فرصة للمشاركة في ادارة شؤونهم الانمائية المحلية وعدالة اوسع في التمثيل. ولعلّ الايجابية الاكبر في هذا المجال، بحسب احد الخبراء، ان وجود اطراف معارضين للتوجه الاكثري في المجلس البلدي يسهم في الحدّ من سلوك الفساد الذي يعتري عمل بعض البلديات من خلال مراقبتها عن قرب للملفات المطروحة.
وفي انتظار اعداد وزير الداخلية مسودة الاصلاحات النهائية لاقرارها في مجلس الوزراء تمهيدا لارسالها الى مجلس النواب في رحلة الالف ميل ، فان عرض سلّة النسبية المقترحة يعطي صورة أفضل للمواطنين عن المواقف من النسبية ونتائجها والية تطبيقها.
فالتوجه المعلن هو لاقرار النسبية على اساس اللوائح المقفلة واختيار رئيس البلدية ونائبه من اللائحة التي تنال العدد الاكبر من الاصوات(يحددان في كل لائحة )، على ان يكون السقف الادنى للتمثيل الذي يجب الحصول عليه هو عشرة في المئة من الاصوات، بحيث لا تتمثل أي لائحة الا اذا حصلت على عشرة في المئة من الاصوات، على الأقل.
وتحصد اللائحة، التي تنال العدد الأكبر من الاصوات، الأكثرية المطلقة من عدد المقاعد، حتى لو نالت اقل من خمسين في المئة من الاصوات.
ولا يمكن تشكيل لائحة الا اذا كان عدد اعضائها ثلثي المقاعد المخصصة.
احد الخبراء يرى ان لا خوف من قدرة المواطنين على فهم النظام النسبي لانه النظام الاسهل، ولا داعي للتعمق في معرفة تقنيات الفرز، بل يكفي الاطلاع على المفهوم العام للنسبية.
(والمطلوب من المواطن أن يعرف المفهوم العام للنسبية لا ان يتعمق في تقنيات الفرز المعقدة بعض الشيىء.)
ويبّسط الخبير النظام النسبي بالقول انه النظام الانتخابي الذي يسمح لكل حزب او طرف في ان يتمثل في البرلمان او في المجلس البلدي بنسبة عدد الاصوات التي ينالها.
فاذا كانت هناك بلدية مؤلفة من عشر مقاعد على سبيل المثال وكانت هناك لائحتان وحصلت اللائحة الاولى على ستين في المئة من الاصوات والثانية على اربعين فان اللائحة الاولى تنال ست مقاعد والثانية اربعة مقاعد.
وفي عملية الاقتراع يقوم الناخب، باختيار احدى اللوائح والتصويت لها كاملة بحسب الترتيب الذي اتفق عليه اطراف اللائحة . وبالتالي فان نظام اللائحة المقفلة يحد من حرية الناخب في التشكيل بين اللوائح واختيار المرشحين .
وبحسب الخبير فان اللائحة المقفلة تساعد في المدن الكبرى المختلطة، كبيروت مثلا، على المحافظة على المناصفة الطائفية اذا رغب صانعو اللوائح وشكلا لائحتين متنافستين فقط. اذ يمكن ان تتضمن كل لائحة مرشح مسلم يليه مرشح مسيحي وعندها تحترم المناصفة عند الفرز . هذا و يساعد النظام النسبي، في بيروت مثلا، على وصول ممثلين حقيقيين عن كل طائفة حتى لو لم تحترم المناصفة.
الا ان البعض يرى ان النسبية لا تؤمن للمسيحيين في بيروت التمثيل الأفضل مقارنة مع مبدا التقسيم.
أما بالنسبة الى امكان أن تؤدي النسبية الى " لا استقرار" في العمل البلدي بسبب وجود أكثر من طرف داخل البلدية، فان اعتماد مبدأ النسبية مع التصحيح الاكثري، أي ان اللائحة التي تحصل على اعلى نسبة اصوات، تفوز برئيس البلدية ونائب الرئيس اضافة الى الاكثرية المطلقة من عدد المقاعد . الامر الذي يساعد على تجاوز مسالة اللا استقرار.
