مقال عنده وجهة نظر معقولة

"
النسبيّة في الانتخابات البلديّة: حل أم معضلة؟ قيل الكثير خلال الايام الماضية، بيد أن ثمة معضلات سوف تأتي بها نتائج تطبيق قانون الانتخابات البلدية المزمع اقراره على قاعدة النسبية .
تقوم هذه القاعدة على تأهيل اللائحة المقفلة التي تفوز بعدد أكبر من الاصوات مقارنةً مع اللوائح الباقية – وان حازت على ثلاثين في المئة من الاصوات – الى أن تتبوأ احدى وخمسين في المئة من مقاعد عضوية المجلس البلدي، هذا ما سيدفع بالكثير من القوى السياسية وحتى الطوائف الى ترشيح لوائح انتخابية من لون سياسي واحد أو طائفي واحد سيكون لها، وفق حجم النفوذ والدعم الذي ستحظى بهما أن تسيطر على قرارات المجلس البلدي الذي سيكون له بلا شك قوة التحكم بمكامن القرارات المفصلية داخل البلديات .
من هذا المنطلق، وبالاستناد الى القانون المنتظر، سيتمتع أي حزب أم قوة سياسية أم طائفة بحق تأليف لائحة مقفلة من لون واحد – طالما أن التوزيع الطائفي غير مطبق في هذه الانتخابات ولا يؤخذ بعين الاعتبار – ستكون لها سلطة القرار في المجلس البلدي وهو ما سيشكل حتماً محادل من نوع آخر خصوصاً بحال لم تراع هذه القوى التوازنات الطائفية أم السياسية التي يكون عادة لها قواعد في البلدية نفسها .
وبشكل مفصل أكثر، اذا ما قامت القوات اللبنانية ضمن بلدة تتمتع فيها بنفوذ أكبر من سواها من القوى السياسية بتشكيل لائحة مقفلة تضم مناصرين لها ومن الطائفة المارونية تحديداً، وان حازت على خمس وعشرين في المئة من الاصوات مقارنة مع سواها التي لن تنال هذا القدر منها، فسوف تكون لها سيطرة مطلقة على قرارات المجلس البلدي طالما انها ستنال أكثرية الواحد والخمسين في المئة من الاصوات حكماً وسيكون رئيس المجلس البلدي قواتياً بامتياز، على أن بقية اللوائح التي ستفوز بما بين عشرة وأربعة وعشرين في المئة من الاصوات لن يكون لها دور في المجلس سوى الاعتراض والاستماع والحضور فقط ضمن المجلس البلدي وان أي اقتراح لأي قرار ضمن هذه البلدية ان لم يحظَ برضى وموافقة لائحة القوات سيسقط حكماً. وينطبق هذا المثل على القرى والبلديات التي ستكون فيها أرجحية للحزب التقدمي الاشتراكي في الشوف وعاليه وان كانت مختلطة أصلاً كما ستكون عليه حال البلديات التي سوف تكون فيها أغلبية شيعية في البقاع والجنوب وان كانت مختلطة، هذا ان لم تتدارك هذه القوى السياسية نتائج عدم مراعاة التوازن الطائفي والعائلي والسياسي .
هذه الثغرات التي لم يلحظها المشترع وجب التوقف عندها وتلافيها قبل فوات الاوان خصوصاً وأنها تخالف مبادىء الدستور اللبناني الذي كرس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين من جهة والمساواة وتكافؤ الفرص بين اللبنانيين .
ماذا ستكون عليه نتائج تطبيق النسبية المضخمة؟
بداية، لن تكون منطلقات الانتخابات البلدية على قواعد الجهد الفردي بقدر ما ستكون مشغولة على قواعد إنشاء "كارتلات" حزبية وطائفية مقفلة مع الاشارة الى أن حسابات الربح التي ستبني عليها مختلف القوى واضحة وستكون في هذه الحال مرتكزة على نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة بحيث أن الصراع سيبتعد عن العائلات وسيكون أقرب من الاصطفاف السياسي والطائفي لكون نيل الواحد والخمسين في المئة من الاصوات من السهل تحقيقه في حال كانت أغلبية الاصوات ضمن البلدة الواحدة ترجح كفة هذا الفريق السياسي أم ذاك .
