الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي
الرسالة الأولى:

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم
مولانا العلاَّمة الإمام، نَفَعَ المولى بعلومه الأنام، آمين.
أُهدي المقام من السَّلام أعْطَرُه، ومن الشَّوْق أوْفره، واْرغب أن أكون مشمولاً بأنظاركم الإكسيرية، وممنوحاً دعواتكم الخيرية الغيبية.
وقد كانت تشوقني مكاتبة سماحة الجناب، وتدعيم الروابط القلبية بالتراسل و الخطاب، بيد أني كنت أنتظر تفضُّل المولى لاسيما وهو أحرى بالفواضل أولى، بما كنت أقدمه لحضرته من بعض الرسائل بواسطة المرحوم الشيخ عبد العزيز السناني كريم الشمائل (1)، ولم يخل كتاب له من ذكر سلام السيد وأصحابه وإخوانه وأحبابه، فكنت أكتفي ببلاغ السلام، وأطمئن به على راحة المقام، أما وقد مضى الشيخ إلى رحمة الله فلم يبق إلا التواصل مع السيد أطال المولى بقاه.
مولاي: وردني في العام الماضي إلى دمشق سؤال من بعض البلاد إلى أحد الوجهاء، زعم مُرسله أنَّه من اليابان، وفيه طلب دليل على وجود الخالق علمي، وعلى بُطلان شُبه الماديين، وعلى غير ذلك مطالب غريبة، وكان نسخ السؤال غير واحد من الطلبة، وكادت الشُبه تعلق بالأذهان، وبقي النبهاء يرجون من ينتدب لحل مشكلاته، فَعُرِضَ على كثير من الأفاضل، فكان لكُلٍّ عذر ، ومنهم من أجاب مشافهةً، فرأيت من الواجب القيام بالمستطاع.
وقدر الحقَّ تعالى جمع ما كتبناه فيما سميناه " بدلائل التوحيد"(2)، وقد رغبنا أن يكون محاطاً بأنظاركم مشمولاً ببركتكم مع تنبيه على ما عسى أن زَّل به القلم، وأرجو إهداء بقية النسخ الغير المُعلمة إلى من ترون فيه الأهلية، أبقاكم المولى مظهراً للكمالات العلمية.
وسلامي إلى حضرة المفضال الأوحد علي الآلوسي، ( 3 ) ومن يسأل عنَّا، ورضي الله عنكم.
.................................................. .......... في 17شوال سنة 1326 دمشق
.................................................. .................... جمال الدين القاسمي
# وكثيراً ما كان المرحوم الشيخ عبد العزيز يخبرني برغبة سماحتكم في نسخ كتب شيخ الإسلام، وكتب السلف ثُمَّ تمثيلها للطبع، وأن لدى ناديكم من يبذل النفيس لذلك، وقد كتب لي الشيخ فرج الله الكردي أمدٍ أن ننسخ له جُزئي ( فتاوى الشيخ) الموجودين في خزانة الكتب العمومية عندنا، بيد أني انتظرت على أحد التجار وإحالة ناسخنا عليه، وإلى الآن لم يحضر جواب القبض فإذا رأيتم من يهتم بذلك فلدينا من ينسخ ولا يتأخر.
والآن لا يعوزنا إلاَّ من يجود من السمحاء لهذا المشروع، ولم أزل أعتب على كثير من أغنياء المذهب الأحمدي، فإنهم والحق يقال في قصور عجيب، وإن أخذ بعضهم الآن يتحمس، ولكن بقي من المهمات ما لا يذكر ما نشر في جانبه بشيء، وإني لأعتقد فيهم الخير والبركة والصلاح والرغبة في نفع الأمة، إلاَّ أنهم يعوزهم مذكر ناصح حكيم مثل سماحتكم، وإن كان مولانا لم يأل جُهداً، ولن يألو في هذا السبيل.
...............نفع الله به النفع الجزيل، وأراني بانتظار الجواب.
............................................والسلا م عليكم ورحمة الله وبركاته.
.................................................. ....................... جمال الدين
_________________________
(1) هو العالم الجليل سني الخصال الشيخ عبد العزيز بن محمد السِّناني، وُلد في عنيزة بالقصيم من بلدان نجد، وكان والده أحد العلماء الورعين، وأخذ عن بعض علماء بلده، ثُمَّ رحل إلى الشام وأخذ عن العلامة القاسمي، والشيخ عبد الرازق البيطار، وقد أحباه وأثنيا على علمه وفضله، ثُمَّ رحل إلى بغداد ولازم العلاَّمة محمود شكري الآلوسي، وتوفي ببغداد سنة ( 1326هـ)، وقد وهم ابن بسام في علماء نجد ( 3/ 503)، حيث ذكر أن وفاته سنة ( 1327هـ)، وتبعه على ذلك صاحب " روضة الناظرين" ( 1/ 277) . ( العجمي)
(2)
(3) هو الشيخ علي ابن العلامة خير الدين النعمان الآلوسي، توفي سنة 1340هـ، انظر ترجمته
في: ( أعلام العراق) للأثري ( ص 71)، و ( تاريخ علماء بغداد في القرن الرابع عشر) ليونس السامرائي ( ص 305).