الا ان الخبراء يجمعون على أن اعتماد هذه القاعدة مخالف لمبدا النسبية الحقيقي اذ ان التنافس بين لوائح عدة في بلدة واحدة سيجعل ربما بعض اللوائح تفوز بالاكثرية المطلقة من المقاعد حتى لو حصلت على ثلاثين في المئة من الأصوات فقط.
وبالتالي يعتبر احد الخبراء ان تيار المستقبل في بيروت قد يعمد الى تشكيل لائحتين . فاذا كانت قدرته التجييرية في هذه الدائرة على سبيل المثال سبعين في المئة فانه يوزع اصواته فيعطي اللائحة الاولى اربعين في المئة ويحصل على ثلاثة عشرة مقعدا ويعطي الثانية ثلاثين في المئة ويحصل على ثلاثين في المئة من المقاعد وبذلك يكون قد حصل على ثمانين في المئة من المقاعد بفضل سبعين في المئة من الاصوات وهذا امر مخالف لمبدأ النسبية والتمثيل الصحيح..
اعتماد النسبية مع اللائحة المقفلة من دون اللجوء الى الصوت التفضيلي والترجيحي يرى فيه البعض كارثة فاي من اللوائح لايمكن أن تحصل على مئة في المئة وهذا امر بديهي . وبذلك فان الاحزاب والعائلات لن تقبل بان يكون ترتيبها في اسفل اللائحة لأن ذلك لن يسمح لها بالتمثيل ما سيدفعها الى اللجوء الى تشكيل لوائح اخرى تؤمن لها حظوظا اكبر في التمثيل. هذا الامر طبعا سيؤدي الى تشتت في الاصوات وحصد لائحة واحدة اكثرية المقاعد بحصولها على رقم يصل ربما الى خمس وعشرين في المئة.
وبالنسبة الى السقف الادنى للتمثيل فيخضع الى سجال بين الخبراء الذي يطالب البعض بخفضه من اجل تمثيل اوسع شريحة ممكنة في حين يطالب البعض برفعه خصوصا في البلديات الصغرى. وبذلك فان اعتماد النسبية في البلديات الصغرى مع سقف العشرة في المئة سيؤدي الى تمثيل بعض العائلات مثلا بمقعد اذا حصلت على عشرين صوتا أو ثلاين صوتا مثلا. ففي لبنان حوالى 539 بلدية لا يتجاوز عدد المقترعين فيها الالف.

ويرى هذا الخبير أيضا ان النسبية وان كانت تقوي تمثيل العنصر الحزبي في البلديات مقارنة بالنظام الأكثري الا انها لا تعكس الحجم الحقيقي للأحزاب والتيارات السياسية بحكم المعطيات التي تجري على اساسها الانتخابات وفي ظل غياب الصوت الترجيحي .
هذا النقاش العلمي لتطبيق النسبية في الانتخابات البلدية سينتقل الى اللجان النيابية والمجلس النيابي ومعه يخشى المتابعون ثلاث مسائل اساسية:
الاولى ان تستغرق دراسة مشروع القانون الاصلاحي فترة طويلة كما حصل مع قانون الانتخابات النيابية حيث يصار الى تاجيل الانتخابات البلدية خصوصا أن البعض سيعتبر ان الاجراءات اللوجستية والتحضير الثقافي للمواطينين يحتاج الى بعض الوقت.
أما المسالة الثانية فأن تلقى الاصلاحات مصير اصلاحات قانون الانتخابات النيابية .
وأخيرا يخشى البعض ان يؤدي التطبيق السيىء للنسبية الى تشويه مفهومها لدى الراي العام ما قد يؤدي الى عدم تقبلها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.