صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 3456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 201 إلى 250 من 289
  1. #201
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في غابة بعيدة... على غصن مورق... حطَّ بلبل أبيض.‏

    سمع صوتاً معدنياً يشبه البكاء.‏

    تلفّت... شاهد حبل غسيل مشدوداً إلى شجرتين، كان يهتز بألم.‏

    طار إليه... وقف عليه، خاطبه مغرِّداً:‏

    ـ حبل... مرحباً.‏

    تنهّد الحبل قال:‏

    ـ أهلاً بلبل، الله... ما ألطف ملامستك لي، صدقني... أتمنّى لو تلتصق بي كي لا نفترق أبداً.‏

    انزعج البلبل، وردَّ مزقزقاً:‏

    ـ ماذا... تريدني أن ألصق!؟... ألا تعرف أن الطيور تكره الأعواد اللاصقة كما تكره رصاص الصيّاد؟..‏

    ـ اعذرني بلبل، لم أقصد ذلك، كل ما أردت قوله هو فرحي بزيارتك فأنا...‏

    ـ أنت ماذا؟...‏

    ـ أنا حزين. ذهب الجميع وتركوني معلّقاً.‏

    ـ من تقصد؟..‏

    ـ في السنة الماضية جاء راعٍ إلى هنا، أعجبه المرج الأخضر مثلما أعجب خرافه، نصب خيمته وثبتني كما ترى، كنت سعيداً.. لم أتضايق من ثقل الغسيل المبلول بالماء، ولا من الملاقط التي تطبق علي.. آه.... يا لها من ذكريات، تصوَّر... مرَّة نشر علي خمسة خرفان، أقصد صوف خرفان، جزَّها وغسلها ثمّ نشرها، شعرت لحظتها أنني كبش كبير...‏

    كبش هائل أسطوري.‏

    ـ طيب... وبعد..‏

    ـ رحل الراعي وخرافه، وبقيت مشدوداً كما ترى، وحيداً... صدئاً.. ميتاً.. لا أصلح حتى أن أكون سلك هاتف أو كهرباء.‏

    حكّ البلبل منقاره بالحبل، قال:‏

    ـ لا تقل هذا يا صديق، فأنت ما زلت حياً... قوياً... هل نسيت بأنك تحملني؟..‏

    ـ لم أنسَ، جئتَ إليَّ صدفة... سمعت بكائي فزرتني. أنتم معشر الطير ترتاحون بالوقوف على الأغصان حيث الظلال، والفرق كبير بين غصن أخضر نضر، وحبل غسيل صدئ.‏

    أليس كذلك...؟‏

    ـ ربما كان كلامك صحيحاً قبل معرفتي بك، أمَّا الآن فأنا سعيد في الوقوف عليك أكثر من وقوفي على أي غصن، صحيح أنك مصنوع من المعدن، لكن قلبك مليء بالحب والعطاء.‏

    سُرَّ الحبل.... أحسَّ بالفرح يمسحه... يكشط الصّدأ عنه... ويلبسه ثوب الحياة اللامع...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  2. #202
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    انقضى النّهار، سار الرّعاة خلف مواشيهم، مخلّفين وراءهم موجة من الغبار المتصاعد.‏

    أمسك حمدان عصاه، هشّ بها على بقرته، وعادا إلى القرية.‏

    كانت البقرة تنقّل قوائمها، وتتمايل، كأنّما أطربها صوت راعيها الذي يغنّي خلفها.‏

    لم يستغرق وصول حمدان إلى القرية زمناً طويلاً، فما كادت أغنيته تنتهي، حتّى سمع صوت أبي مروان، صاحب الدّكان الوحيد في القرية يناديه:‏

    -حمدان.. حمدان.. تفضّل، اشرب كأساً من الشّاي.‏

    دخل حمدان الدّكان، تلفتت البقرة حولها، لمحت "تنكةً" كبيرة أمام الباب، رُسِمَ عليها وجه بقرة ضاحك، مشت صوبها، قرّبت رأسها فدحمتها بقرنيها، رجعت قليلاً، قالت:‏

    -من أنت؟!‏

    -ألم تعرفيني؟ أنا صورتك.‏

    أسبلت البقرة جفنيها، تذكّرت صورتها المرسومة على سطح ماء النهر قالت:‏

    -صحيح.. أنتِ أنا، لكن ماذا تفعلين هنا؟‏

    -أحرس الزّبدة بداخلي.‏

    -زبدة!!‏

    -أجل.. إنّهم يخضّون الحليب، فتطفو عليه زبدة لذيذة، يأكلها الناس بشهيّة.‏

    ضحكت البقرة، نظرت بإعجاب إلى صورتها، قالت:‏

    -الله.. كم أنا حلوة، لماذا لا يرسمون صورتي في كلّ مكان؟‏

    -يمكن أن تحققي أمنيتك، لقد سمعتهم في المعمل يقولون: "إذا توفّر الحليب، سنصنع جبنة لذيذة، نضعها في علب دائرية، ونرسم بقرة ضاحكة على غطائها".‏

    تخيّلت البقرة صورتها مرسومة في كلّ مكان، قرنان معقوفان كخنجرين عينان كبيرتان حلوتان، وجلد مبقّع بلوني اللّيل والنّهار.‏

    فجأة.. خرج حمدان وقادها إلى الحظيرة.‏

    عند وصولهما، أحضر حمدان الدلو، ركزه تحت أثداء بقرته، وبدأ يحلبها.‏

    كان صوت ارتطام خيوط الحليب بحواف الدلو، يصدر لحناً حلواً.‏

    انبسطت البقرة، أغمضت عينيها بعذوبة، تذكّرت صورتها، وسمعت صوت ضحكاتها.‏

    صار حليبها يفيض على غير عادته، حتّى أنّها عندما فتحت عينيها دهشت لمنظر الحليب، الذي ملأ الدلو حتّى حوافّه.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  3. #203
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في غرفة مزنة، سبّورة صغيرة، معلّقة على الحائط.‏

    مزنة تقف أمام سبورتها طويلاً، تجمع الأرقام، أو تكتب الأناشيد، أو ترسم المناظر الجميلة.‏

    اليوم.. رسمت فراشات حلوة، تطير بين الأزهار، حتّى إنّها نسيت حدود السّبورة، ورسمت فراشة صفراء، على حائط غرفتها.‏

    دخل أخوها حسام، نظر إليها مستاءً، قال:‏

    -أف.. ما هذه الفراشات، إنّها بشعة، تشبه الذّباب.‏

    غضبت مزنة، أمسكت الممسحة، محت الفراشات، ثمّ جلست على الكرسي مديرة ظهرها لأخيها.‏

    خرج حسام من الغرفة، وهو يضحك.‏

    أغلقت مزنة باب الغرفة، وبدأت ترسم من جديد.‏

    دخل حسام مرّة أخرى، نظر إلى السبّورة، فرأى عليها زهريّة مملوءة بالورود الملوّنة.‏

    ابتسم ساخراً، وقال:‏

    -أف.. لقد عدت إلى الخربشة؟!‏

    قطّبت مزنة جبينها، وقالت:‏

    -يا لك من أخ مزعج، كثير التأفف،‏

    تفضّل أرسمْ زهرّية، لنرى مهارتك.‏

    أمسك حسام قطعة طباشير، وصار ينظر إلى زهريّة أخته، ليرسم مثلها.‏

    صاحت مزنة:‏

    -التّقليد لا يجوز، يجب أن ترسم من خيالك.‏

    بدأ حسام الرّسم، ويده ترتجف.‏

    وبعد انتهائه، رجع إلى الوراء، ليشاهد زهريته، فرى خطوطاً مبهمة، كأنّها خربشة دجاج.‏

    نظر إلى زهريّة أخته، فوجدها حلوة جذّابة.‏

    احمرّ وجهه خجلاً، أمسك بالممسحة، وقبل أن يمحو زهريته لمح أخته تبتسم ابتسامة عريضة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  4. #204
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أحسّت العلبة المعدنيّة بحركة داخلها، فتحت غطاءها، قالت:‏

    -ما بكم يا أصدقائي، ما الذي يضايقكم؟‏

    تنفّس المدور، بعد أن باعد قدميه، قال:‏

    -لأنّك تمنعين عنّا الهواء والنّور، فنشعر كأنّنا في السّجن.‏

    أيّدت المسطرة والمنقلة والمثلث كلام صديقهم، قالوا:‏

    -أجل.. نحن سجناء، فمنذ بدأت عطلة الصّيف، ونحن قابعون في العلبة لا نرسم خطاً، ولا نقيس طولاً، إنّنا نحبّ أن نلعب، مثل كلّ الأطفال. فكّرت العلبة قليلاً، قالت:‏

    -معكم حق.. لا مانع من أن تروّحوا عن أنفسكم.‏

    قفز المدور مسروراً، وقف على صفحة بيضاء، قال:‏

    -أنا أشبه الأرجوحة، سأرسم خطاً، وانتزعه، ثمّ أعّلقه على رقبتي، كي يصبح حبلاً تتأرجح عليه الأرقام.‏

    زحف المثلث إلى جانب المدور، قال:‏

    -أين قلم التّلوين الأزرق، أريد أن يلوّن مساحة الورقة بداخلي لأبدو كبحيرة مثلثيّة الشّكل.‏

    ضحكت المنقلة، قالت:‏

    -أمّا أنا فسأقف فوق ضفّتيك، ليشكّل ظهري المنحني جسراً تمشي فوقه الأرقام، فلا تغرق.‏

    انتهزت المسطرة فرصة حوار المنقلة مع المثلث، وزحفت إلى المبراة مستلقية فوقها، ممثلة حصان التّوازن.‏

    فرحت الأرقام عندما رأت المشهد مكتملاً، فتقافزت هنا وهناك الرّقم .‏

    واحد.. جلس على الأرجوحة، ممسكاً بيديه الحبل.‏

    الرّقمان سبعة وثمانية جلسا متقابلين على حصان التّوازن وبدأا يرتفعان وينخفضان.‏

    أمّا الرّقم اثنان، ذو الظّهر المحدّب، فأمسك عكازه، وبدأ ينظر من خلال نظارته إلى رفاقه الذين يتراشقون بالماء، والابتسامة لا تفارق فمه.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  5. #205
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في صباحٍ ربيعي جميل، خرج يوسف إلى باحة الدّار، ليلعب بطابته الملوّنة.‏

    كانت شجرة اللّوز مليئة بالزّهور البيضاء، كأنّها ندف الثّلج. فتح ذراعيه، أخذ نفساً عميقاً، قال:‏

    -اللّه.. ما أنعش هذا الهواء!‏

    نظر حولـه، شاهد قطه.. "هرهور" يلعب بالطّابة، فضحك وقال:‏

    -ما رأيك يا "هرهور" أن نلعب معاً؟‏

    -مياوو.. صاح "هرهور" بسرور..‏

    ركض يوسف إلى الطّابة وركلها، فلحقها "هرهور" بخفّة لكنّه لم يستطع إيقافها، لأنّها تدحرجت إلى القبو، واختفت.‏

    خاف يوسف، وظنّ أن الفئران ستأكل طابته.‏

    اقترب "هرهور" منه، نظر إليه، كأنّه يسأله:‏

    -ما بك يا يوسف، لماذا لا تنزل وتحضر الطّابة؟‏

    قرفص يوسف، مسح على رأسه بلطف، قال:‏

    -أنا أخاف النّزول، لأنّ جدتي تقول إنّه يوجد بداخله جبّ مليء بالفئران، وأخشى أن نحبس فيه، فتقرطم الفئران آذاننا.‏

    انزعج "هرهور" عندما سمح كلمة فئران، فنطّ غاضباً متوجّهاً إلى مدخل القبو.‏

    تشجّع يوسف، عندما تذكّر أن الفئران تخاف القطط فهبط درج القبو ممسكاً بالدّرابزين الحديدي المشغّل، وعندما وصل إلى الباب، أمسك طابته، وقبل أن يصعد، أنصت قليلاً ليسمع صوت الفئران، لكنّه لم يسمع شيئاً.‏

    كانت حبّات العرق البارد، تسيل على خدّيه، تنفّس بعمق قال:‏

    -سأدخل إلى جبّ الفئران، وأدعسها بحذائي، هيّا يا هرهور.‏

    فتح الباب بهدوء، كي لا يصدر صريراً، وما أن دخل وأشعل المصباح، حتّى فوجئ بأكياس ومرطبانات كثيرة.‏

    وضع الكرة على الأرض، نظر إلى "هرهور"، قال:‏

    -لنبحث عن الفئران يا "هرهور" لقد اختبأت عندما سمعت صوت أقدامنا على الدّرج.‏

    فتح أحد الأكياس، وجده مملوءاً بالأرز، اقترب من المرطبانات، كانت تحوي ربّ البندورة، والجبن، والمربى.‏

    غمرت السّعادة قلبه، جلس قبالة مرطبان المربّى، فتحه وبدأ يلحس بإصبعه، ويتلمّظ.‏

    بينما راح "هرهور"، يلعب بالطّابة.‏

    سمع يوسف صوت أقدام، إنّها تقترب، تنزل الدّرج. فجأة.. ظهرت أمّه، وعلامات الغضب مرسومة على وجهها. قالت الأم بنبرة حادّة:‏