ما هو المغزى من تطبيق هذا النظام، وهل يأتي لمصلحة بعض القوى السياسية أكثر مما يهدف الى انشاء ائتلاف ضمن البلديات لخدمة المواطنين ؟
هناك مثل شائع في العامية يقول: "السمكة الكبية تأكل الصغيرة"، وعلى هذه القاعدة فان اللائحة الكبيرة تأكل الصغيرة فتجعلها مشلولة الحركة لا سلطة لها الا الاطلاع على ما يصدر عنها من قرارات من دون أي حق في التعطيل أو الطعن في ما صدر .
نحن لم نكن في المبدأ ضد أي طرح يتماشى مع النظام الديمقراطي في لبنان، لكن ما نشكو منه هو الاستعجال في تطبيق نظام النسبية الذي قد يكون متقدماً في التطبيق في الدول الكبرى، لكن ضمن نظام علماني مختلف كلياً عن نظامنا الطائفي والتعددي الذي يقوم كشرط لاستمراريته على وجوب مراعاة التوازنات العائلية والطائفية والحزبية واحترام حرية التعبير .
وبدل أن تكون الارادة الناخبة محصورة بالبلدة أم القرية على النحو الذي كان سائداً في ظل القانون السابق ، أصبح الامر بعهدة القوى السياسية والطائفية التي بات بامكانها تشكيل لوائح في كل قرية ومدينة وبلدة وفق ما يناسبها تماشياً مع قاعدة النسبية بحيث اذا رأوا أنه وفق حسابات شركات الاحصاءات التي يولونها أمر اجراء استطلاعات الرأي، ومع الاخذ بعين الاعتبار توزيع نفوذهم في هذه المناطق فسوف يقومون بالتدخل في كل شاردة وواردة والخروج بلوائح معلبة بإمكانها اكتساح البلديات وفرض مجالس معظمها من اللون الواحد مع كل ما يعني ذلك من فرض نفوذ، والاخذ بالثأر – سياسياً – من كل عائلة تناهضها في السياسة، وحرمان فلان من الزفت هنا، ومنع اعطاء ترخيص لفلان، والتعدي على ممتلكات ذاك ممن يعارضها في السياسة وهو لم يكن في حسابات المشترع ربما الذي ذهب الى البعيد في عملية تغيير وتطوير وتحديث، لكن الرغبة تلك لم تأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي في لبنان الذي اصطدم مؤخراً بأكبر حائط مسدود رد به مطلب الغاء الطائفية السياسية، وها هي تدخل من نافذة البلديات لتترعرع وتستريح داخل المجالس البلدية فيتسبب القانون الجديد بما لم يكن في حسبان البعض ممن يغرسون الطائفية ليس فقط في الدوائر والمؤسسات، بل في البيوت والشوارع من اقصى الشمال الى أقصى الجنوب .
وفي خلاصة لما اسلفنا بيانه، ما هي ردة فعل الذين سعوا جاهدين الى تطبيق النسبية بحال سيطرت القوى السياسية على المجالس البلدية؟
وما هي ردة فعلهم ايضاً بحال فازت غداً ولا سيما في البلدات المختلطة مجالس من الطائفة الواحدة ومن اللون السياسي الواحد وسيطرت على قرارات المجلس البلدي؟
وهل فكَر أي من المشترعين في استحداث ضوابط لمنع تدارك الاسوأ وتحصين العيش المشترك طالما أن المبدأ العام المطبق بات يختصر بصراع اللوائح المقفلة مع أرجحية سيطرة اللائحة الاقوى على قرارات المجالس البلدية حيث ستطيح القاعدة المطبقة بكل ما يمت الى النظام التوافقي بصلة؟
تفصلنا أيام عن تجربة مريرة ربما لم يقم القيمون على تطبيقها بدرس نتائجها وأبعادها وثغراتها، لكن في ظل جنوح الوطن الى الغوص عميقاً في برك الطائفية السياسية عوض الخروج منها، فإن اقرار قانون يعززها أكثر فأكثر يحمل ألف علامة استفهام حول مصير لبنان وخصوصاً مصير قرارات المجالس العائدة للبلدات المختلطة التي كانت تتوق الى المشاركة في صلب القرارات والتفاعل والانصهار والتعايش، لكن يبدو أن مبدأ الواحد والخمسين في المئة الصارم الذي ستسعى القوى السياسية والطائفية الى السيطرة عليه لتشديد القبضة على القرار ستكون له الغلبة بحيث أن الاقوى سيقول "الامر لي" والاضعف ما عليه سوى "المراقبة" الى حين انقضاء التجارب في وطن سئم التجارب وأحبط من جراء كثرة المحادل التي باتت أقوى من الاعمار والاصلاح والتطوير.

بقلم المحامي لوسيان عون"