جزاكم الله خيرا يا ابا الحسن على ما أمتعتنا به من النقول الهامة التي لا يقدرها حق قدرها إلا متجردون أولو ألباب عشعش حب الحق في سويداء قلوبهم. نسأل الله أن يجعلنا منهم بكرمه و منته.
في الحقيقة أجد أن ما ذكره الأخ أبو الحسن كاف هنا و لكنني أحببت أن أشد من أزره و أشجعه على المضي في التصدي لتلك البدع التي أضرت و أفسدت و لا تزال تضر و تفسد في عقول المسلمين. فرأيت أن أشير هنا و باختصار غير مخل إن شاء الله تعالى إلى فكرة هامة و دقيقة لها تعلق مباشر بمباحث هذا الشريط
فأقول مستعينا بالله تعالى : أصل الخلاف في مسألة الكلام عائد إلى النزاع في الأفعال الإختيارية و عدم التفريق بين معانيها و لوازمها عند الإضافة. وهذا هو عين الخلاف في مسائل الصفات الأخرى حيث دأبت المبتدعة على الخلط ما بين الصفة و لوازمها عند الإضافة . فألجأهم هذا إلى تعطيل صفات الذات و الأفعال لأنهم اشتبه عليهم فيها المعنى بلازمه. وهكذا كلما كانت الصفة واضحة اللوازم عند الإضافة إلى المخلوق صار هؤلاء إلى تعطيلها إذا وصف الله بها. لأنهم استغلق عليهم التفريق بينها و بين مقتضياتها حين تضاف.
فإذا سمعوا قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: ينزل الله في كل ليلة إلى السماء الدنيا. قالوا : تنزل رحمته و من قال بالنزول الحقيقي فقد شبه الله بخلقه . و الحقيقة أنهم هم المشبهة لأنهم لم يفرقوا بين نزول الله و نزول البشر و جعلوا لوازم نزول البشر هي عين لوزام نزول الرب! وهذا من السفه و الحمق بلا شك ! فإن هذا يعني أن الحقيقة عندهم منحصرة في العالم المادي المخلوق! و إلا ما معنى قولهم : لا يتصور نزول بغير انتقال من مكان مخلوق إلى مكان مخلوق! لا تتصور اليد إلا جارحة ! و لا يتصور الإستواء إلا بمسافة أو مماسة ! الخ ... فصارت الحقائق عندهم موقوفة على تصورها و إلا عطلوها عن الوجود! أوليس هذا هو عين مذهب الإلحاد الذي يقوم على تعطيل كل ما غاب عن الحواس فلم يدرك بها ! أوليس التصور هو حاسة بشرية محدودة! أولا يعقل هؤلاء الفارق ما بين أن يكون الشيء معقول الوجود و بين أن يمكن تصوره!
هل يتصور هؤلاء وجود الله عزوجل أم يعقلون معناه فقط؟! فلماذا لا يكون إثباتهم للصفات هو كإثباتهم للوجود ليرتفع الخلاف و ينتهي به هذا النزاع؟!
فإذا رجعنا إلى صفة الكلام ، نجد أهل الأهواء فيها يقولون: الكلام يستلزم أصواتا و حروفا و تجددا للفعل في الذات الإلهية. وهو ما الزمته المعتزلة للأشاعرة و الكلابية. فقبلوا هذا منهم و صاروا إلى طريقة عجيبة غريبة يثبتون لله فيها كلاما نفسيا واحدا قديما ؛ جعلوا كلام الله الذي أوحاه إلى رسله و كلم به أنبياءه مجرد عبارة عنه أي عن الكلام النفسي.فموسى عندهم لم يسمع كلام الله تعالى و إنما سمع كلاما مخلوقا خلقه الله ليكون عبارة و دلالة على كلامه النفسي القديم. و الله عندهم لم يزل منذ الأزل يكلم موسى كلام نفسيا و يبقى إلى الأبد يكلمه كلاما نفسيا لا ينقطع!!! والله لم يزل يسأل إبليس لعنه الله قبل أمره بالسجود و بعده: ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ ) !!!
كل ذلك هربا من إثبات حوادث تحل بالذات على زعمهم ! فعطلوا صفة الغضب و الرضى و غيرها من الصفات الثابتة و تكلفوا في تأويلها و تعطيلها ما هو معلوم مشهور.
و آفتهم في هذا هو تشبيههم لهذه الصفات بالحوادث التي تقوم في الذات المخلوقة. فقالوا هذه الحوادث مخلوقة و كذا كل الحوادث!
وهذا لا يستقيم في العقل البتة لأن الحوادث التي تحل بالذات المخلوقة إنما كانت مخلوقة لأنها قائمة حالة في المخلوقات مفتقرة في قيامها إليها. بخلاف تلك التي تقوم في ذات غير مخلوقة. فالحادث المخلوق هو الذي يفتقر في قيامه إلى ذات مخلوقة . و لا تفتقر صفات الله عز وجل إلى هذا البتة. فهي بهذا غير مخلوقة و لا يلزم من إضافتها إلى الرب ما يزم من إضافتها إلى المخلوق!
ولذلك قال تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وهذا يدل على التجدد فمتى شاء الله عز وجل وجود كائن قال له : كن ، فيكون ذلك الكائن. و لهذا قال عز وجل : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )
وهذا كله و غيره مما لا يقع تحت الحصر دليل على أن الله يتكلم متى شاء بما شاء كما قال السلف.
و أختم بهذا النقل الهام عن حبر من أحبار السادة الشافعية مصنف سفر "البيان" الذي سبق و تحدثنا عنه في هذا المنتدى المبارك. يقول الإمام العمراني رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه :" الإنتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار" صفحة 582 وما بعدها ما نصه :
(استدلت القدرية والمعتزلة بقوله: لما كان القرآن حروفاً متغايرة يدخلها التعاقب والترتيب والتأليف ، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من المتكلم ومن له آله الكلام ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله فثبت أنه مخلوق.
فضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا ، فوافقوهم أن هذا القرآن الملتو المسموع مخلوق كما قالوا وادعوا أن هاهنا قرآناً قديماً! يوصف بأنه كلام الله ينتفي عنه ضده وهو المعنى القائم بنفسه فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآنا غيره. وادعت الأشعرية قرآناً وكلاماً لله لا يعقل ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد من أهل الملل والنحل فردهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستر بقول أصحاب الحديث وهو مذهب مسقف باطنه الاعتزال وظاهره التستر.
وأما الجواب عما أوردوه من الإستدلال فمن وجوه:
أحدها أن يقال لهم جميعاً: ما الدليل على أن الكلام إذا كان ذا تأليف وترتيب كان مخلوقاً ، فأنهم لا يجدون عليه دليلاً من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من الإجماع ممن قبلهم من أهل العلم ، فإن قالوا: لأنه بصفة كلام المخلوقين ، قلنا لهم ، فليس اجتماع الشيئين في صفة يدل على اجتماعها في جميع الصفات ، فيلزمكم أن لا تصفوا الله بأنه متكلم لهذا المعنى كما قالت المعتزلة ويلزم المعتزلة أن لا يصفوا الله بأنه موجود ولا شيء لأن ذلك صفات للمحدثات.
والجواب الثاني أن يقال لهم: قد ورد الشرع بأن كلام الله مرتب ، قوله تعالى : "الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ" و "ثم" للترتيب في كلام العرب ، ودليل العقل إذا خالف القرآن وجب تقديم دليل الكتاب على دليل العقل .
والجواب الثالث : أن أزمان إيجاد المخلوقات مترتبة شيء بعد شيء ، وقد أخبر الله سبحانه أنه يقول لكل شيء أراده منها "كن" فقال تعالى : "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" ، فأخبر أنه "قال" لعيسى "بعد" خلقه لآدم "كن" فمن قال: إنه لم يقل لكل واحد منهما "عند" خلقه "كن" فقد رد على الله خبره.) وهذا الكتاب هو تحقيق الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف ، و قد نال بتحقيقه هذا شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
هذا و الله أعلم و صلى الله على سيدنا و حبيبنا محمد و آله وعلى و أصحابه أجمعين