    -ماذا تفعل هنا أيّها الشّقي؟‏

    ارتبك يوسف، لكنّه تشجّع، وقال:‏

    -كنت أريد أن أدعس الفئران الّتي تهددني بها جدّتي.‏

    ابتسمت الأم، اقتربت من صغيرها، مسحت على شعره ، قالت:‏

    -جدتك تمزح معك، لأنّها تعرف أنّك بطل، والأبطال لا تخاف الفئران.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  6. #206
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في أحد الأيّام، وبينما كانت الأرض تدور حول أمّها الشّمس لمحت ساعي البريد يقترب منها، ممتطياً شهاباً أبيض.‏

    خفق قلب الأرض فرحاً، ارتفع موجها، واهتزّت قبّعات الثلج البيضاء على رؤوس جبالها.‏

    فتح ساعي البريد حقيبته النجميّة، أخرج مظروفاً عليه طابع هلالي الشّكل، أعطاه للأرض، ثمّ غاب كلمح البصر.‏

    فتحت الأرض المظروف، أخرجت الرّسالة، وبدأت تقرأ:‏

    -صديقتي الأرض، تحيّة نور وجمال.‏

    كيف حال سهولك ووديانك، جبالك ومحيطاتك، أرجو أن تبقي أميرة الكواكب.‏

    صديقتي‏

    البارحة.. قرّرنا، نحن أبناء المجموعة الشّمسيّة، أن نقيم على سطحي مهرجان حبّ وتعارف، بمناسبة رأس السّنة الضّوئية، أرجو أن ترسلي مبعوثك غداً، أشكرك، دامت خضرتك.‏

    التّوقيع: صديقك المرّيخ.‏

    حكّت الأرض رأسها الجبلي، تأمّلت الفضاء بعيونها الزرقاء الواسعة وراحت تبحث عن مبعوث ترسله إلى المهرجان.‏

    في اليوم التّالي، بدأ مبعوثو المجموعة الشّمسيّة يصلون إلى سطح المرّيخ.‏

    كان مبعوث عطارد أول القادمين، تبعه مبعوث الزّهرة، فالمشتري، زحل، أورانوس، نبتون، أمّا مبعوث بلوتو فقد وصل آخرهم لبعد كوكبه عن الشّمس.‏

    جلس المدعوون، على مقاعد مصنوعة من الأحجار اللاّمعة ينتظرون بفارغ الصّبر وصول مبعوث الأرض.‏

    قال ممثّل المرّيخ، وهو راعي المهرجان:‏

    -ترى.. من سترسل لنا الأرض، ليشاركنا مهرجان حبّنا؟‏

    أجاب مبعوث بلوتو:‏

    -ربّما تبعث لنا طائراً جميلاً، ليطربنا بتغريده، فقد سمعت أنّه تعيش عليها أنواع كثيرة من الطّيور.‏

    ردّ مبعوث المشتري، وكان أضخمهم حجماً:‏

    -أعتقد أنّها سترسل شجرة مورقة، وأتمنّى أن تكون مثمرة، لأنّ منظرها سيكون أجمل.‏

    قاطعه مبعوث عطارد، قائلاً:‏

    -حبّذا لو أرسلت قطرة ماء كبيرة، لاستمتعنا بلزوجتها ولمعانها، خاصّة وأنّني قريب من الشمس، لا أرى سوى اللّهب.‏

    فجأة.. ظهر شهاب من بعيد، حاملاً مبعوث الأرض. نظر المدعوُن نحوه دهشين، وكم كانت فرحتهم غامرة حينما توقّف الشهاب، ونزلت منه طفلة شقراء، تحمل بيدها تسع وردات بيض.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  7. #207
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    واجهة زجاجيّة أنيقة، تتضمّن ثلاثة رفوف، الرّف العلوي، عليه إطارات جميلة مزخرفة وملوّنة، ثبّت بداخلها صورٌ لشخصيات كرتونية الرّف الأوسط، يحتوي قصصاً للأطفال ذات أغلفة ملوّنة، أمّا الرّف السفلي، فيحتوي دمى تمثّل كلباً وقطّة وحماراً، يتوسّطهم مهرّج ضاحك، يضع قبّعة مخروطيّة، ثبّت في أعلاها كرة من الصّوف، قميصه فضفاض منقّط عليه أزرار كبيرة مذهبّة، وله ربطة عنق على شكل وردة، بنطاله بنيّ مرقّع برقع برتقالية عند الرّكبتين، وجهه مطليّ بصباغ أبيض، عيناه مكحلّتان بخطّ عريض نيلي، أمّا أنفه فهو كرة بلاستيكية لونها أحمر.‏

    -2-‏

    المهرّج يقف على رجل واحدة، ينطّ، يقع، يمشي على يديه ويقلّد أصوات رفاقه.‏

    الكلب.. يقعي على مؤخرته، يصفّق بيديه مسروراً فرحاً.‏

    القطة.. تستلقي على ظهرها من شدّة الضّحك، وتموء.‏

    أمّا الحمار.. فكان يضرب بحوافره الرّف وينهق، معبّراً عن سعادته حتّى أنّ الرّف الزّجاجي أصيب بشقّ متعرّج.‏

    -3-‏

    فتاة صغيرة، تقف بجوار والدها، تشير بسبّابتها إلى المهرّج، الأب يكلّم صاحب المتجر، فيمدّ يده إلى الواجهة، يمسك المهرّج ويضعه في علبة كرتونيّة، الأب يعطيه النّقود، بينما تتأبّط الطّفلة العلبة، وتخرج فرحة.‏

    -4-‏

    غرفة الفتاة أثاثها بسيط ومرتّب، تتوسّطها طاولة صغيرة عليها دمية، تنظر إلى المرآة بتكبّر، ومهرّج يجلس على علبة كرتونيّة.‏

    الدّمية:‏

    -مهرّج.. ما بك، لماذا تبكي، لقد أتلفت علبة الكرتون بدموعك، أين ضحكك ومرحك؟‏

    المهرّج: "يمسح دموعه بطرف كمه، ويرسم ابتسامة على فمه"‏

    -آه.. يا صديقتي العزيزة، أنا حزين جدّاً، لأنّني ابتعدت عن أصدقائي، لكن، أرجو أن تقبلي صداقتي، فأنت دمية جميلة ولطيفة وأنا لا أقدر أن أعيش بلا أصدقاء.‏

    -ومن أصدقاؤك؟‏

    -الكلب الوفي، القطّة الأليفة، والحمار الطيّب.‏

    -ماذا؟! كلب.. قطّة.. حمار، أأنت حزين إلى هذا الحد، من أجل تلك الحيوانات القذرة؟‏

    -أرجوك يا صديقتي، لا تتكلّمي عنها هكذا.‏

    -اخرس، إيّاكَ أن تقول "صديقتي" مرّة ثانية، اسمي أميرة، السّيّدة أميرة، اسمع.. لقد طلبت من صاحبتي أن تشتريك لتمثّل أمامي وتسعدني، هيّا، ابدأ، فأنا أريد أن أضحك.‏

    حاول المهرج أن يمثّل، لكنّه لم يستطع، فبكى، بكى بحرقة وسالت دموعه على وجهه مزيلة المساحيق، لأنّه لم يتعوّد أن يرسم الابتسامة، إلاّ على وجوه الأوفياء والطّيبين.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  8. #208
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    دَخل الأستاذ عاطف إلى الصّف، لابساً معطفه الأسود السّميك، والمصنوع من الجوخ.‏

    وقف التّلاميذ باحترام.‏

    -صباح الخير يا أحبّائي، تفضّلوا بالجلوس.‏

    وضع حقيبته الجلديّة على الطاولة، أمسك بالطّباشير، وكتب على السّبّورة- حكمة اليوم- ثمّ وضع نقطتين فوق بعضهما، والتفت إلى التّلاميذ قائلاً:‏

    -ما هي حكمة اليوم يا صغار؟‏

    تعالت الأيادي، فبانت كأنّها غراس صغيرة.‏

    -رشا.. ما الحكمة؟‏

    -النّظافة من الإيمان.‏

    -أحمد.‏

    -من جد وجد‏

    -لبنى.. أسمعينا حكمتك؟‏

    -بالحبّ والعمل، نُحقّق الأمل.‏

    نظر الأستاذ إلى مروان، فوجده منكمشاً على نفسه، ينفخ في كفّيه الصّغيرتين، فسأله قائلاً:‏

    -ما حكمة اليوم يا مروان؟‏

    وقف مروان، وهو ما يزال يدلك يديه إحداهما بالأخرى، قال:‏

    -المدفأة فاكهة الشّتاء.‏

    ابتسم المعلّم، قال:‏

    -كلّ الحكم الّتي ذكرتموها مفيدة وصحيحة، لكن ما رأيكم أن نكتب حكمة مروان، فرّبّما نشعر بالدفء؟‏

    هزّ التلاميذ رؤوسهم موافقين، بينما راحت السّماء ترعد بصوت مخيف.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  9. #209
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أحسّ المفتاح الصّغير، النائم في جيب أنس، بأصابع ناعمة تمسكه، تدخله في القفل، وتديره.‏

    فتح عينه، رأى أنس يُخرج من درجه أوراق التّلوين والصّمغ. أخذ نفساً عميقاً، فضغط على القفل، الذي سأله مستغرباً:‏

    -مفتاح.. ما بك، هل أنت متضايق؟‏

    -آه يا قفلي العزيز، إلى متى سأبقى أضغط بأسناني على مسنّناتك؟ لقد أصبت بالصّداع لكثرة الدّوران، ما فائدتي أيّها القفل؟‏

    فكرّ القفل قليلاً، قال:‏

    -فائدتك أنّك تحفظ الأشياء وتحرسها.‏

    -أتحسب أوراق التلوين، والصمغ، وقلم الرّصاص أشياء مهمّة؟‏

    ثمّ ممّن أحرسها؟‏

    -تحرسها من وائل، ألم يكسر لأخيه أنس أدوات الهندسة، عندما نسيني بلا قفل الأسبوع الماضي؟‏

    -طيّب.. سيمّر الزّمن، ويكبر وائل، وقتها لن يكسر شيئاً.‏

    -عندما يمرّ الزّمن، ستتبدّل الأشياء التّي تحرسها، ربّما تحرس أوراقاً ومستندات مهمة، أو نقوداً كثيرة، أنت مهم جداً، ألم تسمع أنّ الأعداء حاولوا كثيراً سرقة مفتاح باب القلعة الذّهبي الّتي نسكنها، كي يتمكّنوا من دخولها، واحتلالها، لكنّهم فشلوا، وبقي سكّان قلعتنا بأمان وطمأنينة؟‏

    -قفل.. هل أستطيع في المستقبل أن أصبح كبيراً ومذهّباً، لأقفل باب القلعة؟‏

    -طبعاً.. شرط أن تتعلّم منذ اللحظة، كيف تحرس الأشياء، مهما كانت صغيرة ومهملة
    .‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  10. #210
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    اقتربت دودة الأرض من جذر شجرة التفاح، ودغدغته، فضحكت الشجّرة، وقالت:‏

    -كفى يا صديقتي أرجوك، أنا أهتزّ لكثرة الضّحك، وأخشى على ثماري من السّقوط.‏

    توقّفت دودة الأرض عن الدّغدغة، وسألت:‏

    -هل نضجت ثمارك؟‏

    -أجل.. صار لون خدودها أحمر كشقائق النّعمان، وطعمها حلو كالسّكر، اصعدي إلى سطح التّربة وانظري إليها، إنّها بشوق لرؤية الدّودة الطّيبة، التي حرثت الأرض بأنفاقها، فأدخلت الهواء إلى التّربة، ليزيد خصوبتها.‏

    فرحت دودة الأرض، وشقّت دهليزاً ضيّقاً باتّجاه الأعلى. كانت شجرة التّفاح المورقة، تشبه مظلّة خضراء، أمّا تفّاحاتها الحمراء، فكانت تتدلّى كقناديل.‏

    ابتسمت التّفاحات، وقلن:‏

    -أهلاً بصديقة الفلاّح والشّجر، الحمد لله أنّنا رأيناك قبل أن نُقطف، نحن نشكرك من كلّ قلوبنا، ونرجو أن تبقي صديقة أمّنا الشّجرة.‏

    -سأبقى .. سأبقى، وداعاً.‏

    ثمّ التفت على نفسها، وقبل أن تدخل دهليزها، لمحت ثوب أفعى صغيرة، ذا لون أبيض مطرّز، اقتربت منه دهشة، قالت:‏

    -الله.. يا له من ثوب رائع، سألبسه.‏

    صاحت الشّجرة:‏

    -دودة.. احترسي، لا تلبسي الثّوب، إنّه لا يناسبك.‏

    -لماذا؟.. انظري ما أحلاه.‏

    -لا يغرّنّك منظره، إنّه ثوب الشرّ والغدر والخيانة.‏

    -لا تخافي يا صديقتي، سأجرّبه.‏

    لبست دودة الأرض ثوب الأفعى، نظرت إلى نفسها بزهو، قالت:‏

    -يا للروعة.. صحيح أنّه فضفاض، لكنّه مريح.‏

    قالت الشجرة متوسّلة:‏

    -اخلعيه يا صديقتي الطّيبة، أرجوك.‏

    نظرت إليها الدّودة بغضب، قالت:‏

    -اصمتي.. أنا أعرف مصلحتي.‏

    زحفت الدّودة بلباسها الجديد، سعيدة، فرحة.‏

    كانت كلّما قطعت مسافة قصيرة، وقفت تتأمّل ثوبها الجديد بإعجاب، ثمّ عادت للزّحف.‏

    تحوّلت الدّودة الطيّبة إلى حيوان مخيف، فالعصافير تطير مذعورة، والحشرات تختبئ عندما تراها، حتّى الضّفادع التي تنقّ على ضفّة السّاقية، صارت ترمي بنفسها في المياه بحثاً عن النّجاة.‏

    أصيبت دودة الأرض بالغرور، أحسّت – أوّل مرّة- أنّها لا تحبّ الأرض، فصارت تتسلّق الأشجار تلتفّ على أغصانها، كأنّها تريد خنقها.‏

    جاعت الدّودة، نظرت حولها، لمحت شرغوفاً صغيراً على ضفّة السّاقية، زحفت نحوه بانسياب وخفّة، مصدرة صوتاً يشبه الفحيح، وما هي إلاّ لحظات، حتّى لدغته في فخذه، فنقّ، ورمى بنفسه في الماء.‏

    تقرّصت الدّودة، وراحت تنتظره، قائلة:‏

    -لقد مات، سيطفو الآن على وجه الماء، كورقة يابسة. فجأة.. ظهر الشرغوف على سطح السّاقية، سابحاً ضاحكاً.‏

    غضبت الدّودة، حاولت القفز نحوه، لتلدغه مرةً أخرى، لكنّ ثوبها علق بشوكة صغيرة، فانزلقت منه وارتمت على الضّفّة.‏

    نظرت الدّودة إلى نفسها، قالت:‏

    -ما أعظم غبائي، قضيت عمري تحت الأرض، أخاف الطير والشّمس، صحيح أنّني كنت محبوبة، ولكن ما نفع الحب؟‏

    ثمّ توجهّت إلى الثّوب، لبسته، وبدأت تتحرّك لتتخلّص من الشوّكة.‏

    وفجأة.. أحسّت بلحمها يتمزّق.‏

    لقد رآها الفلاّح، ظنّها أفعى، فهوى عليها بفأسه. تحاملت دودة الأرض على نفسها، مطّت رأسها خارج الثوّب، نظرت إلى شجرة التّفاح، وتمتمت قائلة:‏

    -سامحيني يا صديقتي، لأنّني لم أسمع نصيحتك فآثرت الحقد على الحب، لقد نلت جزائي، وداعاً أيتّها الشجّرة الحبيبة، و.. دا.. عاً..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  11. #211
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كنت أراه كلّ يوم.‏

    رجل عجوز، يضع نظّارة سوداء، ويحمل عكّازة معقوفة من الأعلى. كان يمرّ من حارتنا، نسمع صوت ضربات عكّازته، على أرض الزّقاق المرصوفة بالحجر، فنقف عن اللّعب، نتأمّله دهشين، حتّى يختفي عن أنظارنا عند المنعطف، آخر الزّقاق.‏

    مرةً .. صادفته، كنت برفقة والدي، التفت إليّ، قال:‏

    -هذا الرّجل كفيف، لا يرى شيئاً، أعانه الله.‏

    بصراحة.. لم أرتح لمظهر العجوز، ذي النظّارة السّوداء، حتّى أنّني لم أقتنع بأنّه أعمى، كان يمشي وحيداً، يقطع الطّريق، يجتاز الحفر ينعطف، أحياناً يقف، يرفع رأسه عالياً، وينظر إلى عصفور مغرّد.‏

    اليوم.. حدث أمر مثير.‏

    كنت ألعب مع رفاقي، كعادتنا، وبينما نحن نركل الكرة، ظهر العجوز في أوّل الزقاق، كان يمشي ببطء شديد، ويتمايل، كبّطة جارتنا أمّ ياسر.‏

    أمسكت الكرة، ووقفنا ننظر إليه، كان صوت ضربات عكّازته على الحجر، يشبه صوت نقّار الخشب، وهو ينقر لحاء الشّجر.‏

    فجأة.. تعثّر العجوز بالحجر، الذي وضعناه لنحدّد المرمى وسقط على الأرض.‏

    شعرت.. وللمرّة الأولى، أنّني أشفق عليه.‏

    رميت الكرة، وركضت صوبه، كان يحبو كطفل صغير، يتحسس الأرض بكفيّه، باحثاً عن العكّازة.‏

    عندما وصلت، أمسكت عكّازته، واقتربت منه، قائلاً:‏

    -تفضّل يا عم، هذه عكّازتك.‏

    أمسك العجوز عكّازته، اتكأ عليها ووقف، ثمّ مدّ يده، وراح يحرّكها، كأنّه يرسم خطوطاً في الهواء.‏

    فطنت إلى أنّه يبحث عن رأسي، اقتربت من كفّه، أحسست بأصابعه الحنونة، تمسح برفق على شعري ووجهي.‏

    -جزاك الله الخير يا بني، ما اسمك؟‏

    -مضر.. مضر عبد العال، أسكن هناك، في أوّل الزّقاق، انظر. وأشرت باتّجاه البيت.‏

    ابتسم العجوز، قال:‏

    -أهلاً وسهلاً، تشرّفنا.‏

    -إلى أين أنت ذاهب يا عم؟‏

    -إلى السّوق، سأشتري خبزاً ولبناً.‏

    -أتسمح لي بمصاحبتك؟‏

    -لا بأس، لن نتأخرّ.‏

    أمسكت يده، وسرنا معاً.‏

    لم يستغرق مشوارنا أكثر من نصف ساعة، اشترينا الأغراض وعدنا.‏

    كنت سعيداً بصحبته، لم أعد أشعر تجاهه بعدم الارتياح، على العكس.. صرت أحبّه كثيراً.‏

    عند باب دارنا، أمسكت يد العجوز بقوّة، قلت:‏

    -عم.. تفضّل، أبي في الدّاخل.‏

    -شكراً لك، سأزوركم في يوم آخر، أنا مستعجل.‏

    -أرجوك عم، لا تخجلني.‏

    ورحت أقرع الباب.‏

    فتح والدي الباب، سلّم على العجوز، ودعاه للدّخول. جلسنا في ساحة الدّار، تحت شجرة الدّراق، نشرب الشّاي ونستمتع بصوت الماء، الصادر عن النّافورة.‏

    كانت رائحة الفلّ والياسمين تفوح، كلّما هبّت نسمة لطيفة، أخذ العجوز نفساً عميقاً، قال:‏

    -هنّأك الله بهذا البيت، يا أبا مضر، إنّه جميل، فالقناطر الحجريّة فوق الأبواب والشّبابيك، مزخرفة ومنقوشة، السّاحة واسعة ومبلّطة بلونين جميلين، الزّهري والأسود، حتّى الأشجار أنواعها جيّدة، انظر إلى ثمار الدّراق كم هي كبيرة، ماشاء الله.‏

    نظرت إلى العجوز دهشاً، قلت:‏

    -عم.. كيف عرفت شكل القناطر، ولون البلاط، وحجم الدّراق؟!‏

    ضحك العجوز، حتّى كادت الشّاي تندلق من حوافّ الكأس على أصابعه، قال:‏

    -اسمع يا صغيري، أنا أرى بواسطة عكّازتي، لكن حينما تعرّفت عليك، صرت أرى بعينيك الجميلتين، فأنت من ذكر لي هذه التفاصيل، أثناء ذهابنا إلى السّوق، هل نسيت؟ ضربت جبيني، بكفّي الصغيرة، وضحكت، ضحكنا جميعاً، بينما كانت رائحة الشّاي الزّكيّة، تعبق بالمكان.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  12. #212
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    سألَ معلّمٌ تلاميذَه:‏

    -"ماذا تودّون أن تكونوا في المستقبلِ؟".‏

    فقالَ أحدُهم:‏

    -"أنا جائعٌ، أريدُ أن أصبحَ رغيفَ خبزٍ".‏

    وقالَ آخرُ:‏

    -"أنا يتيمٌ، أريدُ أن أصيرَ أباً".‏

    وقالَ ثالثٌ، وهو يرفرفُ بجناحيه:‏

    -"أنا عُصفورٌ، أحبُّ الحريّةَ، وأكرهُ الأقفاصَ، ولن أكونَ في المستقبلِ إلاّ عُصْفوراً".‏

    وحين لاحظَ المعلّمُ أنّ سامراً لم يَنْبِس بكلمةٍ(1)، اقتربَ منه، وربَّت على كتِفه، وسأَله:‏

    -"بمَ تفكّرُ، يا سامرُ؟ ماذا ستكونُ في المستقبلِ؟".‏

    فكّر سامرٌ هنيهاتٍ، وقالَ:‏

    -"أريدُ أن أكونَ صلاحَ الدّينِ الأيّوبيَّ".‏

    عندئذٍ صفّقَ التّلاميذُ لسامرٍ، وصمّموا أن يكونوا من فُوْرهم جنوداً في جيشِ صلاحِ الدّينِ الأيّوبيِّ.‏

    (1) لم يَنْبِسْ بكلمة: لم تتحرّك شفتاه بشيء، وأكثر ما يستعمل هذا التّركيب في النّفي.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  13. #213
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أضجرته الوحدةُ، فقالَ طارقٌ لأمِّه:‏

    -"أريدُ أخاً صغيراً".‏

    فقالتِ الأمُّ، وهي تضمُّه إلى صدرها:‏

    -"غداً أشتري لكَ عروساً جميلةً".‏

    وقالَ الأبُ، وهو يضحكُ:‏

    -"بل سنشتري لكَ حصاناً".‏

    وفي اليومِ التّالي ركبَ طارقٌ حصانَه الخشبيَّ، وأخذَ يجري من غرفةٍ إلى غرفةٍ، وهو يصهلُ، فقال الحصانُ:‏

    -"لماذا تَزْعَقُ بوجهي؟ لقد أجْفَلْتَني، وأخفتَني".‏

    فقالَ طارقٌ:‏

    -"أنا أصهلُ، لا أزْعَقُ".‏

    ثمّ أردفَ الحصانُ:‏

    -"كاد الرَّسَنُ يخنُقني، اِرمِهِ من يدِكَ".‏

    وحين حَرَنَ الحصانُ(1)، وهوى على الأرضِ متعباً، استلقى طارقٌ على سريرِه لاهثاً، وسألَ أمَّه:‏

    -"كيف أتيتُ؟".‏

    ابتسمتِ الأمُّ، وقالتْ:‏

    -"اشترينا يومَ العيدِ عُلبةَ حلوى صغيرةً، وحينَ فتحنا العلبةَ، نهضْتَ منها كالعِفريتِ، ورحْتَ تصيحُ: ماما، بابا..".‏

    ضحكَ طارقٌ، حتّى دمعتْ عيناه، وقرّر أن يغفوَ اللّيلةَ، وينتظرَ أيّامَ العيدِ الكبيرِ، حتَى يشتريَ عُلبةَ حلوى كبيرةً.‏

    (1) حَرَنَ الحصان: وقف حين طُلب جريه، ورجع القهقرى.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  14. #214
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    نفخَ جنديٌّ في بوقِه، فاستيقظتِ النّجومُ، وهبَّ جنودُ المملكةِ من نومهمْ مذعورين، واجتمعوا في فِناءِ القصرِ، وحين أطلَّ الملكُ من الشُّرْفةِ متجهّمَ الوجهِ، أرعدتِ السّماءُ، وأبرقتْ، حتّى ملأتِ الجنودَ مطراً وخوفَاً.‏

    قالَ الملكُ، وهو في أقصى الغضبِ:‏

    -"أنتم جبناءُ، ترتعدون أمامَ أعداءِ الوطنِ كالفئرانِ. غزا الأعداءُ أطرافَ المملكةِ، وتوغّلوا كالنّملِ في شوارعِها وساحاتِها، حتّى غدتْ مثلَ عُلبةِ كِبريتٍ، وأنتم لا عملَ لديكم إلاّ التّآمرُ عليَّ وعلى حاشيتي. ماذا سيكتبُ عنكم التّاريخُ؟ وماذا سيقولُ؟ أيّها الوزيرُ، هؤلاء الجنودُ غيرُ مخلصين لي وللوطنِ، وهم لا يستحقّون إلاّ الموتَ".‏

    وهكذا سيقَ الجنودُ إلى السِّجنِ، حتّى اكْتَظَّ بهم. همسَ أحدُهمْ في أذن آخر قائلاً:‏

    -"في أيِّ عصرٍ يعيشُ صاحبُ الجلالةِ؟! لابدَّ أن يستيقظَ من نومِه الطّويلِ، حتّى يرى أنّ سيوفَنا قد تثلّمتْ(1)، وأنّ طائراتِ الأعداءِ تحصدُ رؤوسَنا".‏

    قالَ الآخرُ، وهو يتلمّسُ رأسَه:‏

    -"هذا الملكُ قصيرُ النّظرِ، لا يرى أبعدَ من المشانقِ والسّجونِ".‏

    ضحكا في سرِّهما معاً، وأغفى كلٌّ منهما ليلتَه على حُلُمٍ جميلٍ، لا سلطةَ فيه إلاّ لمَلِكِ النّومِ. وفي الصّباحِ استيقظَ الجنودُ على قرارٍ ملكيٍّ بالإفراجِ عنهم جميعاً، لأنّ جلالةَ الملكِ عقدَ ليلةَ البارحةِ صُلحاً مع الأعداء، فنجتْ رؤوسُهم من المشانقِ، ونجا الملكُ وحاشيتُه من المكائدِ والدّسائسِ.‏

    بكتْ يومئذٍ العصافيرُ، وهاجرتْ إلى بلادٍ بعيدةٍ بعيدةٍ.‏

    (1) تثلّمت السّيوف: كَلّ حدّها، وتحفّر، فلم تقطع.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  15. #215
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    اعترضَ نورسٌ طريقَ موجةٍ في عُرْضِ البحرِ، فاكْفَهَرَّ وجهُ الموجةِ، وعلاه الزَّبَدُ. هاجتِ الموجةُ، وماجتْ، ولكنّ النّورسَ لم يأبه لها، بل أمعنَ في اللَّحاقِ بها، ثمّ حطَّ على ظهرِها، وأرادَ أن يستريحَ من عَناءِ الطّيرانِ الطّويلِ قليلاً.‏

    صرختْ في وجهه، وقالتْ:‏

    -"إلامَ تعترضُ طريقي، أيّها النّورسُ؟".‏

    جَفَلَ النّورسُ، وفَزِعَ، وقالَ متلعثماً:‏

    -"أنا تائهٌ في هذا المدى المَخوفِ، لا أعرفُ طريقاً إلى الشّاطئ. غفوتُ هنيهةً، وحين فتحتُ عينيَّ، افتقدتُ سِرْبَ النّوارسِ. أنا وحيدٌ، أيّتها الموجةُ، لا أبَ لي ولا أمَّ، ولا صديقَ لي سواكِ".‏

    قالتِ الموجةُ، وهي تهيجُ، وتموجُ غضباً:‏

    -"ابتعدْ عن طريقي، أيّها النّورسُ، وابحثْ عمّن يحملُكَ إلى الشّاطئ، فالبحرُ كبيرٌ، والأمواجُ كثيرةٌ".‏

    قال النّورسُ، وهو يركبُ ظهرَ الموجةِ، ويتودّدُ إليها:‏

    -"أنا متعبٌ، أيّتها الموجةُ، لا أقوى على الطّيرانِ. سأكونُ صديقَكِ الودودَ، وسأحكي لكِ قصّةً جميلةً، هي قصّةُ هجرةِ النّوارسِ من بلادِهم الباردةِ إلى بلادٍ دافئةٍ".‏

    أزْبَدَتِ الموجةُ، وراحتْ تتقلّبُ غيظاً، وتتململُ سُخطاً، حتّى كادَ النّورسُ أن يغرقَ، فطارَ عنها، وحلّقَ ببصرِه إلى بعيدٍ، وهو يضربُ بجناحيهِ خوفاً وهَلَعاً، فرأى شاطئَ البحرِ، ولمحَ سِربْاً من النّوارسِ يتطايرُ هنا وهناك، والأمواجُ تتكسّرُ على الشّاطئ موجةً في إثرِ موجةٍ، ثمّ ترتدُّ، وتتلاشى.‏

    من بعيدٍ..‏

    أبصرَ النّورسُ الموجةَ، وهي تقتربُ من الشّاطئ، وتلهثُ من التّعبِ لهاثاً مسموعاً، فطارَ إليها، وحنا عليها قائلاً:‏

    -"لن أنسى فضلَكِ عليَّ، ولن أنساكِ ما حييتُ".‏

    هدأتِ الموجةُ، واطمأنتْ، ثمّ تراجعتْ رويداً رويداً إلى عُرْضِ البحرِ، وهي تترقّبُ بلهفةٍ عودةَ ذلك النّورسِ التّائهِ إلى بلادِه يوماً ما.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  16. #216
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قرّرتْ يوماً سمكةُ سَلْمُون أن تعودَ إلى بلادِها البعيدةِ، فلوتْ رأسَها، وحدّقتْ بعينين دامعتين إلى الخلفِ، فلم ترَ إلاّ نهراً دافقاً، يهدرُ ماؤه كالرّيحِ في ليلةٍ عاصفةٍ، فيملأُ القلبَ هَلَعاً وخوفاً.‏

    أسرّتِ السّمكةُ ما عزمتْ عليه، وراحتْ تتحيّنُ الفرصةَ للعودةِ، ولكنّ النّهر لم يسكنْ، ولم يهدأْ. انتظرتْ يوماً، ثمّ انتظرتْ أسبوعاً فشهراً، والنّهرُ يتدفّقُ غزيراً، ويوغلُ في السّهولِ والوديانِ، فتبتعدُ السّمكةُ عن بلادِها أكثرَ فأكثرَ.‏

    ضاقتْ السّمكةُ بالنّهرِ ذَرْعاً(1)، فسألتْه بحَنَقٍ وغضبٍ:‏

    -"إلى أين، أيّها النّهرُ؟".‏

    أجابَ النّهرُ بصوتٍ هادرٍ كالعاصفةِ:‏

    -"هناك حقولٌ وبساتينُ عطشى، تنتظرني منذ زمنٍ بعيدٍ".‏

    قالتْ سمكةُ السَّلْمُونِ:‏

    -"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي حالاً".‏

    قالَ النّهرُ، وهو يضحكُ:‏

    -"سيجرُفُكِ التيّارُ إلى أمامٍ، ولن تقدري على الرّجوعِ خطوةً أو خطوتين إلى الوراءِ".‏

    قالتْ السّمكةُ في أسى وحزنٍ:‏

    -"اِهدأ قليلاً، أيّها النّهرُ الودودُ، وحاولْ أن تساعدَني مثلما تساعدُ أهلَ القرى، أينما سرتَ، وكيفما اتجهتَ".‏

    قال النّهرُ:‏

    -"طريقُنا طويلةٌ، والثّلوجُ على رؤوسِ الجبالَ كثيفةٌ، تذوبُ أيّامَ الرّبيعِ، فيفيضُ الماءُ، ويتدفقُ هادراً. أيّتها السّمكةُ الطّيبةُ، سنمضي حيثُ تتشقّقُ الأرضُ عطشاً، ويتضوّرُ النّاسُ جوعاً، ونحن خيرٌ وحياةٌ للأرضِ وللنّاسِ. قدرُنا واحدٌ، وهو أن نسيرَ معاً إلى أمامٍ حتّى النّهايةِ، فلا نلتفتُ إلى الوراءِ أبداً".‏

    بكتْ يومئذٍ السّمكةُ، بكتْ حتّى فاضَ النّهرُ، وكاد أن يُغرقَ القرى، ولكنّها ذاتَ صباحٍ أحسّتْ أنّ النّهرَ قد ضَحَلَ ماؤه وقلَّ، فعزمتْ على العودةِ إلى بلادِها، والبلادُ خلفَها تنأى، وتبتعدُ، فلا يبقى منها إلاّ حُلُمٌ وذكرى.‏

    تقاوتْ سمكةُ السَّلْمُونِ، وارتدّتْ إلى الوراءِ، وراحتْ تسبحُ عكسَ التيّار بسرعةٍ، والتيّارُ يصدّها مرّةً، ويرأفُ بها مرّةً أخرى، حتّى قطعتْ سهولاً، واجتازتْ أوديةً.. وفي طريقِها الطّويلةِ صادفت السّمكةُ جبلاً شاهقاً، لا يَطولُ ذِروتَه أحدٌ، فتوقّفتْ عن السّباحةِ، وأخذتْ تفكّرُ كيف تخرجُ من هذا المأزقِ الخطيرِ؟ والجبلُ يعلو، ويعلو أمام عينيها، حتّى يصلَ عَنانَ السّماءِ، فيتلاشى حُلُمُ العودةِ، وينأى الوطن بعيداً. فجأةً حطَّ طائرُ غُرْنوقٍ على ضفّةِ النّهرِ، ليشربَ من مائِه العذبِ، فلمحَ سمكةَ السَّلْمُونِ مكتئبةً حزينةً، شَحَبَ وجهها واسودَّ، وهَزَلَ جسمها ونَحَلَ، فسألها:‏

    -"ما بكِ، أيّتها السّمكةُ؟ أراكِ شاحبةً هزيلةً!".‏

    أجابت السّمكةُ، والحزنُ يعتصِرُ قلبَها:‏

    -"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي، وهذا الجبلُ-كما ترى- يقفُ كالجدار في وجهي، فلا أستطيعُ أن أجتازَه".‏

    ضحكَ طائرُ الغُرْنوقِ، وأخذَ يضربُ بجناحيه سعيداً، وقال:‏

    -"أنا سأحملُكِ إلى الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ خلفَ الجبلِ".‏

    سألته السّمكةُ بلهفةٍ وتعجّبٍ:‏

    -"أحقّاً تستطيعُ، أيّها الطّائرُ؟! أخشى أن تستغرقَ وقتاً طويلاً، فأختنقَ، وأنا خارجَ الماءِ".‏

    قال الغُرْنوقُ في عزيمةٍ وإصرارِ:‏

    -"ستكونين على الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ في غمضةِ عينٍ. إنّها مجرّدُ ثوانٍ، لا أكثرَ ولا أقلّ..".‏

    قبض الغُرْنوقُ بقدميه على سمكةِ السَّلْمُونِ، وطارَ بها بعيداً، حتّى اعتلى قمّةَ الجبلِ، ثم هوى على النّهرِ سريعاً، وألقى السّمكةَ في الماءِ برفقٍ، وهي تلهثُ، وتتلوّى، ولمّا استردّتْ أنفاسَها شكرتْ لطائرِ الغُرْنوقِ معروفَه الجميلَ، ومضتْ في طريقها الطّويلةِ، تسبحُ عكسَ التيّار، وتحثُّ الخطى نحو المجهولِ.‏

    (1) ضاقتْ بالنّهر ذَرْعاً: ضجرت منه، وتألّمت.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  17. #217
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حلّقَ عُقابٌ ماكرٌ في أعالي السّماءِ، وراحَ ينافسُ الطّيورَ في التّحليقِ بعيداً، وحين بدا عليها التّعبُ حطَّ العُقابُ على رابيةٍ، تتبعه الطّيورُ، وهي تلهثُ، ثمّ أخذتْ تتنافسُ فيما بينها، وتتبارى، فقالَ طائرُ لَقْلَقٍ، وهو يقفُ على قدمٍ واحدةٍ:‏

    -"من منكم يستطيعُ مثلي أن يقفَ على قدمٍ واحدةٍ؟".‏

    أجابَ الصَّعْوُ- وهو أصغرُ الطّيورِ- قائلاً:‏

    -"لا تغترَّ بنفسِكَ كثيراً، أيّها الأبلهُ، لستَ إلاّ أعرجَ".‏

    وأردفَ ببغاءٌ ساخراً:‏

    -"لا شكَّ في أنّكَ تحتاجُ عكّازين، فلعلّكَ تقدرُ على المشي جيّداً".‏

    ثم رفع هُدْهُدٌ رأسَه عالياً، وأشار إلى قُنْزُعَةٍ عليه قائلاً:‏

    -"من منكم يستطيعُ مثلي أن يحملَ هذه القُنْزُعَةَ على رأسه؟".‏

    أجابَ نورسٌ:‏

    -"أيّها الأحمقُ، هي مصدرُ رائحتِكَ الكريهةِ، فلا تتعالَ بها علينا، ولا تتغافلْ".‏

    وأردفَ غُرابٌ ضاحكاً:‏

    -"حقّاً، إنّكَ تبدو كالملكِ المتوَّجِ، ولكنّكَ ملكٌ بلا مملكةٍ، ونحن لسْنا رعاياكَ".‏

    ثمّ دسّتْ نعامةٌ رأسها في التّراب، وقالتْ، وهي تتمايل يَمْنةً ويَسْرةً:‏

    -"من منكم يستطيعُ مثلي أن يدسَّ رأسه في التّراب هكذا".‏

    وحين دسّتْ النّعامةُ رأسَها في التّرابِ انقضَّ عليها العُقاب، وقبضَ عليها بمخالبه الحادّةِ، وطارَ بها بعيداً.‏

    جَفَلَتِ الطّيورُ، وطارتْ إلى البعيدِ سرباً واحداً، لا يتعالى عليه لَقلَقٌ ولا هُدْهُدٌ، ولا يحتالُ عليه نسرٌ ولا عُقابٌ. ومنذ ذلك اليومِ تعلّمَ كلّ طائرٍ منها درساً قاسياً، لن ينساه طوالَ حياتِه.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  18. #218
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    إلى صديقي عبد اللّطيف الباير:‏

    -"بُصرى مملكتك، ولا أرضى لك أن تكون ملكاً".‏

    دبيّ في 10/3/1999‏

    يُحكى أن في قديمِ الزمانِ جندياً، غافلَ يوماً الملكَ، وجلسَ على عرشه، وراحَ يصرخُ صراخاً مُدويّاً:‏

    -"أنا الآن ملكُ البلادِ".‏

    تردّدتْ صرختُه في أرجاءِ القصرِ، ووصلتْ أسماعَ الملكِ وحاشيتِه الّذين فاجؤوا الجنديَّ، وهو مازالَ جالساً على العرشِ، يرتجفُ من هَوْلِ المفاجأةِ، والجنودُ يُشهرون سيوفَهم الّلامعةَ في وجهِه، ولكنّ الملكَ أمرهم أن ينصرفوا عنه، ويتركوه وهذا الجنديَّ.‏

    نهضَ عندئذٍ الجنديُّ من مكانِه، فأشار إليه الملكُ أن يجلسَ، فجلس، والسّيافُ يتراءى أمام عينيه المذعورتين شاهراً سيفه، يهُمّ بضربِ عُنقِه، فيرتعدُ هَلَعاً وخوفاً. حاول الجنديّ أن يفتحَ عينيه، ويرفعَ رأسَه قليلاً، فلم يستطعْ، وحاولَ أن ينهضَ من مكانِه ثانيةً، فلم تحملْه قدماه، والقصرُ يدورُ به، فلا يهدأُ، ولا يستقرُّ.‏

    سأله الملكُ مستغرباً:‏

    -أتظنُّ أنّ هذا الكرسيَّ الخشبيَّ يجعلُكَ ملكاً؟!".‏

    أجابَ الجنديُّ، وهو يتلعثمُ:‏

    -"هو مجرّدُ حُلُمٍ، يا صاحبَ الجلالةِ، ظلَّ يراودني منذ صغري".‏

    ثمُ أردفَ الملكُ ضاحكاً:‏

    -"أنتَ الآن ملكٌ، وأنا أحدُ رعاياكَ. بمَ ستحكمُ عليّ لو انقلبتُ عليكَ".‏

    هبَّ الجنديُّ واقفاً، وقالَ معتذراً:‏

    -"أستغفرُ اللهَ، يا صاحبَ الجلالةِ، ما أنا إلاّ عبدٌ من عبيدِكَ".‏

    قالَ الملكُ:‏

    -"اجلسْ، اجلسْ، أيّها الجنديُّ، وقلْ لي: كيف ستحكمُ بين هؤلاء النّاسِ الذين لا همَّ لهم إلاّ التآمرُ عليّ وعلى مملكتي".‏

    قالَ الجنديُّ، وهو مطرقُ الرّأسِ:‏

    -"إنّهم-يا صاحبَ الجلالةِ- لا يستحقّون إلاّ الموتَ، فلا رأفةَ بهم، ولا عطفَ عليهم".‏

    قالَ الملكُ:‏

    -"لا شكّ في أنّكَ جنديٌّ مخلصٌ لي وللوطنِ. أيّها الجنديُّ، أنتَ منذ اليومِ وليُّ عهدي الأمينُ".‏

    يُحكى بعدئذٍ أنّ وليَّ العهدِ انقلبَ يوماً على الملكِ، وزجّه في السِّجنِ، حتّى ماتَ، وجلسَ على عرشِه منتشياً، لا يفارقُه لحظةً، ولكنّ جنديّاً غافله يوماً، وجلسَ عليه، وهو يقولُ:‏

    -"أنا الآن ملكُ الزّمانِ".‏

    ويحكى أنّ الملكَ تلمّسَ عندئذٍ رأسَه، وهو يرى أحدَ جنودِه يجلسُ مكانَه، وأمرَ من فوره السّيافَ أن يضرِبَ عنقَه، حتّى يكونَ عِبرةً لغيره من الجنودِ الذين لا يروقُ لهم من كراسي القصرِ جميعِها إلاّ كرسيُّ الملكِ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  19. #219
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أغفى عُصفورٌ ليلتَه، وهو يحلمُ بالحريّة، فرأى صيّاداً، يتربّصُ(1) بسربٍ من العصافير، وجعلَ يحذّرُ العصافيرَ من بندقيّةِ الصيّادِ، ويقولُ لها:‏

    -"إيّاكِ والصيّادَ"‏

    وحين نجتِ العصافيرُ، التفتَ إليه الصيّادُ، وقالَ:‏

    -"سينامُ أولادي جياعاً".‏

    قالَ العُصفورُ متعجّباً:‏

    -"ضاقت الدّنيا بكَ وبأولادكَ، فلم تجدْ سوانا طعاماً!".‏

    وعندما استيقظَ العُصفورُ من غفوتِه مذعوراً، ألفى بابَ القفصِ مفتوحاً، صفقَه بعنفٍ، زلزلَ الدّنيا، وأرعدَها، وطارَ بعيداً، يحلّقُ في الأفقِ الكبيرِ.‏

    (1) تربّص به: انتظر به خيراً أو شراًّ، يحلّ به. وأكثر ما يستعمل هذا التّركيب في الشّرّ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  20. #220
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    صباحُ الخيرِ، أيّها الصبّاحُ‏

    أنا ديمةُ من أقصى الجنوبِ‏

    انتظرني قليلاً‏

    سآتي يوماً،‏

    وأحملُ إليكَ وردةً حمراء".‏

    قانا في 18/4/1996‏

    من دفتر ديمة‏

    نزلتْ قطرةُ مطرٍ على أرضٍ عطشى، والفصلُ خريفٌ، فارتوتِ الأرضُ، وجرتِ الأنهارُ.. وسقطتْ دمعةٌ حارّةٌ من عين لاجئٍ على التّرابِ، فنبتتْ سنبلةٌ، وتعالت نخلةٌ.. ووقعتْ قطرةُ دمٍ من شهيدٍ على حقل ألغامٍ، فأزهرتْ وردةٌ حمراءُ. وحين نهضتْ ديمةُ من نومها أشرقتِ الشّمسُ.‏

    بَهَرَتِ الشّمسُ عيونَ الأعداءِ، فسدّدوا بنادقَهم إلى صدرها، وأخذوا يطلقون النّارَ وابلاً، فأصابتْ رصاصاتُهم الطائشةُ ديمةَ، وهي في طريقها إلى المدرسةِ، وأجهزَ واحدٌ منهم عليها(1)، فهوتْ ديمةُ على الأرض، وسال دمُها على التّراب أنهاراً، نبتتْ على ضفافها ورودٌ حمراءُ، والعدوُ يطلق النّارَ على الشّمس الّتي غابتْ توّاً خلف ظهور الرّجالِ.‏

    (1) أجهز عليه: أسرع في قتله، وتمّم عليه.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  21. #221
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    (1)‏

    قال الرّاوي: في مملكةٍ من ممالكِ الزّمانِ وسالف العصر والأوانِ كان ما كان.‏

    يُحكى أنّ ملكاً من الملوك شاخ، حتّى بلغ الثّمانينَ من عمره، فأشار عليه حكيمٌ أن يولّيَ المملكةَ أحدَ أولادِه الثّلاثةِ، وإلاّ سيتربصُ(1) بها الأعداءُ، وسينقضّون يوماً عليها فريسةً سهلةً، فناداهم الملكُ العجوزُ على عَجَلٍ، وأمر الحكيمَ أن يختبرَ قوّةَ عزيمتهم وسدادَ رأيهم(2)، فالتفتَ إليهم الحكيمُ قائلاً:‏

    -"الملكُ منكم مَنْ يُقْدِمُ على عملٍ مستحيلٍ، يجعله وليّاً لعهدِ مولاي الأمينِ".‏

    تهلّلتْ وجوهُ الأمراءِ الثلاثة فرحاً، واستأذنوا الملكَ أن يمهلهم ثلاثةَ أيّامٍ، يفكّرُ خلالها كلُّ واحدٍ منهم بعملٍ ما، فوافق الملكُ على مَضضٍ(3)، وأمرهم بالانصرافِ إلى شؤونهم، وحين هَمّ الأمراءُ بالخروج من المجلس ناداهم من جديدٍ محذّراً:‏

    -"أمامكم ثلاثةُ أيّامٍ، وإلاّ سيحيطُ بنا الأعداءُ كما يحيطُ السِّوارُ بالمِعْصَمِ".‏

    انحنى الأمراءُ الثّلاثةُ، وخرجوا إلى قصورهم واجمين، يفكّرُ كلٌّ منهم بعملٍ عظيمٍ، يحظى برضى الملكِ، فالكبيرُ علاءُ الدّينِ يحلمُ منذ صغره أن يصبحَ ملكاً، فكان يضع تاجَ والدِه خِلسةً على رأسه، ويتباهى به أمام إخوته الصّغار، والأوسطُ صلاحُ الدّين يحلم أن يصبحَ وليّاً للعهد، فكان يرفع صوْلجانَ(4) الملك في وجهِ الصّغيرِ عزِّ الدّينِ، ويأمره أن ينحنيَ له، فينحني الصّغير صاغراً(5)، وهو يحلمُ أن يغافلَ يوماً والدَه، ويجلسَ مكانَه على عرشِه العاجيِّ الوثيرِ.‏

    (2)‏

    قال الرّاوي، وهو يقلّبُ كتاباً أمامه، اهترأتْ أوراقُه، واصفرّتْ:‏

    في صباحِ اليوم التّالي أتى الأميرُ علاء الدّين القصرَ لاهثاً، ودخل المجلسَ بلا استئذانٍ، فلامه حكيمُ المملكةِ، وأمره أن يستأذنَ الحاجبَ في الدّخول على الملك، وحين وقف الأميرُ بين يدي الملكِ قال:‏

    -"أنا أستطيعُ- يا صاحبَ الجلالةِ- أن أقلبَ النّهارَ ليلاً".‏

    ابتسم الحكيمُ في وجهِ الملكِ المتجهّمِ(6)، وسأل الأميرَ ضاحكاً:‏

    -"كيف ستقلب النّهارَ ليلاً، يا سيّدي الأمير؟".‏

    أجاب الأميرُ- وهو يرفعُ قبضتَه في الوجوه- قائلاً:‏

    -"سآمرُ جنودَ المملكةِ الشّجعانَ أن يلقوا الشّمسَ في زنزانة".‏

    غضبتْ يومئذٍ الشّمسُ غضباً شديداً، وغربتْ باكراً، فساد المملكةَ ظلامٌ دامسٌ. خاف عندئذٍ الملكُ أن يباغتَ الأعداءُ المملكةَ، فأمر- والشّمسُ تشرقُ بوجهٍ ساحرٍ- بإغلاق السّجونِ في وجه ذلك الأميرِ المغفّل.‏

    وفي اليوم الثّاني جاء الأميرُ صلاحُ الدّينِ قصرَ والدِه الملكِ، ودَلَفَ إلى مجلسه مستبشراً، فوجد الملكَ وحكيمَ المملكةِ في انتظاره، ألقى عليهما السّلامَ، وأردفَ قائلاً:‏

    -"أنا أجرؤُ- يا صاحبَ الجلالةِ- أن أمنعَ نهرَ المملكةِ من الجريان".‏

    سأله الحكيمُ، وهو يبتسمُ:‏

    -"كيف ستمنعُ النّهرَ من الجريان، يا سيّدي الأمير؟".‏

    أجاب الأميرُ- والملكُ يكادُ يتميّزُ من الغيظ(7)- قائلاً:‏

    -"سأقيم في وجه النّهرِ سدّاً منيعاً".‏

    ضحك النهرُ في سرّه ضحكاً خبيثاً، وراح يترقّبُ اليومَ الذي ينفّذُ فيه ذلك الأميرُ المغفّلُ ما عَزَمَ عليه، لأنّه عندئذٍ سيخزُنُ وراءه ماءً غزيراً، يروي به الفلاحون حقولَهم وبساتينَهم بعد أن كان يذهبُ هدراً في عُرْضِ البحرِ.‏

    وفي اليوم الثّالث حضر الأميرُ عزُّ الدّين المجلسَ، وطأطأ رأسه بين يدي والدِه الملكِ، فأمره الحكيمُ أن يرفعَ رأسه قليلاً، ويعرض ما عنده من الرّأي أمام صاحبِ الجلالةِ، فقال الأميرُ:‏

    -"أنا- يا صاحبَ الجلالةِ- أُصْلحُ ما أفسده الدّهرُ بيننا وبين الأعداءِ".‏

    فسأله الحكيمُ متعجّباً مستغرباً:‏

    -"كيف ستصلح ما أفسده الدّهرُ بيننا وبين الأعداء؟ بيننا وبينهم دمٌ لا ماءٌ، يا سيّدي الأمير!".‏

    أجاب الأميرُ، وهو يُعرِضُ(8) بوجهه عن وجه والدِه المتجهّمِ:‏

    -"نَعْقِدُ معهم صُلحاً".‏

    انتفض الملكُ كعصفورِ ذبيحٍ، وطلب من حكيم المملكةِ أن يخرجَ هذا الأميرَ الجبانَ من القصر حالاً، ثمّ أمر بنفيه إلى جزيرة نائية، لا إنسَ فيها ولا جنَّ.‏

    (3)‏

    قال الرّاوي، وهو يطوي صفحةً من كتابه الأصفر:‏

    تبرّأ الملكُ من أولادِه الثّلاثةِ، وأوصى الحكيم ألاّ حقَّ لهم في مُلْكٍ ولا إرثٍ، وأرسل إلى الرّعية رسولاً، يطوف بهم شارعاً شارعاً، وينادي فيهم عالياً:‏

    -"أيّها الناسُ، مَنْ يُقْدِمْ على عملٍ مستحيلٍ، يُرضي به وجهَ اللهِ وجلالةَ الملكِ، يكنْ وليّاً لعهدِ مولاي الأمين".‏

    سمع النّداءَ شبابُ المملكةِ ورجالُها، وراح كلّ منهم يفكّرُ بعملٍ ما، وكلّما دخل أحدُهم القصرَ رجع خائباً، ولكنّ فتى منهم- وهو المنتصرُ بالله- ألحّ على الحاجب أن يقابلَ جلالةَ الملكِ على انفرادٍ، فلم يأذن له، وظلّ هذا الفتى يتردّدُ على القصر أيّاماً، حتّى سمع الملك بقصّته، فطلبه، ورحّب به في مجلسه قائلاً:‏

    -"قل ما عندك، يا بنيّ".‏

    وقف المنتصرُ بالله بين يدي الملكِ رابطَ الجَأْشِ قويَّ العزيمةِ(9)، وقال له:‏

    -"إذا كان أبناؤك- يا صاحبَ الجلالةِ- قد خذلوك، فأنا يتيمٌ، ليس لي أبٌ سواك، أضع عمري بين يديك، لتبقى شاباً قويّاً، أنا لا أعرف المستحيلَ، يا سيّدي".‏

    لم يتمالك الملكُ نفسَه، فأقبل- وعيناه تَذرفان- على الفتى، يحتضنه كابنه، ويربّتُ على كتفه، ثمّ أجلسه إلى جانبه، واستدعى كاتبَ المملكة، وقال له:‏

    -"اكتب: نحن- ملكَ الملوكِ- قرّرنا أن نتنازلَ عن عرشِنا الجليلِ لفتى الفتيانِ المنتصرِ بالله".‏

    (4)‏

    قال الرّاوي، وهو يغلق كتابَه الكبيرَ أمامه:‏

    وهكذا تنازل الملكُ عن عرشه لهذا الفتى، وزوّجه من ابنتِه الوحيدةِ بدر البدور التي سُرعان ما طلبتْ منه العفوَ عن إخوتها الثلاثة، فرفض طلبَها، لأنّ الملك الرّاحل كان قد أوصاه- وهو في النَّزْعِ الأخيرِ(10)- أن يتركَهم وشأنَهم في منفاهُم البعيدِ البعيدِ.‏

    دبيّ في 30/12/1999‏

    (1) تربّص به: انتظر به شراًّ.‏

    (2) سداد الرّأي: استقامته وصوابه.‏

    (3) على مضض: على كره.‏

    (4) الصَّوْلجان: عصا معقوفة، يحملها الملوك والسّلاطين.‏

    (5) صاغراً: ذليلاً مهاناً.‏

    (6) المتجهّم: العابس.‏

    (7) تميّز من الغيظ: تقطّع، وتمزّق.‏

    (8) أعرض بوجهه عنه: صدّ، وولّى، ومال.‏

    (9) رابط الجأش: ثابت عند الشدائد، وقويّ العزيمة: قويّ الإرادة.‏

    (10) النَّزْع الأخير: احتضار المريض، ونَزَع: أشرف على الموت
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  22. #222
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    وقف شرطيٌّ في وجه الرّياحِ، والرّياحُ تعصِفُ بالأشجار، فلا تَذَرُ على الأرضِ منها زيتونةً ولا نخلةً، وسألها مستغرباً:‏

    -"ماذا أصابك، أيّتها الرّياحُ؟".‏

    أجابتِ الرّياحُ، وهي تجهشُ:‏

    -"أنا حزينةٌ، أيّها الشّرطيُّ".‏

    لم يسألِ الشّرطيُّ الرّياحَ عندئذٍ عن سرِّ حزنِها، لأنّه كان قد قرأ في الكتبِ القديمةِ أنّ الرّياحَ لا تحزنُ ولا تغضبُ إلاّ إذا استسلم النّاسُ للأعداء.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  23. #223
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    فرحتْ ليلى كثيراً، لأنَّ أُمَّها سمحتْ لها بالذهاب إلى الحديقةِ القريبةِ.‏

    كان الفصلُ ربيعاً، والشمسُ ضاحكةً.‏

    تمتعتْ ليلى بالأزهارِ الملوّنةِ، والفراشاتِ المرفرفةِ، والمناظرِ الجميلةِ.‏

    وقبل أن تعودَ، اقتربتْ من الحارسِ بأدبٍ، وقالت:‏

    ـ أرجو أن تعطيَني زهرةً حمراءَ، أقدّمها لأمي الحبيبة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  24. #224
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في الربيعِ، والشمسُ مشرقة‏

    حطّ عصفورٌ دوريٌّ على سور المدرسة‏

    سمعَ المعلمةَ‏

    تسألُ الأطفالَ‏

    عن أجملِ امرأةٍ في الوجودِ‏

    لكنَّ العصفورَ طار.‏

    وتنقَّلَ من مكانٍ لمكان.‏

    يسألُ عن أجملِ امرأة‏

    وحين عادَ‏

    والشمسُ لا تزالُ دافئةً.‏

    حكى للفراخِ الصغارِ.‏

    عمّا رأى في النهار.‏

    قال:‏

    ذهبتُ إلى الرسّام.‏

    قلتُ: يا فنَّانَ اللونِ الأجمل‏

    أريدُ لوحةً‏

    لأجملِ امرأةٍ في الوجود.‏

    قال: اذهبْ إلى البستانيّ‏

    ***‏

    قلت: يا فنّانَ الروضِ الأخضرِ.‏

    أريدُ وردةً ناضرةً‏

    لامرأةٍ رائعةٍ‏

    قال: اذهبْ إلى بائعِ الوردِ.‏

    ***‏

    يا بائعَ الورد:‏

    أريدُ وردةً صافيةً مثل عينيها‏

    قال: اذهب إلى بائع الزنابقِ.‏

    ***‏

    يا بائع الزنبقِ:‏

    هل مَسَحَتْ على رأسِكَ أصابعُ الحنان؟‏

    وهل ربتتْ على كتفك يدٌ حانية؟‏

    أريدُ زنبقاً كأصابعها.‏

    قال: اذهبُ إلى بائع الحرير..‏

    ***‏

    يا بائعَ الحريرِ:‏

    هل شاهدَتْ أزهارَ الياسَمين؟‏

    أريدُ ثوباً لأجملِ امرأةٍ.‏

    قال: اذهبْ إلى ذلك البيتِ القريبِ.‏

    ***‏

    في البيت القريبِ المجاور.‏

    وجدتُ اللوحةَ الجميلة.‏

    رأيتُ امرأةً تعمل بمهارةِ.‏

    تمسحُ زجاج النافذة.‏

    تسقي أصيصَ الزهرِ.‏

    تقتربُ من طفلٍ صغير.‏

    تُسرّحُ شعرَه.‏

    تعطيه قطعةَ حلوى..‏

    ***‏

    الطفلُ الصغيرُ يحملُ حقيبتَهُ المدرسية.‏

    وعلى ثغرهِ ابتسامة‏

    يُقَبّلُ يدَ المرأةِ.‏

    وقبلَ أن ينطلقَ‏

    يقولُ: "شكراً يا ماما"‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  25. #225
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أخذتْ ليلى علبةَ أقلامِ التلوينِ، وبدأتْ ترسمُ فوقَ الورقةِ بالألوان..‏

    رسمتْ ليلى مدينةً مسوَّرةً بالوردِ والأزهارِ.‏

    رسمت في وسطها شارعاً نظيفاً‏

    رسمتْ في طرفِ الشارعِ منزلاً جميلاً.‏

    رسمتْ في المنزلِ غرفةً‏

    في الغرفةِ نافذةٌ للشمسِ والهواء.‏

    داخلَ الغرفةِ سريرٌ.‏

    بجانبِ السريرِ طاولةٌ.‏

    الطاولةُ عليها سلَّةُ أزهار.‏

    جلستْ ليلى فوقَ السريرِ.‏

    قرَّبَتِ الأزهارَ من وجهها.‏

    ثم شمّتها‏

    ونامتْ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  26. #226
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قطفَ أحمدُ مع أبيهِ ثمارَ شجرةِ الكرزِ.‏

    امتلأتِ السلَّةُ . لكنَّ بعضَ حبّاتِ الكرزِ الشهيّ ظلّت معلقةً على الأغصانِ العاليةِ...‏

    قالَ الأبُ:‏

    ـ أحمد... اصعدِ الشجرةَ بتأنٍّ واقطفْ بقيَّةَ حبّاتِ الكرزِ.‏

    نظرّ أحمدُ إلى الحبَّاتِ الجميلةِ التي تتلألأَ تحت أشعَّةِ الشمسِ.‏

    ثم ابتسمَ ، وقالَ:‏

    ‏

    ـ عفواً يا أبي... أرجو أن نتركَ الحبَّاتِ الباقيةَ للعصافيرِ...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  27. #227
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    غسلتْ ليلى الكأسَ جيَّداً، ثم ملأتْها ماءً، وسارتْ نحو أبيها.‏

    كانَ أبوها يقرأُ الجريدةَ في ظلِّ شُجيرةِ الياسَمين.‏

    عندما صارتْ ليلى قربَ أبيها. طارتْ زهرةُ ياسَمينٍ، وسقطتْ في الكأسِ.‏

    توقَّفتْ ليلى، وفكَّرتْ لحظةً...‏

    سألها أبوها:‏

    ـ مابكِ يا ليلى؟ أعطني الكأسَ.‏

    ابتسمتْ ليلى وهي ترى أوراقَ الياسَمينةِ يُحَرِّكُها الهواءُ، فتصلُ إليها رائحتُها المنعشةُ، وظلَّتْ واقفةً.‏

    أعاد الأبُ سؤالَهُ:‏

    ـ مابكِ يا ليلى؟!‏

    ابتسمتْ ليلى من جديدٍ، وقالتْ:‏

    ـ الياسَمينةُ تشيرُ إليَّ... إنها عطشى!‏

    سقتْ ليلى الياسَمينَة، ثم ملأتِ الكأسَ من جديدٍ، وانحنتْ قليلاً، ثم قالتْ مبتسمةً:‏

    ـ تفضَّلْ يا بابا...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  28. #228
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    شمَّتْ (عبير) الوردةَ الحمراءَ، وقالتْ:‏

    ـ هذه الوردةُ جميلةٌ. سأقدّمها إلى معلَّمتي.‏

    لكنَّ أخاها (خالداً) اعترضَ، وقالَ:‏

    ـ سآخذها ـ أنا ـ وأقدِّمُها إلى معلِّمي.‏

    أمسكتْ (عبير) الوردةَ وأبعدتها.‏

    لكنَّ (خالداً) شدَّها...‏

    فحزنتِ الوردةُ، وتناثرتْ أوراقُها على الأرضِ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  29. #229
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    راقبوا جيِّداً‏

    صديقيَ الصغيرَ‏

    إنه يأخذُ من أبيهِ قطعةَ النقودِ‏

    ويركضُ مسرعاً إلى الحانوتِ.‏

    انظروا إليه‏

    انظروا جيِّداً‏

    إنه كعادتهِ كلَّ يومٍ‏

    يشتري (بالوناً).‏

    انظروا كيف ينفخ (البالون).‏

    ينفخُ....‏

    والبالونُ يكبرُ.. يكبرُ...‏

    ثم ينفجرُ!!!...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  30. #230
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كنتُ مع أهليّ على ضفِّةِ النهرِ، نتمتَّعُ بالمنظرِ الجميلِ...‏

    قلتُ لأخي سامر:‏

    ـ تعالَ نشاهدِ الصيَّادين.‏

    وقفنا دقائقَ ننظرُ إلى الصيادين، وهم يصطادون السمكَ... تمنَّيتُ لو كان معنا (سنارة) نصطادُ بها، ونجرِّبَ حظَّنا...‏

    قلتُ لسامر:‏

    ـ سأشتري شيئاً أتسلَّى به، من الدكان.‏

    ذهبنا إلى الدكانِ القريبِ. كان يحتوي على كلِّ شيءٍ... اشتريتُ قصَّةً ملوَّنةً، لكنَّ سامراً قرَّرَ شراء (بالون).‏

    سألتهُ:‏

    ـ لماذا اخترتَ (البالون)؟‏

    فأجابَ:‏

    ـ لأنَّه يسلِّيني طوالَ الوقتِ.‏

    ضحكتُ في سرِّي، وجلستُ على مَرجٍ أخضرَ بجانب أُمِّي وأبي، أمامَ النهر، وأخذتُ أقرأُ القصَّة، بينما نفخَ سامرٌ (البالون) فصارَ كبيراً.. كبيراً، حتى ظننتُ أنَّهُ سينفجرُ!...‏

    بدأ سامرُ يلعبُ بالبالون. يضربه بيده، فيعلو قليلاً في الجوِّ، ثم يلحقُ به، والسعادةُ تغمرُ نفسَه. لكنَّه ضربَه ضربةً قويةً بيدهِ، فاندفع (البالونُ) بعيداً...‏

    لاحقناه جميعاً بأنظارنا، حتى رأيناه يحطُّ مثلَ بطَّة فوق الماءِ! ... وذهبَ مع النهرِ... مسكينٌ سامر!!.. ظلَّ ينظرُ إليه حتى غابَ عن الأنظارِ، وقد بدتِ الخيبةُ على وجهه... وحين التفتَ إليَّ حزيناً. شاهدَني أطالعُ قصَّتي الملوَّنةَ، ولكني كنت ـ في الحقيقةِ ـ أضحكُ من أعماقِ قلبي، ضحكةً طويلةً...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  31. #231
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    ذاتَ ليلٍ ربيعيٍّ دافئٍ، أحبَّتْ ليلى السهرَ في ضوءِ القمر، حتى ساعةٍ متأخِّرةٍ.‏

    قالتْ لها أُمُّها:‏

    ـ هيَّا يا ليلى. اذهبي إلى النوم.‏

    قالتْ ليلى:‏

    ـ لكنِّي أحبُّ القمرَ.‏

    ـ القمرُ (سيزعلُ) منكِ. إذا لم تنامي الآنَ.‏

    قالت ليلى للقمرِ:‏

    ‏

    ـ هل صحيحٌ (ستزعلُ) منِّي لأني أُحبُّ السهرَ معك؟‏

    ابتسمَ القمر، وغمرها بأشعَّتهِ الفضيَّة.‏

    عندَ الصباحِ استيقظْت ليلى متأخَّرةً، ونظرتْ إلى أمّها تعاتُبها:‏

    ـ لماذا لم توقظيني باكراً؟‏

    ردَّتِ الأمُّ:‏

    ـ لأنَّ القمرَ قد (زعلَ) منكِ.‏

    عندئذٍ أدركتْ ليلى خطأها، واعتذرتْ من أُمِّها قائلةً:‏

    ـ لن يزعلَ القمرُ مني بعدَ اليوم، لأني سأنامُ باكراً.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  32. #232
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كلما خرجتُ من المدرسةِ في الشتاءِ، أشاهدُ سيَّارةً صغيرةً تنتظرُ تلميذةً صغيرةً مثلي قربَ بابَ المدرسةِ، وما إنْ تصلُ إليها حتى يفتحُ لها السائقُ البابَ، ثم تسيرُ السيَّارة...‏

    أتابِعُها لحظاتٍ بأنظاري، ثم أسيرُ تحتَ المطرِ بجانبِ الجدارِ.‏

    عندما عدْتُ أمسِ من المدرسةِ، كان المطرُ غزيراً، وحينما شاهدتْ أمي شعريَ وثيابيَ المبلَّلةَ، أسرعتْ إليَّ، فقبَّلتني، وضمَّتني إلى صدرها، ثم قادتني إلى جانبِ المدفأةِ، وقالت مبتسمةً:‏

    ـ أولَ الشهرِ. عندما يستلمُ بابا راتِبَهُ، سأطلبُ إليه أن يشتريَ لكِ مظلَّةً صغيرةً..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  33. #233
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    صديقتي سميرةُ. ثوبُها نظيفٌ، لكنَّهُ قديمٌ، يتمزَّقُ دائماً، فتصلحهُ أُمُّها...‏

    في المدرسةِ تقفُ وحدَها حزينةً. لا تضحكُ، ولا تلعبُ، ولا تضعُ في فمها سكَّرةً، وكلَّما شاهدْتُها واقفةً بجانبِ حديقةِ المدرسةِ وحيدةً، أشعرُ بالحزنِ، مع أني مثلُها، ليس لديَّ سكّرةٌ أو قطعةُ كعكٍ، ولكنَّ ثوبي لم يكنْ ممزقاً..‏

    هذا اليوم، قرّرتُ مساعدتها، وعلى الرغم من أنني لا أملكُ شيئاً، فقد تقدَّمتُ منها، وقدَّمت لها ابتسامةً دافئة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  34. #234
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قالَ خالدٌ:‏

    ـ هل تسمحين لي أيَّتها النحلةُ بدخول بيتكِ.‏

    ـ ابتعدْ أيها الطفلُ!..‏

    ـ ولكنِّي أحبُّ أنْ أتعلَّمَ، طريقةَ صُنْعِ العسلِ.‏

    ـ المسألةُ سهلةٌ. أخرجُ في الصباحِ الباكرِ. أطيرُ نحوَ الحقولِ والحدائقِ، أجمعُ رحيقَ الأزهارِ، ثم أُحوِّلُهُ إلى عسلٍ، وأضعُهُ في الخلية.‏

    مدَّ خالدٌ إصبَعَهُ ليذوقَ العسلَ.‏

    ـ آه!... لقد لسعتني نحلةٌ. يدي تؤلمني!!‏

    ضحكتِ النحلةُ وهي تنظرُ إلى يدِ الطفلِ...‏

    حين سحبَ خالدٌ يدَهُ... وقفَ لحظاتٍ يفكّرُ. ثم قالَ:‏

    ـ "أنتِ رائعةٌ أيَّتها النحلةُ. تدافعينَ عن بيتكِ دفاعَ الأبطالِ"!...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  35. #235
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    منتصفَ الشهرِ..‏

    عندما صارَ القمرُ بدراً... قالتْ ليلى:‏

    "ما أصغرَ القمرَ!... إنَّه مثلُ الدائرةِ التي أرسمُها في دفتري... غضبَ القمرُ. وقالَ لليلى:‏

    ـ أنا القمرُ. كبيرٌ... كبيرٌ جداً. ولا يستطيعُ الأطفالُ معرفةَ حجمي!!!...‏

    قالتْ ليلى: "هذا القمرُ متكبِّرٌ!!... إنه بحجمِ رغيفِ الخبزِ...".‏

    لكنَّها في المدرسةِ، عندما كانتْ تُصغي‏

    إلى المعلِّمةِ في درسِ العلوم، وهيَ تشرحُ‏

    "دورةَ القمرِ الشهريةِ"‏

    قالتْ:‏

    ـ كم كنتُ متسرِّعةً!... القمرُ لم يكن متكبِّراً... وإنما أنا التي حكمتُ عليه قبلَ أن أعرِفَ الحقيقةَ جيِّداً.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  36. #236
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حملتُ إبريقَ الماءِ، وبدأتُ أسقي شُجيراتِ الحديقةِ... سقيتُ الياسمينةَ والورداتِ، والداليةَ، وشجرةَ الزيتونِ الصغيرةَ...‏

    ثم شاهدتُ بعض الأعشابِ حولَ شجرةِ الزيتونِ، فقلعتُها، وسقيتُها ثانيةً.‏

    كانتْ أمي تنظرُ إليَّ معجبةً، وعندما أنهيتُ عملي، شكرتني، وسألتني عن سبب عنايتي الزائدة بشجرة الزيتون.‏

    فابتسمتُ وقلت لها:‏

    لأن المعلمةَ قالتْ لنا اليومَ: "إنها شجرةٌ مباركةٌ تحبُّ بلادَ الشامِ"..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  37. #237
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في ساحةِ القريةِ.. اجتمعَ الأطفالُ..‏

    قالوا: سنلعبُ لعبةَ العساكر واللصوص.‏

    فرحوا كثيراً وبدأوا يوزِّعون الأدوراَ..‏

    ـ أحمدُ : ضابطٌ.‏

    ـ حسانُ: شرطيٌّ.‏

    ـ نبيلُ : حارسٌ.‏

    ـ أما خليلُ وحسينُ وبسَّامُ فسيقومون بتمثيلِ دورِ اللصوصِ.‏

    رفضَ الثلاثةُ معاً تمثيلَ دورِ اللصوصِ.‏

    ولم تتمّ اللعبةُ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  38. #238
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قالتْ سلوى:‏

    ـ ألا تحبُّني يا سامرُ؟‏

    ـ أحبُّكِ.. أنتِ أختي.‏

    ـ إذنْ أرجو أنْ تشرحَ لي الدرسَ.‏

    شرحَ سامرٌ الدرسَ، لكنَّ سلوى قالتْ:‏

    ـ ما دمتَ تحبُّني يا سامرُ، أرجو أن تُجيب ليَ عن الأسئلةَ.‏

    ضحكَ سامرٌ كثيراً، ثم اعتذرَ قائلاً:‏

    ـ ومن سيجيب لكِ عن الأسئلةَ، غداً في الامتحانِ؟!....‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  39. #239
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عند المساءِ كانتْ ليلى وحيدةً في المنزلِ..‏

    كتبتْ واجباتِها المدرسيةَ، وجلستْ تنتظرُ عودةَ والديها، لكنَّها خافتْ أن تنامَ، فنهضتْ إلى التلفازِ.‏

    ـ هذا "توم وجيري" لقد كرهتُهُ!‏

    ـ وهذا "السوبرمان" لا أُحبُّه!!‏

    ولكنْ هذا "خالدُ بنُ الوليدِ" يا الله‏

    ما أروعه!!!...‏

    شاهدتْ ليلى أبا عبيدةَ بنَ الجرَّاحِ، أمامَ سورِ البابِ الشرقيِّ لمدينةِ دمشقَ يحاصرُ المدينةَ، وبجانبه خالدُ بنُ الوليدِ، وبقيَّةُ أفراد الجيشِ يقاتلون بشجاعةٍ، وما إن فتحَ بابَ السورِ الكبيرِ، حتى تَنَفَّسَتْ ليلى بعمقٍ وشعرتْ بالسعادةِ، وأغمضتْ عينيها، ولم تنتبهْ إلاَّ على رنينِ الجرسِ المتواصلِ، فنهضتْ مسرعةً، وفتحتِ البابَ، واعتذرتْ من والديها إن كانتْ تأخَّرتْ في فتحِ البابِ.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  40. #240
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مرَّ رجلٌ أحمقُ بعقربٍ فحيَّاها.‏

    ردَّتِ العقربُ التحيةَ، وقالتْ له:‏

    ـ أنتَ رجلٌ عاقلٌ، وتحبُّ الخيرَ. أليسَ كذلك؟‏

    قال الرجلُ الأحمقُ فرحاً:‏

    ـ أجل أنا رجلٌ عاقلٌ جداً، وأحبُّ الخيرَ كثيراً.‏

    ـ إذنْ اقتربْ مني وأخرجْ هذه الشوكةَ من ذنبي.. إنها مؤلمةٌ جدَّاً.‏

    تقدَّمَ الرجلُ الأحمقُ من العقربِ، ومدَّ يده ليخرجَ الشوكةَ، من ذنبها، فلسعته!..‏

    عندئذٍ صرخَ من الألمِ، وقالَ معاتباً:‏

    ـ ماذا فعلتِ أيَّتها الحمقاءُ؟!..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  41. #241
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عاشتِ الصفدعةُ عند سدٍّ، خَلْفَهُ ماءٌ، وفجأةً شاهدتْ ثقباً في السدِّ يتسرَّبُ منه الماءَ، فخافت أن يضيعَ ماءُ السدِّ، لذلك بدأتِ العملَ بهمَّةٍ ونشاطٍ.‏

    مرَّ الصرصور فشاهدَ الضفدعةَ تدحرجُ حصاةً أمامها. فسألها:‏

    ـ ماذا تفعلين أيتها الضفدعةُ؟‏

    أجابتِ الضفدعةُ:‏

    ـ الماءُ يتسرَّبُ من السدِّ، وأنا أعملُ على إيقافهِ.‏

    نظرَ الصرصورُ إلى الماءِ المتدفِّقِ من السدِّ، فقالَ لها:‏

    ـ إنكِ لن تستطيعي سدَّ الثقبَ، ومنعَ الماءَ من التدفُّقِ. إن ذلك يحتاجُ إلى عددٍ كبيرٍ من الضفادع، وأنتِ صغيرةٌ، والثقبُ كبيرٌ... أنصحكِ أن تتركي هذا المكانَ، وترحلي عنه..‏

    قالت الضفدعةُ:‏

    ـ كيف أتركُ هذا المكانَ الذي عشتُ فيه، وكيفَ أعيشُ بلا ماء؟!‏

    فكَّرتِ الضفدعةُ قليلاً، ثم جمعتْ قوَّتها وأخذتْ تدفع الحصاةَ وتدحرجها، وهي تقولُ للصرصور:‏

    ـ انصرف عني.. إلى غنائك ولهوك... ودعني أكملْ عملي، ومهما كان الثقبُ واسعاً... فأنا لن أتأخَّرَ عن القيام بواجبي...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  42. #242
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جاعَ الغرابُ‏

    فسرقَ قطعةَ جبنٍ وطارَ‏

    حطَّ فوقَ شجرة‏

    قالَ: أنا سعيدٌ جدَّاً‏

    هنا سآ كلُ قطعةَ الجبنِ‏

    وأستنشقُ الهواءَ النقيَّ‏

    لكنَّ الغرابَ شاهدَ حديقةً‏

    الحديقةُ في المدرسةِ‏

    قالَ : الطعامُ بين الأزهارِ أشهى وأطيبُ‏

    حطَّ الغرابُ في الحديقةِ‏

    وفي منقاره قطعةُ الجبنِ‏

    في المدرسةِ تعالتْ أصواتُ الأطفالِ بالغناءِ.‏

    أنصتَ الغراب إلى اللحنِ الجميلِ والكلماتِ العذبةِ.‏

    أعجبَهُ اللحنُ، فقال:‏

    هؤلاءِ الأطفالُ سعداءُ جدَّاً‏

    طَرِبَ الغرابُ لأصواتهم، فرقصَ،‏

    وأحبَّ غناءَهم فغنَّى‏

    وقد نسيَ قطعةَ الجبنِ التي تدحرجتِ بين العشبِ‏

    وظلَّ يرقصُ، ويغنّي‏

    حتى قرعَ الجرسُ‏

    واندفعَ الأطفالُ إلى الباحةِ يلعبون‏

    فطارَ الغرابُ سعيداً‏

    ونسيَ أنَّهُ جائع...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  43. #243
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    نقرَ العصفورُ ثلاثَ نقراتٍ على زجاجِ شبَّاكِ ليلى:‏

    ـ استيقظي يا صديقتي.الشمسُ مشرقةٌ، والساعةُ تجاوزتِ الثامنةَ، لقد تأخَّرتِ عن المدرسةِ..‏

    ضحكتْ ليلى، وأيقظتْ أختَّها سميرةَ، وقالتْ لها:‏

    ـ اسمعي، اسمعي يا سميرةُ، يبدو أن مدارسَ العصافيرِ لا تعطِّلُ في فصلِ الصيفِ!...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  44. #244
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كانت العصفورةُ تُغرّدُ على سورِ المدرسةِ، فأحبَّتْ أن تتعلَّمَ مثلَ التلميذاتِ الصغيراتِ.‏

    تقدَّمتْ نحوَ المديرةِ مستأذنةً:‏

    ـ يا آنسةَ: هل تسمحينَ لي بأن أكونَ تلميذةً ، أتعلَّمُ مع البناتِ الجميلات؟‏

    قالتْ المديرةُ:‏

    ـ التلميذةُ يجب أن تلبسَ (صدّارةً)، وتضعَ شريطةً على شعرها، وتُحضَر حقيبةً فيها دفترٌ وقلمٌ...‏

    حزنتِ العصفورةُ، وعادتْ إلى السورِ، فشاهدَها الصيّاد، فسألها:‏

    ـ لماذا تقفينِ على سورِ المدرسةِ؟‏

    ـ أريدُ أن أتعلمَ القراءةَ والكتابة.‏

    ـ ولكنكِ عصفورةٌ تجيدين الزقزقةَ والطيرانَ.‏

    قالتِ العصفورةُ:‏

    ـ أريدُ أن أكتبَ اسميَ على العشِّ، والأشجارِ، والأزهارِ، والسهولِ، والمروجِ، والسماءِ الجميلةِ، والأوديةِ والجبالِ...‏

    ضحكَ الصيَّادُ، وقال:‏

    ـ إذن، اقتربي. سأكونُ معلّمَكِ، وتصيرين تلميذتي.‏

    اقتربتِ العصفورةُ من الصيَّاد. فشاهدتِ (الحقيبةَ) الملأى بالعصافير، فطارتْ هاربةً.‏

    نادى الصيّاد بأعلى صوتهِ:‏

    ـ لماذا تطيرين؟... ألم تقولي إنك ستتعلَّمين القراءةَ والكتابة؟!‏

    ضحكتِ العصفورةُ، وهي تصفُّقُ بجناحيها، وتقولُ:‏

    ـ ظننتُ في حقيبتكَ العلمَ والنورَ، فهربت عندما شاهدت الريشَ، والدم المنثور.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  45. #245
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    بالأمسِ تساقطُ الثلجُ الجميلُ، فغطَّى الأرضَ والأشجارَ والسطوحَ؛ واليومَ سطعتِ الشمسُ الدافئةُ.‏

    نظرتُ من الشرفةِ، فأعجبني المنظرُ البديعُ.‏

    قلتُ لنفسي: سأصعدُ إلى السطحِ، لأتمتَّعَ بجمال الطبيعةِ الخلاَّب... ولكني تذكَّرتُ البلبلَ الصامتَ الذي لم يغرّدْ منذ يومين. لعلّه يحسُّ بالبردِ.لذلك حملتُ القفصَ، وصعدتُ إلى السطحِ، ووضعتُهُ قريباً مني، تحتَ أشعَّةِ الشمسِ الدَّافئةِ، فنفشَ البلبلُ ريشَهُ، وقفزَ، وغرَّد قليلاً ثم صمت.‏

    ‏

    وبينما كنتُ أرسلُ نظري إلى الأفقِ البعيدِ، أتمتّع بمنظرِ البساطِ الناصعِ البياضِ الذي يكسو الأرضَ، سمعتُ زقزقةً صاخبةً، وشاهدتُ عصفوراً كان يقف على حافَّةِ المدخنة.‏

    قلت لنفسي: لعلَّ العصفورَ يحسّ الآن بالبرد، ويريدُ أن يأوي إلى مكانٍ دافئٍ.‏

    وفي الحالِ، اقتربتُ من القفصِ، وفتحتُ البابَ، ثم ابتعدتُ عنه، لعلَّ العصفورَ الغريبَ يستأنسُ بالبلبلِ فيأتي إليهِ، ويدخلُ القفصَ.‏

    غرَّدَ البلبلُ، فردَّ العصفورُ بزقزقةِ عذبةً... فرحتُ كثيراً، وحسبتُ أنهما يتبادلان الحديثَ، وأن العصفورَ لابدَّ أن يأتيَ إلى القفصِ ليأكلَ الحبَّ ويشربَ الماءَ، ويشاركَ البلبلَ في مسكنهِ الدافئ... ولكنْ ياللعجب!!! كم كانت دهشتي كبيرةً حين شاهدتُ البلبلَ يخرجُ من القفصِ ويطيرُ إلى المدخنةِ، حيث يقفُ العصفورُ.‏

    ويرسلُ الاثنان ألحاناً عذبةً رائعةً، ثم يطيرانَ معاً، ويحلّقان في السماءِ الصافيةِ الزرقاءِ...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  46. #246
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حطَّت العصفورةُ على الشبَّاكِ، وأرسلتْ ألحانها العذبةَ...‏

    رفعتْ (ليلى) رأسها عن السريرِ، وعركتْ عينيها، ثم سألتها:‏

    ـ لماذا تأتينَ كلَّ صباحٍ، وتزقزقينَ قربَ سريري؟‏

    ـ لأقولَ لكِ : "صباحُ الخيرِ"..‏

    عندما طارت العصفورةُ، فكَّرتْ ليلى: "ـ ألا يجب أن أردَّ على تحيَّتها؟"..‏

    قبل أن تنامَ. وضعتْ ليلى بضعَ حبَّاتٍ من القمحِ على حافَّةِ الشبَّاكِ.‏

    عند الصباح. غَرَّدَتِ العصفورةُ كثيراً، ففرحتْ ليلى، ولم تنسَ عند المساءِ أن تضعَ حبَّاتِ القمحِ.‏

    في الصباح الثاني. استيقظتْ ليلى على أصواتِ عصافيرَ كثيرةٍ، فهتفتْ بفرحٍ:‏

    ـ يا إلهي.. ما أسعدني... لقد صارَ عندي سربُ عصافير!‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  47. #247
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    فتحتِ القطَّةُ بابَ القفصِ، وقالتْ للعصفور:‏

    ـ اخرجْ بسرعةٍ!!‏

    بدأ العصفورُ يخرجُ، وعندما صارَ بباب القفصِ، وفتحَ جناحيهِ ليطيرَ انقضَّتْ عليه القطَّةُ، لكنها لم تستطعْ اصطيادَه!!‏

    عادَ العصفورُ إلى داخل القفصِ، وهو يرتجفُ من الخوف.‏

    قالتِ القطَّةُ:‏

    ـ سأفتحُ بابَ القفصِ مرةً ثانيةً. هيَّا. اخرجْ إلى الحرية.‏

    قال العصفورُ معتذراً:‏

    ـ الحريَّةُ شيءٌ لا يقدَّرُ بثمنٍ، لكنَّ القفصَ أحبُّ إليَّ الآنَ من أنيابكِ، وعندما يأتي الطفل المخلّص، ويفتحُ لي بابَ القفصِ، لن أتأخَّرَ لحظةً واحدةً عن الخروجِ إلى الشمسِ والهواءِ والعالمِ الجميلِ...
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  48. #248
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قالَ القطُّ للعصفورة:‏

    ـ ساعديني على فتحِ بابِ القفصِ لأنامَ عِندَكِ.‏

    تساءلت العصفورةُ:‏

    ـ لماذا تنامُ عندي؟‏

    ـ لأحكيَ لكِ الحكاياتِ المسليَّةَ.‏

    ـ ولكني لا أحبُّ الحكاياتِ. أنا أحبُّ الغناءَ.‏

    قالَ القطُّ:‏

    ـ صوتي عذبٌ. هيَّا افتحي ـ معي ـ بابَ القفصِ.‏

    قالتْ:‏

    ـ أسمعْني غناءَكَ أولاً.‏

    عندما بدأ القطُّ يغنّي "مياو... مياو" شاهدتِ العصفورةُ أنيابَهُ، فأسرعتْ بإغلاقِ بابِ القفصِ جيِّداً.‏

    ـ لماذا أحكمتِ إغلاقِ البابِ.؟.... هل خفتِ منّي؟!..‏

    قالتِ العصفورةُ:‏

    ـ السجنُ بين قضبانِ القفصِ، خيرٌ لي من الموتِ بين أنيابِ قطٍّ مفترسٍ!!‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  49. #249
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قطتَّانِ كانتا تلعبانِ فوقَ سطحٍ من الصفيحِ، كان الثلجُ يُغطي كل شيءٍ، لكنَّ الشمسَ ساطعةُ. توقفتِ القطَّةُ الأولى عن اللعبِ،وقالتْ لأختها:‏

    ـ مياو.. مياو... الشمسُ دافئةٌ.‏

    قالتِ الثانيةُ:‏

    ـ مياو.. مياو... هيَّا نلعبْ ونقفزْ فوقَ الثلجِ..‏

    قفزتِ القطَّةُ الثانيةُ عدَّةَ مرَّاتٍ. لكنَّها رأتْ أختَها واقفةً، فسألتها:‏

    ـ لماذا لا تلعبينَ وتقفزين؟!‏

    ردَّتِ الثانيةُ:‏

    ـ أنصتي قليلاً، واسمعي.‏

    ـ ماذا أسمعُ؟!..‏

    ـ البيتُ الذي نلعبُ فوقَهُ، فيهِ طفلٌ مريضٌ، ولعلَّهُ بحاجةٍ إلى الهدوءِ والرَّاحةِ...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  50. #250
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي


    جلستْ ليلى تكتبُ واجباتِها الليليةَ...‏

    كلُّ شيءٍ هادئٌ في البيتِ...‏

    التلفازُ مغلقٌ...‏

    المذياعُ صامتٌ...‏

    الأمُّ تنسجُ (كنزةَ) الصوفِ...‏

    فتحتْ ليلى الكتابَ... أمسكتْ بالقلمِ، وبدأتِ الكتابةَ في الدفترِ..‏

    جاءت قطَّتُها (شامة) وجلست فوقَ الكتاب.‏

    همستْ ليلى:‏

    ـ ابتعدي يا شامة. ألا تَرَيْنَ أنني أكتبُ واجباتي؟!‏

    لم تبتعدْ شامةُ... فأبعدَتْها برفقٍ، ثم بدأتْ تكتبُ...‏

    سمعتْ ليلى، صوتَ حركةٍ بجانبِها... التفتتْْ... فشاهدتْ شامةَ تلعبُ بأدواتِ الهندسةِ...‏

    ـ اهدئيِ يا شامة!..‏

    لكنَّ شامةَ لم تهدأ!...‏

    عندئذٍ أمسكتْ ليلى بها برفقٍ ثم قَرَّبَتها منها، وهمستْ في أذنها: أرجوكِ يا صديقتي أن تهدئي قليلاً ليس من أجْلي هذه المرَّةَ، وإنما من أجلِ أبي الذي عادَ من عملهِ متعباً، وهو نائمٌ الآن.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 3456 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •