النتائج 1 إلى 50 من 289

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    يُحكى أن بنتاً صغيرةً كانتْ تعملُ في بيتِ القاضي، تنظِّفُ الأرضَ وتطهو الطعامَ، وعندما انتهتْ ذاتَ يومٍ من عملها أعطاها القاضي ليرةً، ومع أن الأجرَ كان قليلاً، فقد أخذتْها وانصرفتْ.‏

    في المنزلِ، قالتْ البنتُ لأُمِّها:‏

    ـ القاضي أعطاني ليرةً.‏

    قالتِ الأمُّ:‏

    ـ تستحقينَ أكثرَ من ذلك.‏

    قالتِ البنتُ:‏

    ـ ولكنِّي ذهبتُ إلى الدكانِ واشتريتُ دبساً.‏

    ـ حسناً فعلتِ.‏

    ـ وقد وضعتُ إناءَ الدبسِ في الشبَّاكِ.‏

    ـ بنتٌ مدبرةٌ.‏

    ـ وقد غطيّتُ الدبسَ بالغربالِ حتى لا تأكلُهُ الذبابةُ.‏

    ـ خيراً صنعتِ.‏

    نامتِ البنتُ تلك الليلةَ نوماً هنيئاً، وفي الصباحِ نهضتْ وغسلتْ وجهَهَا ويدها، وجلستْ جانبَ الجدارِ تستمتعُ بأشعَّةِ الشمسِ. لكنَّها بعد ساعةٍ أحسّتْ بالجوعِ. فنادتْ أُمَّها وقالتْ:‏

    ـ أنا جائعةٌ يا أُمي. سأحضرُ الخبزَ والدبسَ لنتناولَ الفطورَ.‏

    مضتِ البنتُ إلى الشبَّاكِ، ورفعتْ الغربالَ عن الوعاءِ فوجدتِ الذبابةَ قد دخلتْ من ثقب الغربالِ، وأكلتِ الدبسَ.‏

    فحزنتْ وقالتْ لأُمها:‏

    ـ الذبابةُ أكلتِ الدبسَ!..‏

    قالت الأمُّ:‏

    ـ ظالمةٌ معتديةٌ.‏

    ـ سأذهبُ وأشكوها إلى القاضي.‏

    ـ حقَّكِ تطلبين.‏

    وانطلقتِ البنتُ إلى المحكمةِ وقالتْ للقاضي:‏

    ـ أنتَ تعلمُ أنني بنتٌ صغيرةٌ.‏

    قالَ القاضي:‏

    ـ ستكبرين.‏

    ـ وأسكنُ مع أُمي بيتاً من طينٍ.‏

    ـ أنتِ وأُمكِ بالقليلِ تقنعينِ.‏

    ـ واشتريتُ بليرةٍ دبساً للفطورِ...‏

    ـ حلواً تأكلين.‏

    ـ ثم وضعتُهُ في إناءٍ ووضعتُ الإناءَ في الشباك وغطيتُهُ بالغربالِ.‏

    ـ نِعْمَ ما تدبّرينِ.‏

    ـ في الصباحِ أحسستُ بالجوعِ.‏

    ـ دبساً تُحضرين.‏

    ـ لكنني وجدتُ الذبابةَ قد التهمتِ الدبسَ.‏

    ـ معتديةٌ وظالمةٌ تأكلُ حقَّ الآخرين.‏

    ـ لذلكِ جئتُ أطلبُ إنزالَ العقابَ بالذباب.‏

    فكَّرَ القاضي طويلاً... إنها مسألةٌ صعبةٌ... ثم أمسك القلمَ وأخذ ينظرُ في الأوراقِ، وبعد فترةٍ من التفكيرِ قالَ:‏

    ـ يا بنتُ يا صغيرةُ.‏

    ـ أجلْ يا قاضيَ البلدِ.‏

    ـ إنْ رأيتِ ذبابةً فاقتليها.‏

    انزعجتِ البنتُ من هذا الحكمِ الذي لا يؤذي الذبابةَ ولا يُرجع لها الحلاوةَ، فظلّتْ واقفةً أمامَ القاضي. تنظرُ إلى ملامحهِ الجادَّةِ الجامدةِ، فرأتْ ذبابةً تحطُّ على أَنفهِ من دون أن يتحرَّك... عندئذٍ قرَّرتْ تنفيذَ الحكمِ في الحالِ، فأمسكتْ منديلها وضربتْ به الذبابة. فانتفضَ القاضي مذعوراً، ونَهَرَها قائلاً:‏

    ـ ماذا فعلتِ يا بنتُ يا صغيرة؟!‏

    فردَّتْ مبتسمةً:‏

    ـ نفذتُ حكمَكَ، وقتلتُ الذبابةَ الحقيرةَ!...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جلسَ سيِّدُ الغابةِ في عرينه حزيناً، وأَخَذَ يفكِّرُ في أمرهِ، فقد شعرَ أن قوتَهُ لم تعدْ تساعدُه على الخروجِ والبحثِ عن صيدٍ سمينٍ يأكلُهُ، بعد أن صارَ كبيراً طاعناً في السنِّ.فكَّرَ ملياً في أمره. وخافَ أن تعلم حيواناتُ الغابةِ بذلك، فيفقد سيطرته عليها، لذلك قرَّرَ استدعاءَ الذئبِ لمشاورتِهِ وأخْذِ رأيِهِ في الموضوعِ.‏

    قَدِمَ الذئبُ إلى عرينِ الأسدِ، وجلس بين يديه، فلمحَ علاماتِ الأسى والحزنِ ترتسمُ على وجههِ الشاحبِ، فقال:‏

    ـ مالي أرى سيِّدَ الغابةِ واجماً حزيناً؟‏

    ـ قال الأسد:‏

    ـ اسمعْ أيها الذئبُ. لقد أرسلتُ إليك لأتشاورَ معك في أمر مهمٍّ... لقد أصبحتْ حالتي لا تساعدني على المضيِّ في حُكْمِ الغابة. إنني أشعرُ بالعجز يدبُّ في جسمي.. وأُحبُّ أن أستمعَ إلى نصيحتكِ. فماذا تقولُ؟‏

    فكَّرَ الذئبُ قليلاً ثم قال في سرِّه:‏

    ـ "إنها فرصةٌ ذهبيةٌ ونادرةٌ كي أصبحَ سيِّدَ الغابةِ الحقيقيّ، وأتخلّصَ من جميعِ الحيواناتِ التي لا تحبّني...".‏

    ثم نظرَ إلى سيِّد الغابةِ وقالَ:‏

    ـ لقد كنتَ يا سيّدِي خلالَ مدّةِ حُكمِكَ مثالَ الحاكمِ العادل، ويجبُ أن تستمرَ في بسطِ سيطرتكِ على الغابةِ كلها، ولكني أخشى أن تعلمَ حيواناتُ الغابةِ حقيقةَ الأمرِ. فما عليكَ إلاَ كتمانَ الموضوعِ.‏

    ارتعدَ الأسدُ لحظةً ثم تماسكَ وقالَ:‏

    ـ أهذا هو رأيُكَ؟‏

    قالَ الذئبُ:‏

    ـ سأكون ساعدَكَ الأَيمنَِ، وسأتدبّرُ كلَّ شيءٍ بنفسي.‏

    ـ وماذا عن الطعامِ أيها الذئبُ؟‏

    ـ سأدعو كل يومٍ أحدَ الحيواناتِ إليكَ، فيدخلُ عرينَكَ وعندئذٍ تجعلُه وجبةَ غداءٍ لك.‏

    ـ حسناً.‏

    أقامَ سيِّدُ الغابةِ في عرينِهِ، وانتظرَ نصيبَهُ من الطعامِ، بينما انطلقَ الذئبُ إلى الغابةِ يبحثُ عن حيواناتِها...‏

    فشاهدَ ابن آوى. فقال له:‏

    ـ إن سيِّدَ الغابة بحاجةٍ إلى مساعدٍ له وقد اختارَكَ لذلك.. فامضِ إليه في الحال.‏

    ذهبَ ابنُ آوى إلى الأسدِ في عرينهِ، ودخلَ عليهِ... ولكنه لم يخرجْ بعد ذلك أبداً.‏

    في اليوم الثاني ذهبَ الذئبُ إلى الأرنب، وقال لها:‏

    ـ إن سيِّدَ الغابة بحاجةٍ إلى طاهيةٍ ماهرةٍ، وقد وقعَ اختيارُهُ عليكِ كي تقومي بهذا العملِ. فاذهبي إليه مسرعةً!...‏

    ذهبتِ الأرنبُ إلى العرين وقد فرحتْ كثيراً، وعندما دخلتْ، سلَّمتْ عليه، ولكنها لم تكن تعلم أنها لن تخرجُ أبداً.‏

    وهكذا كان الذئبُ يمضي إلى الحيواناتِ واحداً بعد آخرَ...‏

    ذهب إلى الغزال، وحمار الوحش، والسنجاب وغيره... الجميعُ دخلوا العرين ولم يخرجْ منهم أحدٌ أبداً.‏

    ذاتَ يومٍ التقى الذئبُ بالثعلب فحيّاه قائلاً:‏

    ـ طابَ يومُكَ يا أبا الحصين...‏

    ردَّ الثعلبُ التحيَّةَ، فقال الذئبُ:‏

    ـ إن سيِّدَ الغابةِ بحاجةٍ ماسَّةٍ إليك، وهو يدعوك كي تقفَ إلى جانبِهِ، وتديرَ معه شؤونَ الغابةِ، وقد طلبَ إليَّ أن أرشدَهُ إلى واحدٍ عاقلٍ، فلم أجدْ بين حيواناتِ الغابةِ أعقلَ منك، وأذكى... فاذهبْ إليه مسرعاً.‏

    انطلقَ الثعلبُ باتجاهِ العرينِ، وعندما صار قريباً منه، توقّف لحظةً ونظر بعينيه نظرةً ثاقبةً فيما حولـه.. ثم عادَ راجعاً، وقبل أن يبتعدَ عن مدخلِ العرينِ سمعَ صوتَ الأسدِ مزمجراً يقول:‏

    ـ مابك أيها الثعلبُ.. هيَّا.. ادخلْ.‏

    ضحكَ الثعلبُ بمكرٍ وقال:‏

    ـ شكراً لهذهِ الدعوةِ.‏

    قال الأسدُ:‏

    ـ ولماذا لا تدخلُ؟!‏

    ـ لأني عَرَفْتُ أن الذي يدخلُ العرينَ، لا يخرجُ حياً أبداً.‏

    ـ ومن أخبرَكَ بذلك؟!‏

    ـ أخبرتني تلك العظامُ المرميَّةُ قربَ العرينِ.‏

    توقَّفَ الثعلبُ قليلاً وأخذَ يفكّرُ... لقد صمَّمَ على الانتقام من الذئبِ، فقال مخاطباً الأسد:‏

    ـ لماذا لا تخرجُ من عرينكِ وتكسبَ طعامكَ بنفسكِ؟‏

    ردَّ الأسدُ:‏

    ـ لقد أصبحتُ طاعناً في السنِ.‏

    ضحَك الثعلبُ بخبثٍ، ثم قال:‏

    ـ إن الأطباء قد اكتشفوا علاجاً يعيدُ الشبابَ إلى الشيخوخة. سأنصحُكَ به.‏

    ـ ماهو. قلْ. تكلمْ.‏

    ـ عليك أن تشق صدرَ ذئبٍ، وتنزعَ منه القلبَ، وتأكلَه.‏

    ـ حسناً.‏

    وأنا سأتدبّر موضوعَ الذئب.‏

    وبسرعةٍ انطلقَ الثعلبُ إلى الذئبِ وبادره قائلاً:‏

    ـ سيِّدَ الغابةِ يطلبك لأمرٍ هامٍّ. فأسرعْ إليه ولا تتمهلْ.‏

    ذهبَ الذئبُ، ودخلَ العرين.لم يكن يدري أنه لن يخرج حياً أبداً.‏

    في تلك الأثناءِ كان الثعلبُ يقفُ بعيداً ويرى بعينيه مصيرَ الذئبِ...ثم يضحكُ كثيراً.‏

    وقال لنفسه:‏

    "مسكينٌ الذئبُ. كان يظنُّ نفسَه ذكياً. ولكنه نسيَ أن من حفر حفرةً لأخيهِ وقع فيها.....".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كنا أربعةً...‏

    خرْجنا يومَ العطلةِ لقضاءِ بعضِ الوقتِ في البَرِّيَّةِ، فاخترْنا أحدَ المروجِ الخضرِ، قربَ الحقولِ.؟‏

    تمتَّعْنا بمناظرِ الطبيعةِ الخلاَّبةِ. حيثُ الجمالُ والهدوءُ الذي يُزَيِّنُهُ صوتُ عصفورٍ مُغرِّدٍ، وصوتُ فلاَّحٍ يُغَنِّي،وصوتُ راعٍ ينادي أغنامَهُ، وحفيفُ أشجارٍ تداعبُها نسماتُ الهواءِ...‏

    أعجبْتنا ألوانُ الفراشاتِ الزاهيةِ تحتَ أشعَّةِ الشمسِ، ترفرفُ بأجنحتها حولَ الأزهارِ...‏

    شَعْرَنا بالسعادة..!...‏

    نهضْنا نلعبُ...ركضْنا فوقَ العشبِ الطريِّ... تسابقْنا حتى أحسسنا بالتعبِ، فجلسنا نستريحُ، وقد تعالتْ أنفاسنا، والتمعتْ حُبَيْبَاتُ العرقِ على جباهنا...‏

    بعد فترةٍ قلتُ:‏

    ـ جُعْنا...‏

    نهضنا نجهِّزُ الطعامَ...‏

    أنا جمعتُ الحطبَ...‏

    سعيدٌ وضعَ الطعامَ في الصحونِ، وأحضرَ الخبزَ.‏

    عمادٌ غسلَ الملاعقَ...‏

    وأحمدُ أشعلَ النارَ، ووضعَ عليها إبريق الشايِّ...‏

    أكلنا بنهمٍ حتى شبعنا... شربنا الشايَّ...‏

    ‏

    سمعْنا أصواتَ أغنامٍ... وأنغامَ مزمارٍ....‏

    نهضْنا إلى الراعي ما عدا أحمدَ.‏

    قَدَّمْنا إلى الراعي كأساً من الشايِّ...‏

    سألناه عن الغنمِ، فأُعجبْنَا بحديثهِ. علمْنا منه أنَّ صوتَ الغنمِ يسمى (ثُغاءً) والذكَرُ (كبْشٌ) والأُنثى (نعجةٌ) والصغيرُ (خروفٌ) و(حَمَلٌ)، والذكرُ له قرنان، والأُنثى تَلِدُ، وتُنْتِجُ الحليبَ، وجِلْدُ الغنمِ يكسوه (صوفٌ) تُصنَعُ منه البسطُ والسجِّادُ والفرشُ، وتُنسَجُ منه الثيابُ التي نَلْبَسُها في الشتاءِ. أما الحليبُ فيُصنَعُ منه الجبنُ ويُستَخْرَجُ منه السمنُ...‏

    أُعْجِبْنا كثيراً بما قالهُ الرَّاعي، ثم ودَّعناهُ شاكرين.‏

    عُدْنا إلى مكاننا. شاهدْنا أحمدَ يُطْفِئُ النارَ... فأُعجبْتُ به، وقلتُ:‏

    ـ أحسنتَ يا أحمدُ... إن شرارةً من النارِ قد تُشعِلُ حريقاً.‏

    جلسنا نأكلُ الفاكهةَ.‏

    تَلَوَّثَتْ يدُ سعيدٍ بعصيرِ البرتقالةِ...‏

    غَسَلْنا أيدينا. لكنَّ سعيداً ظلَّ جالساً...‏

    جاءتْ ذبابةٌ. حامتْ حولَ أصابِعهِ. ضربَها فهربَتْ. لكنَّها ما لبثتْ أن عادتْ تُحاولُ أن تحطَّ على يدهِ...‏

    يضربُها فتطيرُ، وتهربُ، ثم تعودُ...‏

    اتجهتْ أنظارُنا إليهِ... ضحكْنا ونحن نرى الذبابةَ، ونعجبُ من إلحاحها الشديدِ للوصولِ إلى أصابعِ سعيدٍ... فجأةً أمسكَ أحمدُ إبريقَ الماءِ، وصبَّهُ على يديِّ سعيد، فضحكنا جميعاً، ولم نشاهدِ الذبابةَ بعدَ ذلك.‏

    حان موعدُ العودةِ، شاهدنا أحمدَ يجمعُ الفضلاتِ، ويَضَعُها في كيسٍ. يربُطُهُ ويحُكمُ إغلاقهُ.‏

    حملْنا أمتعتَنا، وسِرْنا عائدين..‏

    ما إنْ قطعْنا مسافةً قصيرةً حتى صِرنا قربَ منزلٍ ريفيٍّ...‏

    سمعْنا أحمدَ يقولُ:‏

    ـ انتظروني دقيقةً.‏

    وركضَ عائداً إلى المكان الذي كُنَّا فيه، ثم شاهدْناه يعودُ راكضاً يحملُ كيسَ الفضلاتِ، ويضعهُ في حاويةِ القمامةِ...‏

    تأمَّلْناهُ جميعاً... وقد كَبُرَ في عيوننا...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في وَكْرَينِ متجاورين عاشتْ أُسرتا قردٍ وغزال.‏

    اتَّفَقَ القردُ والغزالُ ذاتَ يومٍ على الذهابِ إلى الصيدِ معاً، وتركا ولديهما في وكريهما.‏

    ما إنْ قطعا مسافةً قصيرةً حتى اصطادا طائرَ حجلٍ.‏

    قالَ الغزال: سأعودُ لتقديمِ الطائرِ إلى صغيري الجائعِ.‏

    قالَ القردُ: صغيري أحقُّ به، وهو جائعٌ أيضاً.‏

    اختلف القردُ والغزالُ، وقرَّرا الاحتكامَ إلى الثعلبِ.‏

    عندما صارا أمام الثعلبِ قال:‏

    ـ أعطني الطائرَ أيُّها القردُ، وسأوصله إلى الصغيرِ الأجملِ.‏

    لكنَّ الغزالَ يعلم أن الثعلبَ ماكرٌ، لذلكَ قالَ للقرد:‏

    ـ أنا قَبلتُ بالحُكْمِ، ولكنْ لا تسلِّمْهُ للثعلبِ. خذهُ ـ أنتَ ـ أيُّها القردُ إلى أجمل الصغيرينْ..‏

    ذهبَ القردُ إلى وَكْرِ الغزالِ، فنظرَ إليهِ، ثم دخلَ وَكْرَهُ، وقدَّمَ الطائرَ إلى قردهِ الصغيرِ...‏

    وعادَ مسرعاً إلى الغزالِ...‏

    ـ هل قدَّمتَ الطائرَ للأجملِ؟‏

    ـ أجلْ يا جاري، قدَّمْتُهُ إلى قردي الصغير، لأني رأيتهُ أجملَ من كلِ صغارِ الحيواناتِ..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    الفتاة ـ‏

    جلستْ (ذُكاءُ) على مقعدٍ خشبيٍّ في حديقةِ المنزلِ، وبدأَتْ تقرأُ القِصَّةَ التي استعارتْها من مكتبةِ المدرسةِ.‏

    كانتْ أشعَّةُ شمسِ الربيعِ مشرقةً تبعثُ الدفءَ في الأوصالِ.‏

    وكانتِ القصَّةُ شائقةً جذَّابةً تُدخِلُ المتعةَ إلى النفسِ، وكانتْ بين حينٍ وآخرَ، تمرُّ بها نحلةٌ، فتسمع ذكاءُصوتَ رفيفِ أجنحتِها، فتنظرُ إليها لحظةً ثم تعودُ لمتابعةِ القراءةِ.‏

    مرَّتْ بِذُكاءَ لحظاتٌ ممتعةٌ، وهي في هذا الجوِّ الشاعريِّ الجميلِ، وبهدوءٍ تسلَّلتْ قِطْتُها شامةَ، فاقتربتْ منها، ورَقَدَتْ قربَ قدميها من دون أن تشعر بها.‏

    ـ القطة ـ‏

    بعدَ أن جلستِ القطَّةُ شامةُ عند قدميِّ ذُكاءَ تلتمسُ الدفءَ من أشعَّةِ الشمسِ الذهبيةِ، سمعتْ أزيزاً مزعجاً يقتربُ منها، ثم ازدادَ الصوتُ قوةًوزز... وزز...). نظرتْ شامةُ إلى مصدرِ الصوتِ، فشاهدتْ حشرةً غريبةً تحومُ حولَها...‏

    "آخ... خ!! إنها لسعةٌ مؤلمةٌ!! ذيلي يؤلمني!!...‏

    سحبتْ شامةُ ذيلَها، فعادَ الصوتُ المزعجُ يحومُ حولَها من جديدٍ... (وزز...)!!!..‏

    قفزتْ شامةُ في الهواءِ. لاحقتْها النحلةُ بأزيزِها المزعجِ. نظرتْ إلى ذُكاءَ تستنجدُ بها. لكنَّ ذكاءَ كانت منهمكةً في قراءةِ قصَّتِها...‏

    قفزتْ شامةٌ من جديدٍ في الهواءِ... ثم توقّفتْ تنظرُ، وتُرهفُ السمعَ...‏

    لم ترَ شيئاً، ولم تسمعْ صوتاً... تساءلتْ في نفسها: "ما هذه الحشرةُ الغريبةُ؟!... لابدَّ أنها من أعداءِ القِططةِ!... لو كانتْ فأرةً لَعَرَفْتُ كيفَ أُلقِّنُها درساً حاسماً في العراكِ والقتالِ، ولكنَّ هذه الحشرةَ تختلفُ عن جنسِ الفئرانِ كثيراً!... الفأرةُ تركضُ على الأرضِ، وهذه تطيرُ في الهواءِ... الفأرةُ لها ذيلٌ، وهذه لها جناحانِ...‏

    الفأرةُ تخافُ من القطِّ، وهذه تهاجمُهُ!... الفأرةُ تهربُ عندما يقتربُ منها القطَّ، وهذه تلحقُ به، وتعضُّ ذيلَهُ!!!....".‏

    " و.زز...!!". عاودَ العدوُّ الهجومَ! " وززز...!!".‏

    اقتربتِ الحشرةُ ثانيةً من الذيلِ... ابتعدتْ شامةُ. قفزتْ هاربةً. استلقتْ على الأرضِ. " وززز...!!".‏

    الحشرةُ تقتربُ من الذيل... تلسعُ!! "آخ ـ خ ـ خ!!!!". "ذيلي يؤلمني..".‏

    ‏

    ـ الذبابة ـ‏

    طارتِ الذبابةُ بعدما دَبَّ الدفءُ في جناحيها، وبدأتْ تبحثُ عن طعامٍ.. شمَّتْ رائحةً محبَّبَةً، فاتجهتْ نحوها.....‏

    شاهدتِ القطَّةَ شامَة... شمَّتْ رائحةَ (سمنٍ)... اقتربتْ منها... "ذيلُها مبلَّلٌ بالسمن...." "وززز...!!!"..‏

    حطَّتِ الذبابةُ على ذيلِ شامة، وأرسلتْ إبرتَها تمتصُّ السمنَ الشهيَّ بِلذَّةٍ**!!...‏

    ـ آخ.. خ.. خ!!!! لسعةٌ أخرى!!! يا لشدِّةِ الألمِ.....‏

    انطلقتْ هاربةً!!!...‏

    كانتِ الذبابةُ من النوعِ الأسودِ الكبيرِ الحجمِ، وقد عُرِفَتْ بإلحاحها الشديدِ، فلاحقتِ القطَّةَ، وقرَّرَتْ أن تَشبعَ مِنَ السمنِ اللذيذِ... "وزززز...!!!". وامتصتِ السمنَ بشهيةٍ.... فقفزتِ القطَّةُ...‏

    ـ ذيلي يؤلمني كثيراً!!!...‏

    ‏

    ـ الفتاة ـ‏

    انتبهتْ ذُكاءُ، فتوقَّفتْ عن قراءةِ القصَّةِ، ونظرتْ إلى شامة، فشاهدتِ الذبابة السوداءَ الكبيرةَ تُلاحقُها... عندئذٍ أسرعتْ إلى الداخل، وأحضرتْ (مضربَ الذبابِ)، ذا الثقوبِ المتعدِّدَةِ، وضربتِ الذبابةَ، فأصابتَها، وأوقعتْها على الأرضِ صريعةً!...‏

    قالت ذُكاءُ:‏

    ـ هذا جزاءُ الشرِّيرِ المعتدي!‏

    ثم عادتْ إلى مكانها على المقعدِ الخشبيِّ، وأخذتْ تُفَكِّرُ:‏

    ـ لماذا تُطاردُ الذبابةُ شامةَ؟!...‏

    ـ لماذا كانت تحومُ حولَ ذيلها؟!...‏

    ـ هل في الأمرِ سرٌّ؟!..‏

    وبَرَقَتْ في ذهنِ ذُكاءَ فِكْرَةٌ!... تذكرتِ المعلِّمةَ التي قالتْ في درسِ العلومِ: إن الذباب لا يقع إلاَّ على بقايا الطعامِ أو الموادِّ الفاسدةِ. و.....‏

    نهضتْ في الحالِ. فأمسكتْ شامةَ، ونظرتْ إلى ذيلها فوجدتُهُ مُبَلَّلاً بالسمنِ...!..‏

    دخلتِ المطبخَ ومعها شامةُ... شاهدتْ وِعاءَ السمنِ على الأرضِ... فهمتْ كلَّ شيءٍ!... أمسكتْ بأُذُنِ القطَّةَ وشدَّتْها، قائلةً:‏

    ـ أيتُها الماكرةُ... غططتِ ذيلَّكِ بالسمنِ، ثم لَعَقْتِهِ ، لأنكِ لا تستطيعينِ إدخالَ رأسَكِ في الوعاء...‏

    ماءتِ القطَّةُ متألمةً: "مياو...مياو!!!.".‏

    شدَّتْ ذُكاءُ أُذُنَ شامةَ ثانيةً، ثم قالتْ قبلَ أن تُفلتَها:‏

    ـ لو كنتُ أعلمُ بفعلتِكِ هذهِ، لتركتُ الذبابةَ تلسعُكِ مائةَ مَرَّةٍ!..‏

    تخلصتْ شامةُ من يدِ ذُكاءَ، وانطلقتْ تعدو مسرعةً خجلى، وهي تحسُّ بذنْبها من دون أن تجرؤ على النظر إلى الخلف.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    نجحتُ. كنتُ الأولى في صفِّي. فرحتُ كثيراً. الجميعُ هنأوني.‏

    قَبَّلتني أُمي عدَّةَ مرَّاتٍ، واحتضنتني بين ذراعيها، وهي تردِّدُ "مبارك يا ليلى".‏

    كان أبي فرحاً أيضاً، فقدَّمَ لي هديةً في صندوقٍ أنيقٍ، ثم طلبَ مني أن أفتحَ الصندوقَ.‏

    فَكَكْتُ الشريطةَ الحمراءَ بهدوءٍ، وأبعدتُ ورقَ الغلافِ، فظهرَ الصندوقُ الأنيقُ، وعليهِ كِتابةٌ ذهبيةٌ بحروفٍ أجنبيةٍ، وعندما فتحتُهُ، وأنا أحسُّ بمتعةٍ كبيرةٍ، رأيتُ في داخلهِ سيَّارةً صغيرةً، تسيرُ بالبطاريةِ، جرَّبْتُها... سارتْ على أرضِ الغرفةِ. سريعةً جميلة، تُغَيِّر اتجاهها عندما تصطدمُ بشيءٍ ما. ازدادَ فرحي، وحملتُ سيَّارتي، وجلستُ أنظرُ إليها جيِّداً، وأنا أقولُ:‏

    ـ يا ألله.. ما أسعدني بالنجاحِ!!‏

    ثم حانت منِّي نظرةٌ إلى أسفلِ السيَّارةِ. فرأيتُ كتابةً أجنبيةً.‏

    سألتُ أبي عن معنى هذه الكتابةِ، فقالَ:‏

    ـ إنها تشيرُ إلى البلد الأجنبي الذي صنعَ السيَّارةَ.‏

    نظرتُ إلى أبي مستغربةً، وشعرتُ بعدمِ الرضى، ثم أخذتُ السيَّارةَ، وأعدْتُها إلى الصندوقِ، وغلَّفتُها بالورقِ، وربطتُها بالشريطةِ الحمراءِ، وقلتُ لأبي معتذرةً:‏

    ـ بابا... أرجو أن تعيدَ الهديةَ إلى البائعِ. لأني لا أحبُّ أن تكونَ بين يديَّ هديةٌ ليست من صنع وطني!...‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    خرجَ الأطفالُ إلى الساحةِ يلعبونَ كعادتهم كل مساءٍ بعد أن أدَّى كل واحدٍ منهم واجباته المدرسية. كانتْ ساحةُ الحيِّ واسعةً، وعلى جوانبها تقع الدورُ الصغيرةُ المبنيةُ من الطينِ أو المبنية من الحجارة والإسمنت والتي اتخذَ الأطفالُ منها مخابئَ لهم عند اللعب.‏

    كان الأطفالُ يحبُّون اللعبَ في هذا الوقتِ الممتعِ من آخرِ النهارِ، نظراً لجمالَ الطبيعةِ، وبرودةِ النسائمِ التي تنعشُ النفوسَ، وتجعلُ الجوَّ لطيفاً.‏

    عندما اجتمعَ الجميعُ ليلعبوا "الاستغماية" المحبَّبة في هذا المساءِ الجميلِ لم يجدوا "خالداً" بينهم، فقال أحدُهم متسائلاً :‏

    ـ أينَ خالدُ، لقد تعوَّدْنا أَنْ نلعبَ معه كل يوم، إنه ماهرٌ في اللعب، يعرفُ كيف يديرُ اللعبةَ ويتصرَّفُ كما يتصرفُ القائدُ الممتازُ في معركةٍ حربيةٍ.‏

    قالَ طفلٌ آخر: لنلعبِ الآن... وعندما يأتي سينضمُّ إلينا..‏

    قالَ طفلٌ ثالثٌ: لننتظرْ قليلاً، إنه لن يتأخر!.‏

    ولم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى جاء خالدٌ، ففرحَ الأطفالُ وصفَّقوا له، ثم ابتدأ تنظيمُ اللعبةِ.‏

    قالَ خالدٌ: أنتَ يا "سعيدُ" المعلِّمُ، وأنتما يا صالح وحسن اربطا منديلاً فوقَ عينيهِ...‏

    أما أنتم فليذهبْ كل واحدٍ منكم إلى جهةٍ، وليختبئْ في زاويةٍ معيّنةٍ.‏

    وبعدَ توزيعِ اللاعبينَ على الأمكنة. ذهب خالدٌ واختبأ في مكان لا يراهُ فيه سعيد.‏

    في هذه اللحظاتِ اقتربَ أحدُ الأطفالِ من سعيدٍ، وقال له: هل تريد أن تعرفَ أين يختبئُ كل لاعب.‏

    دُهِشَ سعيدٌ من كلام هذا الطفلِ الغريبِ وقال له:‏

    ـ ابتعدْ عني، سأبحثُ عنهم وأجدُهم بنفسي.‏

    قالَ الطفلُ وكان غريباً عن المجموعة:‏

    ـ ولكني سأُرْشِدُكَ إليهم وسأوفِّرُ عليكَ عَنَاءَ الجهدِ والتعبِ.‏

    قالَ سعيدٌ: حسناً، ليكنْ ذلك، تكلّمْ.‏

    أرشدَ الولدُ سعيداً إلى مخابئ الأطفال، فعرفهم بسهولةٍ واحداً واحداً، وبعد أن انتهت اللعبةُ وقفَ الجميعُ ، وتحلَّقوا حولَ سعيدٍ، قالَ بعضُهم:‏

    ـ إنكَ ماهرٌ يا سعيدُ في اللعبِ.‏

    وقالَ واحدٌ من الأطفالِ: سوف نطلقَ عليك لقبَ "سيّد الألعابِ".‏

    قالَ خالدٌ: ستكونُ المشرفَ على اللعبة بعدَ اليومِ، وستقومُ بتوزيعِ الأدوارِ على اللاعبين بدلاً منيَ.‏

    سكتَ سعيدٌ، ولم يردَّ على أحدٍّ، فقالَ خالدٌ متسائلاً:‏

    ـ مالكَ يا سعيدُ، كنَّا نتوقعُ أن تفرحَ وتكونَ سعيداً بعدما فُزتَ في لعبةِ هذا المساءِ، وأَصبحتَ بطلَ الأمسيّةِ وسيَّدَ اللعبةِ؟!..‏

    في هذه الأثناءِ تقدَّمَ الولدُ الغريبُ وقال:‏

    ـ أهنِئُكَ يا سعيدُ على الفوزِ، أنت بطل الساحةِ!...‏

    ثم مدَّ يدهُ مصافحاً، لكنَّ سعيداً نظرَ إليه باشمئزازٍ، وقالَ يُخاطبُ أَصدقاءه:‏

    ـ اسمعوا يا أصدقاء... إن لعبة اليوم كانت فاسدةً وملغاةً... انظروا إلى هذا الولدِ جيِّداً. إنه هو الذي أرشدني إلى أماكنكم التي كنتم تختبئون فيها. يجب أن تمنعوه من اللعب معنا فهو غشّاش.‏

    نظرَ الأطفالُ إلى الولدِ نظرةَ احتقارٍ، وقالوا بصوتٍ واحدٍ:‏

    هيَّا اخرجْ من ساحتناْ... اخرجْ أنتَ جاسوسٌ. جاسوس، ونحن لا نحب الجواسيس.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •